Al-QasimiAl‑A'raf · 7:12–17

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:12–17

7:12Page 152

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ١٢

[Allāh] said, "What prevented you from prostrating when I commanded you?" [Satan] said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay [i.e., earth]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢] ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾

﴿قالَ﴾ " سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ " أيْ أنْ تَسْجُدَ كَما وقَعَ في سُورَةِ (ص). و" لا " مَزِيدَةٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُوَبَّخَ عَلَيْهِ تَرْكُ السُّجُودِ، ولِتَوْكِيدٍ لِمَعْنى الفِعْلِ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ وتَحْقِيقِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] كَأنَّهُ قِيلَ: لِيَتَحَقَّقَ عِلْمُ أهْلِ الكِتابِ، وما مَنَعَكَ أنْ تُحَقِّقَ السُّجُودَ وتُلْزِمَهُ نَفْسَكَ.

وتَوَقَّفَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في وجْهِ إفادَةِ " لا " النّافِيَةِ تَأْكِيدَ ثُبُوتِ الفِعْلِ مَعَ إيهامِ نَفْيِهِ، واسْتَظْهَرَ الشِّهابُ أنَّها لا تُؤَكِّدُهُ مُطْلَقًا، بَلْ إذا صَحِبَتْ نَفْيًا مُقَدَّمًا أوْ مُؤَخَّرًا صَرِيحًا أوْ غَيْرَ صَرِيحٍ، (p-٢٦٢١)كَما فِي: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] وكَما هُنا، فَإنَّها تُؤَكِّدُ تَعَلُّقَ المَنعِ بِهِ –انْتَهى-.

وقِيلَ: (ما مَنَعَكَ)، مَحْمُولٌ عَلى (ما حَمَلَكَ وما دَعاكَ)، مَجازًا أوْ تَضْمِينًا.

وقالَ الرّاغِبُ: المَنعُ ضِدُّ العَطِيَّةِ، وقَدْ يُقالُ في الحِمايَةِ. والمَعْنى ما حَماكَ عَنْ عَدَمِ السُّجُودِ. ولا يَخْفى أنَّ السُّؤالَ عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، مَعَ عِلْمِهِ بِهِ، لِلتَّوْبِيخِ ولِإظْهارِ مُعانَدَتِهِ وكُفْرِهِ وكِبَرِهِ، وافْتِخارِهِ بِأصْلِهِ وتَحْقِيرِهِ أصْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. كَما أوْضَحَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مِنَ العُذْرِ الَّذِي هو أكْبَرُ مِنَ الذَّنْبِ -انْتَهى.

وإنَّما قالَ هَذا، ولَمْ يَقُلْ (مَنَعَنِي كَذا) مُطابَقَةً لِلسُّؤالِ. لِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُسْتَأْنَفَةً، ما يَدُلُّ عَلى المانِعِ، وهو اعْتِقادُهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ، والفاضِلُ لا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْمَفْضُولِ، مَعَ ما في طَيِّها مِن إنْكارِ أنْ يُؤْمَرَ مِثْلُهُ بِالسُّجُودِ لِمِثْلِهِ. فالجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْجَوابِ بِقِياسٍ اسْتِدْلالِيٍّ، وهي مِنَ الأُسْلُوبِ الأحْمَقِ كَما في قِصَّةِ نَمْرُوذَ.

وقَدْ عَلَّلَ ما ادَّعاهُ مِنَ الخَيْرِيَّةِ والفَضْلِ بِزَعْمِهِ أنَّ عُنْصُرَ النّارِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ الطِّينِ، لِأنَّها جَوْهَرٌ نُورانِيٌّ، وهو ظَلْمانِيٌّ، ولَقَدْ أخْطَأ اللَّعِينُ حَيْثُ خَصَّ الفَضْلَ بِما مِن جِهَةِ المادَّةِ والعُنْصُرِ، وغَفَلَ عَمّا يَكُونُ بِاعْتِبارِ الفاعِلِ، كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] أيْ: بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وبِاعْتِبارِ الصُّورَةِ، كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [ص: ٧٢] وبِاعْتِبارِ الغايَةِ وهو مَلاكُ الأمْرِ، ولِذَلِكَ أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ لِما بَيَّنَ لَهم أنَّهُ أعْلَمُ مِنهم بِما يَدُورُ عَلَيْهِ (p-٢٦٢٢)أمْرُ الخِلافَةِ في الأرْضِ، وأنَّ لَهُ خَواصَّ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ.

وبِالجُمْلَةِ فالشَّيْءُ كَما يَشْرُفُ بِمادَّتِهِ، يَشْرُفُ بِفاعِلِهِ وغايَتِهِ وصُورَتِهِ، والثَّلاثَةُ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَهُ، فاسْتَبانَ غَلَطُهُ.

وفِي (اللُّبابِ) أنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إبْلِيسَ جَهِلَ وجْهَ الحَقِّ، وأخْطَأ طَرِيقَ الصَّوابِ، لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مِن جَوْهَرِ النّارِ الخِفَّةُ والطَّيْشُ والِارْتِفاعُ والِاضْطِرابُ، وهَذا الَّذِي حَمَلَهُ، مَعَ سابِقَةِ شَقائِهِ، عَلى الِاسْتِكْبارِ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاسْتِخْفافِ بِأمْرِ رَبِّهِ، فَأوْرَدَهُ ذَلِكَ العَطَبَ والهَلاكَ.

ومِن جَوْهَرِ الطِّينِ الرَّزانَةُ والأناةُ والصَّبْرُ والحِلْمُ والحَياءُ والتَّثَبُّتُ، وهَذا كانَ الدّاعِيَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ سابِقَةِ سَعادَتِهِ، إلى التَّوْبَةِ مِن خَطِيئَتِهِ، ومَسْألَتِهِ رَبَّهُ العَفْوَ عَنْهُ والمَغْفِرَةَ.

وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ الجانُّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وُصِفَ لَكم»» . رَواهُ مُسْلِمٌ.

تَنْبِيهٌ:

رَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ قالَ: قاسَ إبْلِيسُ وهو أوَّلُ مَن قاسَ. وأخْرَجَ أيْضًا بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: أوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ، وما عُبِدَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالمَقايِيسِ.

ولِذا احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى عَدَمِ جَوازِ تَخْصِيصِ النَّصِّ بِالقِياسِ، وإلّا لَما اسْتَوْجَبَ إبْلِيسُ هَذا الذَّمَّ الشَّدِيدَ.

قالَ الرّازِيُّ: بَيانُ المُلازَمَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] " خِطابٌ عامٌّ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ إنَّ إبْلِيسَ أخْرَجَ نَفْسَهُ مِن هَذا العُمُومِ بِالقِياسِ، وهو أنَّهُ مَخْلُوقٌ (p-٢٦٢٣)مِنَ النّارِ، والنّارُ أشْرَفُ مِنَ الطِّينِ، ومَن كانَ أصْلُهُ أشْرَفَ فَهو أشْرَفُ، والأشْرَفُ لا يَجُوزُ أنْ يُؤْمَرَ بِخِدْمَةِ الأدْنى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذا الحُكْمَ ثابِتٌ في جَمِيعِ النَّظائِرِ، ولا مَعْنى لِلْقِياسِ إلّا ذَلِكَ.

وقَدْ ثَبَتَ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا خَصَّصَ العُمُومَ بِهَذا القِياسِ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، وما ذاكَ إلّا لِعَدَمِ جَوازِهِ. وأيْضًا فَفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى ذَلِكَ مِن وجْهٍ آخَرَ: وذَلِكَ لِأنَّ إبْلِيسَ لَمّا ذَكَرَ هَذا القِياسَ قالَ تَعالى: ﴿فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ [الأعراف: ١٣] فَوَصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِهِ مُتَكَبِّرًا، بَعْدَ أنْ حَكى عَنْهُ ذَلِكَ القِياسَ الَّذِي يُوجِبُ تَخْصِيصَ النَّصِّ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن حاوَلَ تَخْصِيصَ عُمُومَ النَّصِّ بِالقِياسِ تَكَبَّرَ عَلى اللَّهِ.

ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّكَبُّرَ عَلَيْهِ تَعالى يُوجِبُ العِقابَ الشَّدِيدَ، والإخْراجَ مِن زُمْرَةِ الأوْلِياءِ. ثَبَتَ أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بِالقِياسِ لا يَجُوزُ، وهَذا هو المُرادُ مِمّا نَقَلَهُ الواحِدِيُّ في (البَسِيطِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَتِ الطّاعَةُ أوْلى بِإبْلِيسَ مِنَ القِياسِ، فَعَصى رَبَّهُ وقاسَ، وأوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ فَكَفَرَ بِقِياسِهِ، فَمَن قاسَ الدِّينَ بِشَيْءٍ مِن رَأْيِهِ، قَرَنَهُ اللَّهُ مَعَ إبْلِيسَ - هَذا ما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ في (البَسِيطِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأفادَهُ الرّازِيُّ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ آثارٌ كَثِيرَةٌ في ذَمِّ القِياسِ، مِنها ما تَقَدَّمَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ وابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: لا أقِيسُ شَيْئًا بِشَيْءٍ، فَتَزِلُّ قَدَمِي بَعْدَ ثُبُوتِها.

وعَنِ الشَّعْبِيِّ: إيّاكم والقِياسَ، وإنَّكم إنْ أخَذْتُمْ بِهِ أحْلَلْتُمُ الحَرامَ، وحَرَّمْتُمُ الحَلالَ، ولَأنْ أتَغَنّى غُنْيَةً، أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أقُولَ في شَيْءٍ بِرَأْيِي.

وقَدْ ذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن هَذا المَعْنى آثارًا وافِرَةً في (جامِعِ بَيانِ العِلْمِ وفَضْلِهِ) وقالَ: احْتَجَّ مَن نَفى القِياسَ بِهَذِهِ الآثارِ ومَثَّلَها. وقالُوا في حَدِيثِ مُعاذٍ: إنَّ مَعْناهُ أنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ عَلى الكِتابِ والسُّنَّةِ. وتَكَلَّمَ داوُدُ في إسْنادِ حَدِيثِ مُعاذٍ، ورَدَّهُ ودَفَعَهُ مِن أجْلِ أنَّهُ عَنْ أصْحابِ مُعاذٍ، ولَمْ يُسَمَّوْا، قالَ الحافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: وحَدِيثُ مُعاذٍ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ، رَواهُ الأئِمَّةُ العُدُولُ، وهو أصْلٌ في الِاجْتِهادِ والقِياسِ عَلى الأُصُولِ. ثُمَّ قالَ: وسائِرُ الفُقَهاءِ وقالُوا في هَذِهِ الآثارِ وما كانَ مِثْلَها (p-٢٦٢٤)فِي ذَمِّ القِياسِ: إنَّهُ القِياسُ عَلى غَيْرِ أصْلٍ، أوِ القِياسُ الَّذِي يُرَدُّ بِهِ أصْلٌ، والقَوْلُ في دِينِ اللَّهِ بِالظَّنِّ. ألا تَرى إلى قَوْلِ مَن قالَ مِنهُمْ: أوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ؟ لِأنَّ إبْلِيسَ رَدَّ أصْلَ العِلْمِ بِالرَّأْيِ الفاسِدِ، والقِياسُ لا يَجُوزُ عِنْدَ أحَدٍ مِمَّنْ قالَ بِهِ إلّا في رَدِّ الفُرُوعِ إلى أُصُولِها، لا في رَدِّ الأُصُولِ بِالرَّأْيِ والظَّنِّ. وإذا صَحَّ النَّصُّ مِنَ الكِتابِ والأثَرِ، بَطَلَ القِياسُ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب: ٣٦] الآيَةَ، وأيُّ أصْلٍ أقْوى مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى لِإبْلِيسَ بِالسُّجُودِ، وهو العالِمُ بِما خُلِقَ مِنهُ آدَمُ، وما خُلِقَ مِنهُ إبْلِيسُ؟ ثُمَّ أمَرَهُ بِالسُّجُودِ لَهُ فَأبى واسْتَكْبَرَ لِعِلَّةٍ لَيْسَتْ بِمانِعَةٍ مِن أنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ بِما يَشاءُ، فَهَذا ومِثْلُهُ لا يَحِلُّ ولا يَجُوزُ. وأمّا القِياسُ عَلى الأُصُولِ، والحُكْمُ لِلشَّيْءِ بِحُكْمِ نَظِيرِهِ، فَهَذا ما لا يَخْتَلِفُ فِيهِ أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ، بَلْ كُلُّ مَن رُوِيَ عَنْهُ ذَمُّ القِياسِ قَدْ وُجِدَ لَهُ القِياسُ الصَّحِيحُ مَنصُوصًا. لا يَدْفَعُ هَذا إلّا جاهِلٌ أوْ مُتَجاهِلٌ، مُخالِفٌ لِلسَّلَفِ في الأحْكامِ.

وقالَ مَسْرُوقٌ الوَرّاقُ:

؎كُنّا مِنَ الدِّينِ قَبْلَ اليَوْمِ في سِعَةٍ حَتّى ابْتُلِينا بِأصْحابِ المَقايِيسِ

؎قامُوا مِنَ السُّوقِ إذْ قَلَّتْ مَكاسِبُهم ∗∗∗ فاسْتَعْمَلُوا الرَّأْيَ عِنْدَ الفَقْرِ والبُوسِ

؎أمّا العُرَيْبُ فَقَوْمٌ لا عَطاءَ لَهم ∗∗∗ وفي المَوالِي عَلاماتُ المَفالِيسِ

فَلَقِيَهُ أبُو حَنِيفَةَ فَقالَ: هَجَوْتَنا، نَحْنُ نُرْضِيكَ، فَبَعَثَ إلَيْهِ بِدَراهِمَ فَقالَ:

؎إذا ما أهْلُ مِصْرٍ بادَهُونا ∗∗∗ بِآبِدَةٍ مِنَ الفُتْيا لَطِيفَهْ

؎أتَيْناهم بِمِقْياسٍ صَحِيحٍ ∗∗∗ صَلِيبٍ مِن طِرازِ أبِي حَنِيفَهْ

؎إذا سَمِعَ الفَقِيهُ بِهِ وعاهُ ∗∗∗ وأثْبَتَهُ بِحِبْرٍ في صَحِيفَهْ

قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: اتَّصَلَتْ هَذِهِ الأبْياتُ بِبَعْضِ أهْلِ الحَدِيثِ والنَّظَرِ مِن أهْلِ ذَلِكَ (p-٢٦٢٥)الزَّمَنِ، فَقالَ:

؎إذا ذُو الرَّأْيِ خاصَمَ عَنْ قِياسٍ ∗∗∗ وجاءَ بِبِدْعَةٍ مِنهُ سَخِيفَهْ

؎أتَيْناهم بِقَوْلِ اللَّهِ فِيها ∗∗∗ وآثارٍ مُبَرَّزَةٍ شَرِيفَهْ

هَكَذا حَكاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في (جامِعِ فَضْلِ العِلْمِ). ولَهُ فِيهِ في (بابِ ما جاءَ في ذَمِّ القَوْلِ في دِينِ اللَّهِ بِالرَّأْيِ والقِياسِ عَلى غَيْرِ أصْلٍ)، مَقالاتٌ سابِغَةٌ جَدِيرَةٌ بِالمُراجَعَةِ.

ومِمّا ذَكَرَ فِيهِ: أنَّ أهْلَ الحَدِيثِ أفْرَطُوا في أبِي حَنِيفَةَ، وتَجاوَزُوا الحَدَّ.

قالَ: والسَّبَبُ المُوجِبُ لِذَلِكَ، عِنْدَهُمْ، إدْخالُهُ الرَّأْيَ والقِياسَ عَلى الآثارِ، واعْتِبارُهُما، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُونَ: إذا صَحَّ الأثَرُ بَطَلَ النَّظَرُ. وكانَ رَدُّهُ لِما رَدَّ مِن أخْبارِ الآحادِ بِتَأْوِيلٍ مُحْتَمَلٍ، وكَثِيرٌ مِنهُ قَدْ تَقَدَّمَهُ إلَيْهِ غَيْرُهُ، وتابَعَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ مِمَّنْ قالَ بِالرَّأْيِ: وجُلُّ ما يُوجَدُ لَهُ مِن ذَلِكَ ما كانَ مِنهُ اتِّباعًا لِأهْلِ بَلَدِهِ، كَإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ وأصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ. إلّا أنَّهُ أُغْرِقَ هو وأصْحابُهُ في تَنْزِيلِ النَّوازِلِ، والجَوابُ فِيها بِرَأْيِهِمْ واسْتِحْسانِهِمْ.

فَأتى مِنهم في ذَلِكَ خِلافٌ كَبِيرٌ لِلسَّلَفِ.

ثُمَّ قالَ: وما أعْلَمُ أحَدًا مِن أهْلِ العِلْمِ إلّا ولَهُ تَأْوِيلٌ في آيَةٍ، أوْ مَذْهَبٌ في سُنَّةٍ، رَدَّ مِن أجْلِ ذَلِكَ المَذْهَبِ سُنَّةً أُخْرى بِتَأْوِيلٍ سائِغٍ، أوِ ادِّعاءِ نَسْخٍ. إلّا أنَّ لِأبِي حَنِيفَةَ مِن ذَلِكَ كَثِيرًا، وهو يُوجَدُ لِغَيْرِهِ قَلِيلٌ.

وعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أنَّهُ قالَ: أحْصَيْتُ عَلى مالِكِ بْنِ أنَسٍ سَبْعِينَ مَسْألَةً كُلُّها مُخالِفَةٍ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، مِمّا قالَ مالِكٌ فِيها بِرَأْيِهِ. قالَ: وقَدْ كَتَبْتُ إلَيْهِ أعِظُهُ في ذَلِكَ. هَذا كَلامُ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ مُلَخَّصًا.

وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في بَعْضِ فَتاوِيهِ: أنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وزَيْدٍ أنَّهُما احْتَجّا بِقِياسٍ، فَمَنِ ادَّعى إجْماعَهم -أيِ: الصَّحابَةُ- عَلى تَرْكِ العَمَلِ بِالرَّأْيِ والقِياسِ، مُطْلَقًا فَقَدْ غَلِطَ، ومَنِ ادَّعى أنَّهُ مِنَ المَسائِلِ ما لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيها أحَدٌ مِنهم إلّا بِالرَّأْيِ والقِياسِ، فَقَدْ غَلِطَ، بَلْ كانَ كُلٌّ مِنهم يَتَكَلَّمُ بِحَسَبِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ، فَمَن رَأى دَلالَةَ الكِتابِ ذَكَرَها، ومَن رَأى دَلالَةَ المِيزانِ ذَكَرَها -انْتَهى.

(p-٢٦٢٦)وقالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في فَتْوى أُخْرى: والصَّحابَةُ كانُوا يَحْتَجُّونَ في عامَّةِ مَسائِلِهِمْ بِالنُّصُوصِ كَما هو مَشْهُورٌ عَنْهُمْ، وكانُوا يَجْتَهِدُونَ رَأْيَهم ويَتَكَلَّمُونَ بِالرَّأْيِ، ويَحْتَجُّونَ بِالقِياسِ الصَّحِيحِ أيْضًا. والقِياسُ الصَّحِيحُ نَوْعانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ لا فارِقَ بَيْنَ الفَرْعِ والأصْلِ إلّا فَرْقًا غَيْرَ مُؤَثِّرٍ في الشَّرْعِ، كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الصَّحِيحِ أنَّهُ «سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وقَعَتْ في سَمْنٍ، فَقالَ: «ألْقُوها وما حَوْلَها، وكُلُوا سَمْنَكم»»، وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِتِلْكَ الفَأْرَةِ وذَلِكَ السَّمْنِ، فَلِهَذا قالَ جَماهِيرُ العُلَماءِ: إنَّهُ أيُّ نَجاسَةٍ وقَعَتْ في دُهْنٍ مِنَ الأدْهانِ كالفَأْرَةِ الَّتِي تَقَعُ في الزَّيْتِ، وكالهِرِّ الَّذِي يَقَعُ في السَّمْنِ، فَحُكْمُها حُكْمُ تِلْكَ الفَأْرَةِ الَّتِي وقَعَتْ في السَّمْنِ.

ومَن قالَ مِن أهْلِ الظّاهِرِ: إنَّ هَذا الحُكْمَ لا يَكُونُ إلّا في فَأْرَةٍ وقَعَتْ في سَمْنٍ، فَقَدْ أخْطَأ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَخُصَّ الحُكْمَ بِتِلْكَ الصُّورَةِ، لَكِنْ لَمّا اسْتُفْتِيَ عَنْها أفْتى فِيها، والِاسْتِفْتاءُ إذا وقَعَ عَنْ قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ أوْ عَنْ نَوْعٍ، فَأجابَ المُفْتِي عَنْ ذَلِكَ، خَصَّهُ لِكَوْنِهِ سُئِلَ عَنْهُ، لا لِاخْتِصاصِهِ بِالحُكْمِ، ومِثْلُ هَذا أنَّهُ «سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ وعَلَيْهِ جُبَّةٌ مُضَمَّخَةٌ (p-٢٦٢٧)بِخَلُوقٍ فَقالَ: انْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ الخَلُوقَ، واصْنَعْ في عُمْرَتِكَ ما كُنْتَ تَصْنَعُ في حَجِّكَ» . فَأجابَهُ عَنِ الجُبَّةِ، ولَوْ كانَ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أوْ نَحْوَهُ، كانَ الحُكْمُ كَذَلِكَ بِالإجْماعِ.

والنَّوْعُ الثّانِي مِنَ القِياسِ: أنْ يَنُصَّ عَلى حُكْمٍ لِمَعْنًى مِنَ المَعانِي، ويَكُونُ ذَلِكَ المَعْنى مَوْجُودًا في غَيْرِهِ، فَإذا قامَ دَلِيلٌ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ الحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْنى المُشْتَرِكِ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ سَوّى بَيْنَهُما، وكانَ هَذا قِياسًا صَحِيحًا. فَهَذانِ النَّوْعانِ كانَ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ يَسْتَعْمِلُونَهُما، وهُما مِن بابِ فَهْمِ مُرادِ الشّارِعِ. فَإنَّ الِاسْتِدْلالَ بِكَلامِ الشّارِعِ يَتَوَقَّفُ عَلى أنْ يُعْرَفَ ثُبُوتُ اللَّفْظِ عَنْهُ، وعَلى أنْ يُعْرَفَ مُرادُهُ بِاللَّفْظِ، وإذا عَرَفْنا مُرادَهُ، فَإنْ عَلِمْنا أنَّهُ حُكْمٌ لِلْمَعْنى المُشْتَرِكِ، لا لِمَعْنًى يَخُصُّ الأصْلَ، أثْبَتْنا الحُكْمَ حَيْثُ وُجِدَ المَعْنى المُشْتَرِكُ.

وإنْ عَلِمْنا أنَّهُ قَصَدَ تَخْصِيصَ الحُكْمِ بِمَوْرِدِ النَّصِّ، مَنَعْنا القِياسَ، كَما أنّا عَلِمْنا أنَّ الحَجَّ خُصَّ بِهِ الكَعْبَةُ، وأنَّ الصِّيامَ الفَرْضَ خُصَّ بِهِ شَهْرُ رَمَضانَ، وأنَّ الِاسْتِقْبالَ خُصَّ بِهِ جِهَةُ الكَعْبَةِ، وأنَّ المَفْرُوضَ مِنَ الصَّلَواتِ خُصَّ بِهِ الخَمْسُ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ هُنا أنْ نَقِيسَ عَلى المَنصُوصِ غَيْرَهُ.

وإذا عَيَّنَ الشّارِعُ مَكانًا أوْ زَمانًا لِلْعِبادَةِ، كَتَعْيِينِ الكَعْبَةِ وشَهْرِ رَمَضانَ، أوْ عَيَّنَ بَعْضَ الأقْوالِ والأفْعالِ، كَتَعْيِينِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ، والرُّكُوعِ والسُّجُودِ، بَلْ وتَعْيِينِ التَّكْبِيرِ وأُمِّ القُرْآنِ، فَإلْحاقُ غَيْرِ المَنصُوصِ بِهِ يُشْبِهُ حالَ أهْلِ اليَمَنِ الَّذِينَ أسْقَطُوا تَعْيِينَ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وقالُوا: المَقْصُودُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ مِنَ السَّنَةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ (p-٢٦٢٨)الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] وقِياسُ الحَلالِ بِالنَّصِّ عَلى الحَرامِ بِالنَّصِّ، مِن جِنْسِ قِياسِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥]

وكَذَلِكَ قِياسُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قاسُوا المَيْتَةَ بِالمُذَكّى وقالُوا أتَأْكَلُونَ ما قَتَلْتُمْ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ؟ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] فَهَذِهِ الأقْيِسَةُ الفاسِدَةُ، وكُلُّ قِياسٍ دَلَّ النَّصُّ عَلى فَسادِهِ فَهو فاسِدٌ، وكُلُّ مَن ألْحَقَ مَنصُوصًا بِمَنصُوصٍ يُخالِفُ حُكْمَهُ، فَقِياسُهُ فاسِدٌ. وكُلُّ مَن سَوّى بَيْنِ شَيْئَيْنِ بِغَيْرِ الأوْصافِ المُعْتَبَرَةِ في حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ فَقِياسُهُ فاسِدٌ.

لَكِنْ مِنَ القِياسِ ما يُعْلَمُ صِحَّتُهُ، ومِنهُ ما يُعْلَمُ فَسادُهُ، ومِنهُ ما لَمْ يَتَبَيَّنْ أمْرُهُ. فَمَن أبْطَلَ القِياسَ مُطْلَقًا فَقَوْلُهُ باطِلٌ. ومَنِ اسْتَدَلَّ بِالقِياسِ المُخالِفِ لِلشَّرْعِ فَقَوْلُهُ باطِلٌ.

(p-٢٦٢٩)ومَنِ اسْتَدَلَّ بِقِياسٍ لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ، فَقَدِ اسْتَدَلَّ بِما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ، بِمَنزِلَةِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِرِوايَةِ رَجُلٍ مَجْهُولٍ لا يُعْلَمُ عَدالَتُهُ، فالحُجَجُ الأثَرِيَّةُ والنَّظَرِيَّةُ تَنْقَسِمُ إلى ما يُعْلَمُ صِحَّتُهُ، وإلى ما يُعْلَمُ فَسادُهُ، وإلى ما هو مَوْقُوفٌ حَتّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلى أحَدِها. ولَفْظُ النَّصِّ يُرادُ بِهِ تارَةً ألْفاظَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، سَواءٌ كانَ اللَّفْظُ دَلالَتُهُ قَطْعِيَّةٌ أوْ ظاهِرَةٌ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِ مَن قالَ: النُّصُوصُ تَتَناوَلُ أفْعالَ المُكَلَّفِينَ.

ويُرادُ بِالنَّصِّ ما دَلالَتُهُ قَطْعِيَّةٌ لا تَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، كَقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] و: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْـزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ [الشورى: ١٧] فالكِتابُ هو النَّصُّ، والمِيزانُ هو العَدْلُ. والقِياسُ الصَّحِيحُ مِن بابِ العَدْلِ، فَإنَّهُ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ المُتَماثِلِينَ، وتَفْرِيقٌ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ، ودَلالَةُ القِياسِ الصَّحِيحِ تُوافِقُ دَلالَةَ النَّصِّ، فَكُلُّ قِياسٍ خالَفَ دَلالَةَ النَّصِّ فَهو قِياسٌ فاسِدٌ، ولا يُوجَدُ نَصٌّ يُخالِفُ قِياسًا صَحِيحًا، كَما لا يُوجَدُ مَعْقُولٌ صَرِيحٌ يُخالِفُ المَنقُولَ الصَّحِيحَ، ومَن كانَ مُتَبَحِّرًا في الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، أمْكَنَهُ أنْ يَسْتَدِلَّ عَلى غالِبِ الأحْكامِ (p-٢٦٣٠)بِالنُّصُوصِ وبِالأقْيِسَةِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ النَّصِّ والقِياسِ دَلَّ عَلى هَذا الحُكْمِ كَما ذَكَرْناهُ مِنَ الأمْثِلَةِ، فَإنَّ القِياسَ يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ، كَما يَدُلُّ النَّصُّ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ لِأنَّها تُوقِعُ بَيْنَنا العَداوَةَ والبَغْضاءَ، وتَصُدُّنا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ، كَما دَلَّ القُرْآنُ عَلى هَذا المَعْنى، وهَذا المَعْنى مَوْجُودٌ في جَمِيعِ الأشْرِبَةِ المُسْكِرَةِ، لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ شَرابٍ وشَرابٍ، فالفَرْقُ بَيْنَ الأنْواعِ المُشْتَرَكَةِ مِن هَذا الجِنْسِ تَفْرِيقٌ بَيْنَ المُتَماثِلِينَ، وخُرُوجٌ عَنْ مُوجَبِ القِياسِ الصَّحِيحِ، كَما هو خُرُوجٌ عَنْ مُوجَبِ النُّصُوصِ. وهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ قَوْلَهم خِلافُ القِياسِ، لَكِنْ يَقُولُونَ: مَعَنا آثارٌ تُوافِقُ، اتَّبَعْناها، ويَقُولُونَ: إنَّ اسْمَ الخَمْرِ لَمْ يَتَناوَلْ كُلَّ مُسْكِرٍ، وغَلِطُوا في فَهْمِ النَّصِّ، وإنْ كانُوا مُجْتَهِدِينَ مُثابِينَ عَلى اجْتِهادِهِمْ. ومَعْرِفَةُ عُمُومِ الأسْماءِ المَوْجُودَةِ في النَّصِّ وخُصُوصِها، مِن مَعْرِفَةِ حُدُودِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] والكَلامُ في تَرْجِيحِ نُفاةِ القِياسِ ومُثْبِتِيهِ يَطُولُ اسْتِقْصاؤُهُ ولا يَحْتَمِلُ المَقامُ بَسْطَهُ أكْثَرَ مِن هَذا -واللَّهُ أعْلَمُ- انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.

7:13Page 152

قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ١٣

[Allāh] said, "Descend from it [i.e., Paradise], for it is not for you to be arrogant therein. So get out; indeed, you are of the debased."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣] ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾

﴿قالَ﴾ " تَعالى لِإبْلِيسَ ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ " أيْ: بِسَبَبِ عِصْيانِكَ لِأمْرِي وخُرُوجِكَ عَنْ طاعَتِي، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الجَنَّةِ، والإضْمارُ قَبْلَ ذِكْرِها لِشُهْرَةِ كَوْنِهِ مِن سُكّانِها.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المَنزِلَةِ الَّتِي هو فِيها مِنَ المَلَكُوتِ الأعْلى –انْتَهى- .

وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ المَهايِمِيُّ حَيْثُ قالَ: فاهْبِطْ مِنها أيْ: مِن رُتْبَةِ المَلَكِيَّةِ إلى رُتْبَةِ العَناصِرِ: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ أيْ: فَما يَصِحُّ ولا يَسْتَقِيمُ، فَإنَّها (p-٢٦٣١)مَكانُ المُطِيعِينَ الخاشِعِينَ ﴿فاخْرُجْ﴾ " تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ، مُتَفَرِّعٌ عَلى عِلَّتِهِ ﴿إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ " أيْ: مِنَ الأذِلّاءِ وأهْلِ الهَوانِ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى أوْلِيائِهِ.

7:14Page 152

قَالَ أَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤

[Satan] said, "Reprieve me until the Day they are resurrected."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤] ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾

﴿قالَ أنْظِرْنِي﴾ " أيْ: أمْهِلْنِي ولا تُمِتْنِي ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ " أيْ: آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ مِنَ القُبُورِ.

7:15Page 152

قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ١٥

[Allāh] said, "Indeed, you are of those reprieved."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥] ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾

﴿قالَ﴾ " أيِ: اللَّهُ لَهُ ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ " أيْ مِنَ المُؤَجَّلِينَ إلى نَفْخَةِ الصُّورِ الثّانِيَةِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أجابَهُ تَعالى إلى ما سَألَ، لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ والإرادَةِ والمَشِيئَةِ الَّتِي لا تُخالَفُ ولا تُمانَعُ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.

وقالَ الإمامُ أبُو سَعْدٍ المُحْسِنُ بْنُ كَرامَةَ الجَشْمِيُّ اليَمانِيُّ في تَفْسِيرِهِ (التَّهْذِيبِ): (p-٢٦٣٢)ومَتى قِيلَ: ما وجْهُ سُؤالِهِ مَعَ أنَّهُ مَطْرُودٌ ومَلْعُونٌ؟ فَجَوابُنا عِلْمُهُ بِإحْسانِهِ تَعالى إلى خَلْقِهِ مَن أطاعَ ومَن عَصى، فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ السُّؤالِ ما ارْتَكَبَ مِنَ المَعْصِيَةِ. ومَتى قِيلَ: هَلْ خاطَبَهُ بِهَذا؟ قُلْنا: يَحْتَمِلُ ذاكَ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ أمَرَ مَلَكًا فَخاطَبَهُ بِهِ. ومَتى قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ إجابَةُ دُعاءِ الكافِرِ؟ قُلْنا: فِيهِ خِلافٌ.

الأوَّلُ: قِيلَ لا، لِأنَّهُ إكْرامٌ وتَعْظِيمٌ -عَنْ أبِي عَلِيٍّ - ولِذَلِكَ يُقالُ: فُلانٌ مُسْتَجابُ الدَّعْوَةِ، وإنْظارُهُ لا عَلى سَبِيلِ إجابَةِ دُعائِهِ، لِأنَّهُ مَلْعُونٌ ولِأنَّهُ لَمْ يَسْألْ عَلى وجْهِ الخُضُوعِ.

(p-٢٦٣٣)الثّانِي: يَجُوزُ إجابَةُ دُعائِهِ اسْتِصْلاحًا لَهُ، لِأنَّهُ تَفَضُّلٌ -عَنْ أبِي بَكْرٍ أحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ - ولَيْسَ بِالوَجْهِ. ومَتى قِيلَ: إذا أُنْظِرَ هَلْ يَكُونُ إغْراءً بِالمَعْصِيَةِ؟ قُلْنا: لا، لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ ما الوَقْتُ (p-٢٦٣٤)المَعْلُومُ، فَلا يَكُونُ إغْراءً مَعَ تَجْوِيزِهِ هُجُومَ المَوْتِ عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ تَعالى لَمّا أعْلَمَهُ أنَّهُ يُدْخِلُهُ النّارَ، ولَعَنَهُ -عَلِمَ أنَّهُ لا يَخْتارُ الإيمانَ أبَدًا.

ومَتى قِيلَ: ما فائِدَةُ إنْظارِهِ؟ قُلْنا: لُطْفٌ لَهُ، لِأنَّهُ يُمْكِنُهُ مِنِ اسْتِدْراكِ أمْرِهِ.

وهَلْ يَضِلُّ بِهِ أحَدٌ؟ قالَ أبُو عَلِيٍّ: لا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] (p-٢٦٣٥)﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ولِأنَّهُ لَوْ ضَلَّ بِهِ أحَدٌ، لَكانَ بَقاؤُهُ مَفْسَدَةً، فَكانَ اللَّهُ تَعالى لا يُنْظِرُهُ. فَأمّا أبُو هاشِمٍ فَيُجَوِّزُ أنْ يَضِلَّ بِهِ أحَدٌ، ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ زِيادَةِ الشَّهْوَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لُطْفًا مِن وُجُوهٍ: أحَدُها أنَّ المُكَلَّفَ مَعَ وسْوَسَتِهِ إذا امْتَنَعَ مِنَ القَبِيحِ، كانَ ثَوابُهُ أكْثَرَ، ولِأنَّهُ تَعالى عَرَّفَنا عَداوَتَهُ، والعاقِلُ يَجْتَهِدُ في أنْ يَغِيظَ عَدُوَّهُ ويَغُمَّهُ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِطاعَةِ رَبِّهِ، ومَن أطاعَهُ فَمِن قِبَلِ نَفْسِهِ أُتِيَ، لا مِن قِبَلِ رَبِّهِ. انْتَهى كَلامُ الجَشْمِيِّ، وهو جارٍ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ.

7:16Page 152

قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١٦

[Satan] said, "Because You have put me in error, I will surely sit in wait for them [i.e., mankind] on Your straight path.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦] ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾

﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ " أيْ أضْلَلْتَنِي عَنِ الهُدى، أوْ حَكَمْتَ بِغِوايَتِي، والباءُ لِلْقَسَمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [ص: ٨٢] أيْ: فَأُقْسِمُ بِإغْوائِكَ إيّايَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ، أيْ: لِأجْلِ إغْوائِكَ إيّايَ ﴿لأقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ " أيْ: لِآدَمَ وبَنِيهِ تَرَصُّدًا كَما يَقْعُدُ القُطّاعُ لِلطَّرِيقِ عَلى السّابِلَةِ ﴿صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ " أيْ طَرِيقَكَ السَّوِيَّ، وهو طَرِيقُ الحَقِّ، ومَعْناهُ لا أفْتَرِ عَنْ إفْسادِهِمْ. وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوْ عَلى نَزْعِ الجارِّ.

(p-٢٦٣٦)

7:17Page 152

ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ ١٧

Then I will come to them from before them and from behind them and on their right and on their left, and You will not find most of them grateful [to You]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧] ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾

" ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ الأرْبَعِ. مَثَّلَ قَصْدِهِ إيّاهم بِالتَّسْوِيلِ والإضْلالِ مِن أيِّ وجْهٍ يُمْكِنُهُ، بِإتْيانِ العَدُوِّ مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ الَّتِي يَعْتادُ هُجُومَهُ مِنها. ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الفَوْقَ والتَّحْتَ.

﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ أيْ مُسْتَعْمِلِينَ لِقُواهم وجَوارِحَهم وما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ في طَرِيقِ الطّاعَةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ.

وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِما رَآهُ مِنَ الأماراتِ عَلى طَرِيقِ الظَّنِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠] رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ سَبْرَةَ بْنِ الفاكِهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّ الشَّيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإسْلامِ، فَقالَ: أتُسْلِمُ وتَذَرُ دِينَكَ ودِينَ آبائِكَ وآباءِ أبِيكَ؟ قالَ: فَعَصاهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الهِجْرَةِ فَقالَ: أتُهاجِرُ وتَدَعُ أرْضَكَ وسَماءَكَ، وإنَّما مَثَلُ المُهاجِرِ كالفَرَسِ في الطِّوَلِ، قالَ: فَعَصاهُ فَهاجَرَ. قالَ: ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الجِهادِ فَقالَ لَهُ: هو جِهادُ النَّفْسِ والمالِ، فَتُقاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ المَرْأةُ ويُقَسَّمُ المالُ؟ قالَ: فَعَصاهُ فَجاهَدَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ مِنهم فَماتَ، كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أوْ قُتِلَ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وإنْ غَرِقَ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أوْ وقَصَتْهُ دابَّتُهُ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ»» .

وقالَ الحافِظُ: ورَدَ في الحَدِيثِ اسْتِعاذَةٌ مِن تَسَلُّطِ الشَّيْطانِ عَلى الإنْسانِ مِن جِهاتِهِ (p-٢٦٣٧)كُلِّها، فَرَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلاءِ الدَّعَواتِ حِينَ يُصْبِحُ وحِينَ يُمْسِي: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ العَفْوَ والعافِيَةَ في دِينِي ودُنْيايَ، وأهْلِي ومالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْراتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِن بَيْنِ يَدَيَّ ومِن خَلْفِي، وعَنْ يَمِينِي وعَنْ شِمالِي، ومِن فَوْقِي وأعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أنْ أُغْتالَ مِن تَحْتِي» . ورَواهُ البَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فائِدَةٌ:

قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ أنَّهُ سَألَ الإنْظارَ، وأنَّهُ تَعالى أنْظَرَهُ، وقَدْ بَيَّنّا ما قِيلَ فِيهِ، وتَدُلُّ عَلى شِدَّةِ عَداوَتِهِ لِبَنِي آدَمَ وحِرْصِهِ عَلى إضْلالِهِمْ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ أكْثَرَ بَنِي آدَمَ غَيْرُ شاكِرِينَ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ الإضْلالَ فِعْلُ إبْلِيسَ، والقَبُولُ عَنْهُ فِعْلُهُمْ، لِذَلِكَ أضافَهُ إلَيْهِمْ، وذَمَّهم عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ خَلْقًا لَهُ لَما صَحَّ ذَلِكَ. انْتَهى- والكَلامُ في أمْثالِها مَعْرُوفٌ.

ثُمَّ أكَّدَ تَعالى عَلى إبْلِيسَ اللَّعْنَةَ والطَّرْدَ والإبْعادَ عَنْ مَحَلِّ المَلَأِ الأعْلى، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

(p-٢٦٣٨)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском