Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:157–166, continued
وقَدْ قالَ صاحِبُ (إظْهارِ الحَقِّ) الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ، عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللَّهِ: إنَّ مَن أسْلَمَ مِن عُلَماءِ اليَهُودِ والنَّصارى في القَرْنِ الأوَّلِ، شَهِدَ بِوُجُودِ البِشاراتِ المُحَمَّدِيَّةِ في كُتُبِ العَهْدَيْنِ، مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وابْنَيْ سَعْيَةَ، وبِنْيامِينَ، ومُخَيْرِيقٍ، وكَعْبِ الأحْبارِ، وغَيْرِهِمْ مِن عُلَماءِ اليَهُودِ ومِثْلُ بَحِيرا ونَسْطُورا الحَبَشِيِّ، وضَغاطِرَ، وهو الأُسْقُفُ الرُّومِيُّ الَّذِي أسْلَمَ عَلى يَدِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ وقْتَ الرِّسالَةِ فَقَتَلُوهُ، والجارُودِ، والنَّجّاشِيِّ، والسُّوسِ، والرُّهْبانِ الَّذِينَ جاءُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وغَيْرِهِمْ مِن عُلَماءِ النَّصارى
وقَدِ اعْتَرَفَ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وعُمُومِ (p-٢٨٨١)رِسالَتِهِ، هِرَقْلُ قَيْصَرُ الرُّومِ، ومُقَوْقِسُ صاحِبُ مِصْرَ، وابْنُ صُورِيّا، وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وأبُو ياسِرِ بْنُ أخْطَبَ وغَيْرُهُمْ، مِمَّنْ حَمَلَهُمُ الحَسَدُ عَلى الشَّقاءِ ولَمْ يُسْلِمُوا.
ولَمّا ورَدَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ نَصارى نَجْرانَ، وحاجَّهم في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحَجَّهُمْ، دَعاهم إلى المُباهَلَةِ بِأمْرِهِ تَعالى، فَنَكَصُوا عَلى أعْقابِهِمْ، خَوْفًا مِن شُؤْمِ مَغَبَّتِها، فَكانُوا كَقَوْمِ فِرْعَوْنَ آمَنُوا بِها: ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]
السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى " ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وأنْ يَكُونَ مُفَسِّرًا " ﴿مَكْتُوبًا﴾ أيْ لِما كُتِبَ.
السّابِعُ: الطَّيِّباتُ أعَمُّ مِنَ الطَّيِّباتِ في المَأْكَلِ كالشُّحُومِ، وكَذا البَحائِرُ والسَّوائِبُ والوَصائِلُ والحامُ.
ومِنَ الطَّيِّباتِ في حُكْمِ الشَّرِيعَةِ كالبَيْعِ، وما خَلا كَسْبُهُ عَنْ سُحْتٍ، وكَذا الخَبائِثُ ما يُسْتَخْبَثُ، مِن نَحْوِ الدَّمِ والمَيْتَةِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، أوْ ما خَبُثَ في الحُكْمِ كالرِّبا والرَّشْوَةِ وغَيْرِهِما مِنَ المَكاسِبِ الخَبِيثَةِ.
قِيلَ: يُسْتَبْعَدُ إرادَةُ ما طابَ أوْ خَبُثَ في الحُكْمِ، لِأنَّ مَعْناهُ حِينَئِذٍ ما حَكَمَ الشَّرْعُ بِحِلِّهِ، أوْ حَكَمَ بِحُرْمَتِهِ، فَيَرْجِعُ الكَلامُ إلى أنَّهُ يَحِلُّ ما يَحْكُمُ بِحِلِّهِ، ويُحَرِّمُ ما يَحْكُمُ بِحُرْمَتِهِ، ولا فائِدَةَ فِيهِ. ورَدُّوهُ بِأنَّهُ يُفِيدُ فائِدَةً وأيَّ فائِدَةٍ! لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ الحِلَّ والحُرْمَةَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، لا بِالعَقْلِ والرَّأْيِ.
الثّامِنُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ ﷺ جاءَ بِالتَّيْسِيرِ والسَّماحَةِ، كَما ورَدَ الحَدِيثُ مِن طُرُقٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ»» . وقالَ ﷺ لِأمِيرَيْهِ مُعاذٍ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، لَمّا بَعَثَهُما إلى اليَمَنِ: ««بَشِّرا ولا تُنَفِّرا، ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وتَطاوَعا ولا تَخْتَلِفا»» .
(p-٢٨٨٢)وقَدَّمْنا أنَّ (الإصْرَ والأغْلالَ) اسْتِعارَةٌ لِما كانَ في شَرائِعِهِمْ مِنَ الأشْياءِ الشّاقَّةِ، فَمِنها تَحْرِيمُ طَبْخِ الجَدْيِ بِلَبَنِ أُمِّهِ، ومِنها نِظامُ الأعْيادِ الَّتِي يُعَيِّدُونَها لِلَّهِ في السَّنَةِ وهي عِيدُ الفَطِيرِ وعِيدُ الحَصادِ وعِيدُ المَظالِّ، وكَذَلِكَ عِيدُ كُلِّ سَبْتٍ، لا يُعْمَلُ فِيهِ أدْنى عَمَلٍ.
وكَذَلِكَ سَبْتُ المُزارِعِ، فَفي كُلِّ سَنَةٍ سابِعَةٍ سَبْتٌ لِلْأرْضِ، لا يُزْرَعُ فِيها، ولا يُقْطَفُ الكَرْمُ، بَلْ تُتْرَكُ الأراضِي عُطْلًا، وغَلّاتُ الكُرُومِ مَأْكَلًا لِفُقَراءِ شَعْبِهِمْ ووُحُوشِ البَرِّيَّةِ. ومِنها أنَّ مَن ضَرَبَ أباهُ أوْ أُمَّهُ أوْ شَتَمَهُما أوْ تَمَرَّدَ عَلَيْهِما وعَصاهُما يُقْتَلُ حَدًّا. وكَذا مَن يَعْمَلُ يَوْمَ السَّبْتِ يُقْتَلُ، ومَن كانَ بِهِ جِنٌّ أوْ تابِعَةٌ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ حَتّى يَمُوتَ، ومَن تَزَوَّجَ فَتاةً فادَّعى أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَها عُذْرَةً، ثُمَّ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ، جَمِيعًا يُقْتَلانِ، وإذا أمْسَكَتِ امْرَأةٌ عَوْرَةَ رَجُلٍ تُقْطَعُ يَدُها، وإذا نَطَحَ ثَوْرٌ رَجُلًا أوِ امْرَأةً فَماتَ المَنطُوحُ، يُرْجَمُ الثَّوْرُ ولا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، ومَنِ اضْطَجَعَ مَعَ امْرَأةٍ طامِثٍ يُقْطَعانِ مِن شُعَبِهِمْ، ومَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ آخَرَ، وطَلَّقَها أوْ ماتَ عَنْها، فَلا يَجُوزُ لِزَوْجِها الأوَّلِ أنْ يُرْجِعَها، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآصارِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَعْضُها في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ -فَراجِعْهُ-.
التّاسِعُ: قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ شَرِيعَتَهُ ﷺ أسْهَلُ الشَّرائِعِ، وأنَّهُ وضَعَ عَنْ أُمَّتِهِ كُلَّ ثِقَلٍ كانَ في الأُمَمِ الماضِيَةِ، وذَلِكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ.
وتَدُلُّ عَلى وُجُوبِ تَعْظِيمِ الرَّسُولِ، ونَصْرِهِ بِالجِهادِ، ونُصْرَتِهِ بِنُصْرَةِ دِينِهِ، وكُلُّ أمْرٍ يُؤَدِّي إلى تَوْهِينِ ما يَتَّصِلُ بِذَلِكَ، لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِن بابِ النُّصْرَةِ. وهَذا لا يَخْتَصُّ بِعَصْرِهِ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ لازِمٌ إلى انْقِضاءِ التَّكْلِيفِ، ولَعَلَّ الجِهادَ بِالبَيانِ، وإيرادِ الحُجَّةِ، ووَضْعِ الكُتُبِ فِيهِ، وحِلِّ شِبْهِ المُخالِفِينَ، يَزِيدُ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ عَلى الجِهادِ بِالسَّيْفِ، ولِهَذا قُلْنا (مَنازِلُ العُلَماءِ في ذَلِكَ أعْظَمُ المَنازِلِ) اهـ.
العاشِرُ: قالَ العَلّامَةُ البِقاعِيُّ: لَمّا تَراسَلَتِ الآيُ، وطالَ المَدى في أقاصِيصِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَيانِ مَناقِبِهِ العِظامِ، ومَآثِرِهِ الجِسامِ، وكانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْقَعَ في بَعْضِ النُّفُوسِ أنَّهُ أعْلى المُرْسَلِينَ مَنصِبًا، وأعْظَمُهم رُتْبَةً، ساقَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآياتِ هَذا السِّياقَ، عَلى هَذا (p-٢٨٨٣)الوَجْهِ، الَّذِي بَيَّنَ أعْلاهم مَراتِبَ، وأزْكاهم مَناقِبَ، الَّذِي خَصَّ بِرَحْمَتِهِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ مِن خَلْقِهِ قُوَّةً أوْ فِعْلًا.
وجَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ في أثْناءِ قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ، اهْتِمامًا بِهِ، وتَعْجِيلًا لَهُ، مَعَ ما سَيُذْكَرُ، مِمّا يُظْهِرُ أفْضَلِيَّتَهُ، ويُوَضِّحُ أكْمَلِيَّتَهُ، بِقِصَّتِهِ مَعَ قَوْمِهِ، في مَبْدَأِ أمْرِهِ وأوْسَطِهِ ومُنْتَهاهُ، في سُورَةِ الأنْفالِ وبَراءَةَ بِكَمالِها.
ثُمَّ قالَ البِقاعِيُّ: لَمّا تَمَّ ما نَظَّمَهُ تَعالى في أثْناءِ هَذِهِ القِصَصِ، مِن جَواهِرِ أوْصافِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ، حَثَّ عَلى الإيمانِ بِهِ، إيجابًا عَلى وجْهٍ عُلِمَ مِنهُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى كُلِّ مُكَلَّفٍ، تَقَدَّمَ زَمانُهُ أوْ تَأخَّرَ، أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُصَرِّحَ بِما تَقَدَّمَ التَّلْوِيحُ إلَيْهِ، ويُصَرِّحُ بِما أخَذَ مِيثاقَ الرُّسُلِ عَلَيْهِ، تَحْقِيقًا لِعُمُومِ رِسالَتِهِ، وشُمُولِ دَعْوَتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
7:158Page 170
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٨
Say, [O Muḥammad], "O mankind, indeed I am the Messenger of Allāh to you all, [from Him] to whom belongs the dominion of the heavens and the earth. There is no deity except Him; He gives life and causes death." So believe in Allāh and His Messenger, the unlettered prophet, who believes in Allāh and His words, and follow him that you may be guided.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٨] ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
" ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ أيْ: كافَّةً " ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ نُعُوتٌ لِلَفْظِ الجَلالَةِ، أيِ الَّذِي أرْسَلَنِي هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ورَبُّهُ ومَلِيكُهُ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ والإحْياءُ والإماتَةُ. والآيَةُ نَصٌّ في عُمُومِ بِعْثَتِهِ لِلْأحْمَرِ والأسْوَدِ، والعَرَبِيِّ والعَجَمِيِّ. وفي الحَدِيثِ: ««أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي -ولا أقَوْلُهُنَّ فَخْرًا- بُعِثْتُ إلى النّاسِ كافَّةً، الأحْمَرِ والأسْوَدِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأُعْطِيتُ الشَّفاعَةَ، فَأخَّرْتُها لِأُمَّتِي، فَهي لِمَن لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا»» . رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-٢٨٨٤)مَرْفُوعًا، ورَواهُ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العاصِ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ أُعْطِيتُ اللَّيْلَةَ خَمْسًا ما أُعْطِيهِنَّ أحَدٌ قَبْلِي، أمّا أنا فَأُرْسِلْتُ إلى النّاسِ كُلِّهِمْ عامَّةً، وكانَ مَن قَبْلِي إنَّما يُرْسَلُ إلى قَوْمِهِ، ونُصِرْتُ عَلى العَدُوِّ بِالرُّعْبِ، ولَوْ كانَ بَيْنِي وبَيْنَهم مَسِيرَةُ شَهْرٍ لَمُلِئَ مِنهُ رُعْبًا، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، آكُلُها، وكانَ مَن قَبْلِي يُعَظِّمُونَ أكْلَها، كانُوا يَحْرِقُونَها، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، أيْنَما أدْرَكَتْنِي الصَّلاةُ تَمَسَّحْتُ وصَلَّيْتُ وكانَ مَن قَبْلِي يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ، إنَّما كانُوا يُصَلُّونَ في بِيَعِهِمْ وكَنائِسِهِمْ، والخامِسَةُ هي ما هي ! قِيلَ لِي: سَلْ، فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ سَألَ، فَأخَّرْتُ مَسْألَتِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَهي لَكُمْ، ولِمَن يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»» .
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُما جَيِّدٌ قَوِيٌّ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ بِمَعْناهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي مُوسى، وهو ثابِتٌ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جابِرٍ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لا يَسْمَعُ بِي رَجُلٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ، ثُمَّ لا يُؤْمِنُ بِي إلّا دَخَلَ النّارَ»» .
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ أيِ الَّذِي نُبِّئَ ما يُرْشِدُ الخَلائِقَ كُلَّهُمْ، مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا، وفي نَعْتِهِ بِذَلِكَ زِيادَةُ تَقْرِيرِ أمْرِهِ وتَحْقِيقِ أنَّهُ المَكْتُوبُ في الكِتابَيْنِ. " ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ﴾ أيْ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ وعَلى مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ مِن كُتُبِهِ ووَحْيِهِ " ﴿واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
(p-٢٨٨٥)
7:159Page 170
وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٥٩
And among the people of Moses is a community1 which guides by truth and by it establishes justice.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥٩] ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾
" ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: مُوقِنِينَ ثابِتِينَ، يَهْدُونَ النّاسَ بِكَلِمَةِ الحَقِّ، ويَدُلُّونَهم عَلى الِاسْتِقامَةِ، ويُرْشِدُونَهم " ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ وبِالحَقِّ يَعْدِلُونَ بَيْنَهم في الحُكْمِ، ولا يَجُورُونَ. والآيَةُ سِيقَتْ لِدَفْعِ ما عَسى يُوهِمُهُ تَخْصِيصُ كَتْبِ الرَّحْمَةِ والتَّقْوى والإيمانِ بِمُتَّبِعِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن حِرْمانِ أسْلافِ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن كُلِّ خَيْرٍ، وبَيانِ أنَّ كُلَّهم لَيْسُوا كَما حُكِيَتْ أحْوالُهم. وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، ويَأْباهُ أنَّهُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهم فِيما سَلَفَ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]
7:160Page 171
وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١٦٠
And We divided them into twelve descendant tribes1 [as distinct] nations. And We inspired to Moses when his people implored him for water, "Strike with your staff the stone," and there gushed forth from it twelve springs. Every people [i.e., tribe] knew its watering place. And We shaded them with clouds and sent down upon them manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not, but they were [only] wronging themselves.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٠] ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْـزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾
" ﴿وقَطَّعْناهُمُ﴾ أيْ قَوْمَ مُوسى " ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا﴾ أيْ صَيَّرْناهم قِطَعًا، أيْ فِرَقًا، ومَيَّزْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ. والأسْباطُ: أوْلادُ الوَلَدِ، وكانُوا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً، مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ (p-٢٨٨٦)ولَدًا، مِن ولَدِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ " ﴿أُمَمًا﴾ أيْ عَظِيمَةً وجَماعَةً كَثِيفَةَ العَدَدِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ أيْ: في التِّيهِ " ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ فَضَرَبَهُ " ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ أيِ انْفَجَرَتْ " ﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ بِعَدَدِ الأسْباطِ " ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ أيْ سِبْطٍ مِنهم " ﴿مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ في التِّيهِ مِن حَرِّ الشَّمْسِ ﴿وأنْـزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ أوْجَبُوا لَها العَذابَ الدّائِمَ.
7:161Page 171
وَإِذۡ قِيلَ لَهُمُ ٱسۡكُنُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ وَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ وَقُولُواْ حِطَّةٞ وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِيٓـَٰٔتِكُمۡۚ سَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٦١
And [mention, O Muḥammad], when it was said to them, "Dwell in this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins],' and enter the gate bowing humbly; We will [then] forgive you your sins. We will increase the doers of good [in goodness and reward]."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦١] ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾
" ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ، والقائِلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، دَعاهم إلى دُخُولِ بَيْتِ المَقْدِسِ، أوْ يُوشِعُ، فَإنَّهُ دَعاهم بَعْدَ وفاةِ مُوسى، إلى غَزْوِ بَيْتِ المَقْدِسِ: " ﴿وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أيْ قُولُوا حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا، وقِيلَ: أُمِرُوا بِكَلِمَةٍ إذا قالُوها حَطَّ عَنْهم أوْزارَهم " ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ أيْ بابَ القَرْيَةِ " ﴿سُجَّدًا﴾ أيْ ساجِدِينَ أوْ خاضِعِينَ. أُمِرُوا بِأنْ يُدْخُلُوها بِالتَّواضُعِ، وكانَ ذَلِكَ شَرْطًا في قَبُولِ فِعْلِهِمْ " ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾
7:162Page 171
فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٦٢
But those who wronged among them changed [the words] to a statement other than that which had been said to them. So We sent upon them a punishment from the sky for the wrong that they were doing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٢] ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾
" ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا﴾ (p-٢٨٨٧)أيْ عَذابًا " ﴿مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا كُلِّهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِما يُغْنِي عَنْ إعادَتِهِ.
7:163Page 171
وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِيهِمۡ حِيتَانُهُمۡ يَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعٗا وَيَوۡمَ لَا يَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِيهِمۡۚ كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٣
And ask them about the town that was by the sea - when they transgressed in [the matter of] the sabbath - when their fish came to them openly on their sabbath day, and the day they had no sabbath they did not come to them. Thus did We give them trial because they were defiantly disobedient.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٣] ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾
" ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ هَذا السِّياقُ هو بَسْطٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]
فَقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿واسْألْهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿اذْكُرْ﴾ [المائدة: ١١٠] المُقَدَّرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " ﴿وإذْ قِيلَ﴾ [الأعراف: ١٦١] أيْ وأسْألِ اليَهُودَ المُعاصِرِينَ لَكَ، سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَقْرِيرٍ، بِقَدِيمِ كُفْرِهِمْ وتَجاوُزِهِمْ حُدُودَ اللَّهِ، وإعْلامًا بِأنَّ هَذا مِن عُلُومِهِمُ الَّتِي لا تُعْلَمُ إلّا بِكِتابٍ أوْ وحْيٍ، فَإذا أعْلَمَهم بِهِ مَن لَمْ يَقْرَأْ كِتابَهُمْ، عَلِمَ أنَّهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: واسْألْ هَؤُلاءِ اليَهُودَ بِحَضْرَتِكَ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِهِمُ الَّذِينَ خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ، فَفَجَأتْهم نِقْمَتُهُ عَلى صَنِيعِهِمْ واعْتِدائِهِمْ واحْتِيالِهِمْ في المُخالَفَةِ، وحَذِّرَ هَؤُلاءِ مِن كِتْمانِ صِفَتِكَ الَّتِي يَجِدُونَها في كُتُبِهِمْ، لِئَلّا يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِإخْوانِهِمْ وسَلَفِهِمْ.
و(هَذِهِ القَرْيَةَ) هي أيْلَةُ، بَيْنَ مَدْيَنَ والطُّورِ، وقِيلَ هي مَتْنا، بَيْنَ مَدْيَنَ وعَيْنُونا.
ومَعْنى كَوْنِها " ﴿حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ أنَّها قَرِيبَةٌ مِنهُ، راكِبَةً لِشاطِئِهِ.
(p-٢٨٨٨)وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ أيْ يَتَجاوَزُونَ حَدَّ اللَّهِ فِيهِ، وهو اصْطِيادُهم في يَوْمِ السَّبْتِ، وقَدْ نُهُوا عَنْهُ، فَقَدْ أخَذْتُ عَلَيْهِمُ العُهُودَ والمَواثِيقَ أنْ يَحْفَظُوا السُّبُوتَ مِن عَمَلٍ ما.
و(الحِيتانُ) السَّمَكُ، وأكْثَرُ ما تَسْتَعْمِلُ العَرَبُ الحُوتَ، في مَعْنى السَّمَكَةِ.
و" ﴿شُرَّعًا﴾ جَمْعُ شارِعٍ، مِن (شَرَعَ) بِمَعْنى دَنا. يُقالُ: شَرَعَ عَلَيْنا فُلانٌ، إذا دَنا مِنّا، وأشْرَفَ عَلَيْنا، وشَرَعْتُ عَلى فُلانٍ في بَيْتِهِ، فَرَأيْتُهُ يَفْعَلُ كَذا، وهو حالٌ مِن " ﴿حِيتانُهُمْ﴾ أيْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ ظاهِرَةً عَلى وجْهِ الماءِ، قَرِيبَةً مِنَ السّاحِلِ، ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ أصْلًا إلى السَّبْتِ المُقْبِلِ.
قُرِئَ " ﴿يَسْبِتُونَ﴾ ثُلاثِيًّا، ومَزِيدًا فِيهِ، مِن (أسْبَتَ) مَعْلُومًا ومَجْهُولًا أيْضًا، بِمَعْنى، لا يَدْخُلُونَ في السَّبْتِ ولا يُدارُ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى " ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ البَلاءِ العَجِيبِ الفَظِيعِ، نَخْتَبِرُهم بِإظْهارِ السَّمَكِ لَهم عَلى ظَهْرِ الماءِ، في اليَوْمِ المُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ صَيْدُهُ، وإخْفائِهِ عَنْهم في اليَوْمِ الحَلالِ لَهم صَيْدُهُ، أيْ نُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُهُمْ، بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، فَيَظْهَرُ عُدْوانُهُمْ، فَيَسْتَحِقُّونَ المُؤاخَذَةَ.
7:164Page 172
وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٦٤
And when a community among them said, "Why do you advise [or warn] a people whom Allāh is [about] to destroy or to punish with a severe punishment?" they [the advisors] said, "To be absolved before your Lord and perhaps they may fear Him."
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى تَمادِيَهم في العُدْوانِ، وعَدَمَ انْزِجارِهِمْ عَنْهُ، بَعْدَ العِظاتِ والإنْذاراتِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٤] ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾
" ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ جَماعَةٌ مِن صُلَحائِهِمْ، يُحاوِرُونَ فَرِيقًا مِمَّنْ دَأبَ في عِظَتِهِمْ " ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أيْ: مُخْتَرِمُهم ومُطَهِّرٌ الأرْضَ مِنهُمْ: " ﴿أوْ مُعَذِّبُهم (p-٢٨٨٩)عَذابًا شَدِيدًا﴾ أيْ بَلْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا، إذْ مُجَرَّدُ الإهْلاكِ قَدْ يُوجَدُ مَعَهُ لُطْفٌ، وأمّا شِدَّةُ العَذابِ فَتِلْكَ القاصِمَةُ. " ﴿قالُوا﴾ أيِ الوُعّاظُ " ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ نَعِظُهم مَعْذِرَةً إلَيْهِ تَعالى، لِئَلّا نُنْسَبَ إلى التَّفْرِيطِ في وصِيَّتِهِ بِالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، أيْ: مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ " ﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ ورَجاءً في أنْ يَتَّقُوا فَيَتُوبُوا فَيَنْجُوا مِنَ الإهْلاكِ.
7:165Page 172
فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٥
And when they [i.e., those advised] forgot that by which they had been reminded, We saved those who had forbidden evil and seized those who wronged, with a wretched punishment, because they were defiantly disobeying.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٥] ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾
" ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ فَلَمّا تَرَكُوا ما ذَكَّرَهم بِهِ صُلَحاؤُهُمْ، تَرْكَ النّاسِي لِلشَّيْءِ، وأعْرَضُوا عَنْهُ إعْراضًا كُلِّيًّا، بِحَيْثُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ شَيْءٌ مِن تِلْكَ المَواعِظِ أصْلًا. ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيِ المُرْتَكِبِينَ المُنْكَرَ. " ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ: شَدِيدٍ وزْنًا ومَعْنًى " ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بِفِعْلِ المُنْكَرِ.
7:166Page 172
فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ١٦٦
So when they were insolent about that which they had been forbidden, We said to them, "Be apes, despised."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٦] ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾
" ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ تَكَبَّرُوا وأبَوْا أنْ يَتْرُكُوا ما نُهُوا عَنْهُ " ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ أيْ صاغِرِينَ أذِلّاءَ، بُعَداءَ مِنَ النّاسِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِأنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ بِقَوْلٍ سُمِعَ.
وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ بِالأمْرِ هو الأمْرُ التَّكْوِينِيُّ، لا القَوْلِيُّ، أيِ: التَّكْلِيفِيُّ، لِأنَّهُ لَيْسَ في وُسْعِهِمْ حَتّى يُؤْمَرُوا بِهِ.
وفِي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ تَأْثِيرَ قُدْرَتِهِ تَعالى في المُرادِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ، ومِن غَيْرِ مُزاوِلَةِ عَمَلٍ واسْتِعْمالِ آلَةٍ، بِأمْرِ المُطاعِ لِلْمُطِيعِ، في حُصُولِ المَأْمُورِ بِهِ، مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ. كَذا في (العِنايَةِ).
(p-٢٨٩٠)وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى عَذَّبَهم أوَّلًا بِعَذابٍ شَدِيدٍ، فَعَتَوْا بَعْدَ ذَلِكَ فَمَسَخَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ الثّانِيَةُ تَقْرِيرًا وتَفْصِيلًا لِما قَبْلَها.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهم تَعَبَّدُوا بِتَحْرِيمِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، وأنَّهُ شَدَّدَ التَّكْلِيفَ عَلَيْهِمْ بِظُهُورِها يَوْمَئِذٍ، وأنَّهم خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ، وهَذا القَدْرُ يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ. ومَتى قِيلَ: أفَظُهُورُ الحِيتانِ يَوْمَ السَّبْتِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ، هَلْ كانَتْ مُعْجِزَةً؟ قُلْنا: اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: كانَ مُعْجِزَةً لِنَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمانِ، لِأنَّهُ لا يَتَّفِقُ لِلسَّمَكِ أنْ يَأْتِيَ الأنْهارَ كَثِيرًا في يَوْمٍ واحِدٍ، ولا يَظْهَرُ في سائِرِ الأيّامِ، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ، فَلا بُدَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى قُوّى دَواعِيَ الحِيتانِ يَوْمَ السَّبْتِ، فَظَهَرُوا، وصَرَفَهم في سائِرِ الأيّامِ، فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَكانَتْ مُعْجِزَةً. وقِيلَ: كانَتْ جَرَتْ عادَتُهم بِتَرْكِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، فَعَلِمُوا ذَلِكَ فَكَثُرُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى عادَتِهِمْ، كَما اعْتادَ الدَّوابُّ كَثِيرًا مِنَ الأشْياءِ. انْتَهى.
وقَدْ رُوِيَ في اعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ رِواياتٌ:
مِنها: أنَّهم تَحَيَّلُوا لِاصْطِيادِ الحِيتانِ فِيهِ بِوَضْعِ الحَبائِلِ والبِرَكِ قَبْلَ يَوْمِ السَّبْتِ، حَتّى إذا جاءَتْ يَوْمَ السَّبْتِ عَلى عادَتِها في الكَثْرَةِ، نَشَبَتْ بِتِلْكَ الحَبائِلِ، فَلَمْ تَخْلُصْ مِنها يَوْمَها، فَإذا كانَ اللَّيْلُ، أخَذُوها بَعْدَ انْقِضاءِ السَّبْتِ.
ومِنها: أنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَها يَوْمَ السَّبْتِ بِالفِعْلِ، ولَكِنْ يَأْكُلُونَها في غَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ، فَتَأوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الأكْلِ فِيهِ مِنها، لا عَنْ صَيْدِها، فَنَهَتْهم طائِفَةٌ مِنهم عَنْ ذَلِكَ وقالَتْ: ما نَراكم تُصْبِحُونَ حَتّى يُصَبِّحَكُمُ اللَّهُ بِخَسْفٍ، أوْ قَذْفٍ، أوْ بَعْضِ ما عِنْدَهُ مِنَ العَذابِ، فَلَمّا أصْبَحُوا وجَدُوهم أصابَهم مِنَ المَسْخِ ما أصابَهُمْ، وإذا هم قِرَدَةٌ -رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ - وثَمَّةَ رِواياتٌ أُخَرُ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم مُسِخَتْ قُلُوبُهُمْ، لا أبْدانُهم -واللَّهُ أعْلَمُ-.
الثّانِي: اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ القِصَّةِ عَلى تَحْرِيمِ الحِيَلِ.
(p-٢٨٩١)قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (إغاثَةِ اللَّهْفانِ): ومِن مَكايِدِ الشَّيْطانِ الَّتِي كادَ بِها الإسْلامَ وأهْلَهُ، الحِيَلُ والمَكْرُ والخِداعُ، الَّذِي يَتَضَمَّنُ تَحْلِيلَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، وإسْقاطُ ما فَرَضَهُ، ومُضادَّتُهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وهي مِنَ الرَّأْيِ الباطِلِ الَّذِي اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلى ذَمِّهِ. فَإنَّ الرَّأْيَ رَأْيانِ: رَأْيٌ يُوافِقُ النُّصُوصَ، وتَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ والِاعْتِبارِ، وهو الَّذِي اعْتَبَرَهُ السَّلَفُ، وعَمِلُوا بِهِ، ورَأْيٌ يُخالِفُ النُّصُوصَ، وتَشْهَدُ لَهُ بِالإبْطالِ والإهْدارِ، فَهو الَّذِي ذَمُّوهُ وأنْكَرُوهُ.
وكَذَلِكَ الحِيَلُ نَوْعانِ: نَوْعٌ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلى فِعْلِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وتَرْكِ ما نَهى عَنْهُ، والتَّخَلُّصِ مِنَ الحَرامِ، وتَخْلِيصِ المُحِقِّ مِنَ الظّالِمِ المانِعِ لَهُ، وتَخْلِيصِ المَظْلُومِ مِن يَدِ الظّالِمِ الباغِي، فَهَذا النَّوْعُ مَحْمُودٌ، يُثابُ فاعِلُهُ ومُعَلِّمُهُ. ونَوْعٌ يَتَضَمَّنُ إسْقاطَ الواجِباتِ، وتَحْلِيلَ المُحَرَّماتِ، وقَلْبَ المَظْلُومِ ظالِمًا، والظّالِمِ مَظْلُومًا، والحَقِّ باطِلًا، والباطِلِ حَقًّا، فَهَذا الَّذِي اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلى ذَمِّهِ، وصاحُوا بِأهْلِهِ مِن أقْطارِ الأرْضِ.
ثُمَّ ساقَ الوُجُوهَ العَدِيدَةَ عَلى تَحْرِيمِهِ وإبْطالِهِ.
وقالَ في سادِسِها:
إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْ أهْلِ السَّبْتِ مِنَ اليَهُودِ بِمَسْخِهِمْ قِرَدَةً لِما احْتالُوا عَلى إباحَةِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّيْدِ، بِأنْ نَصَبُوا الشِّباكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَلَمّا وقَعَ فِيها الصَّيْدُ، أخَذُوهُ يَوْمَ الأحَدِ. قالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: فَفي هَذا زَجْرٌ عَظِيمٌ لِمَن يَتَعاطى الحِيَلَ عَلى المَناهِي الشَّرْعِيَّةِ، مِمَّنْ يَتَلَبَّسُ بِعِلْمِ الفِقْهِ، وهو غَيْرُ فَقِيهٍ، إذِ الفَقِيهُ مَن يَخْشى اللَّهَ تَعالى بِحِفْظِ حُدُودِهِ، وتَعْظِيمِ حُرُماتِهِ، والوُقُوفِ عِنْدَها، لَيْسَ المُتَحَيِّلَ عَلى إباحَةِ مَحارِمِهِ، وإسْقاطِ فَرائِضِهِ.
ومَعْلُومٌ أنَّهم لَمْ يَسْتَحِلُّوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكُفْرًا بِالتَّوْراةِ، وإنَّما هو اسْتِحْلالُ تَأْوِيلٍ، واحْتِيالٌ ظاهِرُهُ ظاهِرُ الإيفاءِ، وباطِنُهُ باطِنُ الِاعْتِداءِ، ولِهَذا -واللَّهُ أعْلَمُ- مُسِخُوا قِرَدَةً، لِأنَّ صُورَةَ القِرْدِ فِيها شِبْهٌ مِن صُورَةٍ الإنْسانِ، وفي أوْصافِهِ شِبْهٌ مِنهُمْ، وهو مُخالِفٌ لَهُ في الحَدِّ والحَقِيقَةِ. فَلَمّا نَسَخَ أُولَئِكَ المُعْتَدُونَ دِينَ اللَّهِ تَعالى بِحَيْثُ لَمْ يَتَمَسَّكُوا إلّا بِما يُشْبِهُ الدِّينَ في بَعْضِ ظاهِرِهِ، دُونَ حَقِيقَتِهِ، مَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً يُشْبِهُونَهم في بَعْضِ ظَواهِرِهِمْ، دُونَ الحَقِيقَةِ، جَزاءً وِفاقًا.
(p-٢٨٩٢)ثُمَّ رُوِيَ في عاشِرِها عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا تَرْتَكِبُوا ما ارْتَكَبَتِ اليَهُودُ وتَسْتَحِلُّوا مَحارِمَ اللَّهِ بِأدْنى الحِيَلِ»» .
الثّالِثُ: دَلَّتِ الآياتُ عَلى أنَّ أهْلَ هَذِهِ القَرْيَةِ صارُوا إلى ثَلاثِ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ ارْتَكَبَتِ المَحْذُورَ، واحْتالُوا عَلى صَيْدِ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ، كَما بَيَّنّا. وفِرْقَةٌ نَهَتْ عَنْ ذَلِكَ واعْتَزَلَتْهُمْ، وفِرْقَةٌ سَكَتَتْ فَلَمْ تَفْعَلْ ولَمْ تَنْهَ، ولَكِنَّها قالَتْ لِلْمُنْكِرَةِ: لِمَ تَنْهَوْنَ هَؤُلاءِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّهم قَدْ هَلَكُوا واسْتَحَقُّوا العُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ فَلا فائِدَةَ في نَهْيِكم إيّاهُمْ؟ فَأجابَتْها المُنْكِرَةُ: بِأنّا نَفْعَلُ ذَلِكَ اعْتِذارًا إلى رَبِّنا فِيما أُخِذَ عَلَيْنا مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
ثُمَّ نَصَّ تَعالى عَلى نَجاةِ النّاهِينَ، وهَلاكِ الظّالِمِينَ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وسَكَتَ عَنِ السّاكِتِينَ، لِأنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ، فَهم لا يَسْتَحِقُّونَ مَدْحًا فَيُمْدَحُوا ولا ارْتَكَبُوا عَظِيمًا فَيُذَمُّوا، ومَعَ هَذا فَقَدِ اخْتَلَفَ الأئِمَّةُ فِيهِمْ: هَلْ كانُوا مِنَ الهالِكِينَ، أوْ مِنَ النّاجِينَ؟ عَلى قَوْلَيْنِ. ويُرْوى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ تَوَقَّفَ فِيهِمْ، ثُمَّ صارَ إلى نَجاتِهِمْ، لَمّا قالَ لَهُ غُلامُهُ عِكْرِمَةُ: ألا تَرى أنَّهم قَدْ كَرِهُوا ما هم عَلَيْهِ، وخالَفُوهُمْ، وقالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ؟ فَكَساهُ حُلَّةً.
الرّابِعُ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤] عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ لا يُسْقِطُ، ولَوْ عَلِمَ المُنْكِرُ عَدَمَ الفائِدَةِ فِيهِ، إذْ لَيْسَ مِن شَرْطِهِ حُصُولُ الِامْتِثالِ عَنْهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلّا القِيامُ بِرُكْنٍ عَظِيمٍ مِن أرْكانِ الدِّينِ، والغَيْرَةُ عَلى حُدُودِ اللَّهِ، والِاعْتِذارُ إلَيْهِ تَعالى، إذْ شَدَّدَ في تَرْكِهِ لَكَفاهُ فائِدَةً.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى بَعْضَ مَساوِئِ اليَهُودِ تَأثُّرَهُ بِبَيانِ أنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالذُّلِّ والصِّغارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَقالَ سُبْحانَهُ:
(p-٢٨٩٣)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences