Al-QasimiAt‑Taghabun · 64:1–18

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

التغابن

At-Taghabun

The Mutual Disillusion · Medinan · 18 ayahs

64:1–2Page 556

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١

Whatever is in the heavens and whatever is on the earth is exalting Allāh.1 To Him belongs dominion, and to Him belongs [all] praise, and He is over all things competent.

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢

It is He who created you, and among you is the disbeliever, and among you is the believer. And Allāh, of what you do, is Seeing.

(p-٥٨١٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ التَّغابُنِ

مَكِّيَّةٌ، عَلى ما يَظْهَرُ مِن أمْثالِها لِمَن سَبَرَ. وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ. وآيُها ثَمانِ عَشْرَةَ.

(p-٥٨١٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١ - ٢] ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢]

﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ﴾ أيْ: مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، ونُفُوذُ الأمْرِ فِيهِما ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ أيِ: الثَّناءُ الجَمِيلُ؛ لِأنَّهُ مَوْلى النِّعَمِ ومُوجِدُها.

﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [التغابن: ٥] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦] أيْ: هو الَّذِي انْفَرَدَ بِإيجادِكم في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، قابِلٌ لِلْكَمالاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَمِنكم مُخْتارٌ لِلْكُفْرِ، جاحِدٌ لِلْحَقِّ، كاسِبٌ لَهُ عَلى خِلافِ ما تَسْتَدْعِيهِ خِلْقَتُهُ، ومِنكم مُخْتارٌ لِلْإيمانِ، كاسِبٌ لَهُ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ خِلْقَتُهُ، وكانَ الواجِبُ عَلَيْكم جَمِيعًا أنْ تَكُونُوا مُخْتارِينَ لِلْإيمانِ، شاكِرِينَ لِنِعْمَةِ الخَلْقِ والإيجادِ، وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِن سائِرِ النِّعَمِ، فَما فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَعَ تَمامِ تَمَكُّنِكم مِنهُ، بَلْ تَشَعَّبْتُمْ شُعَبًا، وتَفَرَّقْتُمْ فِرَقًا. وتَقْدِيمُ الكُفْرِ لِأنَّهُ الأغْلَبُ فِيما بَيْنَهُمْ، والأنْسَبُ بِمَقامِ التَّوْبِيخِ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢] أيْ: فَيُجازِيكم بِهِ، فَآثِرُوا ما يُجْدِيكُمْ، وجانِبُوا ما يُرْدِيكم.

(p-٥٨١٩)

64:3Page 556

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣

He created the heavens and earth in truth and formed you and perfected your forms; and to Him is the [final] destination.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣] ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾

﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ الَّتِي تُرْشِدُ إلى المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أيْ: حَيْثُ بَرَأكم في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الإنْسانَ مُعْتَدِلَ القامَةِ عَلى أعْدَلِ الأمْزِجَةِ، وآتاهُ العَقْلَ وقُوَّةَ النُّطْقِ والتَّصَرُّفَ في المَخْلُوقاتِ، والقُدْرَةَ عَلى أنْواعِ الصِّناعاتِ ﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ أيْ: مَرْجِعُكم لِلْجَزاءِ.

64:4Page 556

يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤

He knows what is within the heavens and earth and knows what you conceal and what you declare. And Allāh is Knowing of that within the breasts.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤] ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾

﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِخَفاياها، وما تَنْطَوِي عَلَيْهِ، وفِيهِ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ، كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ السَّرائِرَ، وخَفِيّاتِ الضَّمائِرِ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِن جَمِيعِ الكائِناتِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَبَّهَ بِعِلْمِهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ ما يُسِرُّهُ العِبادُ ويُعْلِنُونَهُ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ ذَواتِ الصُّدُورِ، أنَّ شَيْئًا مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ غَيْرُ خافٍ عَلَيْهِ، ولا عازِبَ عَنْهُ فَحَقُّهُ أنْ يُتَّقى ويُحْذَرَ، ولا يُجْتَرَأ عَلى شَيْءٍ مِمّا يُخالِفُ رِضاهُ. وتَكْرِيرُ العِلْمِ في مَعْنى تَكْرِيرِ الوَعِيدِ. وكُلُّ ما ذَكَرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] كَما تَرى، في مَعْنى الوَعِيدِ عَلى الكُفْرِ، وإنْكارِ أنْ يُعْصى الخالِقُ، ولا تُشْكَرُ نِعْمَتُهُ. انْتَهى.

(p-٥٨٢٠)

64:5–6Page 556

أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٥

Has there not come to you the news of those who disbelieved before? So they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ ٦

That is because their messengers used to come to them with clear evidences, but they said, "Shall human beings guide us?" and disbelieved and turned away. And Allāh dispensed [with them]; and Allāh is Free of need and Praiseworthy.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥ - ٦] ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]

﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيْ: مَعْشَرَ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] أيْ: كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ. و(الوَبالُ) الثِّقَلُ، والشِّدَّةُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ. و(أمْرُهُمْ) كُفْرُهُمْ، عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ، لِلْإيذانِ بِأنَّهُ أمْرٌ هائِلٌ، وجِنايَةٌ عَظِيمَةٌ ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن ذَوْقِهِمْ وبالَ أمْرِهِمْ في الدُّنْيا، وما أُعِدَّ لَهم مِن عَذابِ الأُخْرى، بِسَبَبِ أنَّهُ أتَتْهم رُسُلُهم بِالواضِحاتِ مِنَ الأدِلَّةِ والأعْلامِ، عَلى حَقِيقَةِ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ، فَنَبَذُوها، واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ، واسْتَهْزَأُوا بِرُسُلِهِمْ، وقالُوا: أبَشَرٌ يَهْدُونَنا؟

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اسْتِكْبارًا مِنهم أنْ تَكُونَ رُسُلُ اللَّهِ إلَيْهِمْ بَشَرًا مِثْلَهُمْ، واسْتِكْبارًا عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ مِن أجْلِ أنَّ بَشَرًا مِثْلَهم دَعاهم إلَيْهِ.

وجَمَعَ الخَبَرَ عَنِ البَشَرِ فَقِيلَ: ﴿يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] ولَمْ يَقُلْ: يَهْدِينا؛ لِأنَّ البَشَرَ وإنْ كانَ في لَفْظِ الواحِدِ فَإنَّهُ بِمَعْنى الجَمِيعِ. انْتَهى.

وقالَ القاشانِيُّ: لَمّا حُجِبُوا بِصِفاتِ نُفُوسِهِمْ عَنِ النُّورِ الَّذِي هو بِهِ يَفْضُلُ عَلَيْهِمْ بِما لا يُقاسُ، ولَمْ يَجِدُوا مِنهُ إلّا البَشَرِيَّةَ، أنْكَرُوا هِدايَتَهُ، فَإنَّ كُلَّ عارِفٍ لا يُعْرَفُ مَعْرُوفُهُ إلّا بِالمَعْنى الَّذِي فِيهِ، فَلا يُوجَدُ النُّورُ الكَمالِيُّ إلّا بِالنُّورِ الفِطْرِيِّ، ولا يَعْرِفُ الكَمالَ إلّا الكامِلُ، ولِهَذا قِيلَ: (p-٥٨٢١)لا يَعْرِفُ اللَّهَ إلّا اللَّهُ، وكُلُّ طالِبٍ وجَدَ مَطْلُوبَهُ بِوَجْهٍ ما دالًّا لِما أمْكَنَ بِهِ التَّوَجُّهُ نَحْوَهُ، وكَذا كُلُّ مُصَدِّقٍ بِشَيْءٍ فَإنَّهُ واجِدٌ لِلْمَعْنى المُصَدِّقِ بِهِ، بِما في نَفْسِهِ مِن ذَلِكَ المَعْنى. فَلَمّا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ شَيْءٌ مِنَ النُّورِ الفِطْرِيِّ أصْلًا، لَمْ يَعْرِفُوا مِنهُ الكَمالَ فَأنْكَرُوهُ، ولَمْ يَعْرِفُوا مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، فَيَحْدُثُ فِيهِمْ طَلَبٌ، فَيَحْتاجُوا إلى الهِدايَةِ، فَأنْكَرُوا الهِدايَةَ.

﴿فَكَفَرُوا﴾ [التغابن: ٦] أيْ: بِالحَقِّ والدِّينِ والرَّسُولِ ﴿وتَوَلَّوْا﴾ [التغابن: ٦] أيْ: عَنِ التَّدَبُّرِ في الآياتِ البَيِّناتِ، ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ [التغابن: ٦] أيْ: أظْهَرَ اسْتِغْناءَهُ عَنْ إيمانِهِمْ وطاعَتِهِمْ، حَيْثُ أهْلَكَهم وقَطَعَ دابِرَهُمْ، ولَوْلا غِناهُ تَعالى عَنْهم لَما فَعَلَ ذَلِكَ. فَ " اسْتَغْنى " مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ. أيْ: وقَدِ اسْتَغْنى بِكَمالِهِ، عَرَفُوا أوْ لَمْ يَعْرِفُوا.

﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ [التغابن: ٦] أيْ: بِذاتِهِ عَنِ العالَمِينَ، فَضْلًا عَنْ إيمانِهِمْ، لا يَتَوَقَّفُ كَمالٌ مِن كَمالاتِهِ عَلَيْهِمْ، ولا عَلى مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ.

﴿حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦] أيْ: يَحْمَدُهُ كُلُّ مَخْلُوقٍ، أوْ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ بِنَفْسِهِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ حامِدٌ.

64:7Page 556

زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧

Those who disbelieve have claimed that they will never be resurrected. Say, "Yes, by my Lord, you will surely be resurrected; then you will surely be informed of what you did. And that, for Allāh, is easy."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧] ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾

﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ أيْ: مِن قُبُورِكم ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ: هَيِّنٌ لِقَبُولِ المادَّةِ، وثُبُوتِ القُدْرَةِ الكامِلَةِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ هي الآيَةُ الثّالِثَةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُقْسِمَ بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، عَلى وُقُوعِ المَعادِ ووُجُودِهِ، فالأُولى في يُونُسَ: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] والثّانِيَةُ في سَبَأٍ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبإ: ٣] والثّالِثَةُ هَذِهِ الآيَةَ.

(p-٥٨٢٢)

64:8Page 556

فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٨

So believe in Allāh and His Messenger and the light [i.e., the Qur’ān] which We have sent down. And Allāh is Aware of what you do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨] ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْـزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ وبِرَسُولِهِ فِيما يُخْبِرُكم بِهِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ وغَيْرِهِ ﴿والنُّورِ الَّذِي أنْـزَلْنا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ الحَكِيمَ. والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ، لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِأمْرِ الإنْزالِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

64:9Page 556

يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلتَّغَابُنِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩

The Day He will assemble you for the Day of Assembly - that is the Day of Deprivation.1 And whoever believes in Allāh and does righteousness - He will remove from him his misdeeds and admit him to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ ظَرْفٌ لِ: " تُنَبِّئُونَ " أوْ لِ: " خَبِيرٌ " لِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَعِيدِ. كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ مُجازِيكم يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ، أوْ مَفْعُولٌ لِ: اذْكُرْ ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ أيْ: لِيَوْمٍ يَجْمَعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، أيْ: لِأجْلِ ما فِيهِ مِنَ الحِسابِ والجَزاءِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّغابُنُ مُسْتَعارٌ مِن تَغابَنَ القَوْمُ في التِّجارَةِ، وهو أنْ يَغْبِنَ بَعْضُهم بَعْضًا، لِنُزُولِ السُّعَداءِ مَنازِلَ الأشْقِياءِ الَّتِي كانُوا يَنْزِلُونَها لَوْ كانُوا سُعَداءَ، ونُزُولِ الأشْقِياءِ مَنازِلَ السُّعَداءِ الَّتِي كانُوا يَنْزِلُونَها لَوْ كانُوا أشْقِياءَ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالأشْقِياءِ لَأنَّ نُزُولَهم لَيْسَ بِغَبْنٍ. انْتَهى.

ومِمّا حَسَّنَ إطْلاقَ التَّغابُنِ عَلى ما ذُكِرَ، وُرُودُ البَيْعِ والِاشْتِراءِ في حَقِّ الفَرِيقَيْنِ، فَذَكَرَ تَعالى في حَقِّ الكافِرِينَ أنَّهُمُ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، واشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى، وذَكَرَ أنَّهم ما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ، فَكَأنَّهم غَبَنُوا أنْفُسَهم. ودَلَّ المُؤْمِنِينَ عَلى تِجارَةٍ رابِحَةٍ فَقالَ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةَ. وذَكَرَ أنَّهم باعُوا أنْفُسَهم بِالجَنَّةِ، فَخَسِرَتْ صَفْقَةُ الكُفّارِ، ورَبِحَتْ صَفْقَةُ المُؤْمِنِينَ.

(p-٥٨٢٣)وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: لَيْسَ التَّغابُنُ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ فَإنَّها أُمُورٌ فانِيَةٌ سَرِيعَةُ الزَّوالِ، ضَرُورِيَّةُ الفَناءِ، لا يَبْقى شَيْءٌ مِنها لِأحَدٍ، فَإنْ فاتَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، أوْ أفاتَهُ أحَدٌ، ولَوْ كانَ حَياتَهُ، فَإنَّما فاتَ أوْ أُفِيتَ ما لَزِمَ فَواتُهُ ضَرُورَةً، فَلا غَبْنَ ولا حَيْفَ حَقِيقَةً، وإنَّما الغَبْنُ والتَّغابُنُ في إفاتَةِ شَيْءٍ لَوْ لَمْ يُفِتْهُ لَبَقِيَ دائِمًا، وانْتَفَعَ بِهِ صاحِبُهُ سَرْمَدًا، وهو النُّورُ الكَمالِيُّ والِاسْتِعْدادِيُّ، فَتَظْهَرُ الحَسْرَةُ والتَّغابُنُ هُناكَ، في إضاعَةِ الرِّبْحِ ورَأْسِ المالِ في تِجارَةِ الفَوْزِ والنَّجاةِ، كَما قالَ: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] فَمَن أضاعَ اسْتِعْدادَهُ ونُورَ فِطْرَتِهِ، كانَ مَغْبُونًا مُطْلَقًا، كَمَن أُخِذَ نُورُهُ وبَقِيَ في الظُّلْمَةِ. ومَن بَقِيَ نُورُ فِطْرَتِهِ ولَمْ يَكْتَسِبِ الكَمالَ اللّائِقَ بِهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ، أوِ اكْتَسَبَ مِنهُ شَيْئًا، ولَمْ يَبْلُغْ غايَتَهُ، كانَ مَغْبُونًا بِالنِّسْبَةِ إلى الكامِلِ التّامِّ، فَكَأنَّما ظَفِرَ بِذَلِكَ الكامِلِ بِمَقامِهِ ومَرامِهِ، وبَقِيَ هَذا مُتَحَيِّرًا في نُقْصانِهِ. انْتَهى.

﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

64:10–11Page 557

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٠

But the ones who disbelieved and denied Our verses - those are the companions of the Fire, abiding eternally therein; and wretched is the destination.

مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١١

No disaster strikes except by permission of Allāh. And whoever believes in Allāh - He will guide his heart. And Allāh is Knowing of all things.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠ - ١١] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] .

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن: ١١] أيْ: بِقُدْرَةِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ الحَدِيدِ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢]

(p-٥٨٢٤)﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] أيْ: إلى العَمَلِ بِمُقْتَضى إيمانِهِ، ويَشْرَحُهُ لِلِازْدِيادِ مِنَ الطّاعَةِ والخَيْرِ.

﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] أيْ: فَيَعْلَمُ مَراتِبَ إيمانِكُمْ، وسَرائِرَ قُلُوبِكُمْ، وأحْوالَ أعْمالِكم وآفاتِها، وخُلُوصَها مِنَ الآفاتِ.

64:12–13Page 557

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٢

And obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon Our Messenger is only [the duty of] clear notification.

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٣

Allāh - there is no deity except Him. And upon Allāh let the believers rely.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢ - ١٣] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣]

﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: لِما أُرْسِلَ بِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ ولِيُّ الِانْتِقامِ مِمَّنْ عَصاهُ، وخالَفَ أمْرَهُ.

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣] قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الأوَّلُ خَبَرٌ عَنِ التَّوْحِيدِ، ومَعْناهُ طَلَبٌ، أيْ: وحِّدُوا الإلَهِيَّةَ لَهُ، وأخْلِصُوها لَدَيْهِ، وتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ [المزمل: ٩]

64:14Page 557

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤

O you who have believed, indeed, among your spouses and your children are enemies to you, so beware of them. But if you pardon and overlook and forgive - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ خِطابٌ لِمَن آمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وكانَ لَهُ مِن أزْواجِهِمْ وأوْلادِهِمْ مَن يُعادِيهِمْ لِإيمانِهِمْ، ويُؤْذِيهِمْ بِسَبَبِهِ، فَكانَ ذَلِكَ يَغِيظُهُمْ، ورُبَّما يَحْمِلُهم عَلى البَطْشِ بِهِمْ، فَأُمِرُوا بِالحَذَرِ مِن فِتْنَتِهِمْ، (p-٥٨٢٥)وشِرْكِهِمْ فَحَسْبُ، وأنْ يَظْهَرُوا فِيهِمْ بِمَظْهَرِ أُولِي الفَضْلِ، كَما قالَ: ﴿وأنْ تَعْفُوا﴾ [البقرة: ٢٣٧] أيْ: عَنْ ذُنُوبِهِمْ ﴿وتَصْفَحُوا﴾ أيْ: بِتَرْكِ التَّثْرِيبِ والتَّعْيِيرِ ﴿وتَغْفِرُوا﴾ أيْ: جِناياتِهِمْ بِالرَّحْمَةِ لَهم. ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: يُعامِلُكم بِمِثْلِ ما عَمِلْتُمْ.

رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يُسْلِمُ فَيَلُومُهُ أهْلُهُ وبَنُوهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ أنْ يُهاجِرَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ تَمْنَعُهُ زَوْجَتُهُ ووَلَدُهُ، ولَمْ يَأْلُوا يُثَبِّطُونَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ: إنَّهم عَدُوٌّ لَكم فاحْذَرُوهم واسْمَعُوا وأطِيعُوا، وامْضُوا لِشَأْنِكُمْ، فَكانَ الرَّجُلُ بَعْدَ ذَلِكَ إذا مُنِعَ وثُبِّطَ، مَرَّ بِأهْلِهِ وأقْسَمَ لَيَفْعَلَنَّ ولَيُعاقِبَنَّ أهْلَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا﴾ الآيَةَ...

64:15Page 557

إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٥

Your wealth and your children are but a trial, and Allāh has with Him a great reward.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥] ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾

﴿أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] أيْ: تَفْتَتِنُ بِهِما النَّفْسُ، ويَجْرِي عَلَيْها البَلاءُ بِهِما، إذا أُوثِرا عَلى مَحَبَّةِ الحَقِّ.

﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: لِمَن آثَرَ طاعَةَ اللَّهِ ومَحَبَّتَهُ عَلَيْهِما.

رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: هَذا في أُناسٍ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، كانَ يُسْلِمُ الرَّجُلُ أوِ النَّفَرُ مِنَ الحَيِّ، فَيَخْرُجُونَ مِن عَشائِرِهِمْ، ويَدَعُونَ أزْواجَهم وأوْلادَهم وآباءَهم عامِدِينَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَتَقُومُ عَشائِرُهم وأزْواجُهم وأوْلادُهم وآباؤُهم فَيُناشِدُونَهُمُ اللَّهَ (p-٥٨٢٦)لا يُفارِقُوهُمْ، ولا يُؤْثِرُوا عَلَيْهِمْ غَيْرَهُمْ، فَمِنهم مَن يَرِقُّ ويَرْجِعُ إلَيْهِمْ، ومِنهم مَن يَمْضِي حَتّى يَلْحَقَ بِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ.

وعَنْ مُجاهِدٍ: يَحْمِلُ الرَّجُلُ مالَهُ ووَلَدَهُ عَلى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، أوْ مَعْصِيَةِ رَبِّهِ، فَلا يَسْتَطِيعُ الرَّجُلُ مَعَ حُبِّهِ إلّا أنْ يُطِيعَهُ بِهِ، فَلِذَلِكَ وُعِدَ في إيثارِ طاعَةِ اللَّهِ، وأداءِ حَقِّ اللَّهِ في الأمْوالِ الأجْرَ العَظِيمَ؛ وهو الجَنَّةُ.

64:16Page 557

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٦

So fear Allāh as much as you are able and listen and obey and spend [in the way of Allāh]; it is better for your selves. And whoever is protected from the stinginess of his soul - it is those who will be the successful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ أيْ: جُهْدَكم ووُسْعَكُمْ، أيِ: ابْذُلُوا فِيها اسْتِطاعَتَكُمْ، ﴿واسْمَعُوا وأطِيعُوا﴾ أيِ: افْهَمُوا هَذِهِ الأوامِرَ واعْمَلُوا بِها ﴿وأنْفِقُوا﴾ أيْ: أمْوالَكُمُ الَّتِي ابْتَلاكُمُ اللَّهُ بِها في مَراضِيهِ ﴿خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: وائْتُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكُمْ، أيِ: اقْصُدُوا في الأمْوالِ والأوْلادِ ما هو خَيْرٌ لَكم. فَ: " خَيْرًا " مَفْعُولٌ بِمُقَدَّرٍ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: يَكُنِ الإنْفاقُ خَيْرًا، فَهو خَبَرُ (يَكُنْ) مُضْمَرًا، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدٍ. وقِيلَ: مَفْعُولٌ لِ: " أنْفِقُوا " وهو رَأْيُ ابْنُ جَرِيرٍ. قالَ: أيْ: وأنْفِقُوا مالًا مِن أمْوالِكم لِأنْفُسِكم تَسْتَنْقِذُوها مِن عَذابِ اللَّهِ، والخَيْرُ في هَذا المَوْضِعِ المالُ ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ أيْ: بِالعِصْمَةِ مِنهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيِ: المُنْجِحُونَ الَّذِينَ أدْرَكُوا طَلَباتِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ.

(p-٥٨٢٧)

64:17–18Page 557

إِن تُقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعِفۡهُ لَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ١٧

If you loan Allāh a goodly loan, He will multiply it for you and forgive you. And Allāh is [most] Appreciative1 and Forbearing,2

عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨

Knower of the unseen and the witnessed, the Exalted in Might, the Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧ - ١٨] ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٨]

﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أيْ: بِالإنْفاقِ في سَبِيلِهِ، ما تُحِبُّونَ مِن غَيْرِ مَنٍّ ولا أذًى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذِكْرُ القَرْضِ تَلَطُّفٌ في الِاسْتِدْعاءِ ﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ أيْ: يُضاعِفْ جَزاءَهُ وخَلَفَهُ ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أيْ: ذُنُوبَكم بِالصَّفْحِ عَنْها ﴿واللَّهُ شَكُورٌ﴾ أيْ: ذُو شُكْرٍ لِأهْلِ الإنْفاقِ في سَبِيلِهِ، بِحُسْنِ الجَزاءِ لَهم عَلى ما أنْفَقُوا ﴿حَلِيمٌ﴾ أيْ: عَنْ أهْلِ مَعاصِيهِ، بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِعُقُوبَتِهِ.

﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [التغابن: ١٨] أيْ: ما يَغِيبُ عَنْ أبْصارِ عِبادِهِ وما يُشاهِدُونَهُ ﴿العَزِيزُ﴾ [التغابن: ١٨] أيِ: الغالِبُ في انْتِقامِهِ مِمَّنْ خالَفَ أمْرَهُ ونَهْيَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ [التغابن: ١٨] أيْ: في تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ، وصَرْفِهِ إيّاهم فِيما يُصْلِحُهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском