Al-QasimiAl‑An'am · 6:79–81

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:79–81

6:79Page 137

إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٧٩

Indeed, I have turned my face [i.e., self] toward He who created the heavens and the earth, inclining toward truth, and I am not of those who associate others with Allāh."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٩] ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ: وجَّهْتُ قَلْبِي ورُوحِي في المَحَبَّةِ والعِبادَةِ، بَلْ جَعَلَتْهُ مُسْلِمًا: ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ، والعَقائِدِ الزّائِغَةِ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

وفِي هَذا المَقامِ:

مَباحِثُ:

الأوَّلُ: تَوَسَّعَ المُفَسِّرُونَ هُنا في قَوْلِهِ: هَذا رَبِّي.

فَمِن قائِلٍ بِأنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذا آزَرُ، وأنَّهُ لَمّا قالَ ذَلِكَ، قالَ إبْراهِيمُ: لا أُحِبُّ الآفِلِينَ.

وقِيلَ: إنَّهُ إبْراهِيمُ. وكانَ ذَلِكَ في حالِ الطُّفُولِيَّةِ، قَبْلَ اسْتِحْكامِ النَّظَرِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي﴾ [الأنعام: ٧٧] رَبِّي ... إلَخْ.

وقِيلَ: بَعْدَ بُلُوغِهِ وتَكْرِيمِهِ بِالرِّسالَةِ. إلّا أنَّهُ أرادَ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ، تَوْبِيخًا لِقَوْمِهِ، فَحَذَفَ الهَمْزَةَ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.

وقِيلَ: عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ: يَقُولُونَ هَذا رَبِّي، وإضْمارُ القَوْلِ كَثِيرٌ.

وقِيلَ: المَعْنى في زَعْمِكم واعْتِقادِكم. وقِيلَ: الإخْبارُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ... إلى أقْوالٍ أُخَرَ.

والقَصْدُ في ذَلِكَ تَنْزِيهُ مَقامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الشَّكِّ والحَيْرَةِ، واعْتِقادِ رُبُوبِيَّةِ ذَلِكَ، لِمُنافاتِهِ لِلْعِصْمَةِ.

(p-٢٣٧٧)وأقُولُ: هَذا مُسَلَّمٌ بِلا رَيْبٍ، ولَكِنَّ الأوْجَهَ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ كُلِّهِ ما أسْلَفْناهُ أوَّلًا مِن أنَّ قَوْلَهُ: هَذا رَبِّي مِن بابِ اسْتِعْمالِ النَّصَفَةِ مَعَ الخُصُومِ، عَلى سَبِيلِ الوَضْعِ، وهو سَوْقٌ مُقَدِّمَةٍ في الدَّلِيلِ لا يَعْتَقِدُها، لِكَوْنِها مُسَلَّمَةً عِنْدَ غَيْرِهِ، لِأجْلِ إلْزامِهِ بِها. وهو مُصْطَلَحُ أهْلِ الجَدَلِ. وقَدِ اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى هَذا الوَجْهِ الفَرِيدِ.

قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": وذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ. وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ الوارِدِ في الشَّفاعَةِ أنَّهم يَأْتُونَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَيَلْتَمِسُونَ مِنهُ الشَّفاعَةَ، فَيَقُولُ: نَفْسِي! نَفْسِي! ويَذْكُرُ كِذْباتِهِ الثَّلاثَ، ويَقُولُ: لَسْتُ لَها، يُرِيدُ قَوْلَهُ لِسارَّةَ: هي أُخْتِي، وإنَّما عَنى: في الإسْلامِ، وقَوْلَهُ: إنَّهُ سَقِيمٌ، وإنَّما عَنى هَمَّهُ بِقَوْمِهِ وبِشِرْكِهِمْ، والمُؤْمِنُ يُسْقِمُهُ ذَلِكَ - وقَوْلَهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم، وقَدْ ذُكِرَتْ فِيهِ وُجُوهٌ مِنَ التَّعْرِيضِ. فَإذا عَدَّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ عَلى نَفْسِهِ هَذِهِ الكَلِماتِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِها، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ ما صَدَرَ مِنهُ. فَلَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما يُقالُ، مِن أنَّ هَذا الكَلامَ مَحْكِيٌّ عَنْهُ عَلى أنَّهُ نَظَرُهُ لِنَفْسِهِ، لَكانَ أوْلى أنْ يَعُدَّهُ، وأعْظَمَ، مِمّا ذَكَرْناهُ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ شَكًّا، بَلْ جَزْمًا. عَلى أنَّ الصَّحِيحَ أنَّ الأنْبِياءَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مَعْصُومُونَ مِن ذَلِكَ، انْتَهى.

وقالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا المَقامِ، هَلْ هو مَقامُ نَظَرٍ أوْ مُناظَرَةٍ؟ فَرَوى ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي أنَّهُ مَقامُ نَظَرٍ. واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي الآيَةَ... وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: قالَ ذَلِكَ حِينَ خَرَجَ مِنَ السَّرَبِ الَّذِي ولَدَتْهُ فِيهِ أُمُّهُ، حِينَ تَخَوَّفَتْ عَلَيْهِ مِن نَمْرُوذَ بْنِ كَنْعانَ (p-٢٣٧٨)لَمّا كانَ قَدْ أُخْبِرَ بِوُجُودِ مَوْلُودٍ يَكُونُ ذَهابُ مُلْكِهِ عَلى يَدَيْهِ، فَأمَرَ بِقَتْلِ الغِلْمانِ عامَئِذٍ. فَلَمّا حَمَلَتْ أُمُّ إبْراهِيمَ بِهِ، وحانَ وضْعُها، ذَهَبَتْ إلى سَرَبٍ، ظاهِرَ البَلْدَةِ، فَوَلَدَتْ فِيهِ إبْراهِيمَ، وتَرَكَتْهُ هُناكَ. وذَكَرَ أشْياءَ مِن خَوارِقِ العاداتِ، كَما ذَكَرَها غَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ. ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والحَقُّ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ في هَذا المَقامِ مُناظِرًا لِقَوْمِهِ، مُبَيِّنًا لَهم بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ الهَياكِلِ والأصْنامِ، فَبَيَّنَ، في المَقامِ الأوَّلِ مَعَ أبِيهِ، خَطَأهم في عِبادَةِ الأصْنامِ الأرْضِيَّةِ، الَّتِي هي عَلى صُورَةِ المَلائِكَةِ السَّماوِيَّةِ لِيَشْفَعُوا لَهُ إلى الخالِقِ العَظِيمِ الَّذِي هم عِنْدَ أنْفُسِهِمْ أحْقَرُ مِن أنْ يَعْبُدُوهُ، وإنَّما يَتَوَسَّلُونَ إلَيْهِ بِعِبادَةِ مَلائِكَتِهِ، لِيَشْفَعُوا لَهم عِنْدَهُ في الرِّزْقِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، وبَيَّنَ في هَذا المَقامِ خَطَأهم وضَلالَهم في عِبادَةِ الهَياكِلِ، وهي الكَواكِبُ السَّيّارَةُ السَّبْعَةُ. وأشَدُّهُنَّ إضاءَةً وأشْرَفُهُنَّ عِنْدَهُمْ، الشَّمْسُ ثُمَّ القَمَرُ ثُمَّ الزُّهْرَةُ. فَبَيَّنَ أوَّلًا -صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ- أنَّ هَذِهِ الزُّهْرَةَ لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَإنَّها مُسَخَّرَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِسَيْرٍ مُعَيَّنٍ، لا تَزِيغُ عَنْهُ، ولا تَمْلِكُ لِنَفْسِها تَصَرُّفًا، بَلْ هي جِرْمٌ مِنَ الأجْرامِ، خَلَقَها اللَّهُ مُنِيرَةً، لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ العَظِيمَةِ، وهي تَطْلُعُ مِنَ المَشْرِقِ، ثُمَّ تَسِيرُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ المَغْرِبِ، حَتّى تَغِيبَ عَنِ الأبْصارِ فِيهِ، ثُمَّ تَبْدُو في اللَّيْلَةِ القابِلَةِ عَلى هَذا المِنوالِ. وهَذِهِ لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ. ثُمَّ بَيَّنَ في القَمَرِ ما بَيَّنَ في النَّجْمِ، ثُمَّ الشَّمْسِ كَذَلِكَ. فَلَمّا انْتَفَتِ الإلَهِيَّةُ عَنْ هَذِهِ الأجْرامِ الثَّلاثَةِ، الَّتِي هي أنْوَرُ ما تَقَعُ عَلَيْهِ الأبْصارُ، وتَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ القاطِعِ، تَبَرَّأ مِن عِبادَتِهِنَّ ومُوالاتِهِنَّ، وأخْبَرَ بِأنَّهُ يَعْبُدُ خالِقَهُنَّ ومُسَخِّرَهُنَّ.

ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ناظِرًا في هَذا المَقامِ، وهو الَّذِي قالَ اللَّهُ في حَقِّهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] ﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١]

(p-٢٣٧٩)وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ»» .

وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِياضِ بْنِ حِمارٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««قالَ اللَّهُ تَعالى: إنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ»» . وقالَ تَعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] وقالَ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ومَعْناهُ -عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ- كَقَوْلِهِ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] فَإذا كانَ هَذا في حَقِّ سائِرِ الخَلِيقَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ (p-٢٣٨٠)الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ: أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ ناظِرًا في هَذا المَقامِ؟ بَلْ هو أوْلى النّاسِ بِالفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، والسَّجِيَّةِ المُسْتَقِيمَةِ، بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِلا شَكٍّ ولا رَيْبٍ.

ومِمّا يُؤَيِّدُ أنَّهُ كانَ في هَذا المَقامِ مُناظِرًا لِقَوْمِهِ فِيما كانُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ، لا ناظِرًا، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ [الأنعام: ٨٠] الآيَةُ الآتِيَةُ. انْتَهى.

ومِمَّنْ جَوَّدَ هَذا المَبْحَثَ الجَلِيلَ، وبَيَّنَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مُناظِرًا لِقَوْمِهِ، العَلّامَةُ الشِّهْرِسْتانِيُّ في كِتابِهِ "المِلَلُ والنِّحَلُ"، ونَحْنُ نَسُوقُهُ عَنْهُ تَأْيِيدًا لِهَذا البَحْثِ المُهِمِّ، وتَعَرُّفًا بِمُعْتَقَدِ قَوْمِهِ، وما دَفَعَهم إلَيْهِ، لِما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ.

قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَحْتَ تَرْجَمَةِ "أصْحابِ الهَياكِلِ والأشْخاصِ": هَؤُلاءِ مِن فِرَقِ الصّابِئَةِ (وهُمُ المُتَعَصِّبُونَ لِلرُّوحانِيِّينَ)، وقَدْ أدْرَجَنا مَقالَتَهم في المُناظَراتِ جُمْلَةً، ونَذْكُرُها هَهُنا تَفْصِيلًا:

اعْلَمْ أنَّ أصْحابَ الرُّوحانِيّاتِ، لَمّا عَرَفُوا أنْ لا بُدَّ لِلْإنْسانِ مِن مُتَوَسِّطٍ، ولا بُدَّ لِلْمُتَوَسِّطِ مِن أنْ يُرى فَيُتَوَجَّهُ إلَيْهِ لِلتَّقَرُّبِ بِهِ، ويُسْتَفادُ مِنهُ، فَزِعُوا إلى الهَياكِلِ الَّتِي هي السَّيّاراتُ السَّبْعُ، فَتَعَرَّفُوا أوَّلًا بُيُوتَها ومَنازِلَها، وثانِيًا مَطالِعَها ومَغارِبَها، وثالِثًا اتِّصالاتِها عَلى أشْكالِ المُوافَقَةِ والمُخالَفَةِ، مُرَتَّبَةً عَلى طَبائِعِها، ورابِعًا تَقْسِيمَ الأيّامِ واللَّيالِي والسّاعاتِ عَلَيْها، وخامِسًا تَقْدِيرَ الصُّوَرِ والأشْخاصِ والأقالِيمِ والأمْصارِ عَلَيْها، فَعَمِلُوا الخَواتِيمَ، وتَعَلَّمُوا العَزائِمَ والدَّعَواتِ، وعَيَّنُوا لِيَوْمِ زُحَلَ مَثَلًا يَوْمَ السَّبْتِ، وراعَوْا فِيهِ ساعَتَهُ الأُولى، وتَخَتَّمُوا بِخاتَمِهِ المَعْمُولِ عَلى صُورَتِهِ وصِفَتِهِ، ولَبِسُوا اللِّباسَ الخاصَّ بِهِ، وبَخَّرُوا بِبَخُورِهِ الخاصِّ، ودَعَوْا بِدَعَواتِهِ الخاصَّةِ، وسَألُوا حاجاتِهِمْ مِنهُ، الحاجَةَ الَّتِي تُسْتَدْعى مِن زُحَلَ مِن أفْعالِهِ وآثارِهِ الخاصَّةِ بِهِ.

وكَذاكَ رَفْعُ الحاجَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالمُشْتَرِي في يَوْمِهِ وساعَتِهِ، وجَمِيعِ الإضافاتِ الَّتِي (p-٢٣٨١)ذَكَرْنا إلَيْهِ. وكَذَلِكَ سائِرُ الحاجاتِ إلى الكَواكِبِ. وكانُوا يُسَمُّونَها: أرْبابًا آلِهَةً، واللَّهُ تَعالى هو رَبُّ الأرْبابِ، وإلَهُ الآلِهَةِ. ومِنهم مَن جَعَلَ الشَّمْسَ إلَهَ الآلِهَةِ ورَبَّ الأرْبابِ، فَكانُوا يَتَقَرَّبُونَ إلى الهَياكِلِ، تَقَرُّبًا إلى الرُّوحانِيّاتِ - يَعْنِي المَلائِكَةَ - ويَتَقَرَّبُونَ إلى الرُّوحانِيّاتِ، تَقَرُّبًا إلى البارِئِ تَعالى، لِاعْتِقادِهِمْ بِأنَّ لِكُلِّ رُوحانِيٍّ هَيْكَلًا، ولِكُلِّ هَيْكَلٍ فَلَكًا، فالهَياكِلُ أبْدانُ الرُّوحانِيّاتِ، ونِسْبَتُها إلى الرُّوحانِيّاتِ نِسْبَةُ أجْسادِنا إلى أرْواحِنا فَهُمُ الأحْياءُ النّاطِقُونَ بِحَياةِ الرُّوحانِيّاتِ، وهي أرْبابُها ومُدَبِّراتُها، تَتَصَرَّفُ في أبْدانِها تَدْبِيرًا وتَصْرِيفًا وتَحْرِيكًا، كَما يُتَصَرَّفُ في أبْدانِنا. ولا شَكَّ أنَّ مَن تَقَرَّبَ إلى شَخْصٍ فَقَدْ تَقَرَّبَ إلى رُوحِهِ. ثُمَّ اسْتَخْرَجُوا مِن عَجائِبِ الحِيَلِ المُرَتَّبَةِ عَلى عَمَلِ الكَواكِبِ ما كانَ يُقْضى مِنهُمُ العَجَبُ. وهَذِهِ الطَّلْسَماتُ المَذْكُورَةُ في الكُتُبِ والسِّحْرُ والكِهانَةُ والتَّخْتِيمُ والتَّعْزِيمُ والخَواتِيمُ والصُّوَرُ، كُلُّها مِن عُلُومِهِمْ.

وأمّا أصْحابُ الأشْخاصِ فَقالُوا: إذا كانَ لا بُدَّ مِن مُتَوَسِّطٍ يُتَوَسَّلُ بِهِ، وشَفِيعٍ يُتَشَفَّعُ إلَيْهِ، والرُّوحانِيّاتُ وإنْ كانَتْ هي الوَسائِلَ، لَكِنّا إذا لَمْ نَرَها بِالأبْصارِ، ولَمْ نُخاطِبْها بِالألْسُنِ، لَمْ يَتَحَقَّقِ القُرْبُ إلَيْها إلّا بِهَياكِلِها، ولَكِنَّ الهَياكِلَ قَدْ تُرى في وقْتٍ، ولا تُرى في وقْتٍ؛ لِأنَّ لَها طُلُوعًا وأُفُولًا، وظُهُورًا بِاللَّيْلِ، وخَفاءً بِالنَّهارِ، فَلَمْ يَصْفُ لَنا التَّقَرُّبُ بِها، والتَّوَجُّهُ إلَيْها، فَلا بُدَّ لَنا مِن صُوَرٍ وأشْخاصٍ مَوْجُودَةٍ قائِمَةٍ مَنصُوبَةٍ نُصْبَ أعْيُنِنا، فَنَعْكُفُ عَلَيْها، ونَتَوَسَّلُ بِها إلى الهَياكِلِ، فَنَتَقَرَّبُ بِها إلى الرُّوحانِيّاتِ، ونَتَقَرَّبُ بِالرُّوحانِيّاتِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَنَعْبُدُهم لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، فاتَّخَذُوا أصْنامًا أشْخاصًا عَلى مِثالِ الهَياكِلِ السَّبْعَةِ، كُلُّ شَخْصٍ في مُقابَلَةِ هَيْكَلٍ، وراعَوْا في ذَلِكَ جَوْهَرَ الهَيْكَلِ، أعْنِي الجَوْهَرَ الخاصَّ بِهِ مِنَ الحَدِيدِ وغَيْرِهِ، وصَوَّرُوهُ بِصُورَتِهِ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي تَصْدُرُ أفْعالُهُ عَنْهُ، وراعَوْا في ذَلِكَ الزَّمانَ والوَقْتَ والسّاعَةَ والدَّرَجَةَ والدَّقِيقَةَ وجَمِيعَ الإضافاتِ النُّجُومِيَّةِ، مِنَ اتِّصالٍ مَحْمُودٍ يُؤَثِّرُ في نَجاحِ المَطالِبِ الَّتِي تُسْتَدْعى مِنهُ، فَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ في يَوْمِهِ وساعَتِهِ، وتَبَخَّرُوا بِالبَخُورِ الخاصِّ بِهِ وتَخَتَّمُوا بِخاتَمِهِ، ولَبِسُوا ثِيابَهُ، وتَضَرَّعُوا بِدُعائِهِ، وعَزَمُوا (p-٢٣٨٢)بِعَزائِمِهِ، وسَألُوا حاجَتَهم مِنهُ، فَيَقُولُونَ: كانَ تُقْضى حَوائِجُهم بَعْدَ رِعايَةِ هَذِهِ الإضافاتِ كُلِّها، وذَلِكَ هو الَّذِي أخْبَرَ التَّنْزِيلُ عَنْهُ أنَّهم عَبَدَةُ الكَواكِبِ والأوْثانِ، فَأصْحابُ الهَياكِلِ هم عَبَدَةُ الكَواكِبِ، إذْ قالُوا بِإلَهِيَّتِها - كَما شَرَحْنا - وأصْحابُ الأشْخاصِ هم عَبَدَةُ الأوْثانِ، إذْ سَمَّوْها آلِهَةً في مُقابِلِ آلِهَةِ أُولَئِكَ السَّماوِيَّةِ، وقالُوا: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ. وقَدْ ناظَرَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، فابْتَدَأ بِكَسْرِ مَذْهَبِ أصْحابِ الأشْخاصِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣] وتِلْكَ الحُجَّةُ أنْ كَسَرَهم قَوْلًا بِقَوْلِهِ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ولَمّا كانَ أبُوهُ آزَرَ هو أعْلَمَ القَوْمِ بِعَمَلِ الأشْخاصِ والأصْنامِ ورِعايَةِ الإضافاتِ النُّجُومِيَّةِ فِيها حَقَّ الرِّعايَةِ، ولِهَذا كانُوا يَشْتَرُونَ مِنهُ الأصْنامَ، لا مِن غَيْرِهِ، كانَ أكْثَرُ الحُجَجِ مَعَهُ، وأقْوى الإلْزاماتِ عَلَيْهِ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] وقالَ: ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] لِأنَّكَ جَهَدْتَ كُلَّ الجَهْدِ، واسْتَعْمَلْتَ كُلَّ العِلْمِ، حَتّى عَمِلْتَ أصْنامًا في مُقابَلَةِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ فَما بَلَغَتْ قُوَّتُكَ العِلْمِيَّةُ والعَمَلِيَّةُ إلى أنْ تُحْدِثَ فِيها سَمْعًا وبَصَرًا، وأنْ تُغْنِيَ عَنْكَ وتَضُرَّ وتَنْفَعَ، وإنَّكَ بِفِطْرَتِكَ وخِلْقَتِكَ أشْرَفُ دَرَجَةً مِنها، لِأنَّكَ خُلِقْتَ سَمِيعًا بَصِيرًا ضارًّا نافِعًا، والآثارُ السَّماوِيَّةُ فِيكَ أظْهَرُ مِنها في هَذا المُتَّخَذِ تَكَلُّفًا، والمَعْمُولِ تَصَنُّعًا، فَيا لَها مِن حَيْرَةٍ، إذْ صارَ المَصْنُوعُ بِيَدَيْكَ مَعْبُودًا لَكَ، والصّانِعُ أشْرَفُ مِنَ المَصْنُوعِ يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ: (p-٢٣٨٣)﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ﴾ [مريم: ٤٦] فَلَمْ يَقْبَلْ حُجَّتَهُ القَوْلِيَّةَ. فَعَدَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الكَسْرِ بِالفِعْلِ، فَجَعَلَهم جُذاذًا، إلّا كَبِيرًا لَهُمْ: ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٩] ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٤] ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥] فَأفْحَمَهم بِالفِعْلِ حَيْثُ أحالَ الفِعْلَ عَلى كَبِيرِهِمْ، كَما أفْحَمَهم بِالقَوْلِ، حَيْثُ أحالَ الفِعْلَ مِنهُمْ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الإلْزامِ عَلَيْهِمْ، وإلّا فَما كانَ الخَلِيلُ كاذِبًا قَطُّ، ثُمَّ عَدَلَ إلى كَسْرِ مَذاهِبِ أصْحابِ الهَياكِلِ كَما أراهُ اللَّهُ تَعالى الحُجَّةَ عَلى قَوْمِهِ، قالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَأطْلَعَهُ عَلى مَلَكُوتِ الكَوْنَيْنِ والعالَمَيْنِ تَشْرِيفًا لَهُ عَلى الرُّوحانِيّاتِ وهَياكِلِها، وتَرْجِيحًا لِمَذْهَبِ الحُنَفاءِ عَلى مَذْهَبِ الصّابِئَةِ، وتَقْرِيرًا أنَّ الكَمالَ في الرِّجالِ، فَأقْبَلَ عَلى إبْطالِ مَذْهَبِ أصْحابِ الهَياكِلِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] عَلى مِيزانِ إلْزامِهِ عَلى أصْحابِ الأصْنامِ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا وإلّا فَما كانَ الخَلِيلُ كاذِبًا في هَذا القَوْلِ، ولا مُشْرِكًا في تِلْكَ الإشارَةِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِالأُفُولِ والزَّوالِ والتَّغَيُّرِ والِانْتِقالِ، بِأنَّهُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ رَبًّا إلَهًا، فَإنَّ الإلَهَ القَدِيمَ لا يَتَغَيَّرُ، وإذا تَغَيَّرَ فاحْتاجَ إلى مُغَيِّرٍ، وهَذا لَوِ اعْتَقَدْتُمُوهُ رَبًّا قَدِيمًا وإلَهًا أزَلِيًّا، ولَوِ اعْتَقَدْتُمُوهُ واسِطَةً وقِبْلَةً وشَفِيعًا ووَسِيلَةً، فالأُفُولُ والزَّوالُ أيْضًا، يُخْرِجُهُ عَنِ الكَمالِ. وعَنْ هَذا (p-٢٣٨٤)ما اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالطُّلُوعِ، وإنْ كانَ الطُّلُوعُ أقْرَبَ إلى الحُدُوثِ مِنَ الأُفُولِ، فَإنَّهم إنَّما انْتَقَلُوا إلى الأشْخاصِ، لِما عَراهم مِنَ التَّحَيُّرِ بِالأُفُولِ، فَأتاهُمُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَيْثُ تَحَيُّرُهُمْ، فاسْتَدَلَّ عَلَيْهِمْ بِما اعْتَرَفُوا بِصِحَّتِهِ، وذَلِكَ أبْلَغُ في الِاحْتِجاجِ. ثُمَّ: فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا ﴿قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧] فَيا عَجَبًا! مَن لا يَعْرِفُ رَبًّا كَيْفَ يَقُولُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧] ؟ رُؤْيَةُ الهِدايَةِ مِنَ الرَّبِّ تَعالى غايَةُ التَّوْحِيدِ، ونِهايَةُ المَعْرِفَةِ، والواصِلُ إلى الغايَةِ والنِّهايَةِ، كَيْفَ يَكُونُ في مَدارِجِ البِدايَةِ؟ دَعْ هَذا كُلَّهُ خَلْفَ قافٍ، وارْجِعْ بِنا إلى ما هو شافٍ كافٍ؛ فَإنَّ المُوافَقَةَ في العِبارَةِ عَلى طَرِيقِ الإلْزامِ عَلى الخَصْمِ مِن أبْلَغِ الحُجَجِ، وأوْضَحِ المَناهِجِ. وعَنْ هَذا قالَ: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ﴾ [الأنعام: ٧٨] لِاعْتِقادِ القَوْمِ أنَّ الشَّمْسَ مَلِكُ الفَلَكِ، وهو رَبُّ الأرْبابِ الَّذِي يَقْتَبِسُونَ مِنهُ الأنْوارَ، ويَقْبَلُونَ مِنهُ الآثارَ: ﴿فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨] ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ قَرَّرَ مَذْهَبَ الحُنَفاءِ، وأبْطَلَ مَذْهَبَ الصّابِئَةِ، وبَيَّنَ أنَّ الفِطْرَةَ هي الحَنِيفِيَّةُ، وأنَّ الطَّهارَةَ فِيها، وأنَّ الشَّهادَةَ بِالتَّوْحِيدِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْها، وأنَّ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ مَبْعُوثَةٌ لِتَقْرِيرِها وتَقْدِيرِها، وأنَّ الفاتِحَةَ والخاتِمَةَ، والمَبْدَأ والكَمالَ، مَنُوطَةٌ بِتَلْخِيصِها وتَحْرِيرِها. ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ، والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، والمَنهَجُ الواضِحُ، والمَسْلَكُ اللّائِحُ. انْتَهى كَلامُ الشِّهْرِسْتانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. وإنَّما نَقَلْتُ كَلامَهُ بِرُمَّتِهِ؛ لِأنَّهُ كَما قِيلَ:

؎وما مَحاسِنُ شَيْءٍ كُلُّهُ حَسَنُ

وقَدْ قَدَّمَ رَحِمَهُ اللَّهُ الكَلامَ عَلى أصْحابِ الرُّوحانِيّاتِ الصّابِئَةِ، وأتْبَعَها بِمُناظَرَةٍ بَدِيعَةٍ جَرَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الحُنَفاءِ، بِما تُفِيدُ مُراجَعَتُهُ فائِدَةً كُبْرى. فَجَزاهُ اللَّهُ خَيْرًا.

(p-٢٣٨٥)الثّانِي: تَبَيَّنَ مِمّا ذَكَرَهُ الشِّهْرِسْتانِيُّ أنَّ سِرَّ احْتِجاجِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالأُفُولِ دُونَ البُزُوغِ، مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مُنافِيًا لِاسْتِحْقاقِ مَعْرُوضِهِ لِلرُّبُوبِيَّةِ - هو إتْيانُهم مِن حَيْثُ تَحَيُّرُهُمْ، إلْزامًا لَهم بِما يَعْتَرِفُونَ بِصِحَّتِهِ.

وقالَ أبُو السُّعُودِ: لَمّا كانَ البُزُوغُ حالَةً مُوجِبَةً لِظُهُورِ الآثارِ والأحْكامِ، مُلائِمَةً لِتَوَهُّمِ الِاسْتِحْقاقِ في الجُمْلَةِ - عَدَلَ عَنْهُ إلى الأُفُولِ؛ لِأنَّهُ حالَةٌ مُقْتَضِيَةٌ لِانْطِماسِ الآثارِ، وبُطْلانِ الأحْكامِ المُنافِيَيْنِ لِلِاسْتِحْقاقِ المَذْكُورِ مُنافاةً بَيِّنَةً، يَكادُ يَعْتَرِفُ بِها كُلُّ مُكابِرٍ عَنِيدٍ. انْتَهى. وهو لَطِيفٌ إلّا أنَّ الأوَّلَ أسَدُّ.

الثّالِثُ: لَوْ قِيلَ: إنَّ الأُفُولَ، لَمّا كانَ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِحْقاقِ مَعْرُوضِهِ لِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلى ما ذَكَرْنا، وقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ في أكْبَرِ الكَواكِبِ - (أعْنِي الشَّمْسَ) - فَلَزِمَ ثُبُوتُهُ فِيما دُونَها بِالأوْلى: فَهَلّا اقْتَصَرَ عَلى أُفُولِ الشَّمْسِ رِعايَةً لِلْإيجازِ والِاخْتِصارِ؟ أُجِيبَ: بِأنَّ الأخْذَ مِنَ الأدْنى فالأدْنى، إلى الأعْلى، لَهُ نَوْعُ تَأْثِيرٍ في التَّقْرِيرِ والبَيانِ والتَّأْكِيدِ، لا يَحْصُلُ مِن غَيْرِهِ، فَكانَ سَوْقُ الِاسْتِدْلالِ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى - أفادَهُ الرّازِيُّ -.

الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الدِّينَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى الدَّلِيلِ، لا عَلى التَّقْلِيدِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِهَذا الِاسْتِدْلالِ فائِدَةٌ البَتَّةَ.

6:80Page 137

وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٨٠

And his people argued with him. He said, "Do you argue with me concerning Allāh while He has guided me? And I fear not what you associate with Him [and will not be harmed] unless my Lord should will something. My Lord encompasses all things in knowledge; then will you not remember?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٠] ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ أيْ: جادَلُوهُ، وأرادُوا مُغالَبَتَهُ بِالحُجَّةِ، فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ، ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ، تارَةً بِأدِلَّةٍ فاسِدَةٍ واقِفَةٍ في حَضِيضِ التَّقْلِيدِ، وأُخْرى بِالتَّخْوِيفِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى جَوابِ كُلٍّ مِنهُما. ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾ أيْ: أتُجادِلُونَنِي في تَوْحِيدِهِ، وقَدْ هَدانِي لِإقامَةِ الحُجَجِ، ورَفْعِ الشُّبَهِ عَلى نَفْيِ إلَهِيَّةِ ما سِواهُ، (p-٢٣٨٦)وقَدْ ثَبَتَ أنَّها ناقِصَةٌ في ذَواتِها، فَكَمالاتُها مِن غَيْرِها، ولا إلَهِيَّةَ لِلنّاقِصِ بِالذّاتِ؛ لِأنَّ كَمالَهُ لا يَكُونُ مُطْلَقًا، و(تُحاجُّونِّي) بِإدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ، وقُرِئَ بِحَذْفِ الأُولى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ أيْ: لا أخافُ مَعْبُوداتِكُمْ؛ لِأنَّها جَماداتٌ لا تَضُرُّ بِنَفْسِها ولا تَنْفَعُ، وهو جَوابٌ عَمّا خَوَّفُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في أثْناءِ المُحاجَّةِ مِن إصابَةِ مَكْرُوهٍ مِن جِهَةِ أصْنامِهِمْ، كَما قالَ لِهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمُهُ: إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ. وتَخْوِيفُهُمْ، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ: ولا أخافُ.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِكُمْ؛ إنَّ هَذِهِ المَعْبُوداتِ لا تُؤَثِّرُ شَيْئًا، وأنا لا أخافُها ولا أُبالِيها، فَإنْ كانَ لَها كَيْدٌ فَكِيدُونِي بِها ولا تُنْظِرُونِ. انْتَهى.

﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أيْ: مِن إصابَةِ مَكْرُوهٍ بِي مِن جِهَتِها، وذَلِكَ إنَّما هو مِن جِهَتِهِ تَعالى، مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِمَعْبُوداتِكم فِيهِ أصْلًا.

وفِي "الِانْتِصافِ": غايَةُ خَوْفِ إبْراهِيمَ مِنها المُعَلَّقِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِذَلِكَ، خَوْفُ الضَّرَرِ عِنْدَها بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، لا بِها، وكَأنَّهُ في الحَقِيقَةِ لَمْ يَخَفْ إلّا مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّ الخَوْفَ الَّذِي أثْبَتَهُ مِنها مُعَلَّقٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وهو كالخَوْفِ مِنها. واللَّهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ كَأنَّهُ عِلَّةُ الِاسْتِثْناءِ، أيْ: أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في عِلْمِهِ إنْزالُ المُخَوَّفِ بِي مِن جِهَتِها، أيْ: كَرَجْمِهِ بِالنُّجُومِ لِأنَّهُ إذا أُحِيلَ شَيْءٌ إلى عِلْمِ اللَّهِ، أشْعَرَ بِجَوازِ وُقُوعِهِ. وفي الإظْهارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ، مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ، إظْهارٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِانْقِيادِهِ لِحُكْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، واسْتِسْلامٌ لِأمْرِهِ، واعْتِرافٌ بِكَوْنِهِ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ.

(p-٢٣٨٧)هَذا وجَعَلَ المَهايِمِيُّ ذَلِكَ عِلَّةً لِاسْتِدْراكٍ مَحْذُوفٍ، لِعِلْمِهِ مِنَ المَقامِ، حَيْثُ قالَ في الآيَةِ: ولا أخافُ الضَّرَرَ عَلى نَفْسِي مِن تَأْثِيرِ ما تُشْرِكُونَ بِهِ، إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي أنْ يَجْعَلَ لَهم شَيْئًا مِنَ التَّأْثِيرِ، لَكِنَّهُ لا يَشاءُ في شَأْنِي؛ لِأنَّهُ: وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا فَعُلِمَ أنَّهُ لَوْ أوْجَدَ التَّأْثِيرَ فِيهِمْ بِما يَضُرُّونَ بِهِ مَن بَعَثَهُ لِتَوْحِيدِهِ، صارَ مَحْجُوبًا انْتَهى، والأوَّلُ أقْرَبُ.

﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَعْتَبِرُونَ بِأنَّ هَذِهِ المَعْبُوداتِ جَماداتٌ، لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وأنَّ النّافِعَ الضّارَّ هو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ.

6:81Page 137

وَكَيۡفَ أَخَافُ مَآ أَشۡرَكۡتُمۡ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمۡ أَشۡرَكۡتُم بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗاۚ فَأَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ أَحَقُّ بِٱلۡأَمۡنِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨١

And how should I fear what you associate while you do not fear that you have associated with Allāh that for which He has not sent down to you any authority? So which of the two parties has more right to security, if you should know?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨١] ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ﴾ أيْ: مَعْبُوداتِكُمْ، وهي مَأْمُونَةُ الخَوْفِ ﴿ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ﴾ أيْ: بِإشْراكِهِ: ﴿عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ أيْ: حُجَّةً. إذِ الإشْراكُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حُجَّةٌ. والمَعْنى: وما لَكم تُنْكِرُونَ عَلَيَّ الأمْنَ في مَوْضِعِ الأمْنِ، ولا تُنْكِرُونَ عَلى أنْفُسِكُمُ الأمْنَ في مَوْضِعِ أعْظَمِ المَخُوفاتِ وأهْوَلِها: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ أيْ: فَرِيقَيِ المُوَحِّدِينَ والمُشْرِكِينَ ﴿أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ أيْ: مِن لُحُوقِ الضَّرَرِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: ما يَحِقُّ أنْ يُخافَ مِنهُ. أوْ مَن أحَقُّ بِالأمْنِ أوْ مِن أُولِي العِلْمِ؟ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ. أيْ: فَأخْبِرُونِي.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском