Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Qalam 68:34–52
68:34–43Page 565
إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٣٤
Indeed, for the righteous with their Lord are the Gardens of Pleasure.
أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥
Then will We treat the Muslims like the criminals?
مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٦
What is [the matter] with you? How do you judge?
أَمۡ لَكُمۡ كِتَٰبٞ فِيهِ تَدۡرُسُونَ ٣٧
Or do you have a scripture in which you learn
إِنَّ لَكُمۡ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ٣٨
That indeed for you is whatever you choose?
أَمۡ لَكُمۡ أَيۡمَٰنٌ عَلَيۡنَا بَٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّ لَكُمۡ لَمَا تَحۡكُمُونَ ٣٩
Or do you have oaths [binding] upon Us, extending until the Day of Resurrection, that indeed for you is whatever you judge?
سَلۡهُمۡ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ ٤٠
Ask them which of them, for that [claim], is responsible.
أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَآءُ فَلۡيَأۡتُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٤١
Or do they have partners?1 Then let them bring their partners, if they should be truthful.
يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ وَيُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٤٢
The Day the shin will be uncovered1 and they are invited to prostration but they [i.e., the disbelievers] will not be able,
خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ وَقَدۡ كَانُواْ يُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمۡ سَٰلِمُونَ ٤٣
Their eyes humbled, humiliation will cover them. And they used to be invited to prostration while they were sound.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤ - ٤٣] ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] أيْ: في الكَرامَةِ والمَثُوبَةِ الحُسْنى، والعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] أيْ: بِما يَنْبُو عَنْهُ العَقْلُ السَّلِيمُ، فَإنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ في قَضِيَّتِهِ.
﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم: ٣٨] أيْ: مِنَ الأُمُورِ لِأنْفُسِكُمْ، وتَشْتَهُونَهُ لَكُمْ، كَقَوْلِهِ:
﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾ [فاطر: ٤٠] وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم وتَقْرِيعٌ فِيما كانُوا يَقُولُونَ مِنَ الباطِلِ، (p-٥٩٠٣)ويَتَمَنَّوْنَ مِنَ الأمانِيِّ الكاذِبَةِ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] أيْ: تَقْضُونَ مِن أمانِيكم ومَزاعِمِكم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ يَمِينٌ بِكَذا، إذا ضَمِنتَهُ مِنهُ، وحَلَفْتَ لَهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ. يَعْنِي: أمْ ضَمَنّا مِنكم وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ [القلم: ٣٩] أمْ أقْسَمْنا لَكم. فَ: " بالِغَةٌ " -كَما قالَ الشِّهابُ- مَعْناهُ المُرادُ مِنهُ: مُتَناهِيَةٌ في التَّوْكِيدِ. وأصْلُهُ بالِغَةٌ أقْصى ما يُمْكِنُ، فَحُذِفَ مِنهُ اخْتِصارًا، وشاعَ في هَذا المَعْنى: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ﴾ [القلم: ٤٠] أيِ: الحُكْمِ ﴿زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] أيْ: كَفِيلٌ بِهِ، يَدَّعِيهِ ويُصَحِّحُهُ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: ناسٌ يُشارِكُونَهم في هَذا الزَّعْمِ، ويُوافِقُونَهم عَلَيْهِ.
﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] أيْ: في دَعْواهم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ أحَدًا لا يُسَلِّمُ لَهم بِهَذا، ولا يُساعِدُهم عَلَيْهِ، كَما أنَّهُ لا كِتابَ لَهم يَنْطِقُ بِهِ، ولا عَهْدَ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ، ولا زَعِيمَ لَهم يَقُومُ بِهِ. فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى نَفْيِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَشَبَّثُوا بِهِ مِن عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: عَنْ أمْرٍ شَدِيدٍ مُفْظِعٍ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. ألا تَسْمَعُ العَرَبَ تَقُولُ: شالَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقٍ؟ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] أيْ: لِما أحاطَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الهائِلِ الحائِلِ. ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: تَغْشاهم ذِلَّةُ العِصْيانِ السّالِفِ لَهم.
﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] أيْ: لا مانِعَ يَمْنَعُهم مِنهُ. والمُرادُ مِنَ السُّجُودِ: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، وإسْلامُ الوَجْهِ لَهُ، والعَمَلُ بِما أمَرَ بِهِ مِنَ الصّالِحاتِ.
(p-٥٩٠٤)تَنْبِيهٌ:
ما أثَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في مَعْنى: ﴿عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] هو المَعْنى الظّاهِرُ المُناسِبُ لِلتَّهْوِيلِ المُطَّرِدِ في تَوْصِيفِ ذَلِكَ اليَوْمِ في أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعِبارَتُهُ:
الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، والإبْداءُ عَنِ الخِدامِ، مُثِّلَ في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ.
وأصْلُهُ في الرَّوْعِ والهَزِيمَةِ، وتَشْمِيرِ المُخَدَّراتِ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ، وإبْداءِ خِدامِهِنَّ عِنْدَ ذَلِكَ. قالَ حاتِمٌ:
؎أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
وقالَ ابْنُ الرُّقَيّاتِ:
؎تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَنْ بَنِيهِ وتُبْدِي ∗∗∗ عَنْ خِدامِ العَقِيلَةِ العَذْراءِ
وجاءَتْ مُنَكَّرَةً لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مُبْهَمٌ في الشِّدَّةِ، مُنْكَرٌ خارِجٌ عَنِ المَأْلُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَقَعُ أمْرٌ فَظِيعٌ هائِلٌ.
(p-٥٩٠٥)وقالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: أيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ أصْلِ الأمْرِ. وساقُ الشَّيْءِ: أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ، كَساقِ الشَّجَرِ وساقِ الإنْسانِ، أيْ: تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَقائِقُ الأشْياءِ وأُصُولُها. فالسّاقُ بِمَعْنى أصْلِ الأمْرِ، وحَقِيقَتُهُ اسْتِعارَةً مِن ساقِ الشَّجَرِ، وفي "الكَشْفِ" تَجَوُّزٌ آخَرُ، أوْ هو تَرْشِيحٌ لَهُ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في "الفِصَلِ": ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ ««أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا»»، فَهَذا كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في القُرْآنِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] وإنَّما هو إخْبارٌ عَنْ شِدَّةِ الأمْرِ، وهَوْلِ المَوْقِفِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ شَمَّرَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقِها. قالَ جَرِيرٌ:
؎ألا رُبَّ سامِي الطَّرْفِ مِن آلِ مازِنٍ ∗∗∗ إذا شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
والعَجَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ هَذِهِ الأخْبارَ الصِّحاحَ، وإنَّما جاءَتْ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ نَصًّا، ولَكِنْ مَن ضاقَ عِلْمُهُ أنْكَرَ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وقَدْ عابَ اللَّهُ هَذا فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] انْتَهى.
هَذا وقَدْ ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ إلى أنَّ الآيَةَ وعِيدٌ دُنْيَوِيٌّ لِلْمُشْرِكِينَ، لا أُخْرَوِيٌّ. قالَ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ هَذا اليَوْمِ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] ويَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِ تَعَبُّدٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ: إمّا آخَرُ أيّامِ الرَّجُلِ في دُنْياهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى﴾ [الفرقان: ٢٢] ثُمَّ إنَّهُ يَرى النّاسَ يُدْعَوْنَ (p-٥٩٠٦)إلى الصَّلَواتِ إذا حَضَرَتْ أوْقاتُها، وهو لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، وإمّا حالَ الهَرَمِ والمَرَضِ والعَجْزِ. وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ مِمّا بِهِمُ الآنَ، إمّا مِنَ الشِّدَّةِ النّازِلَةِ بِهِمْ مِن هَوْلِ ما عايَنُوا عِنْدَ المَوْتِ، أوْ مِنَ العَجْزِ والهَرَمِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] انْتَهى.
قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى القِيامَةِ، بِسَبَبِ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ حاصِلٌ هاهُنا، والتَّكالِيفُ زائِلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَوابُهُ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّخْجِيلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؟ ثُمَّ تَأثَّرَ تَعالى تَخْوِيفَهم بِعَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ، بِتَرْهِيبِهِمْ بِما عِنْدَهُ وفي قُدْرَتِهِ، مِنَ القَهْرِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
68:44Page 566
فَذَرۡنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِۖ سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٤
So leave Me, [O Muḥammad], with [the matter of] whoever denies this statement [i.e., the Qur’ān]. We will progressively lead them [to punishment] from where they do not know.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤] ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾
﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ أيْ: كِلْهُ إلَيَّ فَإنِّي أكْفِيكَهُ، وهَذا مِن بَلِيغِ الكِنايَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: حَسْبُكَ انْتِقامًا مِنهُ أنْ تَكِلَ أمْرَهُ إلَيَّ، وتُخَلِّيَ بَيْنِي وبَيْنَهُ؛ فَإنِّي عالِمٌ بِما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ بِهِ، قادِرٌ عَلى ذَلِكَ.
﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: سَنَكِيدُهم بِالإمْهالِ وإدامَةِ الصِّحَّةِ، وزِيادَةِ النِّعَمِ، مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ، وسَبَبٌ لِهَلاكِهِمْ، يُقالُ: اسْتَدْرَجَهُ إلى كَذا، أيِ: اسْتَنْزَلَهُ إلَيْهِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً، حَتّى يُوَرِّطَهُ فِيهِ.
(p-٥٩٠٧)
68:45Page 566
وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ٤٥
And I will give them time. Indeed, My plan is firm.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥] ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾
﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ: أُمْهِلُهم وأُنْسِئُ في آجالِهِمْ مِلاوَةً مِنَ الزَّمانِ، لِتَكْمُلَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أيْ: كَيْدِي بِأهْلِ الكُفْرِ شَدِيدٌ قَوِيٌّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الصِّحَّةُ والرِّزْقُ والمَدُّ في العُمْرِ، إحْسانٌ مِنَ اللَّهِ وإفْضالٌ، يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الشُّكْرَ والطّاعَةَ، ولَكِنَّهم يَجْعَلُونَهُ سَبَبًا في الكُفْرِ بِاخْتِيارِهِمْ، فَلَمّا تَدَرَّجُوا بِهِ إلى الهَلاكِ، وصَفَ النِّعَمَ بِالِاسْتِدْراجِ. وقِيلَ: كَمْ مِن مُسْتَدْرَجٍ بِالإحْسانِ إلَيْهِ، وكَمْ مِن مَفْتُونٍ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ، وكَمْ مِن مَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ. وسَمّى إحْسانَهُ وتَمْكِينَهُ كَيْدًا، كَما سَمّاهُ اسْتِدْراجًا، لِكَوْنِهِ في صُورَةِ الكَيْدِ، حَيْثُ كانَ سَبَبًا لِلتَّوَرُّطِ في الهَلَكَةِ. ووَصَفَهُ بِالمَتانَةِ لِقُوَّةِ أثَرِ إحْسانِهِ في التَّسَبُّبِ لِلْهَلاكِ.
68:46–47Page 566
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٦
Or do you ask of them a payment, so they are by debt burdened down?
أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤٧
Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٦ - ٤٧] ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [القلم: ٤٧]
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا﴾ أيْ: عَلى ما أتَيْتَهم بِهِ مِنَ النَّصِيحَةِ، ودَعَوْتِهِمْ إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ.
﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أيْ: مِن عِزَّةِ ذَلِكَ الأجْرِ مُثْقَلُونَ، أيْ: أثْقَلَهُمُ الأداءُ، فَتَحامَوْا لِذَلِكَ قَبُولَ نَصِيحَتِكَ، وتَجَنَّبُوا الدُّخُولَ فِيما دَعَوْتَهم إلَيْهِ. والمَعْنى: لَمْ تَطْلُبْ مِنهم عَلى الهِدايَةِ والتَّعْلِيمِ أجْرًا فَيَثْقُلَ عَلَيْهِمْ حِمْلُهُ حَتّى يُثَبِّطَهم عَنِ الإيمانِ. ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [القلم: ٤٧] أيْ: مِنهُ ما يَحْكُمُونَ بِهِ، فَيُجادِلُونَكَ بِما فِيهِ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى كُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ أفْضَلُ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن أهْلِ الإيمانِ بِهِ، وأنَّهم مُسْتَغْنُونَ عَنْ وحْيِهِ وتَنْزِيلِهِ.
(p-٥٩٠٨)
68:48–50Page 566
فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومٞ ٤٨
Then be patient for the decision of your Lord, [O Muḥammad], and be not like the companion of the fish [i.e., Jonah] when he called out while he was distressed.
لَّوۡلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعۡمَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ مَذۡمُومٞ ٤٩
If not that a favor [i.e., mercy] from his Lord overtook him, he would have been thrown onto the naked shore while he was censured.1
فَٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٥٠
And his Lord chose him and made him of the righteous.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨ - ٥٠] ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠]
﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ وهو إمْهالُهُمْ، وتَأْخِيرُ ظُهُورِكَ عَلَيْهِمْ، أيْ: لا يُثْنِيَنَّكَ عَنْ تَبْلِيغِ ما أُمِرْتَ بِهِ أذاهم وتَكْذِيبُهُمْ، بَلِ امْضِ صابِرًا عَلَيْهِ ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ يَعْنِي: يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ نادى﴾ أيْ: دَعا رَبَّهُ في بَطْنِ الحُوتِ ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أيْ: مَمْلُوءٌ غَيْظًا وغَمًّا. والمَعْنى: لا يُوجَدْ مِنكَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الضَّجَرِ والوَنى عَنِ التَّبْلِيغِ، فَتُبْتَلى بِبَلائِهِ. ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [القلم: ٤٩] وهو قَبُولُ تَوْبَتِهِ ورَحْمَتُهُ، تَضَرُّعِهِ وابْتِهالِهِ ﴿لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ حالَهُ كانَتْ عَلى خِلافِ الذَّمِّ حِينَ نُبِذَ بِالعَراءِ، ولَوْلا تَوْبَتُهُ لَكانَتْ حالُهُ عَلى الذَّمِّ. والعَراءُ: الفَضاءُ مِنَ الأرْضِ.
﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ [القلم: ٥٠] أيْ: بِرَحْمَتِهِ. قالَ القاشانِيُّ: لِمَكانِ سَلامَةِ فِطْرَتِهِ، وبَقاءِ نُورِ اسْتِعْدادِهِ، وعَدَمِ رُسُوخِ الهَيْئَةِ الغَضَبِيَّةِ، والتَّوْبَةِ عَنْ فُرُطاتِ النَّفْسِ، فَقَرَّبَهُ تَعالى إلَيْهِ ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠] أيْ: لِمَقامِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.
68:51–52Page 566
وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونٞ ٥١
And indeed, those who disbelieve would almost make you slip with their eyes [i.e., looks] when they hear the message, and they say, "Indeed, he is mad."
وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٥٢
But it is not except a reminder to the worlds.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥١ - ٥٢] ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿وما هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [القلم: ٥٢]
﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّهم (p-٥٩٠٩)مِن شِدَّةِ تَحْدِيقِهِمْ، ونَظَرِهِمْ إلَيْكَ شَزْرًا، بِعُيُونِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ، يَكادُونَ يُزِلُّونَ قَدَمَكَ، أوْ يُهْلِكُونَكَ، مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرَ إلَيَّ نَظَرًا يَكادُ يَصْرَعُنِي، ويَكادُ يَأْكُلُنِي، أيْ: لَوْ أمْكَنَهُ بِنَظَرِهِ الصَّرْعُ أوِ الأكْلُ، لَفَعَلَهُ. قالَ:
؎يَتَقارَضُونَ إذا التَقَوْا في مَوْطِنٍ نَظَرًا يُزِلُّ مَواطِئَ الأقْدامِ
وأنْشَدَ ابْنِ عَبّاسٍ -وقَدْ مَرَّ بِأقْوامٍ حَدَّدُوا النَّظَرَ إلَيْهِ-:
؎نَظَرُوا إلَيَّ بِأعْيُنٍ مُحَمَّرَةٍ ∗∗∗ نَظَرَ التُّيُوسِ إلى شِفارِ الجازِرِ
وبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا النَّظَرَ كانَ يَشْتَدُّ مِنهم في حالِ قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْقُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أيِ: القُرْآنَ، مُعاداةً لِحِكْمَتِهِ. ﴿ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أيْ: مِنَ الهَذَيانِ الَّذِي يَهْذِي بِهِ في جُنُونِهِ، لِعَدَمِ تَمالُكِ أنْفُسِهِمْ مِنَ الحَسَدِ مِنهُ، والتَّنْفِيرِ عَنْهُ.
﴿وما هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [القلم: ٥٢] أيْ: عِظَةٌ وحِكْمَةٌ وتَذْكِيرٌ وتَنْبِيهٌ لَهُمْ، عَلى ما في عُقُولِهِمْ وفِطَرِهِمْ مِنَ التَّوْحِيدِ. فَكَيْفَ يُجَنَّنُ مَن جاءَ بِمِثْلِهِ؟ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences