Al-QasimiAl‑Mumtahanah · 60:10–13

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Mumtahanah 60:10–13

60:10Page 550

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٖ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّۚ وَلَا تُمۡسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ وَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقۡتُمۡ وَلۡيَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقُواْۚ ذَٰلِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡۖ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠

O you who have believed, when the believing women come to you as emigrants, examine [i.e., test] them. Allāh is most knowing as to their faith. And if you know them to be believers, then do not return them to the disbelievers; they are not lawful [wives] for them, nor are they lawful [husbands] for them. But give them [i.e., the disbelievers] what they have spent.1 And there is no blame upon you if you marry them when you have given them their due compensation [i.e., mahr]. And hold not to marriage bonds with disbelieving women, but ask for what you have spent and let them [i.e., the disbelievers] ask for what they have spent.2 That is the judgement of Allāh; He judges between you. And Allāh is Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ وآتُوهم ما أنْفَقُوا ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ. ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ أيْ: فاخْتَبِرُوهُنَّ بِما يَغْلِبُ عَلى ظَنِّكم صِدْقُهُنَّ في الإيمانِ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ أيِ: المُطَّلِعُ عَلى قُلُوبِهِنَّ، لا أنْتُمْ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَكُمْ، فَحَسْبُكم أماراتُهُ وقَرائِنُهُ.

وقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ إذا أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، حَلَّفَها (p-٥٧٧١)بِاللَّهِ ما خَرَجَتْ مِن بُغْضِ زَوْجٍ، وبِاللَّهِ ما خَرَجَتْ رَغْبَةً عَنْ أرْضٍ إلى أرْضٍ، وبِاللَّهِ ما خَرَجَتِ التِماسَ دُنْيا، وبِاللَّهِ ما خَرَجْتُ إلّا حُبًّا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: أيْ: سَلُوهُنَّ ما جاءَ بِهِنَّ؟ فَإنْ كانَ بِهِنَّ غَضَبٌ عَلى أزْواجِهِنَّ أوْ سَخْطَةٌ أوْ غَيْرُهُ، ولَمْ يُؤْمِن، فارْجِعُوهُنَّ إلى أزْواجِهِنَّ.

﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيِ: العِلْمَ الَّذِي تَبْلُغُهُ طاقَتُكُمْ، وهو الظَّنُّ الغالِبُ بِالحَلِفِ، وظُهُورِ الأماراتِ، وإنَّما سَمّاهُ عِلْمًا، إيذانًا بِأنَّهُ كالعِلْمِ في وُجُوبِ العَمَلِ بِهِ.

﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ أيْ: فَلا تَرُدُّوهُنَّ إلى أزْواجِهِنَّ المُشْرِكِينَ؛ إذْ لا حِلَّ بَيْنَ المُؤْمِنَةِ والمُشْرِكِ؛ لِأنَّ إيمانَها قَطَعَ عِصْمَتَها مِنَ المُشْرِكِ المُعادِي لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وإنَّما قِيلَ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ العَهْدَ كانَ جَرى بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، أنْ يَرُدَّ المُسْلِمُونَ إلى المُشْرِكِينَ مَن جاءَهم مُسْلِمًا، فَأبْطَلَ ذَلِكَ الشَّرْطَ في النِّساءِ إذا جِئْنَ مُؤْمِناتٍ مُهاجِراتٍ، فامْتُحِنَّ فَوَجَدَهُنَّ المُسْلِمُونَ مُؤْمِناتٍ، وصَحَّ ذَلِكَ عِنْدَهم مِمّا ذَكَرْنا، وأُمِرُوا أنْ لا يَرُدُّوهُنَّ إلى المُشْرِكِينَ، إذا عُلِمَ أنَّهُنَّ مُؤْمِناتٌ، ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ أيْ: لِانْقِطاعِ النِّكاحِ بَيْنَهُنَّ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي حَرَّمَتِ المُسْلِماتِ عَلى المُشْرِكِينَ. وقَدْ كانَ جائِزًا في ابْتِداءِ الإسْلامِ أنْ يَتَزَوَّجَ المُشْرِكُ مِنَ المُؤْمِنَةِ. ولِهَذا «كانَ أمْرُ أبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، زَوْجِ ابْنَةِ النَّبِيِّ ﷺ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وقَدْ كانَتْ مُسْلِمَةً، وهو عَلى دِينِ قَوْمِهِ. فَلَمّا وقَعَ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ، بَعَثَتِ امْرَأتُهُ زَيْنَبُ في فِدائِهِ بِقِلادَةٍ لَها كانَتْ لِأُمِّها خَدِيجَةَ، فَلَمّا رَآها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقَّ لَها رِقَّةً شَدِيدَةً. وقالَ لِلْمُسْلِمِينَ: «إنْ رَأيْتُمْ أنْ تُطْلِقُوا لَها أسِيرَها فافْعَلُوا»، فَفَعَلُوا، فَأطْلَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ يَبْعَثَ ابْنَتَهُ إلَيْهِ، فَوَفى بِذَلِكَ، وصَدَقَهُ فِيما وعَدَهُ، وبَعَثَها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،» فَأقامَتْ بِالمَدِينَةِ مِن بَعْدِ وقْعَةِ بَدْرٍ، (p-٥٧٧٢)وكانَتْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، إلى أنْ أسْلَمَ زَوْجُها أبُو العاصِ بْنُ الرَّبِيعِ سَنَةَ ثَمانٍ، فَرَدَّها عَلَيْهِ بِالنِّكاحِ الأوَّلِ، ولَمْ يُحْدِثْ لَها صَداقًا، ومِنهم مَن يَقُولُ بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وهو صَحِيحٌ؛ لِأنَّ إسْلامَهُ كانَ بَعْدَ تَحْرِيمِ المُسْلِماتِ عَلى المُشْرِكِينَ بِسَنَتَيْنِ. انْتَهى.

﴿وآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأعْطُوا المُشْرِكِينَ الَّذِينَ جاءَكم نِساؤُهم مُؤْمِناتٍ، إذا عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ، فَلَمْ تُرْجِعُوهُنَّ إلَيْهِمْ، ما أنْفَقُوا في نِكاحِهِمْ إيّاهُنَّ مِنَ الصَّداقِ ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُهاجِراتِ اللّاتِي لَحِقْنَ بِكم مِن دارِ الحَرْبِ، مُفارِقاتٍ لِأزْواجِهِنَّ، وإنْ كانَ لَهُنَّ أزْواجٌ ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُما الإسْلامُ إذا اسْتَبْرَأتْ أرْحامُهُنَّ.

ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهُ: كَما بَطَلَ نِكاحُ المُؤْمِنَةِ عَلى الكافِرِ، بَطَلَ نِكاحُ الكافِرَةِ عَلى المُسْلِمِ. بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ أيْ: بِعُقُودِهِنَّ الَّتِي يُتَمَسَّكُ بِها في الِاسْتِحْلالِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ جَلَّ ثَناؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لا تُمْسِكُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ بِحِبالِ النِّساءِ الكَوافِرِ وأسْبابِهِنَّ. و"الكَوافِرُ" جَمْعُ كافِرَةٍ. و(العِصَمُ): جَمْعُ عِصْمَةٍ، وهي ما اعْتُصِمَ بِهِ مِنَ العَقْدِ والسَّبَبِ. وهَذا نَهْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ عَنِ الإقْدامِ عَلى نِكاحِ المُشْرِكاتِ مِن أهْلِ الأوْثانِ، وأمْرٌ لَهم بِفِراقِهِنَّ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أُمِرَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ بِطَلاقِ نِسائِهِمْ كَوافِرَ بِمَكَّةَ قَعَدْنَ مَعَ الكُفّارِ.

وعَنِ الزُّهْرِيِّ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ كانَ مِمَّنْ طَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ امْرَأتَيْنِ كانَتا لَهُ بِمَكَّةَ: ابْنَةَ أبِي أُمَيَّةَ، وابْنَةَ جَرْوَلٍ. وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بِنْتَ رَبِيعَةَ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُما الإسْلامُ، حِينَ نَهى القُرْآنُ عَنِ التَّمَسُّكِ بِعِصَمِ الكَوافِرِ، وكُنَّ مِمَّنْ فَرَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن نِساءِ الكُفّارِ، (p-٥٧٧٣)مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ، فَحَبَسَها وزَوَّجَها رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، أُمَيْمَةُ بِنْتُ بِشْرٍ الأنْصارِيَّةُ كانَتْ عِنْدَ ثابِتِ بْنِ الدَّحْداحَةِ، فَفَرَّتْ مِنهُ، وهو يَوْمَئِذٍ كافِرٌ، إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، أحَدَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَوَلَدَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ.

﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ﴾ أيِ: اطْلُبُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم فَلَحِقْنَ بِالمُشْرِكِينَ ما أنْفَقْتُمْ عَلى أزْواجِكُمُ اللَّواتِي لَحِقْنَ بِهِمْ، مِنَ الصَّداقِ، مَن تَزَوَّجْنَ مِنهم ﴿ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا﴾ أيْ: ولِيَسْألْكُمُ المُشْرِكُونَ مِنهُمْ، الَّذِينَ لَحِقَ بِكم أزْواجُهم مُؤْمِناتٍ، إذا تَزَوَّجْنَ فِيكُمْ، مَن تَزَوَّجَها مِنكُمْ، ما أنْفَقُوا عَلَيْهِنَّ مِنَ الصَّداقِ. ﴿ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: هَذا الحُكْمُ الَّذِي حُكِمَ بِهِ مِن أمِيرِ المُؤْمِنِينَ بِمَسْألَةِ المُشْرِكِينَ ما أنْفَقُوا، وأمَرَ المُشْرِكِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، حُكْمُ اللَّهِ الحَقُّ الَّذِي لا يُعْدَلُ عَنْهُ.

60:11Page 550

وَإِن فَاتَكُمۡ شَيۡءٞ مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ إِلَى ٱلۡكُفَّارِ فَعَاقَبۡتُمۡ فَـَٔاتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتۡ أَزۡوَٰجُهُم مِّثۡلَ مَآ أَنفَقُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ١١

And if you have lost any of your wives to the disbelievers and you subsequently obtain [something],1 then give those whose wives have gone the equivalent of what they had spent. And fear Allāh, in whom you are believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١] ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾

﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ﴾ أيْ: وإنِ ارْتَدَّتْ مِنكُمُ امْرَأةٌ فَلَحِقَتِ الكُفّارَ، فَلَمْ يَرُدُّوا مَهْرَها ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ أيْ: فَغَزَوْتُمُوهم فَوَجَدْتُمْ مِنهم غَنِيمَةً ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُسْلِمِينَ ﴿مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾ أيْ: في مُهُورِهِنَّ.

قالَ مُجاهِدٌ: مَهْرُ مِثْلِها يُدْفَعُ إلى زَوْجِها.

وقالَ قَتادَةُ: كُنَّ إذا فَرَرْنَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ إلى الكُفّارِ، لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّ اللَّهِ عَهْدٌ، فَأصابَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَنِيمَةً، أُعْطِي زَوْجُها ما ساقَ إلَيْها مِن جَمِيعِ الغَنِيمَةِ، ثُمَّ يَقْتَسِمُونَ غَنِيمَتَهم.

(p-٥٧٧٤)﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: فَإنَّ الإيمانَ بِهِ يَقْتَضِي أداءَ أوامِرِهِ، واجْتِنابَ نَواهِيهِ.

60:12Page 551

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ يُبَايِعۡنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡرِقۡنَ وَلَا يَزۡنِينَ وَلَا يَقۡتُلۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ وَلَا يَأۡتِينَ بِبُهۡتَٰنٖ يَفۡتَرِينَهُۥ بَيۡنَ أَيۡدِيهِنَّ وَأَرۡجُلِهِنَّ وَلَا يَعۡصِينَكَ فِي مَعۡرُوفٖ فَبَايِعۡهُنَّ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٢

O Prophet, when the believing women come to you pledging to you that they will not associate anything with Allāh, nor will they steal, nor will they commit unlawful sexual intercourse, nor will they kill their children, nor will they bring forth a slander they have invented between their arms and legs,1 nor will they disobey you in what is right - then accept their pledge and ask forgiveness for them of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: أمْوالَ النّاسِ الأجانِبِ، فَأمّا إذا كانَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا في نَفَقَتِها، فَلَها أنْ تَأْكُلَ مِن مالِهِ بِالمَعْرُوفِ، ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ أمْثالِها، وإنْ كانَ مِن غَيْرِ عِلْمِهِ، عَمَلًا بِحَدِيثِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ ما يَكْفِينِي ويَكْفِي بُنَيَّ، فَهَلْ عَلَيَّ جَناحٌ إنْ أخَذْتُ مِن مالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: ««خُذِي مِن مالِهِ بِالمَعْرُوفِ ما يَكْفِيكِ ويَكْفِي بَنِيكِ»» أخْرَجاهُ في "الصَّحِيحَيْنِ" ﴿ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُرِيدُ وأْدَ البَناتِ.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا يَشْمَلُ قَتْلَهُ بَعْدَ وُجُودِهِ، كَما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُونَ أوْلادَهم خَشْيَةَ إمْلاقٍ، ويَعُمُّ قَتْلَهُ وهو جَنِينٌ، كَما قَدْ يَفْعَلُهُ بَعْضُ الجاهِلاتِ مِنَ النِّساءِ، تَطْرَحُ نَفْسَها؛ لِئَلّا تَحْبَلَ، إمّا لِغَرَضٍ فاسِدٍ أوْ ما أشْبَهَهُ.

(p-٥٧٧٥)﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: لا يُلْحِقْنَ بِأزْواجِهِنَّ غَيْرَ أوْلادِهِمْ. وأوْضَحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: كانَتِ المَرْأةُ تَلْتَقِطُ المَوْلُودَ فَتَقُولُ لِزَوْجِها: هو ولَدِي مِنكَ. كُنِّيَ بِالبُهْتانِ المُفْتَرى بَيْنَ يَدَيْها ورِجْلَيْها عَنِ الوَلَدِ الَّذِي تُلْصِقُهُ بِزَوْجِها كَذِبًا؛ لِأنَّ بَطْنَها الَّذِي تَحْمِلُهُ فِيهِ بَيْنَ اليَدَيْنِ وفَرْجِها الَّذِي تَلِدُهُ بِهِ بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ، فَهو غَيْرُ الزِّنا، فَلا تَكْرارَ فِيهِ.

وقالَ الشِّهابُ: في "شَرْحِ البُخارِيِّ " لِلْكَرْمانِيِّ مَعْناهُ: لا تَأْتُوا بِبُهْتانٍ مِن قِبَلِ أنْفُسِكم. واليَدُ والرِّجْلُ كِنايَةٌ عَنِ الذّاتِ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ الأفْعالِ بِهِما، ولِذا قِيلَ لِلْمُعاقَبِ بِجِنايَةٍ قَوْلِيَّةٍ: هَذا ما كَسَبَتْ يَداكَ. أوْ مَعْناهُ: لا تُنْشِئُوهُ مِن ضَمائِرِكم وقُلُوبِكُمْ؛ لِأنَّهُ مِنَ القَلْبِ الَّذِي مَقَرُّهُ بَيْنَ الأيْدِي والأرْجُلِ. والأوَّلُ كِنايَةٌ عَنْ إلْقاءِ البُهْتانِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، والثّانِي عَنْ كَوْنِهِ مِن دَخِيلَةِ قُلُوبِهِمُ المَبْنِيَّةِ عَنِ الخُبْثِ الباطِنِيِّ.

وقالَ الخَطّابِيُّ: مَعْناهُ لا تَبْهَتُوا النّاسَ كِفاحًا ومُواجَهَةً، كَما يُقالُ لِلْآمِرِ بِحَضْرَتِكَ: إنَّهُ بَيْنَ يَدَيْكَ. ورُدَّ بِأنَّهُمْ، وإنْ كَنَّوْا عَنِ الحاضِرِ بِكَوْنِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلا يُقالُ: بَيْنَ أرْجُلِهِ وهو وارِدٌ لَوْ ذُكِرَتِ الأرْجُلُ وحْدَها، أمّا مَعَ الأيْدِي تَبَعًا فَلا. فالمُخْطِئُ مُخْطِئٌ وهو كِنايَةٌ عَنْ خَرْقِ جِلْبابِ الحَياءِ، والمُرادُ: النَّهْيُ عَنِ القَذْفِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الكَذِبُ والغِيبَةُ. انْتَهى.

﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ أيْ: مِن أمْرِ اللَّهِ تَأْمُرُهُنَّ بِهِ.

قالَ في "النِّهايَةِ": المَعْرُوفُ اسْمٌ جامِعٌ لِكُلِّ ما عُرِفَ مِن طاعَةِ اللَّهِ، والإحْسانِ إلى النّاسِ، وكُلُّ ما أمَرَ بِهِ الشَّرْعُ، ونَهى عَنْهُ.

﴿فَبايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: فَبايِعْهُنَّ عَلى الوَفاءِ بِذَلِكَ، وسَلِ اللَّهَ لَهُنَّ مَغْفِرَةَ ذُنُوبِهِنَّ، والعَفْوَ عَنْها، فَإنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَن تابَ مِنها.

(p-٥٧٧٦)تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: رَوى البُخارِيُّ «عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كانَ يَمْتَحِنُ مَن هاجَرَ إلَيْهِ مِنَ المُؤْمِناتِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَمَن أقَرَّ بِهَذا الشَّرْطِ مِنَ المُؤْمِناتِ، قالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ بايَعْتُكِ» كَلامًا، ولا واللَّهِ ما مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأةٍ قَطُّ في المُبايَعَةِ، ما يُبايِعُهُنَّ إلّا بِقَوْلِهِ: «قَدْ بايَعْتُكِ عَلى ذَلِكِ»» .

قالَ ابْنُ حَجَرٍ: أيْ: لا مُصافَحَةَ بِاليَدِ، كَما جَرَتِ العادَةُ بِمُصافَحَةِ الرِّجالِ عِنْدَ المُبايَعَةِ.

ثُمَّ قالَ: ورَوى النَّسائِيُّ والطَّبَرِيُّ «أنَّ أُمَيْمَةَ بِنْتَ رُقَيْقَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّها دَخَلَتْ في نِسْوَةٍ تُبايِعُ. فَقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ابْسُطْ يَدَكَ نُصافِحْكَ. فَقالَ: «إنِّي لا أُصافِحُ النِّساءَ، ولَكِنْ سَآخُذُ عَلَيْكُنَّ» فَأخَذَ عَلَيْنا حَتّى بَلَغَ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ فَقالَ: «فِيما أطَقْتُنَّ واسْتَطَعْتُنَّ» فَقُلْنَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أرْحَمُ بِنا مِن أنْفُسِنا» -وفِي رِوايَةِ الطَّبَرِيِّ: «ما قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأةٍ إلّا كَقَوْلِي لِامْرَأةٍ واحِدَةٍ-» وقَدْ جاءَ في أخْبارٍ أُخْرى أنَّهُنَّ كُنْ يَأْخُذْنَ بِيَدِهِ عِنْدَ المُبايَعَةِ مِن فَوْقِ ثَوْبٍ -أخْرَجَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ.

وفِي "المَغازِي" لِابْنِ إسْحاقَ عَنْ أبانَ بْنِ صالِحٍ أنَّهُ كانَ يَغْمِسُ يَدَهُ في إناءٍ، فَيَغْمِسْنَ أيْدِيَهُنَّ فِيهِ. انْتَهى.

والمُعَوَّلُ عَلى رِوايَةِ البُخارِيِّ الأُولى لِصِحَّتِها، وضَعْفِ ما عَداها.

الثّانِي: رَوى مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ كانَ مِنهُ النِّياحَةُ.

(p-٥٧٧٧)ولَفْظُ البُخارِيِّ عَنْها قالَتْ: «بايَعْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «فَقَرَأ عَلَيْنا: ﴿أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ونَهانا عَنِ النِّياحَةِ»» .

وأخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدِهِ إلى امْرَأةٍ مِنَ المُبايِعاتِ قالَتْ: ««كانَ فِيما أخَذَ عَلَيْنا أنْ لا نَعْصِيَهُ في شَيْءٍ مِنَ المَعْرُوفِ، ولا نَخْمِشَ وجْهًا، ولا نَنْشُرَ شَعْرًا، ولا نَشُقَّ جَيْبًا، ولا نَدْعُوَ ويْلًا»» .

وعَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أخَذَ عَلَيْهِنَّ يَوْمَئِذَ أنْ لا يَنُحْنَ، ولا يُحَدِّثْنَ الرِّجالَ إلّا رَجُلًا مِنكُنَّ مُحَرَّمًا. فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: يا نَبِيَّ اللَّهِ! إنَّ لَنا أضْيافًا وإنّا نَغِيبُ عَنْ نِسائِنا؟ فَقالَ: «لَيْسَ أُولَئِكَ عَنَيْتُ»» .

الثّالِثُ: قالَ الكَيا الهَرّاسِيُّ: يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ أنَّهُ لا طاعَةَ لِأحَدٍ في غَيْرِ المَعْرُوفِ. قالَ: وأمْرُ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ إلّا بِمَعْرُوفٍ، وإنَّما شَرْطُهُ في الطّاعَةِ؛ لِئَلّا يُرَخِّصَ أحَدٌ في طاعَةِ السَّلاطِينِ.

وأصْلُهُ مِمّا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَبِيَّهُ وخِيرَتَهُ مِن خَلْقِهِ، ثُمَّ لَمْ يَسْتَحِلَّ لَهُ أمْرٌ إلّا بِشَرْطٍ، لَمْ يَقُلْ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ﴾ ويَتْرُكُ حَتّى قالَ: ﴿فِي مَعْرُوفٍ﴾ فَكَيْفَ يَنْبَغِي لِأحَدِ أنَّ يُطاعَ في غَيْرِ مَعْرُوفٍ، وقَدِ اشْتَرَطَ اللَّهُ هَذا عَلى نَبِيِّهِ؟

ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى في آخِرِ السُّورَةِ بِما نَبَّهَ بِهِ في فاتِحَتِها، مِنَ النَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ مُحارِبِي الدِّينِ، تَحْذِيرًا مِنَ التَّهاوُنِ في ذَلِكَ، وزِيادَةَ اعْتِناءٍ بِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

60:13Page 551

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ قَدۡ يَئِسُواْ مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلۡكُفَّارُ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡقُبُورِ ١٣

O you who have believed, do not make allies of a people with whom Allāh has become angry. They have despaired of [reward in] the Hereafter just as the disbelievers have despaired of [meeting] the companions [i.e., inhabitants] of the graves.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

(p-٥٧٧٨)[١٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مَسْخُوطًا عَلَيْهِمْ لِمُعاداتِهِمُ الحَقَّ، ومُحارَبَتِهِمُ الصَّلاحَ، وعَيْثِهِمُ الفَسادَ. وهو عامٌّ في كُلِّ مُحارِبٍ، ومِنهم مَن خَصَّهُ بِاليَهُودِ؛ لِأنَّهُ عَبَّرَ عَنْهم في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ النّاصِرُ: قَدْ كانَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَكَرَ في قَوْلِهِ، ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ﴾ [فاطر: ١٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢] أنَّ آخِرَ الآيَةِ اسْتِطْرادٌ، وهو فَنٌّ مِن فُنُونِ البَيانِ، مُبَوَّبٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِهِ. وآيَةُ المُمْتَحَنَةِ هَذِهِ مُمْكِنَةٌ أنْ تَكُونَ مِن هَذا الفَنِّ جِدًّا، فَإنَّهُ ذَمَّ اليَهُودَ، واسْتَطْرَدَ ذَمَّهم بِذَمِّ المُشْرِكِينَ، عَلى نَوْعٍ حَسَنٍ مِنَ النِّسْبَةِ. وهَذا لا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ لِلْفُصَحاءِ في الِاسْتِطْرادِ أحْسَنُ ولا أمْكَنُ مِنهُ، ومِمّا صَدَّرُوا بِهِ هَذا الفَنَّ قَوْلُهُ:

؎إذا ما اتَّقى اللَّهَ الفَتى وأطاعَهُ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وإنْ كانَ مِن جُرْمِ

وقَوْلُهُ:

؎إنْ كُنْتِ كاذِبَةَ الَّذِي حَدَّثْتِنِي ∗∗∗ فَنَجَوْتِ مَنجى الحارِثِ بْنِ هِشامِ

وقَوْلُهُ:

؎تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونَهم ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ

انْتَهى.

(p-٥٧٧٩)وكانَ وجْهُ إيثارِهِ الفِرارَ مِنَ التَّأْكِيدِ إلى التَّأْسِيسِ، مَعَ أنَّ إرادَةَ ما أُرِيدَ بِأوَّلِ السُّورَةِ مِنهُ، فِيهِ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ رَدُّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ، تَذْكِيرًا بِهِ وتَفْخِيمًا، لِلْعِنايَةِ بِشَأْنِهِ، ولِكُلٍّ وُجْهَةٌ.

﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾ أيْ: مِن جَزائِها لِجَحْدِهِمْ بِها، ولِذَلِكَ طَغَوْا وبَغَوْا وعاثُوا. والجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ أيْ: كَما يَئِسَ مَن سَلَفَهم مِن إخْوانِهِمُ الكُفّارِ المَقْبُورِينَ، أيْ: أنَّهم عَلى شاكِلَةِ مَن قَبْلَهُمْ، وكُلٌّ مُؤاخَذٌ بِكُفْرِهِ. وقِيلَ: المَعْنى كَما يَئِسَ الكُفّارُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ أصْحابُ القُبُورِ الَّذِينَ ماتُوا. فَفِيهِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، تَسْجِيلًا لِكُفْرِهِمْ، وبَيانًا لِما اقْتَضى الغَضَبُ عَلَيْهِمْ، ولِما آيَسَهم. والأوَّلُ أظْهَرُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском