Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
الملك
Al-Mulk
The Sovereignty · Meccan · 30 ayahs
67:1Page 562
تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١
Blessed is He in whose hand is dominion, and He is over all things competent -
(p-٥٨٧٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُلْكِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى كَثِيرٍ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ المُلْكُ مِن كَثْرَةِ الخَيْراتِ، وعُمُومِ القُدْرَةِ، والإحْياءِ والإماتَةِ، واخْتِبارِ أعْمالِ النّاسِ، والغَلَبَةِ والغُفْرانِ، ورَفْعِ الأبْنِيَةِ لِخُدّامِهِ وعَدَمِ التَّفاوُتِ في رَعاياهُ، وتَزْيِينِ بِلادِهِ، والقَهْرِ عَلى الأعْداءِ، والتَّرَحُّمِ عَلى الأوْلِياءِ، والأمْنِ ورُخْصِ الأسْعارِ، وأنْ لا يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى نَصْرِ مَن عاداهُ، ولا عَلى رِزْقِ مَن مَنَعَهُ. انْتَهى.
وتُسَمّى سُورَةَ (تَبارَكَ). وهي مَكِّيَّةٌ. وآيُها ثَلاثُونَ.
(p-٥٨٧٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: تَعاظَمَ الَّذِي بِيَدِهِ مُلْكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وسُلْطانُهُما، نافِذٌ فِيهِما أمْرُهُ وقَضاؤُهُ، وهو عَلى ما يَشاءُ فِعْلَهُ ذُو قُدْرَةٍ لا يَمْنَعُهُ مانِعٌ، ولا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ عَجْزٌ.
وقالَ القاشانِيُّ: المُلْكُ عالَمُ الأجْسامِ، كَما أنَّ المَلَكُوتَ عالَمُ النُّفُوسِ؛ ولِذَلِكَ وصَفَ ذاتَهُ بِاعْتِبارِ تَصْرِيفِهِ عالَمَ المُلْكِ، بِحَسْبِ مَشِيئَتِهِ بِالتَّبارُكِ، الَّذِي هو غايَةُ العَظَمَةِ، ونِهايَةُ الِازْدِيادِ في العُلُوِّ والبَرَكَةِ، وبِاعْتِبارِ تَسْخِيرِهِ عالَمَ المَلَكُوتِ، بِمُقْتَضى إرادَتِهِ بِالتَّسْبِيحِ، الَّذِي هو التَّنْزِيهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] كُلًّا بِما يُناسِبُهُ؛ لِأنَّ العَظَمَةَ والِازْدِيادَ والبَرَكَةَ تُناسِبُ الأجْسامَ، والتَّنَزُّهَ يُناسِبُ المُجَرَّداتِ عَنِ المادَّةِ. فَمَعْنى: " تَبارَكَ " تَعالى وتَعاظَمَ، الَّذِي يَتَصَرَّفُ في عالَمِ المُلْكِ بِيَدِ قُدْرَتِهِ، لا يَتَصَرَّفُ فِيهِ غَيْرُهُ فَبِيَدِهِ كُلُّ ما وُجِدَ مِنَ الأجْسامِ، لا بِيَدِ غَيْرِهِ، يُصَرِّفُها كَما يَشاءُ، وهو القادِرُ عَلى كُلِّ ما عُدِمَ مِنَ المُمْكِناتِ، يُوجِدُها عَلى ما يَشاءُ.
67:2Page 562
ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ ٢
[He] who created death and life to test you [as to] which of you is best in deed - and He is the Exalted in Might, the Forgiving -
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢] ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾
﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ أيْ: قَدَّرَ المَوْتَ والحَياةَ (p-٥٨٧٦)فَأماتَ مَن شاءَ وما شاءَ، وأحْيا مَن أرادَ وما أرادَ، إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ. أوْ أوْجَدَ الحَياةَ، وأزالَها حَسْبَما قَدَّرَهُ.
قالَ القاشانِيُّ: المَوْتُ والحَياةُ مِن بابِ العَدَمِ والمَلَكَةِ؛ فَإنَّ الحَياةَ هي الإحْساسُ والحَرَكَةُ الإرادِيَّةُ ولَوِ اضْطِرارِيَّةً كالتَّنَفُّسِ. والمَوْتُ عَدَمُ ذَلِكَ عَمّا مَن شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ لَهُ، وعَدَمُ المَلَكَةِ لَيْسَ عَدَمًا مَحْضًا، بَلْ فِيهِ شائِبَةُ الوُجُودِ. والألَمُ يُعْتَبَرُ فِيهِ المَحَلُّ القابِلُ لِلْأمْرِ الوُجُودِيِّ، فَلِذَلِكَ صَحَّ تَعَلُّقُ الخَلْقِ بِهِ، كَتَعَلُّقِهِ بِالحَياةِ، وجَعْلُ الغَرَضِ مِن خَلْقِهِما بَلاءَ الإنْسانِ في حُسْنِ العَمَلِ وقُبْحِهِ، أيِ: العِلْمُ التّابِعُ لِلْمَعْلُومِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، وهو العِلْمُ الَّذِي يَظْهَرُ عَلى المَظاهِرِ الإنْسانِيَّةِ بَعْدَ وُقُوعِ المَعْلُومِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ إلّا عِلْمُ اللَّهِ الكامِنُ في الغَيْبِ، الظّاهِرُ بِظُهُورِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّ الحَياةَ هي الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِها عَلى الأعْمالِ، والمَوْتُ هو الدّاعِي إلى حُسْنِ العَمَلِ الباعِثُ عَلَيْهِ، وبِهِ يَظْهَرُ آثارُ الأعْمالِ، كَما أنَّ الحَياةَ يَظْهَرُ بِها أُصُولُها، وبِها تَتَفاضَلُ النُّفُوسُ في الدَّرَجاتِ، وتَتَفاوَتُ في الهَلاكِ والنَّجاةِ. وقَدَّمَ المَوْتَ عَلى الحَياةِ؛ لِأنَّ المَوْتَ في عِلْمِ المُلْكِ ذاتِيٌّ، والحَياةُ عَرَضِيَّةٌ. وقِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِهِ العَدَمُ السّابِقُ فَتَقَدُّمُهُ ظاهِرٌ، لِسَبْقِهِ عَلى الوُجُودِ، أوِ العَدَمِ اللّاحِقِ فَتَقْدِيمُهُ لِأنَّ فِيهِ عِظَةً وتَذْكِرَةً، ورَدْعًا عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي.
﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي يَقْهَرُ مَن أساءَ العَمَلَ ﴿الغَفُورُ﴾ أيْ: لِذُنُوبِ مَن أنابَ إلَيْهِ وأحْسَنَ العَمَلَ.
67:3Page 562
ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗاۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ ٣
[And] who created seven heavens in layers.1 You do not see in the creation of the Most Merciful any inconsistency. So return [your] vision [to the sky]; do you see any breaks?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣] ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾
﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: طَبَقًا فَوْقَ طَبَقٍ، بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
(p-٥٨٧٧)وقالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: يُوافِقُ بَعْضُها بَعْضًا بِلا تَضادَّ، لِيَتِمَّ أمْرُ الحِكْمَةِ في الكَوائِنِ والفَواسِدِ.
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الفَلَكِ: اعْلَمْ أنَّ لَفْظَ السَّماءِ يُطْلَقُ لُغَةً عَلى كُلِّ ما عَلا الإنْسانَ، فَإنَّهُ مِنَ السُّمُوِّ، وهو العُلُوُّ، فَسَقْفُ البَيْتِ سَماءٌ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥] أيْ: فَلْيُمْدَدْ بِحَبْلٍ إلى سَقْفِ بَيْتِهِ، وهَذا الفَضاءُ اللّانِهائِيُّ سَماءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] والسَّحابُ سَماءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [الرعد: ١٧] والكَواكِبُ سَماواتٌ؛ فالسَّماواتُ السَّبْعُ المَذْكُورَةُ كَثِيرًا في القُرْآنِ الشَّرِيفِ، هي هَذِهِ السَّيّاراتُ السَّبْعُ، وهي طِباقٌ، أيْ: أنَّ بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ؛ لِأنَّ فَلَكَ كُلٍّ مِنها فَوْقَ فَلَكَ غَيْرِهِ.
﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ أيْ: تَخالُفٍ وعَدَمِ تَناسُبٍ في رِعايَةِ الحُكْمِ، بَلْ راعاها في كُلِّ خَلْقِهِ.
﴿فارْجِعِ البَصَرَ﴾ أيْ: إنْ شَكَكْتَ فَكَرِّرِ النَّظَرَ ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ أيْ: خَلَّلٍ. وأصْلُ الفُطُورِ الصُّدُوعُ والشُّقُوقُ، أُرِيدَ بِهِ لازِمُهُ، كَذا قالُوهُ، والصَّحِيحُ أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ أيْ: هَلْ تَرى مِنَ انْشِقاقٍ وانْقِطاعٍ بَيْنَ السَّماواتِ، بِحَيْثُ تَذْهَبُ بِاتِّصالاتِ الكَواكِبِ فَتُفَرِّقُها، وتَقْطَعُ عَلاقاتِها وأحْبالَ تَجاذُبِها؟ كَلّا! بَلْ هي مُتَجاذِبَةٌ، مُرْتَبِطٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ مِن كُلِّ جِهَةٍ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ (ق) في آيَةِ: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦]
(p-٥٨٧٨)
67:4Page 562
ثُمَّ ٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ كَرَّتَيۡنِ يَنقَلِبۡ إِلَيۡكَ ٱلۡبَصَرُ خَاسِئٗا وَهُوَ حَسِيرٞ ٤
Then return [your] vision twice again.1 [Your] vision will return to you humbled while it is fatigued.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤] ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾
﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ﴾ أيْ: كَرِّرْهُ ﴿كَرَّتَيْنِ﴾ أيْ: رَجْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ابْتِغاءَ الخَلَلِ والفَسادِ والعَبَثِ. والمُرادُ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْرِيرُ.
﴿يَنْقَلِبْ﴾ أيْ: يَرْجِعْ ﴿إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا﴾ أيْ: مَطْرُودًا عَنْ إصابَةِ المَطْلُوبِ.
﴿وهُوَ حَسِيرٌ﴾ أيْ: مَعْيِيٌّ كالٌّ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [الملك: ٣] وضَعَ فِيها ﴿خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ [الملك: ٣] مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّعْظِيمِ، والأصْلُ: فِيهِنَّ، وتابَعَهُ القاضِي والقاشانِيُّ، وعِبارَتُهُ:
نِهايَةُ كَمالِ عالَمِ المُلْكِ، لِأنَّها السَّماواتُ، لا تَرى أحْكَمَ خَلْقًا، وأحْسَنَ نِظامًا وطِباقًا مِنها. وأضافَ خَلْقَها إلى الرَّحْمَنِ، لِأنَّها مِن أُصُولِ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ، ومَبادِئِ سائِرِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وسَلَبَ التَّفاوُتَ عَنْها لِمُطابَقَةِ بَعْضِها بَعْضًا، وحُسْنِ انْتِظامِها وتَناسُبِها. وإنَّما قالَ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ لِأنَّ تَكْرارَ النَّظَرِ، وتَجْوالَ الفِكْرِ، مِمّا يُفِيدُ تَحَقُّقَ الحَقائِقِ وإذا كانَ ذَلِكَ فِيها عِنْدَ طَلَبِ الخُرُوقِ والشُّقُوقِ، لا يُفِيدُ إلّا الخُسُوءَ والحُسُورَ، تَحَقَّقَ الِامْتِناعُ، وما أتْعَبَ مَن طَلَبَ وُجُودَ المُمْتَنِعِ. انْتَهى.
ولَوْ جُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] مُسْتَأْنَفًا، مُقَرَّرًا بِعُمُومِهِ لِتَناسُبِ خَلْقِهِ وإتْقانِهِ، وتَناهِي حُسْنِهِ، فَيَشْمَلُ ما قَبْلَهُ - لَكانَ أوْلى مِن تَخْصِيصِهِ بِوَصْفِيَّةِ ما قَبْلَهُ، ويَكُونُ كَآيَةِ: ﴿أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] وآيَةِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وتَلَطَّفَ بَعْضُهم فَقالَ: في الآيَةِ إشارَةٌ إلى قِياسٍ تَقْدِيرُهُ: ما تَرى فِيها مِن تَفاوُتٍ؛ لِأنَّها مِن خَلْقِهِ تَعالى. وما تَرى في خُلُقِهِ مِن تَفاوُتٍ.
(p-٥٨٧٩)الثّانِي: لِلْإمامِ ابْنِ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ في كِتابِ "الفِصَلِ" ساقَهُ في مَباحِثِهِ مَعَ المُعْتَزِلَةِ، نَأْثُرُهُ هُنا لِنَفاثَتِهِ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ:
التَّفاوُتُ المَعْهُودُ هو ما نافَرَ النُّفُوسَ، أوْ خَرَجَ عَنِ المَعْهُودِ، فَنَحْنُ نُسَمِّي الصُّورَةَ المُضْطَرِبَةَ بِأنَّ فِيها تَفاوُتًا، فَلَيْسَ هَذا التَّفاوُتُ الَّذِي نَفاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ خَلْقِهِ، فَإذَنْ لَيْسَ هو الَّذِي يُسَمِّيهِ النّاسُ: تَفاوُتًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ التَّفاوُتَ الَّذِي نَفاهُ اللَّهُ تَعالى عَمّا خَلَقَ هو شَيْءٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيهِ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ في خَلْقِ اللَّهِ تَعالى تَفاوُتٌ، لَكُذِّبَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] ولا يُكَذِّبُ اللَّهَ تَعالى إلّا كافِرٌ، فَبَطَلَ ظَنُّ المُعْتَزِلَةِ أنَّ الكُفْرَ والظُّلْمَ والكَذِبَ والجَوْرَ تَفاوُتٌ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ في خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مَرْئِيٌّ فِيهِ، مَشاهَدٌ بِالعِيانِ فِيهِ، فَبَطَلَ احْتِجاجُهم.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَما هَذا التَّفاوُتُ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لا يُرى في خَلْقِهِ؟
قِيلَ لَهُمْ: هو اسْمٌ لا يَقَعُ عَلى مُسَمًّى مَوْجُودٍ في العالَمِ أصْلًا، بَلْ هو مَعْدُومٌ جُمْلَةً؛ إذْ لَوْ كانَ شَيْئًا مَوْجُودًا في العالَمِ، لَوُجِدَ التَّفاوُتُ في خَلْقِ اللَّهِ تَعالى. واللَّهُ تَعالى قَدْ أكْذَبَ هَذا وأخْبَرَ أنَّهُ لا يُرى في خَلْقِهِ.
ثُمَّ نَقُولُ -وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ: إنَّ العالَمَ كُلَّهُ ما دُونَ اللَّهِ تَعالى، وهو كُلُّهُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، أجْسامُهُ وأعْراضُهُ كُلُّها، لا نُحاشِي شَيْئًا مِنها. ثُمَّ إذا نَظَرَ النّاظِرُ في تَقْسِيمِ أنْواعِ أعْراضِهِ، وأنْواعِ أجْسامِهِ، جَرَتِ القِسْمَةُ جَرْيًا مُسْتَوِيًا في تَفْضِيلِ أجْناسِهِ وأنْواعِهِ، بِحُدُودِها المُمَيِّزَةِ لَها، وفُصُولِها المُفَرِّقَةِ بَيْنَها، عَلى رُتْبَةٍ واحِدَةٍ، وهَيْئَةٍ واحِدَةٍ، عَلى أنْ يَبْلُغَ إلى الأشْخاصِ الَّتِي تَلِي أنْواعَ الأنْواعِ، لا تَفاوُتَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ البَتَّةَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا تَخالُفَ في شَيْءٍ مِنهُ أصْلًا، ومَن وقَفَ عَلى هَذا عَلِمَ أنَّ الصُّورَةَ المُسْتَقْبَحَةَ عِنْدَنا واقِعَتانِ مَعًا تَحْتَ نَوْعِ الشَّكْلِ والتَّخْطِيطِ، ثُمَّ تَحْتَ نَوْعِ الكَيْفِيَّةِ، ثُمَّ تَحْتَ اسْمِ العَرَضِ، وُقُوعًا مُسْتَوِيًا لا تَفاضُلَ فِيهِ، ولا تَفاوُتَ في هَذا بِوَجْهٍ مِنَ التَّقْسِيمِ.
وكَذَلِكَ أيْضًا نَعْلَمُ أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ بِالقَلْبِ واقِعانِ تَحْتَ نَوْعِ الِاعْتِقادِ، ثُمَّ تَحْتَ (p-٥٨٨٠)فِعْلِ النَّفْسِ، ثُمَّ تَحْتَ الكَيْفِيَّةِ والعَرَضِ، وُقُوعًا مُسْتَوِيًا لا تَفاضُلَ فِيهِ، ولا تَفاوُتَ مِن هَذا الوَجْهِ مِنَ التَّقْسِيمِ، وكَذَلِكَ أيْضًا نَعْلَمُ أنَّ الإيمانَ والكُفْرَ بِاللِّسانِ واقِعانِ تَحْتَ نَوْعِ فَرْعِ الهَواءِ بِآلاتِ الكَلامِ، ثُمَّ تَحْتَ نَوْعِ الحَرَكَةِ وتَحْتَ نَوْعِ الكَيْفِيَّةِ، وتَحْتَ اسْمِ العَرَضِ، وُقُوعًا حَقًّا مُسْتَوِيًا لا تَفاوُتَ فِيهِ ولا اخْتِلافَ.
وهَكَذا القَوْلُ في الظُّلْمِ والإنْصافِ، وفي العَدْلِ والجَوْرِ، وفي الصِّدْقِ والكَذِبِ، وفي الزِّنا والوَطْءِ الحَلالِ. وكَذَلِكَ كَلُّ ما في العالَمِ، حَتّى يَرْجِعَ جَمِيعُ المَوْجُوداتِ إلى الرُّؤُوسِ الأُوَلِ الَّتِي لَيْسَ فَوْقَها رَأْسٌ يَجْمَعُها إلّا كَوْنُها مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى، وهي الجَوْهَرُ والكُمُّ والكَيْفُ والإضافَةُ؛ فانْتَفى التَّفاوُتُ عَنْ كُلِّ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى، وعادَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ حُجَّةً عَلى المُعْتَزِلَةِ؛ ضَرُورَةً لا مُنْفَكَّ لَهم عَنْها؛ وهي أنَّهُ لَوْ كانَ وُجُودُ الكُفْرِ والكَذِبِ والظُّلْمِ تَفاوُتًا كَما زَعَمُوا، لَكانَ التَّفاوُتُ مَوْجُودًا في خَلْقِ الرَّحْمَنِ، وقَدْ كَذَّبَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ، وهي أنْ يُرى في خَلْقِهِ تَفاوُتٌ. انْتَهى كَلامُهُ.
الثّالِثُ: قالَ النّاصِرُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا﴾ وضْعٌ لِلظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ. وفِيهِ مِنَ الفائِدَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الَّذِي يَرْجِعُ خاسِئًا حَسِيرًا غَيْرَ مُدْرِكٍ الفُطُورَ، وهو الآلَةُ الَّتِي يُلْتَمَسُ بِها إدْراكُ ما هو كائِنٌ، فَإذا لَمْ يُدْرَكُ شَيْءٌ، دَلَّ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ.
[٥]
67:5Page 562
وَلَقَدۡ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلۡنَٰهَا رُجُومٗا لِّلشَّيَٰطِينِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ ٥
And We have certainly beautified the nearest heaven with lamps [i.e., stars] and have made [from] them what is thrown at the devils1 and have prepared for them the punishment of the Blaze.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾
﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهي النُّجُومُ. وجَعَلَها "مَصابِيحَ" لِإضاءَتِها. وكَذَلِكَ الصُّبْحُ إنَّما قِيلَ لَهُ: صُبْحٌ؛ لِلضَّوْءِ الَّذِي يُضِيءُ لِلنّاسِ مِنَ النَّهارِ.
﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: عادَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٨٨١)﴿وجَعَلْناها﴾ عَلى جِنْسِ المَصابِيحِ، لا عَلى عَيْنِها؛ لِأنَّهُ لا يُرْمى بِالكَواكِبِ الَّتِي في السَّماءِ، بَلْ بِشُهُبٍ مِن دُونِها، وقَدْ تَكُونُ مُسْتَمَدَّةً مِنها. واللَّهُ أعْلَمُ.
وقالَ القاضِي: أيْ: وجَعَلْنا لَها فائِدَةً أُخْرى هي رَجْمُ أعْدائِكم بِانْقِضاضِ الشُّهُبِ المُسَبَّبَةِ عَنْها. وقِيلَ: مَعْناهُ: وجَعَلْناها رُجُومًا وظُنُونًا لِشَياطِينِ الإنْسِ، وهُمُ المُنَجِّمُونَ.
قالَ الشِّهابُ: مَرَّضَهُ لِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ المَأْثُورِ. و(الرَّجْمُ) يَكُونُ بِمَعْنى الظَّنِّ، مَجازًا مَعْرُوفًا. والآيَةُ بِمَعْنى آيَةِ الصّافّاتِ: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ [الصافات: ٦] ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ [الصافات: ٧] ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ [الصافات: ٨] ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ [الصافات: ٩] ﴿إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] ﴿وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ.
67:6–11Page 562
وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٦
And for those who disbelieved in their Lord is the punishment of Hell, and wretched is the destination.
إِذَآ أُلۡقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقٗا وَهِيَ تَفُورُ ٧
When they are thrown into it, they hear from it a [dreadful] inhaling while it boils up.
تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۖ كُلَّمَآ أُلۡقِيَ فِيهَا فَوۡجٞ سَأَلَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَذِيرٞ ٨
It almost bursts with rage. Every time a company is thrown into it, its keepers ask them, "Did there not come to you a warner?"
قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا وَقُلۡنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ كَبِيرٖ ٩
They will say, "Yes, a warner had come to us, but we denied and said, 'Allāh has not sent down anything. You are not but in great error.'"
وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١٠
And they will say, "If only we had been listening or reasoning, we would not be among the companions of the Blaze."
فَٱعۡتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١١
And they will admit their sin, so [it is] alienation1 for the companions of the Blaze.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ١١] ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]
(p-٥٨٨٢)﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيِ: المَرْجِعُ ذَلِكَ العَذابُ المُحْرِقُ.
قالَ النّاصِرُ: هَذا مِنَ الِاسْتِطْرادِ؛ لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الشَّياطِينِ اسْتَطْرَدَ ذَلِكَ وعِيدَ الكافِرِينَ عُمُومًا.
﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا﴾ [الملك: ٧] أيْ: لِأهْلِها مِمَّنْ تَقَدَّمَ طَرْحُهم فِيها، الأصْواتُ المُنْكَرَةُ المُنافِيَةُ لِأصْواتِ الأناسِيِّ، أوْ لِأنْفُسِهِمْ؛ فَإنَّهم يَصْطَرِخُونَ فِيها بِأصْواتِ الحَيَواناتِ المُنْكَرَةِ الصَّوْتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] أوَّلُها نَفْسُها، تَشْبِيهًا لِحَسِيسِها المُنْكَرِ الفَظِيعِ بِالشَّهِيقِ، وهو الصَّوْتُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الجَوْفِ بِشِدَّةٍ، كَصَوْتِ الحِمارِ.
﴿وهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] أيْ: تَغْلِي بِهِمْ وتَعْلُو.
﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] أيْ: تَتَفَرَّقُ أجْزاؤُها مِنَ الغَيْظِ عَلى الَّذِينَ أغْضَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، شُبِّهَتْ في شِدَّةِ غَلَيانِها وقُوَّةِ تَأْثِيرِها في أهْلِها بِإنْسانٍ شَدِيدِ الغَيْظِ عَلى غَيْرِهِ، مُبالِغٍ في إيصالِ الضَّرَرِ إلَيْهِ، فَتُوُهِّمَ لَها صُورَةٌ كَصُورَةِ الحالَةِ المُحَقَّقَةِ الوِجْدانِيَّةِ، وهي الغَضَبُ الباعِثُ عَلى ذَلِكَ. واسْتُعِيرَ لِتِلْكَ الحالَةِ المُتَوَهَّمَةِ الغَيْظِ كَما في "شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ"، وأمّا ثُبُوتُ الغَيْظِ الحَقِيقِيِّ لَها، بِخَلْقِ اللَّهِ فِيها إدْراكًا فَبَحْثٌ آخَرُ، لَكِنَّهُ قَدْ قِيلَ هُنا: إنَّهُ لا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ التَّجَوُّزِ فِيهِ؛ لِأنَّ " تَكادُ " تَأْباهُ، كَما في قَوْلِهِ:
﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ [النور: ٣٥] وقَدْ صَرَّحَ بِهِ عُلَماءُ المَعانِي في بَحْثِ المُبالَغَةِ والغُلُوِّ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ غَيْظُ الزَّبانِيَةِ؛ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، كَما في "العِنايَةِ".
﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾ [الملك: ٨] أيْ: جَماعَةٌ مِنَ الكَفَرَةِ ﴿سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] أيْ: في الدُّنْيا يُنْذِرُكم هَذا العَذابَ.
قالَ في "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ البَعْثَةِ.
(p-٥٨٨٣)﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَـزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] أيْ: فَكَذَّبْنا الرُّسُلَ، وأفْرَطْنا في التَّكْذِيبِ، حَتّى نَفَيْنا الإنْزالَ والإرْسالَ رَأْسًا، وبالَغْنا في نِسْبَتِهِمْ إلى الضَّلالِ.
﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك: ١٠] أيْ: مِنَ النُّذُرِ ما جاءَتْ بِهِ، سَماعَ طالِبِ الحَقِّ، وعَقْلَ مَن نَبَذَ الهَوى ﴿ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] أيْ: في عِدادِ أهْلِ النّارِ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: قالَ النّاصِرُ: لَوْ تَفَطَّنَ نَبِيهٌ لِهَذِهِ الآيَةِ لَعَدَّها دَلِيلًا عَلى تَفْضِيلِ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ؛ فَإنَّهُ قَدِ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأخْفى مِنها.
الثّانِي: قالَ ابْنُ السَّمْعانِيِّ في "القَواطِعِ": اسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ بِتَحْكِيمِ العَقْلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِيلَ: إنَّما جَمَعَ بَيْنَ السَّمْعِ والعَقْلِ؛ لِأنَّ مَدارَ التَّكْلِيفِ عَلى أدِلَّةِ السَّمْعِ والعَقْلِ.
﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] أيْ: فَأقَرُّوا بِجَحْدِهِمُ الحَقَّ وتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، فَبُعْدًا لَهُمْ، اعْتَرَفُوا أوْ أنْكَرُوا؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم.
67:12Page 562
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ ١٢
Indeed, those who fear their Lord unseen will have forgiveness and great reward.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ أيْ: يَخافُونَهُ أوْ يَخافُونَ عَذابَهُ، وهم لَمْ يَرَوْهُ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾
67:13Page 563
وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٣
And conceal your speech or publicize it; indeed, He is Knowing of that within the breasts.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣] ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾
﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِضَمائِرِها، فَكَيْفَ بِما نَطَقَ بِهِ؟ والمَعْنى: فاتَّقُوهُ واخْشَوْهُ.
(p-٥٨٨٤)
67:14Page 563
أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٤
Does He who created not know,1 while He is the Subtle, the Aware?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤] ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾
﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ أيْ: ألا يَعْلَمُ السِّرَّ والجَهْرَ مِن خَلْقِ الأشْياءِ، والخَلْقُ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ كَما قالَ: ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ أيِ: اللَّطِيفُ بِعِبادِهِ، الخَبِيرُ بِأعْمالِهِمْ. وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: ألا يَعْلَمُ اللَّهُ مَن خَلَقَهُ، وهو بِهَذِهِ المَثابَةِ، فَ: " مَن " مَفْعُولٌ، والعائِدُ مُقَدَّرٌ.
قالَ الغَزالِيُّ: إنَّما يَسْتَحِقُّ اسْمَ اللَّطِيفِ مَن يَعْلَمُ دَقائِقَ الأُمُورِ وغَوامِضَها وما لَطُفَ مِنها، ثُمَّ يَسَلُكُ في إيصالِ ما يُصْلِحُها سَبِيلَ الرِّفْقِ دُونَ العُنْفِ. و" الخَبِيرُ " هو الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ الأُمُورُ الباطِنَةُ، فَلا تَتَحَرَّكُ في المُلْكِ والمَلَكُوتِ ذَرَّةٌ، ولا تَسْكُنُ أوْ تَضْطَرِبُ نَفْسٌ، إلّا وعِنْدَهُ خَبَرُها. وهو بِمَعْنى العَلِيمِ.
67:15Page 563
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ ١٥
It is He who made the earth tame1 for you - so walk among its slopes and eat of His provision - and to Him is the resurrection.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا﴾ أيْ: لَيِّنَةً سَهْلَةَ المَسالِكِ.
﴿فامْشُوا في مَناكِبِها﴾ أيْ: في نَواحِيها وجَوانِبِها عَلى التَّشْبِيهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لِأنَّ نَواحِيَها نَظِيرُ مَناكِبِ الإنْسانِ الَّتِي هي مِن أطْرافِهِ.
﴿وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ أيِ: التَمِسُوا مِن نِعَمِهِ تَعالى.
قالَ الشِّهابُ: فالأكْلُ والرِّزْقُ، أُرِيدَ بِهِ طَلَبُ النِّعَمِ مُطْلَقًا، وتَحْصِيلُها أكْلًا وغَيْرَهُ، فَهو اقْتِصارٌ عَلى الأهَمِّ الأعَمِّ، عَلى طَرِيقِ المَجازِ أوِ الحَقِيقَةِ.
قالَ: وأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ نَعِيمَ الدُّنْيا وما فِيها، لَمْ تَجِدْ شَيْئًا مِنها عَلى المَرْءِ غَيْرَ ما أكَلَهُ، (p-٥٨٨٥)وما سِواهُ مُتَمِّمٌ لَهُ، أوْ دافِعٌ لِلضَّرَرِ عَنْهُ.
﴿وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أيْ: نَشُورُكم مِن قُبُورِكم لِلْجَزاءِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ في "الإكْلِيلِ": في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ الأمْرُ بِالتَّسَبُّبِ والكَسْبِ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في الآيَةِ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَتِهِ تَعالى عَلى خَلْقِهِ في تَسْخِيرِهِ لَهُمُ الأرْضَ، وتَذْلِيلِهِ إيّاها لَهُمْ، بِأنْ جَعَلَها ساكِنَةً لا تَمِيدُ ولا تَضْطَرِبُ بِما جَعَلَ فِيها مِنَ الجِبالِ، وأنْبَعَ فِيها مِنَ العُيُونِ، وسَلَكَ فِيها مِنَ السُّبُلِ، وهَيَّأ فِيها مِنَ المَنافِعِ، ومَواضِعِ الزَّرْعِ والثِّمارِ. والمَعْنى: سافِرُوا حَيْثُ شِئْتُمْ مِن أقْطارِها، وتَرَدَّدُوا في أقالِيمِها وأرْجائِها في أنْواعِ المَكاسِبِ والتِّجاراتِ.
67:16–17Page 563
ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخۡسِفَ بِكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ١٦
Do you feel secure that He who is above1 would not cause the earth to swallow you and suddenly it would sway?2
أَمۡ أَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ كَيۡفَ نَذِيرِ ١٧
Or do you feel secure that He who is above would not send against you a storm of stones? Then you would know how [severe] was My warning.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦ - ١٧] ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧] .
﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ خِطابٌ لِلْكافِرِينَ، أيْ: أأمِنتُمُ العَلِيَّ الأعْلى أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَيُغَيِّبَكم إلى أسْفَلِ سافِلِينَ.
﴿فَإذا هي تَمُورُ﴾ أيْ: تَضْطَرِبُ وتَهْتَزُّ هَزًّا شَدِيدًا بِكُمْ، وتَرْتَفِعُ فَوْقَكُمْ، وتَنْقَلِبُ عَلَيْكم.
﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ [الملك: ١٧] وهو التُّرابُ، فِيهِ الحَصْباءُ الصِّغارُ، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: عاقِبَةَ نَذِيرِي لَكُمْ، إذا كَذَّبْتُمْ بِهِ، ورَدَدْتُمُوهُ عَلى رَسُولِي.
(p-٥٨٨٦)وقَدْ بَيَّنَ تَعالى نَذِيرَهُ لَهم في غَيْرِ ما آيَةٍ، وهو زَهُوقُ باطِلِهِمْ إذا أصَرُّوا، ونَصْرُ رَسُولِهِ، وغَلَبَةُ جُنْدِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]
قالَ الشِّهابُ: النَّذِيرُ مَصْدَرٌ، والياءُ مَحْذُوفَةٌ، والقُرّاءُ مُخْتَلِفُونَ فِيها: فَمِنهم مَن حَذَفَها وصْلًا، وأثْبَتَها وقْفًا، ومِنهم مَن حَذَفَها في الحالَيْنِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ، وكَذَلِكَ الحالُ في " نَكِيرِ " .
67:18–19Page 563
وَلَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ١٨
And already had those before them denied, and how [terrible] was My reproach.
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ فَوۡقَهُمۡ صَٰٓفَّٰتٖ وَيَقۡبِضۡنَۚ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱلرَّحۡمَٰنُۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءِۭ بَصِيرٌ ١٩
Do they not see the birds above them with wings outspread and [sometimes] folded in? None holds them [aloft] except the Most Merciful. Indeed He is, of all things, Seeing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨ - ١٩] ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلا الرَّحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩]
﴿ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مَعَ كَوْنِهِمْ أشَدَّ مِنهم عَدَدًا وعُدَدًا ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ: نَكِيرِي تَكْذِيبَهُمْ، وذَلِكَ بِإنْزالِ العَذابِ بِهِمْ ودَحْرِ باطِلِهِمْ.
قالَ القاضِي: هو تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، وتَهْدِيدٌ لِقَوْمِهِ المُشْرِكِينَ.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: باسِطاتٍ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ طَيَرانِها، ﴿ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: ويَضْمُمْنَها إذا ضَرَبْنَ بِها جُيُوبَهُنَّ، وقْتٌ لِلِاسْتِظْهارِ، ولِتَجَدُّدِهِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالفِعْلِ إشارَةً إلى أنَّهُ أمْرٌ طارِئٌ عَلى الصَّفِّ، يُفْعَلُ في بَعْضِ الأحْيانِ لِلتَّقَوِّي بِالتَّحْرِيكِ، كَما يَفْعَلُهُ السّابِحُ في الماءِ يُقِيمُ بَدَنَهُ أحْيانًا بِخِلافِ البَسْطِ والصَّفِّ؛ فَإنَّهُ الأصْلُ الثّابِتُ في حالَةِ الطَّيَرانِ، ولِذا اخْتِيرَ لَهُ الِاسْمُ.
﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: في الجَوِّ ﴿إلا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ١٩] أيِ: المُقَيِّضُ لِكُلِّ ما قُدِّرَ لَهُ، حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ بِسِعَةِ رَحْمَتِهِ، ومِنهُ ما دَبَّرَ لِلطُّيُورِ مِن بِنْيَةٍ يَتَأتّى مِنها الجَرْيُ في الجَوِّ.
﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: فَيُعْطِيهِ ما يَلِيقُ بِهِ، ويُسَوِّيهِ بِحَسْبِ (p-٥٨٨٧)مَشِيئَتِهِ، ويُودِعُ فِيهِ ما يُرِيدُهُ بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ، ثُمَّ يَهْدِيهِ إلَيْهِ بِتَوْفِيقِهِ.
ثُمَّ بَكَّتَ تَعالى المُشْرِكِينَ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم ناصِرٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، بِقَوْلِهِ:
67:20Page 563
أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٞ لَّكُمۡ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ إِنِ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ٢٠
Or who is it that could be an army for you to aid you other than the Most Merciful? The disbelievers are not but in delusion.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠] ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ إنِ الكافِرُونَ إلا في غُرُورٍ﴾
﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ ﴿يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ: إنْ أرادَ بِكم سُوءًا، فَيَدْفَعُ عَنْكم بَأْسَهُ.
﴿إنِ الكافِرُونَ إلا في غُرُورٍ﴾ أيْ: مِن ظَنِّهِمْ أنَّ أرْبابَهم تَنْفَعُ أوْ تَضُرُّ، أوْ أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences