Al-QasimiAl‑An'am · 6:82–89

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:82–89

6:82Page 138

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٨٢

They who believe and do not mix their belief with injustice1 - those will have security, and they are [rightly] guided.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مَن لَهُ الأمْنُ، جَوابًا عَمّا اسْتَفْهَمَ عَنْهُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٢] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾

﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ أيْ: بِشِرْكٍ، كَما يَفْعَلُهُ الفَرِيقُ المُشْرِكُونَ (p-٢٣٨٨)حَيْثُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّ عِبادَتَهم لِلْأصْنامِ مِن تَتِمّاتِ إيمانِكم وأحْكامِهِ، لِكَوْنِها لِأجْلِ التَّقْرِيبِ والشَّفاعَةِ، كَما قالُوا: ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى. وهَذا مَعْنى اللَّبْسِ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - وسَيَأْتِي زِيادَةٌ لِذَلِكَ.

﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ أيْ: إلى الحَقِّ، ومِن عَداهم في ضَلالٍ.

رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ قالَ أصْحابُهُ: وأيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» . - هَذا لَفْظُ رِوايَةِ البُخارِيِّ -.

ولَفْظُ رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى النّاسِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! فَأيُّنا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قالَ: «إنَّهُ لَيْسَ الَّذِي تَعْنُونَ، ألَمْ تَسْمَعُوا ما قالَ العَبْدُ الصّالِحُ: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ؟ إنَّما هو الشِّرْكُ»» .

أقُولُ: هَذِهِ الرِّوايَةُ تُوَضِّحُ رِوايَةَ البُخارِيِّ السّابِقَةَ - أعْنِي: قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَنَزَلَتْ: إنَّ الشِّرْكَ .. إلَخْ - مِن جِهَةِ أنَّ النُّزُولَ أُرِيدَ بِهِ تَفْسِيرُ الآيَةِ، لا سَبَبُ نُزُولِها، وهو اصْطِلاحٌ لِلصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ دَقِيقٌ، يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ. وقَدْ أشَرْنا لَهُ في المُقَدِّمَةِ. فَجَدِّدْ بِهِ عَهْدًا.

ولِابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا: «ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ قالَ: «بِشِرْكٍ»» .

(p-٢٣٨٩)قالَ: ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وحُذَيْفَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والنَّخَعِيِّ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ، وغَيْرِ واحِدٍ نَحْوَ ذَلِكَ. نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وبِالجُمْلَةِ، فَلا يُعْلَمُ مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِيِنَ في تَفْسِيرِ (الظُّلْمِ) هُنا بِالشِّرْكِ، وُقُوفًا مَعَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في ذَلِكَ، المُبَيِّنِ لِلنَّظائِرِ القُرْآنِيَّةِ المُوَضِّحِ بَعْضُها لِما أُبْهِمَ في بَعْضٍ. وتَعَرُّفُ تِلْكَ القاعِدَةِ مِن مِثْلِ هَذا الحَدِيثِ يَكْشِفُ غُمَّةَ أوْهامٍ كَثِيرَةٍ. ولَوْ قِيلَ: لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] أنَّ غَيْرَ الشِّرْكِ لا يَكُونُ ظُلْمًا، يُجابُ: بِأنَّ التَّنْوِينَ في (بِظُلْمٍ) لِلتَّعْظِيمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ عَظِيمٍ. ولَمّا تَبَيَّنَ أنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ عُلِمَ أنَّ المُرادَ: لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِشِرْكٍ، أوْ أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ المُطْلَقِ أكْمَلُ أفْرادِهِ. كَذا في "العِنايَةِ".

قالَ الرّازِيُّ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا هو المُرادُ، أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها إنَّما ورَدَتْ في نَفْيِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ، ولَيْسَ فِيها ذِكْرُ الطّاعاتِ والعِباداتِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الظُّلْمِ هَهُنا عَلى ذَلِكَ.

تَنْبِيهٌ:

حَيْثُ عُلِمَ أنَّ الصّادِقَ المَصْدُوقَ ﷺ فَسَّرَ الآيَةَ بِما تَقَدَّمَ فَلْيُعَضَّ عَلَيْهِ بِالنَّواجِذِ، وأمّا ما هَذى بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَوْلِهِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أيْ: لَمْ يَخْلِطُوا إيمانَهم بِمَعْصِيَةٍ تُفَسِّقُهُمْ، وأبى تَفْسِيرَ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ، لَفْظُ (اللَّبْسِ) أيْ: لِأنَّ لَبْسَ الإيمانِ بِالشِّرْكِ أيْ: خَلْطُهُ بِهِ، مِمّا لا يُتَصَوَّرُ، لِأنَّهُما ضِدّانِ لا يَجْتَمِعانِ - عَلى زَعْمِهِ - فَمَدْفُوعٌ بِأنَّهُ يُلابِسُهُ؛ لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالإيمانِ مُطْلِقُ التَّصْدِيقِ، سَواءٌ كانَ اللِّسانَ أوْ غَيْرَهُ، فَظاهِرٌ أنَّهُ يُجامِعُ الشِّرْكَ كالمُنافِقِ. وكَذا إنْ أُرِيدَ تَصْدِيقُ القَلْبِ، لِجَوازِ أنْ يُصَدِّقَ بِوُجُودِ الصّانِعِ، دُونَ وحْدانِيَّتِهِ، لِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] وهو ما أُشِيرَ إلَيْهِ قَبْلُ. (p-٢٣٩٠)ولَوْ أُرِيدَ التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَنِ الكُفْرِ، فَلا يَلْزَمُ مِن لَبْسِ الإيمانِ بِالشِّرْكِ الجَمْعُ بَيْنَهُما، بِحَيْثُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُؤْمِنٌ ومُشْرِكٌ، بَلْ تَغْطِيَتُهُ بِالكُفْرِ، وجَعْلُهُ مَغْلُوبًا مُضْمَحِلًّا، أوِ اتِّصافُهُ بِالإيمانِ، ثُمَّ الكُفْرِ، ثُمَّ الإيمانِ ثُمَّ الكُفْرِ مِرارًا، وبَعْدَ تَسْلِيمِ ما ذُكِرَ، فاخْتِصاصُ الأمْنِ بِغَيْرِ العُصاةِ لا يُوجِبُ كَوْنَ العُصاةِ مُعَذَّبِينَ البَتَّةَ، بَلْ خائِفِينَ ذَلِكَ، مُتَوَقِّعِينَ لِلِاحْتِمالِ، ورُجْحانِ جانِبِ الوُقُوعِ - كَذا في "شَرْحِ الكَشّافِ".

وفِي "الِانْتِصافِ": إنَّما يَرُومُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِذَلِكَ تَنْزِيلَهُ عَلى مُعْتَقَدِهِ، في وُجُوبِ وعِيدِ العُصاةِ، وأنَّهم لا حَظَّ لَهم في الأمْنِ كالكُفّارِ. ويَجْعَلُ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ الأمْنِ بِالجامِعِينَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ: الإيمانِ والبَراءَةِ مِنَ المَعاصِي. ونَحْنُ نُسَلِّمُ ذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ اللّاحِقُ لِلْعُصاةِ، هو الخَوْفَ اللّاحِقَ لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّ العُصاةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إنَّما يَخافُونَ العَذابَ المُؤَقَّتَ، وهم آمِنُونَ مِنَ الخُلُودِ. وأمّا الكُفّارُ فَغَيْرُ آمِنِينَ بِوَجْهٍ ما. انْتَهى.

وأمّا قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ المُتَقَدِّمُ - إنْ صَحَّ - يَكُونُ خَبَرَ واحِدٍ، في مُقابَلَةِ الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ، ومِثْلُهُ لا يُعْمَلُ بِهِ - فالجَوابُ: بِأنَّهُ صَحَّ بِلا رَيْبٍ، لِتَخْرِيجِ الشَّيْخَيْنِ لَهُ.

؎وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلِ

وقَوْلُهُمْ: في مُقابَلَةِ الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ، بُهْتانٌ عَظِيمٌ. ويا لِلَّهِ العَجَبُ مِن هَؤُلاءِ، قابَلُوا السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ بِكُناسَةِ الرَّأْيِ، ولَمْ يَسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ في هَذِهِ المُخالَفَةِ، فَأيْنَ تَذْهَبُ (p-٢٣٩١)بِهِ عُقُولُهُمْ؟ إلى الحَقِّ أمْ إلى الباطِلِ؟ ولَكِنْ كَما قالَ ابْنُ سَهْلٍ:

؎فَمًا أضْيَعُ البُرْهانَ عِنْدَ المُقَلِّدِ

هَذا، وقَدْ رَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مَسِيرٍ سارَهُ، إذْ عَرَضَ لَهُ أعْرابِيٌّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! لَقَدْ خَرَجْتُ مِن بِلادِي وتِلادِي ومالِي، لِأهْتَدِيَ بِهُداكَ، وآخُذَ مِن قَوْلِكَ، وما بَلَغْتُكَ حَتّى ما لِي طَعامٌ إلّا مِن خَضِرِ الأرْضِ، فاعْرِضْ عَلَيَّ. فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَبِلَ. فازْدَحَمْنا حَوْلَهُ، فَدَخَلَ خُفُّ بَكْرِهِ في بَيْتٍ جُرْذانٍ، فَتَرَدّى الأعْرابِيُّ، فانْكَسَرَتْ عُنُقُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَدَقَ! والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ! لَقَدْ خَرَجَ مِن بِلادِهِ وتِلادِهِ ومالِهِ لِيَهْتَدِيَ بِهُدايَ، ويَأْخُذَ مِن قَوْلِي، وما بَلَغَنِي حَتّى ما لَهُ مِن طَعامٍ إلّا مِن خُضَرِ الأرْضِ. أسَمِعْتُمْ بِالَّذِي عَمِلَ قَلِيلًا وأُجِرَ كَثِيرًا؟ هَذا مِنهُمْ! أسَمِعْتُمْ بِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ ؟ فَإنَّ هَذا مِنهم. وفي لَفْظٍ قالَ: هَذا عَمِلَ قَلِيلًا وأُجِرَ كَثِيرًا»» .

ورَوى نَحْوَهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مُطَوَّلًا، وفِيهِ بَيانُ قَوْلِهِ: فاعْرِضْ عَلَيَّ، ولَفْظُهُ: «ما الإيمانُ؟ قالَ: «تَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ، وتَصُومُ رَمَضانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ» قالَ: قَدْ أقْرَرْتُ».

6:83Page 138

وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٨٣

And that was Our [conclusive] argument which We gave Abraham against his people. We raise by degrees whom We will. Indeed, your Lord is Wise and Knowing.

(p-٢٣٩٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٣] ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ﴾ أيِ: الدَّلائِلُ المُشارُ إلَيْها في قَوْلِهِ: أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إلى هاهُنا: ﴿حُجَّتُنا﴾ أيْ: لا يُمْكِنُ نَقْضُها: ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ أيْ: أرْشَدْناهُ إلَيْها، وعَلَّمْناهُ إيّاها، بِلا واسِطَةِ مُعَلِّمٍ: ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ: حُجَّتُنا إنْ جُعِلَ خَبَرَ: تِلْكَ، وبِمَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ بَدَلَهُ، أيْ: آتَيْناها حُجَّةً ودَلِيلًا عَلى قَوْمِهِ الكَثِيرِينَ، لِيَغْلِبَ وحْدَهُ.

﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ يَعْنِي: في العِلْمِ والحِكْمَةِ، وقُرِئَ بِالتَّنْوِينِ ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في رَفْعِهِ وخَفْضِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِحالِ مَن يَرْفَعُهُ واسْتِعْدادَهُ لَهُ.

6:84–86Page 138

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٤

And We gave to him [i.e., Abraham] Isaac and Jacob - all [of them] We guided. And Noah, We guided before; and among his descendants, David and Solomon and Job and Joseph and Moses and Aaron. Thus do We reward the doers of good.

وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٥

And Zechariah and John and Jesus and Elias - and all were of the righteous.

وَإِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٦

And Ishmael and Elisha and Jonah and Lot - and all [of them] We preferred over the worlds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٤] ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾

[٨٥] ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥]

[٨٦] ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦]

﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ أيْ: لِإبْراهِيمَ عِوَضًا عَنْ قَوْمِهِ، لَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ ﴿إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: ولَدًا، ووَلَدَ ولَدٍ، لِتَقَرَّ عَيْنُهُ بِبَقاءِ العَقِبِ: ﴿كُلا هَدَيْنا﴾ أيْ: كُلًّا مِنهُما هَدَيْناهُ الهِدايَةَ الكُبْرى، بِلُحُوقِهِما بِدَرَجَةِ أبِيهِما في النُّبُوَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩]

(p-٢٣٩٣)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَذْكُرُ تَعالى أنَّهُ وهَبَ لِإبْراهِيمَ إسْحاقَ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ طَعَنَ في السِّنِّ، وأيِسَ وامْرَأتُهُ سارَّةُ مِنَ الوَلَدِ، فَجاءَتْهُ المَلائِكَةُ وهم ذاهِبُونَ إلى قَوْمِ لُوطٍ، فَبَشَّرُوهُما بِإسْحاقَ، فَتَعَجَّبَتِ المَرْأةُ مِن ذَلِكَ: ﴿قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] فَبَشَّرُوهُما فَتَعَجَّبَتْ، وبَشَّرُوهُما مَعَ وُجُودِهِ بِنُبُوَّتِهِ، وبِأنَّ لَهُ نَسْلًا وعَقِبًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] وهَذا أكْمَلُ في البِشارَةِ، وأعْظَمُ في النِّعْمَةِ. وقالَ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أيْ: ويُولَدُ لِهَذا المَوْلُودِ ولَدٌ في حَياتِكُما، فَتَقَرُّ أعْيُنُكُما بِهِ، كَما قَرَّتْ بِوالِدِهِ، وإنَّ الفَرَحَ بِوَلَدِ الوَلَدِ شَدِيدٌ، لِبَقاءِ النَّسْلِ والعَقِبِ. ولَمّا كانَ ولَدُ الشَّيْخِ والشَّيْخَةِ قَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّهُ لا يُعْقِبُ لِضَعْفِهِ، وقَعَتِ البِشارَةُ بِهِ، وبِوَلَدٍ اسْمُهُ يَعْقُوبُ، الَّذِي فِيهِ اشْتِقاقُ العَقِبِ والذُّرِّيَّةِ، وكانَتْ هَذِهِ المُجازاةُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ اعْتَزَلَ قَوْمَهُ وتَرَكَهُمْ، ونَزَحَ عَنْهُمْ، وهاجَرَ مِن بِلادِهِمْ، ذاهِبًا إلى عِبادَةِ اللَّهِ في الأرْضِ، فَعَوَّضَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ قَوْمِهِ وعَشِيرَتِهِ بِأوْلادٍ صالِحِينَ، مِن صُلْبِهِ، عَلى دِينِهِ، لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ﴾ [مريم: ٤٩] الآيَةَ...

﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِهِ، هَدَيْناهُ كَما هَدَيْناهُ. وعَدَّ هُداهُ نِعْمَةً عَلى إبْراهِيمَ، مِن حَيْثُ إنَّهُ أبَوْهُ، وشَرَفُ الوالِدِ يَتَعَدّى إلى الوَلَدِ.

(p-٢٣٩٤)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كُلٌّ مِنهُما لَهُ خُصُوصِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، أمّا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أغْرَقَ أهْلَ الأرْضِ، إلّا مَن آمَنَ بِهِ، وهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوهُ في السَّفِينَةِ، جَعَلَ اللَّهُ ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ، فالنّاسُ كُلُّهم مِن ذُرِّيَّتِهِ، وأمّا الخَلِيلُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَهُ نَبِيًّا إلّا مِن ذُرِّيَّتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] الآيَةَ... وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ [الحديد: ٢٦] وقالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِإبْراهِيمَ أوْ لِنُوحٍ، عَلى ما يَأْتِي. ﴿داوُدَ﴾ عَطْفٌ عَلى: نُوحًا أيْ: وهَدَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ.

﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥]

﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦]

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآياتِ، وما قَبْلَها، وما يَلْحَقُها، تَعْدِيدُ أنْواعِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، جَزاءَ اعْتِزالِهِ قَوْمَهُ وما يَعْبُدُونَ، وقِيامِهِ بِنُصْرَةِ التَّوْحِيدِ، ودَحْضِ الشِّرْكِ. فَذَكَرَ تَعالى أوَّلًا رَفْعَ دَرَجَتِهِ، بِإيتائِهِ الحُجَّةَ عَلى قَوْمِهِ، وتَخْصِيصِهِ بِها، ثُمَّ جَعَلَهُ عَزِيزًا في الدُّنْيا، حَسَبًا ونَسَبًا، أصْلًا وفَرْعًا؛ لِأنَّهُ تَوَلَّدَ مِن نُوحٍ أوَّلِ المُرْسَلِينَ (p-٢٣٩٥)رِسالَةٌ عامَّةٌ، ووُهِبَتْ لَهُ الذَّرِّيَّةُ الطّاهِرَةُ، أنْبِياءُ البَشَرِ. ولِذا ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ فِي: ومِن ذُرِّيَّتِهِ لِإبْراهِيمَ؛ لِأنَّ مَساقَ النَّظْمِ لِبَيانِ شُؤُونِهِ العَظِيمَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَمْ نَزَلَ نَرْفَعُ دَرَجاتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إذْ هَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ... إلَخْ، فَهو المَقْصُودُ بِالذِّكْرِ في هَذِهِ الآياتِ. وذُكِرَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ كَوْنَ إبْراهِيمَ مِن أوْلادِهِ أحَدَ مُوجِباتِ رِفْعَتِهِ كَما تَقَدَّمَ. والغايَةُ هي إلْزامُ مَن يَنْتَمِي إلَيْهِ مِنَ المُشْرِكِينَ.

ولا يُقالُ: إنَّ لُوطًا لَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ لِأنَّهُ ابْنُ أخِيهِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: إنَّ العَرَبَ تَجْعَلُ العَمَّ أبًا، كَما أخْبَرَ تَعالى عَنْ أبْناءِ يَعْقُوبَ أنَّهم قالُوا: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] مَعَ أنَّ إسْماعِيلَ عَمُّ يَعْقُوبَ، ودَخَلَ في آبائِهِ تَغْلِيبًا.

وقالَ مُحْيِي السُّنَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ أيْ: ذُرِّيَّةِ نُوحٍ ﷺ، ولَمْ يُرِدْ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ في جُمْلَتِهِمْ يُونُسَ ﷺ، وكانَ مِنَ الأسْباطِ، في زَمَنِ شِعْياءَ، أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى أهْلِ نِينَوى مِنَ المُوصِلِ.

وقالَ: إنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ ابْنَ أخِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، آمَنَ بِإبْراهِيمَ، وشَخَصَ مَعَهُ مُهاجِرًا إلى الشّامِ، فَأرْسَلَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ سَدُومَ.

ومِن قالَ: الضَّمِيرُ لِإبْراهِيمَ ﷺ، يُقَدِّرُ: ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ هَدَيْنا؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ هو المَقْصُودُ بِالذِّكْرِ. وذُكِرَ نُوحٌ لِتَعْظِيمِ إبْراهِيمَ. ولِذَلِكَ خَتَمَ بِيُونُسَ ولُوطٍ، وجَعَلَهُما مَعْطُوفَيْنِ عَلى: نُوحًا هَدَيْنا مِن تَعَطُّفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ. وصاحِبُ (الكَشْفِ) أخْرَجَ (إلْياسَ) ﷺ. ولَيْسَ كَذَلِكَ. لِما في "جامِعِ الأُصُولِ" عَنِ الكِسائِيِّ، أنَّهُما مِن ذُرِّيَّتِهِ. فَبَقِيَ لُوطٌ خارِجًا، لَمّا كانَ ابْنُ أخِيهِ آمَنَ بِهِ، وهاجَرَ مَعَهُ، أمْكَنَ أنْ يُجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ. كَما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.

(p-٢٣٩٦)وبِالجُمْلَةِ، فالآيَةُ المَذْكُورَةُ مِنَ المِنَنِ عَلى إبْراهِيمَ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ؛ لِأنَّ شَرَفَ الذُّرِّيَّةِ، وشَرَفَ الأقارِبِ شَرَفٌ، لَكِنَّهُ عَلى الأوَّلِ أظْهَرُ، ويَكُونُ تَطْرِيَةً في مَدْحِ إبْراهِيمَ ﷺ بِالعَوْدِ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: في ذِكْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، في ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ أوْ نُوحٍ (عَلى القَوْلِ الآخَرِ) دَلالَةً عَلى دُخُولِ ولَدِ البَناتِ في ذُرِّيَّةِ الرَّجُلِ؛ لِأنَّ انْتِسابَ عِيسى لَيْسَ إلّا مِن جِهَةِ أُمِّهِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ الحَجّاجَ أرْسَلَ إلى يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ فَقالَ: بَلَغَنِي أنَّكَ تَزْعُمُ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، تَجِدُهُ في كِتابِ اللَّهِ وقَدْ قَرَأْتُهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ فَلَمْ أجِدْهُ؟! قالَ: ألَيْسَ تَقْرَأُ سُورَةَ الأنْعامِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿ويَحْيى وعِيسى﴾ [الأنعام: ٨٥] قالَ: بَلى! قالَ: ألَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، ولَيْسَ لَهُ أبٌ؟ قالَ: صَدَقْتَ! فَلِهَذا إذا أوْصى الرَّجُلُ لِذَرِّيَّتِهِ أوْ وقَفَ عَلى ذُرِّيَّتِهِ، أوْ وهَبَهم دَخْلَ أوْلادِ البَناتِ فِيهِمْ. فَأمّا إذا أعْطى الرَّجُلُ بَنِيهِ، أوْ وقَفَ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ بَنَوْهُ لِصُلْبِهِ، وبَنُو بَنِيهِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎بَنُونا بَنُو أبْنائِنا. وبَناتُنا بَنُوهُنَّ أبْناءُ الرِّجالِ الأباعِدِ

وقالَ آخَرُونَ: ويَدْخُلُ بَنُو البَناتِ فِيهِمْ، لِما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (p-٢٣٩٧)قالَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: إنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ». فَسَمّاهُ (ابْنًا) فَدَلَّ عَلى دُخُولِهِ في الأبْناءِ. وقالَ آخَرُونَ: هَذا تَجَوُّزٌ: انْتَهى.

وفِي "العِنايَةِ": أُورِدَ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِتَناوُلِ الذَّرِّيَّةِ أوْلادِ البِنْتِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، بِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لَهُ أبٌ يَصْرِفُ إضافَتَهُ إلى الأُمِّ إلى نَفْسِهِ، فَلا يَظْهَرُ قِياسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ. والمَسْألَةُ مُخْتَلَفٌ فِيها، والقائِلُ بِها اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وآيَةُ المُباهَلَةِ، حَيْثُ دَعا النَّبِيُّ ﷺ الحَسَنَ والحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما بَعْدَما نَزَلَ: نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم. إنْ لَمْ نَقُلْ إنَّهُ مِن خَصائِصِهِ ﷺ. انْتَهى.

الثّانِي: إنَّما لَمْ يُذْكَرْ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ إسْحاقَ، بَلْ أُخِّرَ ذِكْرُهُ عَنْهُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالذِّكْرِ هَهُنا أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، وهم بِأسْرِهِمْ أوْلادُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، وأمّا إسْماعِيلُ فَلَمْ يَخْرُجْ مِن صُلْبِهِ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا خاتَمُهم وأفْضَلُهم ﷺ. ولا يَقْتَضِي المَقامُ ذِكْرَهُ ﷺ؛ لِأنَّهُ أُمِرَ أنْ يَحْتَجَّ عَلى العَرَبِ في نَفْيِ الشِّرْكِ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمّا تَرَكَ قَوْمَهُ وما يَعْبُدُونَ إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، رَزَقَهُ اللَّهُ النِّعَمَ العَظِيمَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا، ومِنها إيتاؤُهُ أوْلادًا أنْبِياءَ. فَإذا كانَ المُحْتَجُّ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلا يُذْكَرُ في هَذا المَعْرَضِ. ولِهَذا السَّبَبِ لَمْ يُذْكَرْ إسْماعِيلُ مَعَ إسْحاقَ. أفادَهُ الرّازِيُّ.

الثّالِثُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هُنا ثَمانِيَةَ عَشَرَ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن غَيْرِ تَرْتِيبٍ، لا بِحَسْبِ الزَّمانِ، ولا بِحَسْبِ الفَضْلِ؛ لِأنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ. ولَكِنْ هُنا لَطِيفَةٌ في هَذا التَّرْتِيبِ، وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ كُلَّ طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنَوْعٍ مِنَ الكَرامَةِ والفَضْلِ، فَذَكَرَ أوَّلًا نُوحًا وإبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ لِأنَّهم أُصُولُ (p-٢٣٩٨)الأنْبِياءِ، وإلَيْهِمْ تَرْجِعُ أنْسابُهم جَمِيعًا. ثُمَّ مِنَ المَراتِبِ المُعْتَبَرَةِ، بَعْدَ النُّبُوَّةِ، المُلْكُ والقُدْرَةُ والسُّلْطانُ. وقَدْ أعْطى اللَّهُ داوُدَ وسُلَيْمانَ مِن ذَلِكَ حَظًّا وافِرًا. ومِنَ المَراتِبِ الصَّبْرُ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ والمِحَنِ والشَّدائِدِ، وقَدْ خَصَّ اللَّهُ بِهَذِهِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ثُمَّ عَطَفَ عَلى هاتَيْنِ المَرْتَبَتَيْنِ مَن جَمَعَ بِبَيْنَهُما، وهو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ صَبَرَ عَلى البَلاءِ والشِّدَّةِ إلى أنْ آتاهُ اللَّهُ مُلْكَ مِصْرَ مَعَ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ مِنَ المَراتِبِ المُعْتَبَرَةِ في تَفْضِيلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَثْرَةَ المُعْجِزاتِ، وقُوَّةِ البَراهِينِ، وقَدْ خَصَّ اللَّهُ مُوسى وهارُونَ مِن ذَلِكَ بِالحَظِّ الوافِرِ. ثُمَّ مِنَ المَراتِبِ المُعْتَبَرَةِ الزُّهْدُ في الدُّنْيا، والإعْراضُ عَنْها، وقَدْ خَصَّ اللَّهُ بِذَلِكَ زَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولِهَذا السَّبَبِ وصَفَهم بِأنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ، مَن لَمْ يَبْقَ لَهُ أتْباعٌ ولا شَرِيعَةٌ، وهم إسْماعِيلُ واليَسَعُ ويُونُسُ ولُوطٌ. فَإذا اعْتَبَرْنا هَذِهِ اللَّطِيفَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ، كانَ هَذا التَّرْتِيبُ مِن أحْسَنِ شَيْءٍ يُذْكَرُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ، وأسْرارِ كِتابِهِ - أفادَهُ الخازِنُ وأصْلُهُ لِلرّازِيِّ -.

الرّابِعُ: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦] مَن يَرى أنَّ الأنْبِياءَ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ العالِمَ اسْمٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، فَيَدْخُلُ فِيهِ المَلَكُ.

الخامِسُ: نُكْتَةُ ذِكْرِ "الهِدايَةِ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلا هَدَيْنا﴾ هو تَعْدِيدُ النِّعَمِ عَلى إبْراهِيمَ ﷺ بِشَرَفِ الأُصُولِ والفُرُوعِ - كَما أسْلَفْنا - والوَلَدُ لا يُعَدُّ نِعْمَةً ما لَمْ يَكُنْ مَهْدِيًّا.

السّادِسُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا﴾ مَن أنْكَرَ إفادَةَ التَّقْدِيمِ الحَصْرَ.

6:87Page 138

وَمِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡ وَإِخۡوَٰنِهِمۡۖ وَٱجۡتَبَيۡنَٰهُمۡ وَهَدَيۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٨٧

And [some] among their fathers and their descendants and their brothers - and We chose them and We guided them to a straight path.

(p-٢٣٩٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٧] ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى: كُلًّا أوْ: ونُوحًا أيْ: كُلًّا مِنهم فَضَّلْنا، وفَضَّلْنا بَعْضَ آبائِهِمْ، أوْ هَدَيْنا مِن آبائِهِمْ ومَن مَعَهم لِلدِّينِ الخالِصِ جَماعاتٍ كَثِيرَةً، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: في الِاعْتِقاداتِ والأخْلاقِ والأعْمالِ، فَجُعِلَتْ لَهم هَذِهِ الفَضائِلُ أيْضًا، ولَحِقَتْ إبْراهِيمَ، فازْدادَ ارْتِفاعُ دَرَجاتِهِ.

6:88Page 138

ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٨٨

That is the guidance of Allāh by which He guides whomever He wills of His servants. But if they had associated others with Allāh, then worthless for them would be whatever they were doing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٨] ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما دانُوا بِهِ ﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ مَعَ عَظَمَتِهِمْ: ﴿لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ المَرْضِيَّةِ. فَكَيْفَ بِمَن عَداهُمْ؟

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فِيهِ تَشْدِيدٌ لِأمْرِ الشِّرْكِ، وتَغْلِيظٌ لِشَأْنِهِ، وتَعْظِيمٌ لِمُلابَسَتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وهَذا شَرْطٌ، والشَّرْطُ لا يَقْتَضِي جَوازَ الوُقُوعِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧]

(p-٢٤٠٠)وكَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤]

6:89Page 138

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ ٨٩

Those are the ones to whom We gave the Scripture and authority and prophethood. But if they [i.e., the disbelievers] deny it, then We have entrusted it to a people who are not therein disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٩] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ مِنَ الأنْبِياءِ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ، والمَعْطُوفِينَ عَلَيْهِمْ، بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الهِدايَةِ وغَيْرِها ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ: جِنْسَ الكِتابِ المُتَحَقِّقِ في ضِمْنِ أيِّ فَرْدٍ كانَ مِن أفْرادِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ. والمُرادُ بِ (إيتائِهِ)؟ التَّفْهِيمُ التّامُّ بِما فِيهِ مِنَ الحَقائِقِ. والتَّمْكِينُ مِنَ الإحاطَةِ بِالجَلائِلِ والدَّقائِقِ، أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالإنْزالِ ابْتِداءً، أوْ بِالإيراثِ نَقاءً. فَإنَّ المَذْكُورِينَ لَمْ يَنْزِلْ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم كِتابٌ مُعَيَّنٌ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿والحُكْمَ﴾ أيِ: الحِكْمَةَ، أوْ فَصْلَ الأمْرِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الحَقُّ والصَّوابُ ﴿والنُّبُوَّةَ﴾ قالَ البَيْضاوِيُّ وأبُو السُّعُودِ: أيِ: الرِّسالَةَ. قالَ الخَفاجِيُّ: النُّبُوَّةُ وإنْ كانَتْ أعَمَّ، إلّا أنَّ المُرادَ بِها ما يَشْتَمِلُ الرِّسالَةَ؛ لِأنَّ المَذْكُورِينَ رُسُلٌ. انْتَهى.

﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها﴾ أيْ: بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ ﴿هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي: قُرَيْشًا، فَإنَّهم بِكُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وما أنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، كافِرُونَ بِما يُصَدِّقُهُ جَمِيعًا ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها﴾ أيْ: وفَّقْنا لِلْإيمانِ بِها ﴿قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، المَذْكُورُونَ وأتْباعُهم. أوْ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ - وهو الأظْهَرُ - في مُقابَلَةِ (p-٢٤٠١)كُفّارِ قُرَيْشٍ. أيْ: فَإنَّ في إيمانِهِمْ غُنْيَةً عَنْ إيمانِ الكَفَرَةِ بِها. وفي التَّكْنِيَةِ عَنْ تَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ بِها، بِالتَّوْكِيلِ الَّذِي أصْلُهُ الحِفْظُ لِلشَّيْءِ، ومُراعاتُهُ - إيذانٌ بِفَخامَتِها وعُلُوِّها، وأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُقَدَّرَ قَدْرُها قِيامًا بِحَقِّ الوِكالَةِ، وعَهْدِ الِاسْتِحْفاظِ.

قالَ الرّازِيُّ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى سَيَنْصُرُ نَبِيَّهُ، ويُقَوِّي دِينَهُ، ويَجْعَلُهُ مُسْتَعْلِيًا عَلى كُلِّ مَن عاداهُ، قاهِرًا لِكُلِّ مَن نازَعَهُ. وقَدْ وقَعَ هَذا الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في هَذا المَوْضِعِ. فَكانَ جارِيًا مَجْرى الإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском