Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:99–126
7:99Page 163
أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩٩
Then, did they feel secure from the plan of Allāh? But no one feels secure from the plan of Allāh except the losing people.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٩] ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾
﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ " وهو أخْذُهُ العَبْدَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ " أيْ لا يَأْمَنُ أحَدٌ أخَذَهُ تَعالى العَبْدَ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ، مَعَ كَثْرَةِ ما رَأى مِن أخْذِهِ العِبادَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، إلّا القَوْمُ الَّذِي خَسِرُوا عُقُولَهُمْ، وأضاعُوا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، الِاسْتِعْدادَ القَرِيبَ المُسْتَفادَ مِنَ النَّظَرِ في الآياتِ، فَصارُوا خاسِرِينَ إنْسانِيَّتَهُمْ، بَلْ أخَسُّ مِنَ البَهائِمِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ " تَكْرِيرٌ لِلنَّكِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ [الأعراف: ٩٧] " لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلى العاقِلِ أنْ يَكُونَ في خَوْفٍ مِن مَكْرِ اللَّهِ، كالمُحارِبِ الَّذِي يَخافُ مِن عَدُوِّهِ الكَمِينِ، والبَياتَ، والغِيلَةَ. وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ أنَّ ابْنَتَهُ قالَتْ: ما لِي أرى النّاسَ يَنامُونَ ولا أراكَ تَنامُ؟ فَقالَ: يا بِنْتاهُ إنَّ أباكِ يَخافُ البَياتَ. أرادَ قَوْلَهُ ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا﴾ [الأعراف: ٩٧] " . انْتَهى.
وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: المُؤْمِنُ يَعْمَلُ بِالطّاعاتِ وهو مُشْفِقٌ وجِلٌ خائِفٌ، والفاجِرُ يَعْمَلُ بِالمَعاصِي وهو آمِنٌ.
تَنْبِيهٌ:
الأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ كَبِيرَةٌ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ، وهو الِاسْتِرْسالُ في المَعاصِي، اتِّكالًا عَلى عَفْوِ اللَّهِ -كَما في جَمْعِ الجَوامِعِ-.
(p-٢٨٢٧)وقالَ الحَنَفِيَّةُ: إنَّهُ كُفْرٌ كاليَأْسِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾
واسْتَدَلَّ الشّافِعِيَّةُ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «( مِنَ الكَبائِرِ الأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ)» . وما ورَدَ أنَّهُ كُفْرٌ مَحْمُولٌ عَلى التَّغْلِيظِ كَذا في العِنايَةِ.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ: «ما الكَبائِرُ؟ فَقالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ، والأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ»» . قالَ بَعْضُهُمْ: والأشْبَهُ أنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ: وبِكَوْنِهِ أكْبَرَ الكَبائِرِ، صَرَّحَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَما رَواهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ والطَّبَرانِيُّ.
قالَ الكَمالُ بْنُ أبِي شَرِيفٍ: عَطْفُهُما -يَعْنِي الإياسَ والأمْنَ - في الحَدِيثِ عَلى (الإشْراكِ بِاللَّهِ)، المَحْمُولِ عَلى مُطْلَقِ الكُفْرِ، ظاهِرٌ في أنَّهُما غَيْرُ الكُفْرِ.
وقالَ أيْضًا: مُرادُ الشّافِعِيَّةِ بِكَوْنِهِ كَبِيرَةً، أنَّ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ الرَّجاءُ غَلَبَةً دَخَلَ بِها في حَدِّ الآمِنِ مِنَ المَكْرِ، كَمَنِ اسْتَبْعَدَ العَفْوَ عَنْ ذُنُوبِهِ لِعِظَمِها اسْتِبْعادًا دَخَلَ بِهِ في حَدِّ اليائِسِ. وأمّا مَن كانَ أمْنُهُ لِاعْتِقادِ أنْ لا مَكْرَ، كَمَن كانَ يَأْسُهُ لِإنْكارِ سَعَةِ الرَّحْمَةِ ذُنُوبَهُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما كافِرًا عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ أيْضًا، ويُحْمَلُ عَلَيْهِ نَصُّ القُرْآنِ -انْتَهى.
7:100Page 163
أَوَلَمۡ يَهۡدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ أَهۡلِهَآ أَن لَّوۡ نَشَآءُ أَصَبۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡۚ وَنَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ١٠٠
Has it not become clear to those who inherited the earth after its [previous] people that if We willed, We could afflict them for their sins? But We seal over their hearts so they do not hear.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٠] ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾
﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ " أيْ يَتَبَيَّنُ ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ أيِ المَأْخُوذِينَ.
(p-٢٨٢٨)﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ كَما أصَبْنا مَن قَبْلَهم فَأهْلَكْنا الوارِثِينَ كَما أهْلَكْنا المَوْرُوثِينَ ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ نَخْتِمُ عَلَيْها فَلا يَقْبَلُونَ مَوْعِظَةً ولا إيمانًا.
قالَ أبُو البَقاءِ: يُقْرَأُ (يَهْدِ) بِالياءِ، وفاعِلُهُ (أنْ لَوْ نَشاءُ). وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أيْ: أوْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهم عِلْمُهم بِمَشِيئَتِنا. ويُقْرَأُ بِالنُّونِ. و(أنْ لَوْ نَشاءُ) مَفْعُولُهُ. وقِيلَ: فاعِلُ (يَهْدِي) ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى.
ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ النُّونِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى ما يُفْهَمُ مِمّا قَبْلَهُ، أيْ: أوَلَمْ يَهْدِ ما جَرى لِلْأُمَمِ السّابِقَةِ، وتَعْدِيَةُ (يَهْدِ) بِاللّامِ، لِأنَّهُ بِمَعْنى (يُبَيِّنُ) إمّا بِطَرِيقِ المَجازِ، أوِ التَّضْمِينِ.
قالَ الشِّهابُ: وإنَّما جَعَلَ بِمَعْنى (يُبَيِّنُ)، وإنْ كانَ (هَدى) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وبِاللّامِ وبِإلى -لِأنَّ ذَلِكَ في المَفْعُولِ الثّانِي لا في الأوَّلِ، كَما هُنا، فَهَذا اسْتِعْمالٌ آخَرُ. وقِيلَ: لَكَ أنْ تَحْمِلَ اللّامَ عَلى الزِّيادَةِ، كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] والمُرادُ بِ(الَّذِينَ)، أهْلُ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها، كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى:
7:101Page 163
تِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآئِهَاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠١
Those cities - We relate to you, [O Muḥammad], some of their news. And certainly did their messengers come to them with clear proofs, but they were not to believe in that which they had denied before.1 Thus does Allāh seal over the hearts of the disbelievers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠١] ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾
﴿تِلْكَ القُرى﴾ " أيِ المَذْكُورَةُ وهي قُرى قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ " مِمّا يَدُلُّ عَلى مُؤاخَذَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ لِإصْرارِهِمْ عَلَيْها بَعْدَ التَّنْبِيهِ.
(p-٢٨٢٩)ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أعْذَرَ إلَيْهِمْ بِأنْ بَيَّنَ لَهُمُ الحَقَّ بِالحُجَجِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ والدَّلائِلِ القاطِعَةِ ﴿بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ " أيْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِالحَقِّ أوَّلَ ما ورَدَ عَلَيْهِمْ، إذْ تَمَرَّنُوا عَلى التَّكْذِيبِ، فَلَمْ تُفِدْهُمُ الآياتُ، واسْتَوَتْ عِنْدَهُمُ الحالَتانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] الآيَةَ ولِهَذا قالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ أيْ مِنَ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ، فَلا يَكادُ يُؤَثِّرُ فِيها الآياتُ والنُّذُرُ، لِما عَلِمَ أنَّهم يَخْتارُونَ الثَّباتَ عَلى الكُفْرِ.
7:102Page 163
وَمَا وَجَدۡنَا لِأَكۡثَرِهِم مِّنۡ عَهۡدٖۖ وَإِن وَجَدۡنَآ أَكۡثَرَهُمۡ لَفَٰسِقِينَ ١٠٢
And We did not find for most of them any covenant;1 but indeed, We found most of them defiantly disobedient.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٢] ﴿وما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾
" ﴿وما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ أيْ مِن وفاءِ عَهْدٍ ﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ " أيْ: خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ مارِقِينَ، فَلِذَلِكَ أخَذْناهم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الضَّمِيرُ (لِلنّاسِ) عَلى الإطْلاقِ، أيْ وما وجَدْنا لِأكْثَرِ النّاسِ مِن عَهْدٍ، يَعْنِي: أنَّ أكْثَرَ النّاسِ نَقَضَ عَهْدَ اللَّهِ ومِيثاقَهُ في الإيمانِ والتَّقْوى، والآيَةُ اعْتِراضٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلى الأُمَمِ المَذْكُورِينَ، وأنَّهم كانُوا، إذا عاهَدُوا اللَّهَ في ضُرٍّ ومَخافَةٍ، لَئِنْ أنْجَيْتَنا لَنُؤْمِنَنَّ، ثُمَّ نَجّاهُمْ، نَكَثُوا.
7:103Page 163
ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَظَلَمُواْ بِهَاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٠٣
Then We sent after them Moses with Our signs to Pharaoh and his establishment, but they were unjust toward them.1 So see how was the end of the corrupters.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٣] ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ " أيِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ، وهم نُوحٌ وهُودٌ وصالِحٌ ولُوطٌ (p-٢٨٣٠)وشُعَيْبٌ، أوِ الأُمَمُ المَحْكِيَّةُ مِن بَعْدِ هَلاكِهِمْ ﴿مُوسى بِآياتِنا﴾ " وهي العَصا، واليَدُ البَيْضاءُ، والسُّنُونَ، ونَقْصُ الثَّمَراتِ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، حَسْبَما يَأْتِي مُفَصَّلًا ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ " وهو مَلِكُ مِصْرَ في عَهْدِ مُوسى ﴿ومَلَئِهِ﴾ " أيْ قَوْمِهِ ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ " أيْ كَفَرُوا بِها. أجْرى الظُّلْمَ مَجْرى الكُفْرِ في تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ، وإنْ كانَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لِأنَّهُما مِن وادٍ واحِدٍ. ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] "، أوْ هو بِمَعْنى الكُفْرِ مَجازًا أوْ تَضْمِينًا، أيْ: كَفَرُوا بِها واضِعِينَ الكُفْرَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وهو مَوْضِعُ الإيمانِ، لِأنَّهُ أُوتِيَ الآياتِ لِتَكُونَ مُوجِبَةً لِلْإيمانِ بِما جاءَ بِهِ، فَعَكَسُوا، حَيْثُ كَفَرُوا فَوَضَعُوا الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أوِ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها، بِأنْ عَرَّضُوها لِلْعَذابِ الخالِدِ، أوْ ظَلَمُوا النّاسَ لِصَدِّهِمْ عَنِ الإيمانِ بِها، والمُرادُ بِهِ الِاسْتِمْرارُ عَلى الكُفْرِ بِها إلى أنْ لَقُوا مِنَ العَذابِ ما لَقُوا، كَما يُشِيرُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ لِعَقائِدِ الخَلْقِ، أفْسَدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُلْكُهُمْ، وآتاهُ أعْداءَهُمْ، فَأغْرَقَهم عَنْ آخِرِهِمْ، بِمَرْأى مِن مُوسى وقَوْمِهِ.
7:104Page 163
وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرۡعَوۡنُ إِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠٤
And Moses said, "O Pharaoh, I am a messenger from the Lord of the worlds
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٤] ﴿وقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
" ﴿وقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: أرْسَلَنِي إلَيْكَ الَّذِي هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ورَبُّهُ.
7:105Page 164
حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ قَدۡ جِئۡتُكُم بِبَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَرۡسِلۡ مَعِيَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٠٥
[Who is] obligated not to say about Allāh except the truth. I have come to you with clear evidence from your Lord, so send with me the Children of Israel."1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٥] ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾
﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾ " أيْ جَدِيرٌ بِذَلِكَ وحَرِيٌّ بِهِ، لِما عَلِمْتَ (p-٢٨٣١)مِن حالِي. والباءُ و(عَلى) يَتَعاقَبانِ، يُقالُ: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ وعَلى القَوْسِ. وجاءَ عَلى حالٍ حَسَنَةٍ وبِحالٍ حَسَنَةٍ. وقَرَأ أُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ((حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ)) ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ " أيْ آيَةٍ مِنهُ تَشْهَدُ عَلى صِدْقِي فِيما جِئْتُكم بِهِ بِالضَّرُورَةِ. ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ " رُوِيَ أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ أنْ يَأْتِيَ فِرْعَوْنَ ويَقُولَ لَهُ: إنَّ إلَهَنا أمَرَنا أنْ نَسِيرَ ثَلاثَةَ أيّامٍ في البَرِّيَّةِ، ونُقَرِّبَ لَهُ قَرابِينَ ونَعْبُدَهُ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ فِرْعَوْنَ لا يَدَعُهم يَمْضُونَ، ولَكِنْ لِيُظْهِرَ آياتِهِ عَلى يَدِ مُوسى، ويُهْلِكَ عَدُوَّهُ. فَلَمّا أتى مُوسى فِرْعَوْنَ وكَلَّمَهُ في أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ قَوْمَهُ، أنْكَرَ أمْرَ الرَّبِّ لَهُ، وقالَ: لِماذا نُعَطِّلُ الشَّعْبَ عَنْ أعْمالِهِ؟ وكانُوا مُسَخَّرِينَ لِفِرْعَوْنَ في عَمَلِ اللَّبِنِ، وأمَرَ بِزِيادَةِ عَمَلِهِمْ، بِأنْ يَجْمَعُوا التِّبْنَ مِن أنْفُسِهِمْ، بَعْدَ أنْ كانُوا يُعْطَوْنَهُ مِن قِبَلِ فِرْعَوْنَ.
ثُمَّ طَلَبَ فِرْعَوْنُ مِن مُوسى آيَةً، كَما قالَ تَعالى:
7:106Page 164
قَالَ إِن كُنتَ جِئۡتَ بِـَٔايَةٖ فَأۡتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٠٦
[Pharaoh] said, "If you have come with a sign, then bring it forth, if you should be of the truthful."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٦] ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾
" ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾
7:107Page 164
فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ ١٠٧
So he [i.e., Moses] threw his staff, and suddenly it was a serpent, manifest.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٧] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾
﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ " الَّتِي هي جَمادٌ ﴿فَإذا هِيَ﴾ " أيْ مِن غَيْرِ سُتْرَةٍ ولا مُعالَجَةِ سَبَبٍ ﴿ثُعْبانٌ﴾ " أيْ حَيَّةٌ كَبِيرَةٌ هائِلَةٌ، فاضَتْ عَلَيْهِ الحَياةُ لِتَدُلَّ عَلى فَيَضانِ الحَياةِ العَظِيمَةِ عَلى يَدَيْهِ ﴿مُبِينٌ﴾ " أيْ ظاهِرٌ لا مُتَخَيَّلٌ.
7:108Page 164
وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ١٠٨
And he drew out his hand; thereupon it was white [with radiance] for the observers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٨] ﴿ونَـزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾
﴿ونَـزَعَ يَدَهُ﴾ " أيْ أخْرَجَ يَدَهُ مِن دِرْعِهِ بَعْدَما أدْخَلَها فِيهِ ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ " (p-٢٨٣٢)أيْ بَيْضاءُ بَياضًا نُورانِيًّا خارِجًا عَنِ العادَةِ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ النَّظّارَةُ تَعَجُّبًا مِن أمْرِها، فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُظْهِرُ عَلى يَدَيْهِ شَرائِعَ تَغْلِبُ أنْوارُها المَعْنَوِيَّةُ الأنْوارَ الحِسِّيَّةَ، ويَتَقَوّى بِها الحَياةُ بِاللَّهِ.
7:109Page 164
قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ ١٠٩
Said the eminent among the people of Pharaoh, "Indeed, this is a learned magician
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٩] ﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾
﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ " أيِ الأشْرافِ الَّذِينَ يَكْرَهُونَ شَرَفَ الغَيْرِ عَلَيْهِمْ، في دَفْعِ هَذِهِ الآياتِ الظّاهِرَةِ عَنْ خَواطِرِ الخَلْقِ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ " أيْ ماهِرٌ فِيهِ.
7:110Page 164
يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُمۡۖ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ ١١٠
Who wants to expel you from your land [through magic], so what do you instruct?"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٠] ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾
﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ " أيْ مِن أرْضِ مِصْرَ بِسِحْرِهِ لِيَتَمَلَّكَ عَلَيْها ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ " أيْ تُشِيرُونَ في أمْرِهِ. وهَذا مِن تَمامِ الحِكايَةِ عَنْ قَوْلِ المَلَأِ، أوْ مُسْتَأْنِفٌ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ، تَقْدِيرُهُ فَقالَ: ماذا تَأْمُرُونَ؟ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:
7:111Page 164
قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَأَرۡسِلۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ١١١
They said,1 "Postpone [the matter of] him and his brother and send among the cities gatherers
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١١] ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾
﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ " أيْ أخِّرْ أمْرَهُما وأصْدِرْهُما عَنْكَ، حَتّى تَرى رَأْيَكَ فِيهِما، وتَدَبَّرْ شَأْنَهُما، لِئَلّا تُنْسَبَ إلى الظُّلْمِ الصَّرِيحِ.
قالَ أبُو مَنصُورٍ: والأمْرُ بِالتَّأْخِيرِ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَقَدَّمَ مِنهُ أمْرٌ آخَرُ، وهو الهَمُّ بِقَتْلِهِ، فَقالُوا أخِّرْهُ لِيَتَبَيَّنَ حالُهُ لِلنّاسِ.
وأصْلُ " أرْجِهْ " أرْجِئْهُ، كَما قُرِئَ كَذَلِكَ. مِن (أرْجَأْتُ) ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ﴾ " أيْ مَدائِنِ الصَّعِيدِ مِن نَواحِي مِصْرَ ﴿حاشِرِينَ﴾ " أيْ مَن يَحْشُرُ لَكَ السَّحَرَةَ ويَجْمَعُهم.
(p-٢٨٣٣)
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٢] ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾
﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ " وقُرِئَ ((سَحّارٍ)) ﴿عَلِيمٍ﴾ " أيْ ماهِرٍ في بابِ السِّحْرِ، لِيُعارِضُوا مُوسى بِنَظِيرِ ما أراهم مِنَ البَيِّناتِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى عَظِيمِ مُعْجِزَةٍ لِمُوسى، وتَدُلُّ عَلى جَهْلِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ قَلْبَ العَصا حَيَّةً تَسْعى لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، حَتّى نَسَبُوهُ إلى السِّحْرِ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ عادَةَ البَشَرِ، أنَّ مَن رَأى أمْرًا عَظِيمًا أنْ يُعارِضَهُ، فَلِذَلِكَ دَعا فِرْعَوْنُ بِالسَّحَرَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ العَرَبَ لَوْ قَدَرُوا عَلى مِثْلِ القُرْآنِ، لَعارَضُوهُ.
وتَدُلُّ عَلى أنَّ الطَّرِيقَ في المُعْجِزاتِ، المُعارَضَةُ بِإتْيانِ مِثْلِهِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في القُرْآنِ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] ولِذَلِكَ لَمْ يَتَكَلَّفْ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ غَيْرَ المُعارَضَةِ وإيقاعِ الشُّبَهِ. وتَدُلُّ أنَّهم أنْكَرُوا أمْرَهُ مُحافَظَةً عَلى المُلْكِ والمالِ، لِذَلِكَ قالُوا ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١١٠] " فَيَدُلُّ عَلى أنَّ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى تَرْكِ الدِّينِ المُحافَظَةَ عَلى الرِّياسَةِ والمالِ والجاهِ، كَما هو عادَةُ النّاسِ في هَذا الزَّمَنِ. انْتَهى.
ثُمَّ تَسابَقَتْ شُرَطُ فِرْعَوْنَ، فَحَشَرُوهم. كَما قالَ تَعالى:
7:113Page 164
وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرۡعَوۡنَ قَالُوٓاْ إِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ١١٣
And the magicians came to Pharaoh. They said, "Indeed for us is a reward if we are the predominant."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٣] ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾
" ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾
7:114Page 164
قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ لَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ١١٤
He said, "Yes, and, [moreover], you will be among those made near [to me]."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٤] ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾
" ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ولَمّا تَوَثَّقُوا مِن فِرْعَوْنَ.
(p-٢٨٣٤)
7:115Page 164
قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحۡنُ ٱلۡمُلۡقِينَ ١١٥
They said, "O Moses, either you throw [your staff], or we will be the ones to throw [first]."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٥] ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾
﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ " أيْ أوَّلُ مَن ألْقى، كَما في الآيَةِ الأُخْرى، قِيلَ: خَيَّرُوا مُوسى إظْهارًا لِلْجَلادَةِ، فَلَمْ يُبالُوا بِتَقَدُّمِهِ أوْ تَأخُّرِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَخْيِيرُهم إيّاهُ أدَبٌ حَسَنٌ، راعَوْهُ مَعَهُ، كَما يَفْعَلُ أهْلُ الصِّناعاتِ إذا التَقَوْا، كالمُتَناظِرِينَ قَبْلَ أنْ يَتَخاوَضُوا في الجِدالِ، والمُتَصارِعِينَ قَبْلَ أنْ يَتَآخَذُوا لِلصِّراعِ.
7:116Page 164
قَالَ أَلۡقُواْۖ فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ سَحَرُوٓاْ أَعۡيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَآءُو بِسِحۡرٍ عَظِيمٖ ١١٦
He said, "Throw," and when they threw, they bewitched the eyes of the people and struck terror into them, and they presented a great [feat of] magic.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٦] ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾
﴿قالَ﴾ " أيْ: مُوسى لَهم ﴿ألْقُوا﴾ " أيْ ما أنْتُمْ مُلْقُونَ، وإنَّما سَوَّغَ لَهُمُ التَّقَدُّمَ ازْدِراءً لِشَأْنِهِمْ، وقِلَّةَ مُبالاةٍ بِهِمْ، وثِقَةً بِما كانَ بِصَدَدِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ الإلَهِيِّ، وأنَّ المُعْجِزَةَ لَنْ يَغْلِبَها سِحْرٌ أبَدًا. ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ " أيْ خَيَّلُوا لَها ما لَيْسَ في الواقِعِ ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ " أيْ وخَوَّفُوهم وأفْزَعُوهم بِما فَعَلُوا مِنَ السِّحْرِ، كَما في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [طه: ٦٧] ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨] ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ " أيْ: في بابِ السِّحْرِ، أوْ في عَيْنِ مَن رَآهُ، فَإنَّهُ ألْقى كُلُّ واحِدٍ عَصاهُ، فَصارَتِ العِصِيُّ ثَعابِينَ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآياتِ عَلى أنَّ القَوْمَ أتَوْا بِما في وُسْعِهِمْ مِنَ التَّمْوِيهِ، وكانَ الزَّمانُ زَمانَ سِحْرٍ، والغالِبُ عَلَيْهِمْ الِاشْتِغالُ بِهِ، فَأتى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جِنْسِ ما هم فِيهِ، (p-٢٨٣٥)ما لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أحَدٌ، لِيَعْلَمُوا أنَّهُ مُعْجِزٌ ولَيْسَ بِسِحْرٍ. وهَكَذا يَنْبَغِي في المُعْجِزاتِ أنْ تَكُونَ مِن جِنْسِ ما هو شائِعٌ في القَوْمِ، ويَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ مِثْلُهُ. وكانَ الطِّبُّ هو الغالِبَ في زَمَنِ عِيسى، فَجاءَ بِإحْياءِ المَيِّتِ، وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في وُسْعِ طَبِيبٍ. وكانَ الغالِبُ في زَمَنِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ السَّلامُ الفَصاحَةَ والخُطَبَ والشِّعْرَ، فَجاءَ القُرْآنُ وتَحَدّاهم بِهِ. وتَدُلُّ عَلى أنَّهم بِالحِيَلِ جَعَلُوا الحِبالَ والعِصِيَّ مُتَحَرِّكَةً حَتّى أوْهَمُوا أنَّها أحْياءٌ، ولَكِنْ لَمّا وُقِفَ عَلى أصْلِ ما فَعَلُوهُ وعُلِمَ، وكانَ مِثْلُهُ مَقْدُورًا لِكُلِّ مَن يَتَعاطى صِناعَتَهُمْ، عُلِمَ أنَّهُ شَعْبَذَةٌ. ولِهَذا تَتَفارَقُ المُعْجِزَةُ والشَّعْبَذَةُ، أنَّهُ يُوقِفُ عَلى أصْلِها، ويُمْكِنُ إتْيانُ مِثْلِها، ويَخْفى أمْرُها، بِخِلافِ المُعْجِزَةِ.
ثُمَّ قالَ: وتَدُلُّ عَلى اعْتِرافِ فِرْعَوْنَ بِالذُّلِّ والضَّعْفِ، حَيْثُ اسْتَغاثَ بِهِمْ وبِمِهْنَتِهِمْ لِدَفْعِ مَكْرُوهٍ. انْتَهى.
7:117Page 164
۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۖ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ ١١٧
And We inspired to Moses, "Throw your staff," and at once it devoured what they were falsifying.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٧] ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾
﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ﴾ " أيْ تَبْتَلِعُ ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ " أيْ ما يُلْقُونَهُ ويُوهِمُونَ أنَّهُ حَقٌّ، وهو باطِلٌ.
7:118Page 164
فَوَقَعَ ٱلۡحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٨
So the truth was established, and abolished was what they were doing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٨] ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ " أيْ: ثَبَتَ الإعْجازُ ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ " أيْ مِنَ السِّحْرِ لِإبْطالِ الإعْجازِ.
7:119Page 164
فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَٰغِرِينَ ١١٩
And they [i.e., Pharaoh and his people] were overcome right there and became debased.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٩] ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾
﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ﴾ " أيْ في مَكانِ الوَعْدِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ أهْلُ مِصْرَ بِدَعْوَتِهِ، لِظَنِّهِ غَلَبَةَ السَّحَرَةِ ﴿وانْقَلَبُوا﴾ " أيْ رَجَعُوا ﴿صاغِرِينَ﴾ " أيْ ذَلِيلِينَ.
(p-٢٨٣٦)
7:120Page 164
وَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ١٢٠
And the magicians fell down in prostration [to Allāh].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٠] ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾
" ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ " .
7:121Page 165
قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢١
They said, "We have believed in the Lord of the worlds,
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢١] ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾
" ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ "
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٢] ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾
" ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ قالَ الجَشْمِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ السَّحَرَةَ عَرَفُوا أنَّ أمْرَ العَصا لَيْسَ مِن جِنْسِ السِّحْرِ، فَآمَنُوا في الحالِ. وتَدُلُّ عَلى أنَّهم بِتِلْكَ الآياتِ اسْتَدَلُّوا عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، لِذَلِكَ اعْتَرَفُوا بِهِما.
7:123Page 165
قَالَ فِرۡعَوۡنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكۡرٞ مَّكَرۡتُمُوهُ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لِتُخۡرِجُواْ مِنۡهَآ أَهۡلَهَاۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ١٢٣
Said Pharaoh, "You believed in him1 before I gave you permission. Indeed, this is a conspiracy which you conspired in the city to expel therefrom its people. But you are going to know.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٣] ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾
" ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا﴾ أيِ: الصُّنْعُ، ﴿لَمَكْرٌ﴾ " أيْ: حِيلَةٌ ﴿مَكَرْتُمُوهُ﴾ " أيْ دَبَّرْتُمُوهُ أنْتُمْ ومُوسى، ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ " أيْ في مِصْرَ قَبْلَ الخُرُوجِ لِلْمِيعادِ ﴿لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ " وعِيدٌ أجْمَلَهُ ثُمَّ فَصَّلَهُ بِقَوْلِهِ:
7:124Page 165
لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٢٤
I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides; then I will surely crucify you all."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٤] ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾
" ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ جانِبٍ، عُضْوًا مُغايِرًا لِلْآخَرِ، (p-٢٨٣٧)كاليَدِ مِن أحَدِهِما، والرِّجْلِ مِن آخَرَ.
قالَ الشِّهابُ: ﴿مِن خِلافٍ﴾ " حالٌ، أيْ مُخْتَلِفَةً، وقِيلَ " مِن " تَعْلِيلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ، أيْ لِأجْلِ خِلافِكُمْ، وهو بَعِيدٌ.
﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ " أيْ تَفْضِيحًا لَكم. وتَنْكِيلًا لِأمْثالِكم.
7:125Page 165
قَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ١٢٥
They said, "Indeed, to our Lord we will return.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٥] ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾
" ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ أيْ فَلا نُبالِي بِما تُهَدِّدُنا بِهِ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يُقَرِّبُنا إلى مَن آمَنا بِهِ، فَيُحْيِينا بِحَياةٍ خَيْرٍ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
7:126Page 165
وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتۡنَاۚ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِينَ ١٢٦
And you do not resent us except because we believed in the signs of our Lord when they came to us. Our Lord, pour upon us patience1 and let us die as Muslims [in submission to You]."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٦] ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾
" ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ أيْ ما تَعِيبُ مِنّا إلّا الإيمانَ بِآياتِ اللَّهِ، أيْ وما عِبْتَهُ وأنْكَرْتَهُ هو أعْظَمُ مَحاسِنِنا، لِأنَّهُ خَيْرُ الأعْمالِ، وأعْظَمُ المَناقِبِ، فَلا نَعْدِلُ عَنْهُ طَلَبًا لِمَرْضاتِكَ. ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ " أيْ أفِضْ عَلَيْنا صَبْرًا واسِعًا لِنَثْبُتَ عَلى دِينِكَ ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ " أيْ ثابِتِينَ عَلى الإسْلامِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences