Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
At-Talaq 65:6–12
65:6Page 559
أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأۡتَمِرُواْ بَيۡنَكُم بِمَعۡرُوفٖۖ وَإِن تَعَاسَرۡتُمۡ فَسَتُرۡضِعُ لَهُۥٓ أُخۡرَىٰ ٦
Lodge them1 [in a section] of where you dwell out of your means and do not harm them in order to oppress them.2 And if they should be pregnant, then spend on them until they give birth. And if they breastfeed for you, then give them their payment and confer among yourselves in the acceptable way; but if you are in discord, then there may breastfeed for him [i.e., the father] another woman.3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكم ولا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾
﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ﴾ أيْ: مِن سَعَتِكُمُ الَّتِي تَجِدُونَ، وطاقَتِكم ومَقْدِرَتِكم ﴿ولا تُضارُّوهُنَّ﴾ أيْ: لا تَسْتَعْمِلُوا مَعَهُنَّ الضِّرارَ ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ أيْ: في المَسْكَنِ بِبَعْضِ الأسْبابِ، مِن إنْزالِ مَن لا يُوافِقُهُنَّ، أوْ بِشَغْلِ مَكانِهِنَّ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، حَتّى تَضْطَرُّوهُنَّ إلى الخُرُوجِ أوِ الِافْتِداءِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ في "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ وُجُوبُ السُّكْنى لِلْمُطَلَّقاتِ كُلِّهِنَّ، ولِلْبَوائِنِ، لِتَقَدُّمِ سُكْنى الرَّجْعِيّاتِ، ولِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ فَإنَّهُ خاصٌّ بِالبَوائِنِ. وفِيهِ أنَّ الإسْكانَ يُعْتَبَرُ بِحالِ الزَّوْجِ، وتَحْرِيمِ المُضارَّةِ بِها، وإلْجائِها إلى الخُرُوجِ.
﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وإنْ كانَ نِساؤُكُمُ المُطَلَّقاتُ أُولاتِ حَمْلٍ وكُنَّ بائِناتٍ مِنكُمْ، فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ في عِدَّتِهِنَّ مِنكم حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.
(p-٥٨٤٢)فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هَذِهِ المَرْأةُ يُطَلِّقُها زَوْجُها، فَيَبُتُّ طَلاقَها وهي حامِلٌ، فَيَأْمُرُهُ اللَّهُ أنْ يُسْكِنَها، ويُنْفِقَ عَلَيْها حَتّى تَضَعَ، وإنْ أرْضَعَتْ فَحَتّى تَفْطِمَ، وإنْ أبانَ طَلاقَها، ولَيْسَ بِها حَبَلٌ، فَلَها السُّكْنى حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، ولا نَفَقَةَ. وكَذَلِكَ المَرْأةُ يَمُوتُ عَنْها زَوْجُها فَإنْ كانَتْ حامِلًا أنْفَقَ عَلَيْها مِن نَصِيبِ ذِي بَطْنِها إذا كانَ مِيراثٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِيراثٌ أنْفَقَ عَلَيْها الوارِثُ حَتّى تَضَعَ وتَفْطِمَ ولَدَها، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَإنْ لَمْ تَكُنْ حامِلًا فَإنَّ نَفَقَتَها كانَتْ مِن مالِها.
ثُمَّ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقالَ آخَرُونَ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ كُلَّ مُطَلَّقَةٍ، مَلَكَ زَوْجُها رَجَعَتْها أوْ لَمْ يَمْلِكْ، ومِمَّنْ قالَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
فَعَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانَ عُمَرُ وعَبْدُ اللَّهِ يَجْعَلانِ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلاثًا، السُّكْنى والنَّفَقَةَ والمُتْعَةَ. وكانَ عُمَرُ إذا ذُكِرَ عِنْدَهُ حَدِيثُ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ««أمَرَها أنْ تَعْتَدَّ في غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِها»» . قالَ: ما كُنّا لِنُجِيزَ في دِينِنا شَهادَةَ امْرَأةٍ.
ثُمَّ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّوابُ مِنَ القَوْلِ في ذَلِكَ عِنْدَنا أنْ لا نَفَقَةَ لِلْمَبْتُوتَةِ إلّا أنْ تَكُونَ حامِلًا؛ لِأنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَناؤُهُ جَعَلَ النَّفَقَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ لِلْحَوامِلِ دُونَ غَيْرِهِنَّ مِنَ البائِناتِ مِن أزْواجِهِنَّ، ولَوْ كانَ البَوائِنُ مِنَ الحَوامِلِ وغَيْرِ الحَوامِلِ في الواجِبِ مِنَ النَّفَقَةِ عَلى أزْواجِهِنَّ سَواءً، لَمْ يَكُنْ لِخُصُوصِ أُولاتِ الأحْمالِ بِالذِّكْرِ في هَذا المَوْضِعِ وجْهٌ مَفْهُومٌ، إذْ هُنَّ وغَيْرُهُنَّ في ذَلِكَ سَواءٌ. وفي خُصُوصِهِنَّ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِنَّ أدُلُّ الدَّلِيلِ عَلى أنْ لا نَفَقَةَ لِبائِنٍ، إلّا أنْ تَكُونَ حامِلًا، وبِالَّذِي قُلْنا صَحَّ الخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
«قالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: حَدَّثَتْنِي فاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ أُخْتُ الضَّحّاكِ بْنِ قَيْسٍ: (p-٥٨٤٣)أنَّ أبا عَمْرٍو المَخْزُومِيَّ طَلَّقَها ثَلاثًا، فَأمَرَ لَها بِنَفَقَةٍ فاسْتَقَلَّتْها. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ. فانْطَلَقَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ في نَفَرٍ، مِن بَنِي مَخْزُومٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو عِنْدَ مَيْمُونَةَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أبا عَمْرٍو طَلَّقَ فاطِمَةَ ثَلاثًا، فَهَلْ لَها مِن نَفَقَةٍ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ لَها نَفَقَةٌ» فَأرْسَلَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنِ انْتَقِلِي إلى بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، وأرْسَلَ إلَيْها أنْ لا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ. ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْها أنَّ أُمَّ شَرِيكٍ يَأْتِيها المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، فانْتَقِلِي إلى ابْنٍ مَكْتُومٍ، فَإنَّكِ إذا وضَعْتِ خِمارَكِ لَمْ يَرَكِ. فَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ» . انْتَهى.
وقالَ النّاصِرُ في «الِانْتِصافِ»: لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ لِهَذِهِ الآيِ أنَّ المَبْتُوتَةَ غَيْرَ الحامِلِ، لا نَفَقَةَ لَها؛ لِأنَّ الآيَ سِيقَتْ لِبَيانِ الواجِبِ، فَأوْجَبَ السُّكْنى لِكُلِّ مُعْتَدَّةٍ تَقَدَّمُ ذِكْرُها، ولَمْ يُوجِبْ سِواها. ثُمَّ اسْتَثْنى الحَوامِلَ فَخَصَّهُنَّ بِإيجابِ النَّفَقَةِ لَهُنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، ولَيْسَ بَعْدَ هَذا البَيانِ بَيانٌ. والقَوْلُ بَعْدَ ذَلِكَ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ لِكُلِّ مُعْتَدَّةٍ مَبْتُوتَةٍ، حامِلًا أوْ غَيْرَ حامِلٍ، لا يَخْفى مُنافَرَتُهُ لِنَظْمِ الآيَةِ.
والزَّمَخْشَرِيُّ نَصَرَ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ فَقالَ: فائِدَةُ تَخْصِيصِ الحَوامِلِ بِالذِّكْرِ أنَّ الحَمْلَ رُبَّما طالَ أمَدُهُ، فَيُتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أنَّ النَّفَقَةَ لا تَجِبُ بِطُولِهِ فَخُصَّتْ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى قَطْعِ هَذا الوَهْمِ. وغَرَضُ الزَّمَخْشَرِيَّ بِذَلِكَ أنْ يُحْمَلَ التَّخْصِيصُ عَلى هَذِهِ الفائِدَةِ كَيْلا يَكُونَ لَهُ مَفْهُومٌ في إسْقاطِ النَّفَقَةِ لِغَيْرِ الحَوامِلِ؛ لِأنَّ أبا حَنِيفَةَ يُسَوِّي بَيْنَ الجَمِيعِ في وُجُوبِ النَّفَقَةِ. انْتَهى.
وفِي "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ وُجُوبُ الإنْفاقِ عَلى البائِنِ الحامِلِ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها. ومَفْهُومُهُ أنَّ غَيْرَ الحامِلِ لا نَفَقَةَ لَها. واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مَن أوْجَبَها لِلْحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها. انْتَهى.
﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ يَعْنِي: نِساءَكُمُ البَوائِنَ مِنكم ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ: عَلى رَضاعِهِنَّ ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ: لِيَقْبَلَ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ ما أُمِرَ بِهِ مِن مَعْرُوفٍ، يَعْنِي: المُجامَلَةَ والمُسامَحَةَ في الإرْضاعِ والأجْرِ. والخِطابُ لِلْآباءِ والأُمَّهاتِ.
(p-٥٨٤٤)تَنْبِيهٌ:
فِي "الإكْلِيلِ": فِيها أنَّ الأُمَّ إذا طَلَبَتْ إرْضاعَهُ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ، وجَبَ عَلى الأبِ دَفْعُها إلَيْها، ولَيْسَ لَهُ أنْ يَسْتَرْضِعَ غَيْرَها. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأُمَّ أوْلى بِالحَضانَةِ.
قالَ إلْكِيا: وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأُجْرَةَ إنَّما تُسْتَحَقُّ بِالفَراغِ مِنَ العَمَلِ. انْتَهى.
وفِي قَوْلِهِ:
" بِمَعْرُوفٍ " طَلَبَ أنْ لا يُماكِسَ الأبُ، ولا تُعاسِرَ الأُمُّ؛ لِأنَّهُ ولَدُهُما مَعًا، وهُما شَرِيكانِ فِيهِ، وفي وُجُوبِ الإشْفاقِ عَلَيْهِنَّ. -قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ -.
﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ أيْ: ضَيَّقَ بَعْضُكم عَلى الآخَرِ بِالمُشاحَّةِ في الأُجْرَةِ، أوْ طَلَبِ الزِّيادَةِ ونَحْوِهِ، ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَلا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْها، ولَيْسَ لَهُ إكْراهُها عَلى إرْضاعِهِ، ولَكِنَّهُ يَسْتَأْجِرُ لِلصَّبِيِّ مُرْضِعَةً غَيْرَ أُمِّهِ البائِنَةِ مِنهُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: فَسَتُوجَدُ، ولا تَعُوزُ مُرْضِعَةٌ غَيْرُ الأُمِّ تُرْضِعُهُ. وفِيهِ طَرَفٌ مِن مُعاتَبَةِ الأُمِّ عَلى المُعاسَرَةِ، كَما تَقُولُ لِمَن تَسْتَقْضِيهِ حاجَةٌ فَيَتَوانى: سَيَقْضِيها غَيْرُكَ. تُرِيدُ: لَنْ تَبْقى غَيْرَ مَقْضِيَّةٍ وأنْتَ مَلُومٌ. انْتَهى.
قالَ النّاصِرُ: وخَصَّ الأُمَّ بِالمُعاتَبَةِ؛ لِأنَّ المُبْذَلَ مِن جِهَتِها هو لَبَنُها لِوَلَدِها، وهو غَيْرُ مُتَمَوَّلٍ ولا مُضْنُونٍ بِهِ في العُرْفِ، وخُصُوصًا في الأُمِّ عَلى الوَلَدِ، ولا كَذَلِكَ المَبْذُولُ مِن جِهَةِ الأبِ، فَإنَّهُ المالُ المُضْنُونُ بِهِ عادَةً، فالأُمُّ إذًا، أجْدى بِاللَّوْمِ، وأحَقُّ بِالعَتَبِ. انْتَهى.
وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى مُعاتَبَةِ الأبِ أيْضًا، كَما حَقَّقَهُ بَعْضُهُمْ، وذَلِكَ أنَّ الأبَ لَمّا أُسْقِطَ عَنْ دَرَجَةِ الخِطابِ، وبَيَّنَ أنَّ مُعاسَرَتَهُ لا تُجْدِي، إذْ لا بُدَّ مِن مِرْضِعَةٍ أُخْرى بِأجْرٍ، وهَذِهِ أشْفَقُ مِنها، كانَ في حُكْمِ المُعاتِبِ المَذْكُورِ في الجَوابِ. وبِهِ يَنْدَفِعُ ما يُقالُ: إنَّ المُعاسَرَةَ فِعْلُ الأبِ والأُمِّ، فَكَيْفَ يَخُصُّ الأُمَّ بِالذِّكْرِ في الجَزاءِ. وحاصِلُهُ أنَّهُما مَذْكُورانِ فِيهِ، إلّا أنَّ الأُمَّ مُصَرَّحٌ بِها، والأبَ مَرْمُوزٌ إلَيْهِ. وتَقْدِيرُ ابْنُ جَرِيرٍ يُشِيرُ إلَيْهِ أيْضًا.
(p-٥٨٤٥)تَنْبِيهٌ:
فِي "الإكْلِيلِ": تَدُلُّ عَلى أنَّ الأُمَّ لا تُجْبَرُ عَلى الرِّضاعِ حَيْثُ وُجِدَ غَيْرُها، وقَبِلَ الصَّبِيُّ ثَدْيَها، وإلّا أُجْبِرَتْ عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: والآيَةُ أصْلٌ في وُجُوبِ نَفَقَةِ الوَلَدِ عَلى الأبِ، خِلافًا لِمَن أوْجَبَها عَلَيْهِما مَعًا.
65:7Page 559
لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا ٧
Let a man of wealth spend from his wealth, and he whose provision is restricted - let him spend from what Allāh has given him. Allāh does not charge a soul except [according to] what He has given it. Allāh will bring about, after hardship, ease [i.e., relief].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧] ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ﴾ أيْ: مِن سَعَةِ مالِهِ وغِناهُ عَلى امْرَأتِهِ البائِنَةِ في أجْرِ رِضاعِ ولَدِهِ مِنها، وعَلى ولَدِهِ الصَّغِيرِ ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أيْ: ضُيِّقَ عَلَيْهِ ﴿فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ أيْ: عَلى قَدْرِ مالِهِ وطاقَتِهِ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها﴾ يَعْنِي: وُسْعَها وطاقَتَها، فَلا يُكَلِّفُ الفَقِيرَ نَفَقَةَ الغَنِيِّ، ولا أحَدًا إلّا فَرْضَهُ الَّذِي وجَبَ عَلَيْهِ ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ أيْ: سَيُؤْتِي المُقِلَّ بَعْدَ ضِيقٍ فَرَجًا، وبَعْدَ فَقْرٍ غِنًى، تَسْلِيَةً لِلْمُعْسِرِينَ مِن فُقَراءِ الأزْواجِ، وتَصْبِيرٌ لِمُطَلَّقاتِهِمْ، وتَطَيُّبٌ لِقُلُوبِ الجَمِيعِ، وتَبَشُّرٌ عامٌّ.
تَنْبِيهٌ:
فِي "الإكْلِيلِ": فِيهِ أنَّ النَّفَقَةَ يُراعى فِيها حالُ المُنْفِقِ يَسارًا وإعْسارًا، وإنَّ نَفَقَةَ المُعْسِرِ أقَلُّ مِن نَفَقَةِ المُوسِرِ، لا حالُ المُنْفَقِ عَلَيْهِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها﴾ مَن قالَ: لا فَسْخَ بِالعَجْزِ عَنِ الإنْفاقِ عَلى الزَّوْجَةِ. وفي الآيَةِ اسْتِحْبابُ مُراعاةِ الإنْسانِ نَفْسَهُ في النَّفَقَةِ والصَّدَقَةِ. فَفي الحَدِيثِ: ««إنَّ المُؤْمِنَ أخَذَ عَنِ اللَّهِ أدَبًا حَسَنًا: إذا هو وسَّعَ عَلَيْهِ وسَّعَ، وإذا هو قَتَّرَ عَلَيْهِ قَتَّرَ»»
(p-٥٨٤٦)رَوى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ يَلْبَسُ الغَلِيظَ مِنَ الثِّيابِ، ويَأْكُلُ أخْشَنَ الطَّعامِ، فَبَعَثَ إلَيْهِ بِألْفِ دِينارٍ، وقالَ لِلرَّسُولِ: انْظُرْ ماذا يَصْنَعُ إذا هو أخَذَها، فَما لَبِثَ أنْ لَبِسَ ألْيَنَ الثِّيابِ، وأكَلَ أطْيَبَ الطَّعامِ، فَجاءَ الرَّسُولُ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَأوَّلَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾
ثُمَّ حَذَّرَ تَعالى مِن عِصْيانِهِ وتَعَدِّي حُدُودِهِ فِيما شَرَعَهُ، عِنايَةً بِما مَرَّ مِنَ الأحْكامِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
65:8–9Page 559
وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ عَتَتۡ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبۡنَٰهَا حِسَابٗا شَدِيدٗا وَعَذَّبۡنَٰهَا عَذَابٗا نُّكۡرٗا ٨
And how many a city was insolent toward the command of its Lord and His messengers, so We took it to severe account and punished it with a terrible punishment.
فَذَاقَتۡ وَبَالَ أَمۡرِهَا وَكَانَ عَٰقِبَةُ أَمۡرِهَا خُسۡرًا ٩
And it tasted the bad consequence of its affair [i.e., rebellion], and the outcome of its affair was loss.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨ - ٩] ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٩] .
﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ أيْ: أعْرَضَتْ عَنْهُ عَلى وجْهِ العُتُوِّ والعِنادِ، ﴿ورُسُلِهِ﴾ أيْ: وعَنْ أمْرِ رُسُلِهِ كَذَلِكَ ﴿فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا﴾ أيْ: عَلى ما قَدَّمَتْ، فَلَمْ نُغادِرْ لَها مِنهُ شَيْئًا ﴿وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ: مُنْكَرًا.
﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها﴾ [الطلاق: ٩] أيْ: عاقِبَةَ ما اكْتَسَبَتْ وجَزاءَهُ ﴿وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٩] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: غَبْنًا؛ لِأنَّهم باعُوا نَعِيمَ الآخِرَةِ بِخَسِيسٍ مِنَ الدُّنْيا قَلِيلٍ، وآثَرُوا اتِّباعَ أهْوائِهِمْ عَلى اتِّباعِ أمْرِ اللَّهِ.
(p-٥٨٤٧)
65:10Page 559
أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ قَدۡ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكُمۡ ذِكۡرٗا ١٠
Allāh has prepared for them a severe punishment; so fear Allāh, O you of understanding who have believed. Allāh has sent down to you a message [i.e., the Qur’ān].1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠] ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْـزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾
﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ يَعْنِي عَذابَ النّارِ المُعَدَّ في القِيامَةِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: خافُوهُ واحْذَرُوا بَطْشَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ. واجْتِنابِ مَعاصِيهِ ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ أيِ: العُقُولِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَّقُوا اللَّهَ ورُسُلَهُ. نَعْتٌ لِلْمُنادى، أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ ﴿قَدْ أنْـزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾
65:11Page 559
رَّسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ قَدۡ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزۡقًا ١١
[He sent] a Messenger [i.e., Muḥammad (ﷺ)] reciting to you the distinct verses of Allāh that He may bring out those who believe and do righteous deeds from darknesses into the light. And whoever believes in Allāh and does righteousness - He will admit him into gardens beneath which rivers flow to abide therein forever. Allāh will have perfected for him a provision.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١] ﴿رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾
يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ، وجَعَلَهُ نَفْسَ الذِّكْرِ مُبالَغَةً، لِذَلِكَ أبْدَلَ مِنهُ: ﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ﴾ أيْ: لِمَن سَمِعَها وتَدَبَّرَها أنَّها حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ أيْ: مِنَ الضَّلالِ إلى الهُدى ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ أيْ: طَيَّبَهُ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ لَهُ وتَعْظِيمٌ.
65:12Page 559
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّۖ يَتَنَزَّلُ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنَهُنَّ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عِلۡمَۢا ١٢
It is Allāh who has created seven heavens and of the earth, the like of them.1 [His] command descends among them so you may know that Allāh is over all things competent and that Allāh has encompassed all things in knowledge.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَـزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾
(p-٥٨٤٨)﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أيِ: المَعْبُودُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ، مَن هَذا خَلْقُهُ، لا ما يُشْرَكُ مَعَهُ. وهاهُنا لَطائِفُ:
الأُولى: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِيلَ ما في القُرْآنِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْضِينَ سَبْعٌ إلّا هَذِهِ. انْتَهى.
قالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: أمّا كَوْنُ الأرْضِينَ سَبْعًا كالسَّماواتِ، فَهو أمْرٌ نَجْهَلُهُ ولا نَفْهَمُهُ إلّا إذا أُرِيدَ بِهِ أنَّ لِلْأرْضِ سَبْعَ طَبَقاتٍ، قالَ: والحَقُّ يُقالُ أنَّ كَوْنَ الأرْضِينَ سَبْعًا، وهو كَما يَظْهَرُ لَنا وهْمٌ مِن أوْهامِ القُدَماءِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ الشَّرِيفِ لَفْظُ الأرْضِ مَجْمُوعًا -أيْ: أرْضِينَ- ولَمْ يَرِدْ فِيهِ مُطْلَقًا أنَّ الأرْضِينَ سَبْعٌ، مَعَ أنَّهُ ذَكَرَ أنَّ السَّماواتِ سَبْعٌ، مِرارًا عَدِيدَةً وفي كُلِّ مَرَّةٍ يَذْكُرُ مَعَها الأرْضَ بِالإفْرادِ. نَعَمْ! ورَدَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ وهي الآيَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي فَهِمُوا مِنها أنَّ الأرْضِينَ سَبْعٌ. وهي كَما لا يَخْفى لا تُفِيدُ ذَلِكَ مُطْلَقًا.
قالَ: ولَنا في تَفْسِيرِها وجْهانِ:
أما أنْ تَكُونَ " مِن " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ الأرْضِ﴾ زائِدَةٌ، وإمّا أنْ تَكُونَ غَيْرَ زائِدَةٍ.
أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: فَتَقْدِيرُ الآيَةِ هَكَذا: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ والأرْضَ خَلَقَها مِثْلَهُنَّ. وعَلى تَفْسِيرِنا هَذا تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ كَباقِي الكَواكِبِ السَّيّارَةِ مِن كُلِّ وجْهٍ. أيْ: أنَّها إحْدى السَّيّاراتِ، وهو أمْرٌ ما كانَ مَعْرُوفًا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما كانَ يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ، وذَلِكَ مِن دَلائِلِ صِدْقِ القُرْآنِ. والأرْضُ مِثْلَ السَّيّاراتِ الأُخْرى في المادَّةِ، وكَيْفِيَّةِ خَلْقِها، وكَوْنِها تَسِيرُ حَوْلَ الشَّمْسِ، وتَسْتَمِدُّ النُّورَ والحَرارَةَ مِنها، وكَوْنِها مَسْكُونَةً بِحَيَواناتٍ كالكَواكِبِ الأُخْرى، وكَوْنِها كُرَوِيَّةَ الشَّكْلِ، فالسَّيّاراتُ أوِ السَّماواتُ هي مُتَماثِلَةٌ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وكُلُّها مَخْلُوقَةٌ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ، (p-٥٨٤٩)وهِيَ مادَّةُ الشَّمْسِ، وعَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠] أيْ: شَيْئًا واحِدًا ﴿فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠] أيْ: فَصَلْنا بَعْضَهُما عَنْ بَعْضٍ، فالأرْضُ خَلَقَها اللَّهُ تَعالى مِثْلَ السَّماواتِ تَمامًا.
وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي: وهو أنَّ " مِن " غَيْرُ زائِدَةٍ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ هَكَذا: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وخَلَقَ مِنَ الأرْضِ أرْضًا مِثْلَهُنَّ، فالآيَةُ وارِدَةٌ عَلى طَرِيقَةِ التَّجْرِيدِ، كَقَوْلِكَ: اتَّخَذْتُ لِي سَبْعَةَ أصْدِقاءَ، ولِي مِن فُلانٍ صَدِيقٌ مِثْلُهم. أيْ: مِثْلُهم في الصَّداقَةِ. أوِ التَّقْدِيرُ: وبَعْضُ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ في مادَّتِها وعَناصِرِها. وعَلَيْهِ: فَلَيْسَ في القُرْآنِ الشَّرِيفِ أدْنى دَلِيلٍ عَلى أنَّ الأرْضِينَ سَبْعٌ كَما يَزْعُمُونَ. انْتَهى.
الثّانِيَةُ: ذَكَرَ ابْنُ الأثِيرِ في "المَثَلِ السّائِرِ" في النَّوْعِ السّادِسِ، في اخْتِلافِ صِيَغِ الألْفاظِ واتِّفاقِها وتَفاوُتِها في الحُسْنِ فِيهِ ما مِثالُهُ:
وفِي صَدَدِ ذَلِكَ ما ورَدَ اسْتِعْمالُهُ مِنَ الألْفاظِ مُفْرَدًا، ولَمْ يَرِدْ مَجْمُوعًا، كَلَفْظَةِ الأرْضِ، فَإنَّها لَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ إلّا مُفْرَدَةً. فَإذا ذُكِرَتِ السَّماءُ مَجْمُوعَةً جِيءَ بِها مُفْرَدَةً مَعَها في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ. ولَمّا أُرِيدَ أنْ يُؤْتى بِها مَجْمُوعَةً قِيلَ: ﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ انْتَهى.
الثّالِثَةُ: قُرِئَ: " مِثْلَهُنَّ " بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى: " سَبْعَ " وبِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: " مِنَ الأرْضِ " .
﴿يَتَنَـزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أيْ: يَجْرِي أمْرُ اللَّهِ وحُكْمُهُ بَيْنَهُنَّ، ومُلْكُهُ يَنْفُذُ فِيهِنَّ. وقَوْلُهُ:
﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ عِلَّةٌ لِ: " خَلَقَ " ولِ: ﴿يَتَنَـزَّلُ﴾ أوْ لِمُضْمَرٍ يَعُمُّهُما، كَ: فَعَلَ ما فَعَلَ لِتَعْلَمُوا... إلَخْ. فَإنَّ كُلًّا مِنها يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ.
(p-٥٨٥٠)قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَخافُوا أيُّها النّاسُ المُخالِفُونَ أمْرَ رَبِّكُمْ، عُقُوبَتَهُ، فَإنَّهُ لا يَمْنَعُهُ مِن عُقُوبَتِكم مانِعٌ. وهو عَلى ذَلِكَ قادِرٌ ومُحِيطٌ أيْضًا بِأعْمالِكم فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافٍ. وهو مُحْصِيها عَلَيْكم لِيُجازِيَكم بِهِ، يَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences