Al-QasimiAl‑An'am · 6:75–78

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:75–78

6:75Page 137

وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ ٧٥

And thus did We show Abraham the realm of the heavens and the earth that he would be among the certain [in faith].

(p-٢٣٧١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٥] ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾

﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: نُطْلِعُهُ عَلى حَقائِقِهِما، ونُبَصِّرُهُ في دَلالَتِهِما عَلى شُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ، مِن حَيْثُ إنَّهُما بِما فِيهِما، مَرْبُوبانِ ومَمْلُوكانِ، لَهُ تَعالى. و(المَلَكُوتُ) مَصْدَرٌ عَلى زِنَةِ المُبالَغَةِ، كالرَّهَبُوتِ والجَبَرُوتِ، ومَعْناهُ: المُلْكُ العَظِيمُ، والسُّلْطانُ القاهِرُ. وقِيلَ: مَلَكُوتُهُما عَجائِبُهُما وبَدائِعُهُما. وقَدْ أسْلَفْنا الكَلامَ في (وكَذَلِكَ) قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا﴾ [الأنعام: ٥٣] وأنَّ مُخْتارَ الزَّمَخْشَرِيِّ كَوْنُهُ إشارَةً إلى مَصْدَرِ ما بَعْدَهُ، والكافُ مُقْحَمَةٌ، والتَّقْدِيرُ: تِلْكَ الإراءَةُ والتَّبْصِيرُ البَدِيعُ، نُرِيهِ ونُبْصِرُهُ. فَجَدَّدَ بِهِ عَهْدًا.

﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ لَمْ تُقْصَدْ بِعَيْنِها، إشْعارًا بِأنَّ لِتِلْكَ الإراءَةِ فَوائِدَ جَمَّةً، مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ.

قالَ المَهايِمِيُّ في الآيَةِ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِيَعْلَمَ أنَّ شَيْئًا مِن رُوحانِيّاتِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ والمَشايِخِ والشَّياطِينِ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ بِالتَّوْحِيدِ بِالِاسْتِدْلالِ بِالأدِلَّةِ الكَثِيرَةِ. وقِيلَ: ولِيَكُونَ عِلَّةٌ لِمُقَدَّرٍ هو عِبارَةٌ عَنِ المَذْكُورِ. أيْ: ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ بِالتَّوْحِيدِ، فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ الإراءَةِ والتَّبْصِيرِ بِآياتِ السَّماواتِ والأرْضِ.

لَطائِفُ:

الأُولى: قالَ الرّازِيُّ: وهَهُنا دَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وهي أنَّ نُورَ جَلالِ اللَّهِ تَعالى لائِحٌ غَيْرُ (p-٢٣٧٢)مُنْقَطِعٍ ولا زائِلٍ البَتَّةَ، والأرْواحُ البَشَرِيَّةُ، لا تَصِيرُ مَحْرُومَةً عَنْ تِلْكَ الأنْوارِ إلّا لِأجْلِ حِجابٍ، وذَلِكَ الحِجابُ لَيْسَ إلّا الِاشْتِغالُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ. فَبِقَدْرِ ما يَزُولُ ذَلِكَ الحِجابُ، يَحْصُلُ هَذا التَّجَلِّي. فَقَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إشارَةٌ إلى تَقْبِيحِ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ فَهو حِجابٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا زالَ ذَلِكَ الحِجابُ، لا جَرَمَ تَجَلّى لَهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ بِالتَّمامِ. فَقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ﴾ مَعْناهُ: وبَعْدَ زَوالِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ اللَّهِ حَصَلَ لَهُ نُورٌ تَجَلّى جَلالُ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ قَوْلُهُ: وكَذَلِكَ مَنشَأً لِهَذِهِ الفائِدَةِ الشَّرِيفَةِ الرُّوحانِيَّةِ.

الثّانِيَةُ: قالَ الرّازِيُّ: اليَقِينُ عِبارَةٌ عَنْ عِلْمٍ يَحْصُلُ بَعْدَ زَوالِ الشُّبْهَةِ بِسَبَبِ التَّأمُّلِ. ولِهَذا المَعْنى لا يُوصَفُ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى بِكَوْنِهِ يَقِينًا؛ لِأنَّ عِلْمَهُ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِالشُّبْهَةِ، وغَيْرُ مُسْتَفادٍ مِنَ الفِكْرِ والتَّأمُّلِ. واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ في أوَّلِ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ، فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ قَلْبُهُ عَنْ شَكٍّ وشُبْهَةٍ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَإذا كَثُرَتِ الدَّلائِلُ وتَوافَقَتْ وتَطابَقَتْ، صارَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ اليَقِينِ. وذَلِكَ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ يَحْصُلُ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الدَّلائِلِ نَوْعُ تَأثُّرٍ وقُوَّةٍ، فَلا تَزالُ القُوَّةُ تَتَزايَدُ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى الجَزْمِ.

الثّانِي: أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكَةِ. فَكَثْرَةُ الِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ المُخْتَلِفَةِ عَلى المَدْلُولِ الواحِدِ، جارٍ مَجْرى تَكْرارِ الدَّرْسِ الواحِدِ. فَكَما أنَّ كَثْرَةَ التَّكْرارِ تُفِيدُ الحِفْظَ المُتَأكَّدَ الَّذِي لا يَزُولُ عَنِ القَلْبِ، فَكَذا هَهُنا.

الثّالِثُ: أنَّ القَلْبَ عِنْدَ الِاسْتِدْلالِ كانَ مُظْلِمًا جِدًّا، فَإذا حَصَلَ فِيهِ الِاعْتِقادُ المُسْتَفادُ مِنَ الدَّلِيلِ الأوَّلِ، امْتَزَجَ نُورُ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ بِظُلْمَةِ سائِرِ الصِّفاتِ الحاصِلَةِ في القَلْبِ، فَحَصَلَ فِيهِ حالَةٌ شَبِيهَةٌ بِالحالَةِ المُمْتَزِجَةِ مِنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ، فَإذا حَصَلَ الِاسْتِدْلالُ الثّانِي امْتَزَجَ نُورُهُ بِالحالَةِ الأُولى، فَيَصِيرُ الإشْراقُ واللَّمَعانُ أتَمَّ. وكَما أنَّ الشَّمْسَ إذا قَرُبَتْ مِنَ المَشْرِقِ ظَهَرَ (p-٢٣٧٣)نُورُها في أوَّلِ الأمْرِ، وهو الصُّبْحُ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ الأوَّلُ يَكُونُ كالصُّبْحِ. ثُمَّ، كَما أنَّ الصُّبْحَ لا يَزالُ يَتَزايَدُ بِسَبَبِ تَزايُدِ قُرْبِ الشَّمْسِ مِن سَمْتِ الرَّأْسِ، فَإذا وصَلَتْ إلى سَمْتِ الرَّأْسِ حَصَلَ النُّورُ التّامُّ، فَكَذَلِكَ العَبْدُ كُلَّما كانَ تَدَبُّرُهُ في مَراتِبِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى أكْثَرَ، كانَ شُرُوقُ نُورِ المَعْرِفَةِ والتَّوْحِيدِ أجْلى. إلّا أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ شَمْسِ العِلْمِ، وشَمْسِ العالَمِ، أنَّ شَمْسَ العالَمِ الجُسْمانِيِّ لَها في الِارْتِقاءِ والتَّصاعُدِ حَدٌّ مُعَيَّنٌ، لا يُمْكِنُ أنْ يُزادَ عَلَيْهِ في الصُّعُودِ. وأمّا شَمْسُ المَعْرِفَةِ والعَقْلِ والتَّوْحِيدِ، فَلا نِهايَةَ لِتَصاعُدِها، ولا غايَةَ لِازْدِيادِها. فَقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى مَراتِبِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى دَرَجاتِ أنْوارِ التَّجَلِّي، وشُرُوقِ شَمْسِ المَعْرِفَةِ والتَّوْحِيدِ. انْتَهى.

الثّالِثَةُ: ذَكَرَ تَعالى الإراءَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مُجْمَلَةً، ثُمَّ فَصَّلَها بِقَوْلِهِ:

6:76Page 137

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ ٧٦

So when the night covered him [with darkness], he saw a star. He said, "This is my lord."1 But when it set, he said, "I like not those that set [i.e., disappear]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٦] ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾

﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: لَمّا رَأى - يَعْنِي إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - المَلَكُوتَ، وأيْقَنَ أنَّ شَيْئًا مِنها لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، أرادَ الرَّدَّ عَلى قَوْمِهِ في اعْتِقادِ إلَهِيَّتِها لِخِسَّتِها، بِاعْتِبارِ افْتِقارِها في أفْعالِها إلى أجْسامٍ لَها دَناءَةُ الأُفُولِ، وإنْ كانَتْ عُلْوِيَّةً، وكَذا في اعْتِقادِ إلَهِيَّةِ تِلْكَ الأجْسامِ. كَما رَدَّ عَلَيْهِمْ في اعْتِقادِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، فَلِتَظْهَرَ ظُهُورَ الكَواكِبِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها. انْتَهى.

وبِالجُمْلَةِ، فالآيَةُ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ اسْتِدْلالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ووُصُولِهِ إلى رُتْبَةِ الإيقانِ. ومَعْنى: جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ سَتَرَهُ بِظَلامِهِ. و(الكَوْكَبُ) قِيلَ: الزُّهْرَةُ، وقِيلَ: المُشْتَرِي.

(p-٢٣٧٤)أقُولُ: (الكَوْكَبُ) لُغَةً: النَّجْمُ. قالَ الزُّبَيْدِيُّ في "شَرْحِ القامُوسِ": وكَوْنُهُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الزُّهْرَةِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، وإنَّما هي الكَوْكَبَةُ بِالهاءِ. انْتَهى.

(p-٢٣٧٥)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ أبُوهُ وقَوْمُهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ فَأرادَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى الخَطَأِ في دِينِهِمْ، وأنْ يُرْشِدَهم إلى طَرِيقِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ويُعَرِّفَهم أنَّ النَّظَرَ الصَّحِيحَ مُؤَدٍّ إلى أنَّ شَيْئًا مِنها لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلَهًا، لِقِيامِ دَلِيلِ الحُدُوثِ فِيها وأنَّ وراءَها مُحْدِثًا أحْدَثَها، وصانِعًا صَنَعَها، ومُدَبِّرًا دَبَّرَ طُلُوعَها وأُفُولَها وانْتِقالَها ومَسِيرَها وسائِرَ أحْوالِها. وقَوْلُ إبْراهِيمَ لِقَوْمِهِ: هَذا رَبِّي إرْخاءٌ لِلْعِنانِ مَعَهم بِإظْهارِ مُوافَقَتِهِ لَهم أوَّلًا، ثُمَّ إبْطالِ قَوْلِهِمْ بِالِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ لِرُجُوعِ الخَصْمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُ إبْراهِيمَ ذَلِكَ. هو قَوْلُ مَن يُنْصِفُ خَصْمَهُ، مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ مُبْطِلٌ. يَحْكِي قَوْلَهُ كَما هو غَيْرَ مُتَعَصِّبٍ لِمَذْهَبِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أدْعى إلى الحَقِّ، وأنْجى مِنَ الشَّغَبِ. ثُمَّ يَكُرُّ عَلَيْهِ بَعْدَ حِكايَتِهِ، فَيُبْطِلُهُ بِالحُجَّةِ.

﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ: غابَ: ﴿قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ أيْ: لا أُحِبُّ عِبادَةَ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَإنَّ الأُفُولَ دَناءَةٌ تُنافِي الإلَهِيَّةَ، بَلْ تَمْنَعُ مِنَ المَيْلِ إلى صاحِبِها، فَضْلًا عَنِ اتِّخاذِهِ إلَهًا أوْ مَعْبُودًا، فَضْلًا عَمّا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ.

6:77Page 137

فَلَمَّا رَءَا ٱلۡقَمَرَ بَازِغٗا قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمۡ يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ ٧٧

And when he saw the moon rising, he said, "This is my lord." But when it set, he said, "Unless my Lord guides me, I will surely be among the people gone astray."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٧] ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾

﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ أيْ: طالِعًا مُنْتَشِرَ الضَّوْءِ: ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ عَلى الأُسْلُوبِ المُتَقَدِّمِ: ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ فَإنَّ ما رَأيْتُهُ لا يَلِيقُ بِالإلَهِيَّةِ لِدَناءَتِهِ بِمَحْوِهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِقَوْمِهِ عَلى أنَّ مَنِ اتَّخَذَ القَمَرَ إلَهًا، وهو نَظِيرُ الكَواكِبِ في الأُفُولِ، فَهو ضالٌّ. وأنَّ الهِدايَةَ إلى الحَقِّ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى ولُطْفِهِ.

وفِي "الِانْتِصافِ": التَّعْرِيضُ بِضَلالِهِمْ ثانِيًا أصْرَحُ وأقْوى مِن قَوْلِهِ أوَّلًا: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ وإنَّما تَرَقّى إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الخُصُومَ قَدْ أقامَتْ عَلَيْهِ، بِالِاسْتِدْلالِ الأوَّلِ، حُجَّةً فَأنِسُوا بِالقَدْحِ في مُعْتَقَدِهِمْ، ولَوْ قِيلَ هَذا في الأوَّلِ فَلَعَلَّهم كانُوا يَنْفِرُونَ، ولا يُصْغُونَ إلى الِاسْتِدْلالِ. فَما عَرَّضَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأنَّهم في ضَلالَةٍ، إلّا بَعْدَ أنْ وثِقَ بِإصْغائِهِمْ إلى تَمامِ المَقْصُودِ، واسْتِماعِهِمْ إلى آخِرِهِ. والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ تَرَقّى في النَّوْبَةِ الثّالِثَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِالبَراءَةِ مِنهُمْ، والتَّقْرِيعِ بِأنَّهم عَلى شِرْكٍ حِينَ تَمَّ قِيامُ الحُجَّةِ، وتَبَلَّجَ الحَقُّ، وبَلَغَ مِنَ الظُّهُورِ غايَةَ المَقْصُودِ. كَما قالَ تَعالى:

6:78Page 137

فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٧٨

And when he saw the sun rising, he said, "This is my lord; this is greater." But when it set, he said, "O my people, indeed I am free from what you associate with Allāh.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٨] ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾

﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ، وتَذْكِيرُ اسْمِ الإشارَةِ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ، أوْ لِأنَّهُ أرادَ: هَذا الطّالِعُ، أوِ الَّذِي أراهُ، أوْ لِصِيانَةِ الرَّبِّ عَنْ شُبْهَةِ التَّأْنِيثِ، لِيَسْتَدْرِجَهم. إذْ لَوْ حَقَّرَ بِوَجْهٍ ما كانَ سَبَبًا لِعَدَمِ إصْغائِهِمْ - وعَلى الأخِيرِ اقْتَصَرَ المَهايِمِيُّ - فَقالَ: لَمْ يُؤَنِّثْهُ لِئَلّا يُعارِضَ عَظَمَتَهَ نَقْصُ الأُنُوثَةِ، ولَوْ غَيْرَ حَقِيقَةٍ، وهي وإنْ كانَتْ في الواقِعِ لَمْ يَأْتِ بِها لَفْظًا؛ لِأنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ مُساعَدَةَ الخَصْمِ أوَّلًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا أكْبَرُ﴾ أيْ: أكْبَرُ الكَواكِبِ جِرْمًا، وأعْظَمُها قُوَّةً، فَهو أوْلى بِالإلَهِيَّةِ. وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما رامَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إظْهارِ النَّصَفَةِ، مَعَ إشارَةٍ خَفِيَّةٍ إلى فَسادِ دِينِهِمْ مِن جِهَةٍ أُخْرى، بِبَيانِ أنَّ الأكْبَرَ أحَقُّ بِالرُّبُوبِيَّةِ مِنَ الأصْغَرِ.

(p-٢٣٧٦)﴿فَلَمّا أفَلَتْ قالَ﴾ صادِعًا بِالحَقِّ: ﴿يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأجْرامِ المُحْدَثَةِ المُتَغَيِّرَةِ مِن حالَةٍ إلى أُخْرى، أوْ مِن إشْراكِكم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском