Al-QasimiAl‑Jumu'ah · 62:1–11

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

الجمعة

Al-Jumu'ah

The Congregation, Friday · Medinan · 11 ayahs

62:1–2Page 553

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١

Whatever is in the heavens and whatever is on the earth is exalting Allāh,1 the Sovereign, the Pure, the Exalted in Might, the Wise.2

هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢

It is He who has sent among the unlettered [Arabs] a Messenger from themselves reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom [i.e., the sunnah] - although they were before in clear error -

(p-٥٧٩٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الجُمُعَةِ

مَدَنِيَّةٌ. وآيُها إحْدى عَشْرَةَ.

رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ الجُمُعَةِ والمُنافِقِينَ».

(p-٥٧٩٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١ - ٢] ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]

﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ﴾ [الجمعة: ٢] أيِ: العَرَبِ، ﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] أيْ: مِن أنْفُسِهِمْ، أُمِّيًّا مِثْلَهُمْ، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ [الجمعة: ٢] أيْ: مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا مِثْلَهم لَمْ تُعْهَدْ مِنهُ قِراءَةٌ ولا تَعَلُّمٌ، ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: ٢] أيْ: مِن خَبائِثِ العَقائِدِ والأخْلاقِ، ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢] أيِ: القُرْآنَ والسُّنَّةَ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] أيْ: جَوْرٍ عَنِ الحَقِّ، وانْحِرافٍ عَنْ سَبِيلِ الرُّشْدِ. وهو بَيانٌ لِشِدَّةِ افْتِقارِهِمْ إلى نَبِيٍّ يُرْشِدُهم.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَبَعَثَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وطُمُوسٍ مِنَ السُّبُلِ، وقَدِ اشْتَدَّتِ الحاجَةُ إلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا قَدِيمًا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَدَّلُوهُ وغَيَّرُوهُ، واسْتَبْدَلُوا بِالتَّوْحِيدِ شِرْكًا، وبِاليَقِينِ شَكًّا، وابْتَدَعُوا أشْياءَ لَمْ يَأْذَنْ بِها اللَّهُ. وكَذَلِكَ أهْلُ الكِتابِ قَدْ بَدَّلُوا كُتُبَهم وحَرَّفُوها، وأوَّلُوها، فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِشَرْعٍ عَظِيمٍ كامِلٍ شامِلٍ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، فِيهِ هِدايَتُهُمْ، والبَيانُ لِجَمِيعِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، والدَّعْوَةُ لَهم إلى ما يُقَرِّبُهم إلى الجَنَّةِ، ورِضا اللَّهِ عَنْهُمْ، والنَّهْيُ عَمّا يُقَرِّبُهم إلى النّارِ وسَخَطِ اللَّهِ تَعالى، حاكِمٌ فاصِلٌ لِجَمِيعِ الشُّبَهاتِ والشُّكُوكِ والرِّيَبِ، في الأُصُولِ والفُرُوعِ، (p-٥٧٩٨)وجَمَعَ لَهُ تَعالى -ولَهُ الحَمْدُ والمِنَّةُ- جَمِيعَ المَحاسِنِ فِيمَن كانَ قَبْلَهُ، وأعْطاهُ ما لَمْ يُعْطِ أحَدًا مِنَ الأوَّلِينَ، ولا يُعْطِيهِ أحَدًا مِنَ الآخِرِينَ، فَصَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ دائِمًا إلى يَوْمِ الدِّينِ. انْتَهى.

وإنَّما أُوثِرَتْ بِعْثَتُهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في الأُمِّيِّينَ؛ لِأنَّهم أحَدُ النّاسِ أذْهانًا، وأقْواهم جَنانًا، وأصْفاهم فِطْرَةً، وأفْصَحُهم بَيانًا، لَمْ تُفْسَدْ فِطْرَتُهم بِغَواشِي المُتَحَضِّرِينَ، ولا بِأفانِينِ تَلاعُبِ أُولَئِكَ المُتَمَدِّنِينَ، ولِذا انْقَلَبُوا إلى النّاسِ بَعْدَ الإسْلامِ بِعِلْمٍ عَظِيمٍ، وحِكْمَةٍ باهِرَةٍ، وسِياسَةٍ عادِلَةٍ، قادُوا بِها مُعْظَمَ الأُمَمِ، ودَوَّخُوا بِها أعْظَمَ المَمالِكِ. وإيثارُ البِعْثَةِ فِيهِمْ -بِمَعْنى إظْهارِها فِيهِمْ- لا يُنافِي عُمُومَ الرِّسالَةِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ:

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقَوْلِهِ:

﴿لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ:

62:3Page 553

وَءَاخَرِينَ مِنۡهُمۡ لَمَّا يَلۡحَقُواْ بِهِمۡۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣

And [to] others of them who have not yet joined them. And He is the Exalted in Might, the Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣] ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " الأُمِّيِّينَ "

يَعْنِي: أنَّهُ بَعَثَهُ في الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ عَلى عَهْدِهِ، وفي آخَرِينَ مِنَ الأُمِّيِّينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ بَعْدُ، وسَيَلْحَقُونَ بِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ بَعْدَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، مِن كُلِّ مَن دَخَلَ في الإسْلامِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، كَما فَسَّرَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قالَ الرّازِيُّ: فالمُرادُ بِالأُمِّيِّينَ العَرَبُ، وبِالآخَرِينَ سِواهم مِنَ الأُمَمِ، وجَعَلَهم مِنهُمْ؛ لِأنَّهم إذا أسْلَمُوا صارُوا مِنهُمْ، فالمُسْلِمُونَ كُلُّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أجْناسُهُمْ، قالَ تَعالى:

﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] انْتَهى.

(p-٥٧٩٩)تَنْبِيهٌ:

قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: في الآيَةِ مُعْجِزَةٌ مِن مُعْجِزاتِ النُّبُوَّةِ، وذَلِكَ في الإخْبارِ عَنْ غَيْبٍ وقَعَ، والبِشارَةِ بِدُخُولِ أُمَمٍ غَيْرِ العَرَبِ في الإسْلامِ قَدْ حَصَلَ، فَقَدْ صارَتْ تِلْكَ الأُمَمُ الَّتِي أسْلَمَتْ، مِنَ العَرَبِ لِأنَّ بِلادَهم صارَتْ بِلادَ العَرَبِ، ولُغَتُهم لُغَةُ العَرَبِ، وكَذَلِكَ دِينُهم وعاداتُهُمْ، حَتّى أصْبَحُوا مِنَ العَرَبِ جِنْسًا ودِينًا ولُغَةً، وحَتّى صارَ لَفْظُ العَرَبِ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ المُسْلِمِينَ مِن جَمِيعِ الأجْناسِ؛ لِأنَّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢] فَصَدَقَ اللَّهُ العَظِيمُ.

62:4Page 553

ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٤

That is the bounty of Allāh, which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤] ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾

﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ يَعْنِي بِعْثَتَهُ تَعالى رَسُولًا في الأُمِّيِّينَ، وفي آخَرِينَ، فَضْلٌ تَفَضَّلَ بِهِ عَلى مَنِ اصْطَفاهُ واخْتارَهُ لِذَلِكَ، وهو أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ، والآياتُ هَذِهِ رَدٌّ عَلى مَن أنْكَرَ نُبُوَّتَهُ ﷺ مِن يَهُودِ المَدِينَةِ؛ حَسَدًا وعِنادًا، مَعَ أنَّ لَدَيْهِمْ مِن شَواهِدِ رِسالَتِهِ ما لا تَرْتابُ أفْئِدَتُهم بِصِدْقِها، ولِذا نَعى عَلَيْهِمْ مُخالَفَتَهم لِمُوجِبِ عِلْمِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

62:5Page 553

مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥

The example of those who were entrusted with the Torah and then did not take it on1 is like that of a donkey who carries volumes [of books].2 Wretched is the example of the people who deny the signs of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ قالَ (p-٥٨٠٠)الزَّمَخْشَرِيُّ: شَبَّهَ اليَهُودَ في أنَّهم حَمَلَةُ التَّوْراةِ وقُرّاؤُها، وحِفاظُ ما فِيها، ثُمَّ إنَّهم غَيْرُ عامِلِينَ بِها، ولا مُنْتَفِعِينَ بِآياتِها؛ وذَلِكَ أنَّ فِيها نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والبِشارَةَ بِهِ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ -بِالحِمارِ حَمَلَ أسْفارًا- أيْ: كُتُبًا كِبارًا مِن كُتُبِ العِلْمِ، فَهو يَمْشِي بِها ولا يَدْرِي مِنها إلّا ما يَمُرُّ بِجَنْبَيْهِ وظَهْرِهِ مِنَ الكَدِّ والتَّعَبِ، وكُلُّ مَن عَلِمَ ولَمْ يَعْمَلْ، فَهَذا مَثَلُهُ، وبِئْسَ المَثَلُ! ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ وهو اليَهُودُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ، الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ومَعْنى ﴿حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ كُلِّفُوا عِلْمَها، والعَمَلَ بِها، ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، ثُمَّ لَمْ يَعْمَلُوا بِها، فَكَأنَّهم لَمْ يَحْمِلُوها في الحَقِيقَةِ لِفَقْدِ العَمَلِ. انْتَهى.

قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في "أعْلامِ المُوَقِّعِينَ": قاسَ مَن حَمَّلَهُ سُبْحانَهُ كِتابَهُ لِيُؤْمِنَ بِهِ ويَتَدَبَّرَهُ ويَعْمَلَ بِهِ ويَدْعُوَ إلَيْهِ، ثُمَّ خالَفَ ذَلِكَ، ولَمْ يَحْمِلْهُ إلّا عَلى ظَهْرِ قَلْبٍ، فَقِراءَتُهُ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ ولا تَفَهُّمٍ ولا اتِّباعٍ لَهُ، ولا تَحْكِيمٍ لَهُ، وعَمَلٍ بِمُوجِبِهِ -كَحِمارٍ عَلى ظَهْرِهِ زامِلَةُ أسْفارٍ- لا يَدْرِي ما فِيها، وحَظُّهُ مِنها حَمْلُها عَلى ظَهْرِهِ لَيْسَ إلّا. فَحَظُّهُ مِن كِتابِ اللَّهِ كَحَظِّ هَذا الحِمارِ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي عَلى ظَهْرِهِ، فَهَذا المَثَلُ -وإنْ كانَ قَدْ ضُرِبَ لِلْيَهُودِ، فَهو مُتَناوِلٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، لِمَن حُمِّلَ القُرْآنَ، فَتَرَكَ العَمَلَ بِهِ، ولَمْ يُؤَدِّ حَقَّهُ، ولَمْ يَرْعَهُ حَقَّ رِعايَتِهِ. انْتَهى. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، فَكَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ.

62:6Page 553

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓاْ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦

Say, "O you who are Jews, if you claim that you are allies of Allāh, excluding the [other] people, then wish for death, if you should be truthful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦] ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ كانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في زَعْمِكُمْ، وعَلى ثِقَةٍ مِن أمْرِكُمْ، فَتَمَنَّوْا عَلى اللَّهِ أنْ يُمِيتَكُمْ، ويَنْقُلَكم سَرِيعًا (p-٥٨٠١)إلى الآخِرَةِ، فَإنَّ الحَبِيبَ يَتَمَنّى لِقاءَ مَن يُحِبُّ، ولا يَفِرُّ مِنهُ، ويَوَدُّ أنْ يَسْتَرِيحَ مِن كُرَبِ الدُّنْيا وغُمُومِها، ويَصِيرُ إلى رَوْحِ الجِنانِ ونَعِيمِها.

62:7–8Page 553

وَلَا يَتَمَنَّوۡنَهُۥٓ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٧

But they will not wish for it, ever, because of what their hands have put forth. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨

Say, "Indeed, the death from which you flee - indeed, it will meet you. Then you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you about what you used to do."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧ - ٨] ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨]

﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: مِنَ المَعاصِي والسَّيِّئاتِ والكُفْرِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ: فَيُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، وتَقَدَّمَ في البَقَرَةِ نَظِيرُ الآيَةِ: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ [البقرة: ٩٤]

﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ﴾ [الجمعة: ٨] أيْ: تَخافُونَ أنْ تَتَمَنَّوْهُ بِلِسانِكُمْ، مَخافَةَ أنْ يُصِيبَكُمْ، فَتُؤْخَذُوا بِأعْمالِكم ﴿فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨] أيْ: مِنَ الأعْمالِ، حَسَنِها وسَيِّئِها، فَيُجازِيكم عَلَيْها.

62:9–10Page 554

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩

O you who have believed, when [the adhān] is called for the prayer on the day of Jumuʿah [Friday], then proceed to the remembrance of Allāh and leave trade. That is better for you, if you only knew.

فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٠

And when the prayer has been concluded, disperse within the land and seek from the bounty of Allāh, and remember Allāh often that you may succeed.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩ - ١٠] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ أيْ: عِنْدَ جُلُوسِ الإمامِ (p-٥٨٠٢)عَلى المِنبَرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِداءٌ سِواهُ، ««كانَ إذا جَلَسَ عَلى المِنبَرِ، أذَّنَ بِلالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ»» ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيِ: الخُطْبَةِ والصَّلاةِ ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ. قالَ أبُو مالِكٍ: كانَ قَوْمٌ يَجْلِسُونَ في بَقِيعِ الزُّبَيْرِ، فَيَشْتَرُونَ ويَبِيعُونَ إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ يَوْمَ الجُمْعَةِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: سَعْيُكم لَها، وتَرْكُ البَيْعِ، خَيْرٌ لَكم مِمّا نَفْعُهُ يَسِيرٌ، ورِبْحُهُ مُقارِبٌ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] أيْ: أُدِّيَتْ وفُرِغَ مِنها ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] أيِ: اذْكُرُوا أمْرَهُ ودِينَهُ وشَرْعَهُ دائِمًا، لِتَصِيرَ مَلَكَةً لَكُمْ، تَظْهَرُ آثارُها عَلى أعْمالِكم وأخْلاقُكُمْ، فَتُفْلِحُوا بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ اذْكُرُوهُ بِالحَمْدِ لَهُ، والشُّكْرِ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِنَ التَّوْفِيقِ لِأداءِ فَرائِضِهِ، لِتُفْلِحُوا فَتُدْرِكُوا طَلَباتِكم عِنْدَ رَبِّكُمْ، وتَصِلُوا إلى الخُلْدِ في جِنانِهِ.

62:11Page 554

وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١

But [on one occasion] when they saw a transaction or a diversion, [O Muḥammad], they rushed to it and left you standing. Say, "What is with Allāh is better than diversion and than a transaction, and Allāh is the best of providers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١] ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾

﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً﴾ أيْ: عِيرَ تِجارَةٍ ﴿أوْ لَهْوًا﴾ أيْ: ما تَلْهُو بِهِ النَّفْسُ عَنِ الحَقِّ والجِدِّ النّافِعِ ﴿انْفَضُّوا إلَيْها﴾ أيْ: أسْرَعُوا إلى التِّجارَةِ خَشْيَةَ أنْ يُسْبَقُوا إلَيْها، وإنَّما أُوثِرَ ضَمِيرُها؛ لِأنَّها الأهَمُّ المَقْصُودُ ﴿وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ أيْ: عَلى المِنبَرِ ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِنَ الثَّوابِ المَرْجُوِّ بِسَماعِ الخُطْبَةِ والعِظَةِ بِها ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ﴾ أيْ: لِأنَّ الثَّوابَ مُخَلَّدٌ نَفْعُهُ، بِخِلافِ ما يَتَوَهَّمُونَهُ مِنها.

قالَ الشِّهابُ: وتَقْدِيمُ اللَّهْوِ؛ لِأنَّهُ أقْوى مَذَمَّةً، فَناسَبَ تَقْدِيمُهُ في مَقامِ الذَّمِّ.

(p-٥٨٠٣)﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أيْ: فاعْمَلُوا لِلْأعْراضِ الباقِيَةِ عِنْدَهُ؛ فَإنَّها خَيْرٌ مِنَ الأُمُورِ الفانِيَةِ عِنْدَكُمْ، وفَوِّضُوا أمْرَ الرِّزْقِ إلَيْهِ بِالتَّوَكُّلِ، والثِّقَةِ بِفَضْلِهِ؛ فَإنَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: وجْهُ تَعَلُّقِ آيَةِ الجُمْعَةِ بِما قَبْلَها، هو أنِ الَّذِينَ هادُوا يَفِرُّونَ مِنَ المَوْتِ لِمَتاعِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها، والَّذِينَ أمِنُوا يَبِيعُونَ ويَشْرُونَ لِمَتاعِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها كَذَلِكَ. فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ:

﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] أيْ: إلى ما يَنْفَعُكم في الآخِرَةِ، وهو حُضُورُ الجُمْعَةِ؛ لِأنَّ الدُّنْيا ومَتاعَها فانِيَةٌ، والآخِرَةُ وما فِيها باقِيَةٌ. قالَ تَعالى:

﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ووَجْهٌ آخَرُ في التَّعَلُّقِ، قالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ أبْطَلَ اللَّهُ قَوْلَ اليَهُودِ في ثَلاثٍ: افْتَخَرُوا بِأنَّهم أوْلِياءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ فَكَذَّبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦] وبِأنَّهم أهْلُ الكِتابِ، والعَرَبُ لا كِتابَ لَهُمْ، فَشَبَّهَهم بِالحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا. وبِالسَّبْتِ، ولَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُ، فَشَرَعَ اللَّهُ لَهُمُ الجُمْعَةَ. انْتَهى.

وقالَ المَهايِمِيُّ في وجْهِ المُناسَبَةِ: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُقْتَضى الإيمانِ الِاجْتِماعُ عَلى الخَيْرِ، لاسِيَّما الشُّكْرُ عَلى الإنْسانِيَّةِ؛ لِئَلّا تَنْقَلِبَ حِمارِيَّةً أوْ بَهِيمِيَّةً، في مُقابَلَةِ اجْتِماعِ أهْلِ الكِتابِ عَلى الشَّرِّ، الَّذِي جَرَّهم إلى الحِمارِيَّةِ والبَهِيمِيَّةِ.

الثّانِي: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": في قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] مَشْرُوعِيَّةُ صَلاةِ الجُمْعَةِ، والأذانِ لَها، والسَّعْيِ إلَيْها، وتَحْرِيمُ البَيْعِ بَعْدَ الأذانِ. واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّما يَجِبُ إتْيانُ الجُمْعَةِ عَلى مَن كانَ يَسْمَعُ فِيهِ النِّداءَ. ومَن قالَ: لا يَحْتاجُ إلى إذْنِ السُّلْطانِ، لِأنْهُ تَعالى أوْجَبَ السَّعْيَ، ولَمْ يَشْتَرِطْ إذْنَ أحَدٍ. ومَن قالَ: لا تَجِبُ عَلى النِّساءِ لِعَدَمِ دُخُولِهِنَّ في خِطابِ الذُّكُورِ. انْتَهى.

(p-٥٨٠٤)الثّالِثُ: في "الإكْلِيلِ": في قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] إباحَةُ الِانْتِشارِ عَقِبَ الصَّلاةِ، فَيُسْتَفادُ مِنهُ تَقْدِيمُ الخُطْبَةِ عَلَيْها. انْتَهى.

وظاهِرُهُ أنَّهُ لا يُشْرَعُ بَعْدَ أدائِها صَلاةٌ ما، غَيْرَ أنَّهُ ««كانَ ﷺ يَتَنَفَّلُ بَعْدَها في بَيْتِهِ رَكْعَتَيْنِ»»، وفي رِوايَةٍ: «أرْبَعًا» . وأمّا اعْتِقادُ فَرِيضَةِ الظُّهْرِ بَعْدَها إذا تَعَدَّدَتْ، فَتَعَصُّبٌ مَذْهَبِيٌّ لا بُرْهانَ لَهُ. وقَدْ قُلْتُ في مُقَدِّمَةِ مَجْمُوعَةِ الخُطَبِ، في الفائِدَةِ الرّابِعَةِ ما مِثالُهُ:

الحاجَةُ في هَذِهِ البِلادِ في هَذِهِ الأوْقاتِ تَدْعُو إلى أكْثَرَ مِن جُمْعَةٍ؛ إذْ لَيْسَ لِلنّاسِ جامِعٌ واحِدٌ يَسَعُهُمْ، ولا يُمْكِنُهم جُمْعَةٌ واحِدَةٌ أصْلًا، إلّا أنَّ خُرُوجَها عَنْ حَدِّ أنْ لا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ بَقِيَّةِ الصَّلَواتِ في كَثِيرٍ مِنَ المَساجِدِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تُشَيَّدْ لِمِثْلِها، قَدْ هَوَّلَ فِيهِ السُّبْكِيُّ في "فَتاوِيهِ"؛ لِأنَّهُ مِمّا تَأْباهُ مَشْرُوعِيَّتُها، وما مَضى عَلَيْهِ عَمَلُ القُرُونِ الثَّلاثَةِ، بَلْ تَسْمِيَتُها جُمْعَةً، فَإنَّ صِيغَةَ (فُعْلَةٍ) في اللُّغَةِ لِلْمُبالَغَةِ. وبِالجُمْلَةِ فالجَوامِعُ الكِبارُ الَّتِي تَؤُمُّها الأفْواجُ يَوْمَ الجُمْعَةِ ويُحْتاجُ لِإقامَتِها فِيها حاجَةٌ بَيِّنَةٌ لِمُجاوِرِيها، هي الَّتِي لا خِلافَ في جَوازِها مَهْما تَعَدَّدَتْ، والَّتِي لا تُعادُ الظُّهْرُ بَعْدَها، وقَدْ بَسَطْناهُ في كِتابِنا "إصْلاحُ المَساجِدِ مِنَ البِدَعِ والعَوائِدِ".

الرّابِعُ: يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى:

﴿وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] عَلى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ تَعْطِيلِ يَوْمِ الجُمْعَةِ، فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمُجانَبَةِ التَّشَبُّهِ بِأهْلِ الكِتابِ في تَعْطِيلِ يَوْمَيِ السَّبْتِ والأحَدِ، ورَدٌّ عَلى ما ابْتُدِعَ فِيهِ مِنَ الوَظائِفِ ما يَدْعُو إلى الِانْقِطاعِ عَنْ كُلِّ عَمَلٍ. والأصْلُ أنَّ كُلَّ ما لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الكِتابُ الحَكِيمُ، ولا الهَدْيُ النَّبَوِيُّ، مِن خَبَرٍ قَوِيمٍ، فَهو تَشْرِيعٌ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ. وإذا رَفَعَ اللَّهُ بِفَضْلِهِ عَنّا الإصْرَ والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلى مَن قَبْلَنا، فَما بالُنا نَسْتَجُرُّها إلَيْنا بِالأسْبابِ الضَّعِيفَةِ؟ فاللَّهُمَّ غُفْرًا.

(p-٥٨٠٥)الخامِسُ: قالَ في "الإكْلِيلِ": في قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ مَشْرُوعِيَّةُ الخُطْبَةِ، والقِيامِ فِيها، واشْتِراطِ الجَماعَةِ في الصَّلاةِ، وسَماعِهِمُ الخُطْبَةَ، وتَحْرِيمِ الِانْفِضاضِ. انْتَهى.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ جابِرٍ قالَ: قَدِمَتْ عِيرٌ مَرَّةً المَدِينَةَ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَخَرَجَ النّاسُ، وبَقِيَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا؛ فَنَزَلَتْ: ﴿وإذا رَأوْا﴾ الآيَةَ...»

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ «عَنْ جابِرٍ قالَ: كانَ الجَوارِي إذا نَكَحُوا يَمُرُّونَ بِالكَبَرِ والمَزامِيرِ، ويَتْرُكُونَ النَّبِيَّ ﷺ قائِمًا عَلى المِنبَرِ، ويَنْفَضُّونَ إلَيْها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا رَأوْا﴾ الآيَةَ...»

وعَنْ مُجاهِدٍ: اللَّهْوُ الطَّبْلُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском