Al-QasimiAl‑A'raf · 7:187–197

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:187–197

7:187Page 174

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٧

They ask you, [O Muḥammad], about the Hour: when is its arrival?1 Say, "Its knowledge is only with my Lord. None will reveal its time except Him. It lays heavily2 upon the heavens and the earth. It will not come upon you except unexpectedly." They ask you as if you are familiar with it. Say, "Its knowledge is only with Allāh, but most of the people do not know."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٧] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هو ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾

" ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ أيْ عَنْ قِيامِها وحِينِها " ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ أيْ مَتى إرْساؤُها أوْ وقْتُ إرْسائِها، أيْ إثْباتُها وإقْرارُها. والرُّسُوُّ يُسْتَعْمَلُ في الأجْسامِ الثَّقِيلَةِ، وإطْلاقُهُ عَلى المَعانِي، تَشْبِيهًا لَها بِالأجْسامِ.

" ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ﴾ أيْ: لا يُظْهِرُها في وقْتِها إلّا هو. " ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ عَظُمَتْ وكَبُرَتْ عَلى أهْلِهِما لِهَوْلِها وما فِيها مِنَ المُحاسَبَةِ والمُجازاةِ، أوْ ثَقُلَ عِلْمُ وقْتِها عَلى أهْلِهِما. أوْ عَظُمَ وصْفُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، مِنِ انْتِشارِ النُّجُومِ، وتَكْوِيرِ الشَّمْسِ، وتَسْيِيرِ الجِبالِ " ﴿لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنكم.

" ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ (p-٢٩١٧)أيْ: عالِمٌ بِها: " ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنَّ عِلْمَها عِنْدَ اللَّهِ، لَمْ يُؤْتِهِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ كَرَّرَ " يَسْألُونَكَ " و" إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ " ؟ قُلْتُ: لِلتَّأْكِيدِ، وما جاءَ بِهِ مِن زِيادَةِ قَوْلِهِ: " ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ وعَلى هَذا تَكْرِيرُ العُلَماءِ الحُذّاقِ في كُتُبِهِمْ، لا يُخْلُونَ المُكَرَّرَ مِن فائِدَةٍ زائِدَةٍ. انْتَهى.

وقالَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ): وفي هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّكْرِيرِ نُكْتَةٌ لا تُلْفى إلّا في الكِتابِ العَزِيزِ، وهو أجَلُّ مِن أنْ يُشارِكَ فِيها، وذاكَ أنَّ المَعْهُودَ في أمْثالِ هَذا التَّكْرِيرِ، أنَّ الكَلامَ إذا بُنِيَ عَلى مَقْصِدٍ، واعْتَرَضَ في أثْنائِهِ عارِضٌ، فَأُرِيدَ الرُّجُوعَ لِتَتْمِيمِ المَقْصِدِ الأوَّلِ، وقَدْ بَعُدَ عَهْدُهُ، طُرِّيَ بِذِكْرِ المَقْصِدِ الأوَّلِ، لِتَتَّصِلَ نِهايَتُهُ بِبِدايَتِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لِذَلِكَ في الكِتابِ العَزِيزِ أمْثالٌ، وسَيَأْتِي، وهَذا مِنها. فَإنَّهُ لَمّا ابْتَدَأ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: " ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ ثُمَّ اعْتَرَضَ ذِكْرَ الجَوابِ المُضَمَّنِ في قَوْلِهِ: " ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ إلى قَوْلِهِ " ﴿بَغْتَةً﴾ أُرِيدَ تَتْمِيمَ سُؤالِهِمْ عَنْها بِوَجْهٍ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وهو المُضَمَّنُ في قَوْلِهِ " ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ وهو شَدِيدُ التَّعَلُّقِ بِالسُّؤالِ، وقَدْ بَعُدَ عَهْدُهُ، فَطُرِّيَ ذِكْرُهُ تَطْرِيَةً عامَّةً، ولا نَراهُ أبَدًا يَطْرى إلّا بِنَوْعٍ مِنَ الإجْمالِ، كالتَّذْكِرَةِ لِلْأوَّلِ، مُسْتَغْنًى عَنْ تَفْصِيلِهِ بِما تَقَدَّمَ. فَمِن ثَمَّ قِيلَ: " ﴿يَسْألُونَكَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ المَسْؤُولَ عَنْهُ، وهو (السّاعَةُ) اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ فَلَمّا كَرَّرَ السُّؤالَ لِهَذِهِ الفائِدَةِ كَرَّرَ الجَوابَ أيْضًا مُجْمَلًا، فَقالَ: " ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ ويُلاحَظُ هَذا في تَلْخِيصِ الكَلامِ بَعْدَ بَسْطِهِ. ومِن أدَقِّ ما وقَفَتْ عَلَيْهِ العَرَبُ في هَذا النَّمَطِ مِنَ التَّكْرِيرِ لِأجْلِ بُعْدِ العَهْدِ، تَطْرِيَةً لِلذِّكْرِ، قَوْلُهُ:

؎عَجِّلْ لَنا هَذا وألْحِقْنا بِذا الشَّ شَحْمِ إنّا قَدْ مَلِلْناهُ بَجَلْ

أيْ فَقَطْ، فَذَكَرَ الألِفَ واللّامَ، خاتِمَةً لِلْأوَّلِ مِنَ الرَّجَزَيْنِ، ثُمَّ لَمّا اسْتَفْتَحَ الرَّجَزَ الثّانِي، اسْتَبْعَدَ العَهْدَ بِالأُولى، فَطُرِّيَ ذِكْرُها، وأبْقى الأُولى في مَكانِها. ومِن ثَمَّ اسْتَدَلَّ ابْنُ جِنِّيٍّ (p-٢٩١٨)عَلى أنَّ ما كانَ مِنَ الرَّجَزِ عَلى ثَلاثَةِ أجْزاءٍ، فَهو بَيْتٌ كامِلٌ، ولَيْسَ بِنِصْفٍ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو الحَسَنِ.

قالَ: ولَوْ كانَ بَيْتًا واحِدًا، لَمْ يَكُنْ عَهْدُ الأُولى مُتَباعِدًا، فَلَمْ يَكُنْ مُحْتاجًا إلى تَكْرِيرِها، ألا تَرى أنَّ عَبِيدًا لَمّا جاءَ بِقَصِيدَةٍ طَوِيلَةِ الأبْياتِ، وجَعَلَ آخِرَ المِصْراعِ الأوَّلِ (ألْ)، لَمْ يُعِدْها أوَّلَ المِصْراعِ الثّانِي، لِأنَّها بَيْتٌ واحِدٌ، فَلَمْ يَرْ عَهْدَها بَعِيدًا، وذَلِكَ قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ الأسَدِيِّ:

؎يا خَلِيلِيَّ ارْبَعا واسْتَخْبِرا ال ∗∗∗ مَنزِلَ الدّارِسَ عَنْ أهْلِ الحِلالِ

؎مِثْلَ سَحْقِ البُرْدِ عَفّى بَعْدَكَ ال ∗∗∗ قَطْرُ مَغْناهُ وتَأْوِيبُ الشَّمالِ

ارْبَعا: أقِيما، الحِلالَ: اسْمُ امْرَأةٍ، سَحْقُ البَرْدِ: يُرِيدُ مِثْلَ البُرْدِ المَسْحُوقِ أيِ البالِي، وعَفّى بِالتَّشْدِيدِ: مَحا، القَطْرُ: المَطَرُ، مَغْناهُ: هو المَوْضِعُ الَّذِي كانُوا يُسْكِنُونَهُ، والشَّمالُ - بِالفَتْحِ والكَسْرِ- مِنَ الرِّياحِ، ما مَهَبُّهُ مِن مَطْلَعِ الشَّمْسِ وبَناتُ نَعْشٍ، وهي لا تَكادُ تَهُبُّ لَيْلًا، وتَأْوِيبُها: هُبُوبُها النَّهارَ كُلَّهُ. ثُمَّ اسْتَرْسَلَ فِيها كَذَلِكَ بِضْعَةَ عَشَرَ بَيْتًا. فانْظُرْ هَذِهِ النُّكَتَةَ، كَيْفَ بالَغَتِ العَرَبُ في رِعايَتِها، حَتّى عَدَّتَ القَرِيبَ بَعِيدًا، والمُتَقاصِرَ مَدِيدًا، فَتَأمَّلْها فَإنَّها تُحْفَةٌ إنَّما تُنْفَقُ عِنْدَ الحُذّاقِ الأعْيانِ، في صِناعَتَيِ العَرَبِيَّةِ والبَيانِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ. انْتَهى.

والقَصِيدَةُ بِتَمامِها في (مُخْتاراتِ ابْنِ الشَّجَرِيِّ ) بِالصَّفْحَةِ رَقْمِ ٣٧.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُخْبِرَ بِعُبُودِيَّتِهِ الكامِلَةِ، بِما يُنْبِئُ عَنْ عَجْزِهِ عَنْ عِلْمِ السّاعَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

7:188Page 175

قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ١٨٨

Say, "I hold not for myself [the power of] benefit or harm, except what Allāh has willed. And if I knew the unseen, I could have acquired much wealth, and no harm would have touched me. I am not except a warner and a bringer of good tidings to a people who believe."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٨] ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلا ما شاءَ اللَّهُ ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

" ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ أيْ لا أقْدِرُ لِأجْلِ نَفْسِي، عَلى جَلْبِ نَفْعٍ ما (p-٢٩١٩)ولا عَلى دَفْعِ ضُرٍّ ما " ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ تَمْلِيكُهُ لِي مِن ذَلِكَ بِأنْ يُلْهِمَنِيهِ، فَيُمَكِّنُنِي مِنهُ، ويُقَدِّرُنِي عَلَيْهِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [يونس: ٤٩] ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ أيِ النَّفْعِ، بِتَرْتِيبِ أسْبابِهِ، فَكُنْتُ مَثَلًا أُعِدُّ لِلسَّنَةِ المُجْدِبَةِ مِنَ المُخْصِبَةِ، ولِوَقْتِ الغَلاءِ مِنَ الرُّخْصِ " ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أيِ الضُّرُّ، لِلتَّوَقِّي عَنْ أسْبابِهِ " ﴿إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ أيْ عَبْدٌ أُرْسِلْتُ نَذِيرًا وبَشِيرًا، وما مِن شَأْنِي أنِّي أعْلَمُ الغَيْبَ. وقَوْلُهُ تَعالى " ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ " ﴿بَشِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] وحْدَهُ، ومُتَعَلِّقُ النَّذِيرِ مَحْذُوفٌ، أيْ لِلْكافِرِينَ، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. وقالَ الشِّهابُ: لِيُطَهِّرَ اللِّسانَ مِنهم.

7:189Page 175

۞ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِيفٗا فَمَرَّتۡ بِهِۦۖ فَلَمَّآ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنۡ ءَاتَيۡتَنَا صَٰلِحٗا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٨٩

It is He who created you from one soul and created from it its mate that he1 might dwell in security with her. And when he [i.e., man] covers her,2 she carries a light burden [i.e., a pregnancy] and continues therein. And when it becomes heavy, they both invoke Allāh, their Lord, "If You should give us a good3 [child], we will surely be among the grateful."

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عِظَمَ جِنايَةِ الكَفَرَةِ في جَراءَتِهِمْ عَلى الإشْراكِ، بِتَذْكِيرِ مَبادِئِ أحْوالِهِمُ المُنافِيَةِ لَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٩] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾

" ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهي نَفْسُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ " ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ مِن جِنْسِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [الروم: ٢١] " ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ أيْ لِيَطْمَئِنَّ إلَيْها ويَمِيلَ، ولا يَنْفِرَ، لِأنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمْيَلُ، وبِهِ آنَسُ، وإذا كانَتْ بَعْضًا مِنهُ كانَ السُّكُونُ والمَحَبَّةُ أبْلَغَ، كَما يَسْكُنُ الإنْسانُ (p-٢٩٢٠)إلى ولَدِهِ، ويُحِبُّهُ مَحَبَّةً لِكَوْنِهِ بِضْعَةً مِنهُ. وذَكَرَ " ﴿لِيَسْكُنَ﴾ بَعْدَ ما أنَّثَ في قَوْلِهِ " واحِدَةٍ " و" ﴿مِنها زَوْجَها﴾ ذَهابًا إلى مَعْنى النَّفْسِ، لِيُبَيِّنَ أنَّ المُرادَ بِها آدَمُ، ولِأنَّ الذَّكَرَ هو الَّذِي يَسْكُنُ إلى الأُنْثى ويَتَغَشّاها، فَكانَ التَّذْكِيرُ أحْسَنَ طِباقًا لِلْمَعْنى. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. " ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ أيْ وطِئَها. و(التَّغَشِّي) كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، وكَذَلِكَ الغَشَيانُ والإتْيانُ.

" ﴿حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا﴾ أيْ خَفَّ عَلَيْها، وذَلِكَ أوَّلُ الحَمْلِ، لا تَجِدُ المَرْأةُ لَهُ ألَمًا، إنَّما هي النُّطْفَةُ، ثُمَّ العَلَقَةُ، ثُمَّ المُضْغَةُ " ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أيْ فاسْتَمَرَّتْ بِهِ خَفِيفَةً، وقامَتْ وقَعَدَتْ. " ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ أيْ: صارَتْ ذاتَ ثِقْلٍ، لِكِبَرِ الوَلَدِ في بَطْنِها " ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ أيْ ولَدًا سَوِيًّا قَدْ صَلَحَ بَدَنُهُ، أوْ غُلامًا " ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيْ عَلى نَعْمائِكَ الَّتِي مِنها هَذِهِ النِّعْمَةُ.

7:190Page 175

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٩٠

But when He gives them a good [child], they1 ascribe partners to Him concerning that which He has given them. Exalted is Allāh above what they associate with Him.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٠] ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾

" ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا﴾ أيْ كَما طَلَبا " ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ أيْ أخَلّا بِالشُّكْرِ في مُقابَلَةِ نِعْمَةِ الوَلَدِ الصّالِحِ أسْوَأ إخْلالٍ، إذا اسْتَبْدَلُوهُ بِالإشْراكِ. وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَنْزِيهٌ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ.

تَنْبِيهٌ:

هَذِهِ الآيَةُ سِيقَتْ تَوْبِيخًا لِلْمُشْرِكِينَ في جِنايَتِهِمْ بِالشِّرْكِ، ونَقْضِهِمْ مِيثاقِهِمْ، في جَرْيِهِمْ عَلى خِلافِ ما يُعاهِدُونَ اللَّهَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَلْقِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وجَعَلَ أزْواجَهم مِن أنْفُسِهِمْ لِيَأْنَسُوا بِهِنَّ، ثُمَّ إنْشائِهِ إيّاهم بَعْدَ الغَشَيانِ، مُتَدَرِّجِينَ في أطْوارِ الخَلْقِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ومِنَ الضَّعْفِ إلى القُوَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ إعْطاءَهُمُ المَواثِيقَ إنْ آتاهم ما يَطْلُبُونَ ووَلَدَ لَهم ما يَشْتَهُونَ، لِيَكُونُنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ غَدْرِهِمْ وكُفْرانِهِمْ هَذِهِ النِّعَمَ، الَّتِي امْتَنَّ سُبْحانَهُ بِها عَلَيْهِمْ، ونَقْضِهِمْ مِيثاقَهم في إفْرادِهِ بِالشُّكْرِ، (p-٢٩٢١)حَيْثُ أشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ في ذَلِكَ.

ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، في الإخْبارِ عَنْ تَبْدِيلِ المُشْرِكِينَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣] وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هَهُنا أحادِيثَ وآثارًا تُفْهِمُ أنَّ المُرادَ بِهَذا السِّياقِ آدَمُ وحَوّاءُ. ولا حاجَةَ بِنا إلى رِوايَتِها لِأنَّها واهِيَةُ الإسْنادِ مَعْلُولَةٌ، كَما بَيَّنَهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في (تَفْسِيرِهِ).

وتَقَبُّلُ ثُلَّةٍ مِنَ السَّلَفِ لَها وتَلَقِّيها، لا يُجْدِي في صِحَّتِها شَيْئًا، إذْ أصْلُها مَأْخُوذٌ مِن أقاصِيصِ مُسْلِمَةِ أهْلِ الكِتابِ، كَما بَرْهَنَ عَلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ. وتَهْوِيلُ بَعْضِهِمْ بِأنَّها مُقْتَبَسَةٌ مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ، إذْ أخْرَجَها فُلانٌ وفُلانٌ، مِن تَنْمِيقِ الألْفاظِ لِتَمْزِيقِ المَعانِي، فَإنَّ المِشْكاةَ النَّبَوِيَّةَ أجَلُّ مِن أنْ يُقْتَبَسَ مِنها إلّا كُلُّ ما عُرِفَتْ جَوْدَتُهُ.

إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، تَبَيَّنَ لَكَ أنَّ مَنِ اسْتَنَدَ إلى تِلْكَ الأحادِيثِ والآثارِ، فَذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ الواحِدَةِ وقَرِينَتِها، آدَمُ وحَوّاءُ، ثُمَّ أوْرَدَ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُما بَرِيئانِ مِنَ الشِّرْكِ، وأنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ يَقْتَضِيهِ، ثُمَّ أخَذَ يُؤَوِّلُهُ، إمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ، فِيما آتى أوْلادَهُما، وإمّا بِأنَّ المُرادَ جَعْلُ أحَدِهِما وهو (حَوّاءُ) مِن إطْلاقِ المُثَنّى وإرادَةِ المُفْرَدِ، وإمّا بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ ذَهَبَ في غَيْرِ مَذْهَبٍ.

وقَدْ قَرَّرَ ما ارْتَضَيْناهُ في مَعْنى الآيَةِ غَيْرُ واحِدٍ. قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، فِيما رَوى عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ الآيَةَ عَنى بِها ذُرِّيَّةَ آدَمَ، ومَن أشْرَكَ مِنهم بَعْدَهُ. وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: كانَ هَذا في بَعْضِ المِلَلِ، ولَمْ يَكُنْ بِآدَمَ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والأسانِيدُ إلى الحَسَنِ، في تَفْسِيرِ هَذا صَحِيحَةٌ، وهو مِن أحْسَنِ التَّفاسِيرِ، وأوْلى ما حُمِلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ.

(p-٢٩٢٢)قالَ: ولَوْ كانَ الحَدِيثُ المَرْفُوعُ، في أنَّها في آدَمَ وحَوّاءَ، مَحْفُوظًا عِنْدَهُ مِن رِوايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِما عَدَلَ عَنْهُ هو ولا غَيْرُهُ، لا سِيَّما مَعَ تَقْواهُ ووَرَعِهِ. فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ -إنْ صَحَّ- مَوْقُوفٌ عَلى الصَّحابِيِّ، لا مَرْفُوعٌ. انْتَهى.

وقالَ القَفّالُ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ، وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةِ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ. وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ، وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما، لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ، فَلَمّا آتاهُما اللَّهُ ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لِلَّهِ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ، كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ، كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ، كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.

وقالَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ) -مُتَعَقِّبًا عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ -: الأسْلَمُ والأقْرَبُ -واللَّهُ أعْلَمُ- أنْ يَكُونَ المُرادُ جِنْسَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى، لا يُقْصَدُ فِيهِ إلى مُعَيَّنِ، وكَأنَّ المَعْنى -واللَّهُ أعْلَمُ- خَلَقَكم جِنْسًا واحِدًا، وجَعَلَ أزْواجَكم مِنكم أيْضًا، لِتَسْكُنُوا إلَيْهِنَّ، فَلَمّا تَغَشّى الجِنْسَ الَّذِي هو الذَّكَرُ، الجِنْسَ الآخَرَ، الَّذِي هو الأُنْثى، جَرى مِن هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ كَيْتَ وكَيْتَ، وإنَّما نَسَبَ هَذِهِ المَقالَةِ إلى الجِنْسِ، وإنْ كانَ فِيهِمُ المُوَحِّدُونَ، عَلى حَدِّ (بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا قَتِيلًا)، يَعْنِي مِن نِسْبَةِ ما صَدَرَ مِنَ البَعْضِ إلى الكُلِّ.

فائِدَةٌ:

قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: " ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ [الأعراف: ١٨٩] جَعَلَ حالَ الإثْقالِ يُخالِفُ ما قَبْلَهُ، وأنَّهُ يَخْتَصُّ فِيهِ الدُّعاءُ لِأجْلِ أنَّهُ حالُ الخَوْفِ. وقَدْ ذَهَبَ الهادِي إلى أنَّ الحامِلَ إذا أتى عَلَيْها مِنَ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، كانَتْ تَصَرُّفاتُها كَتَصَرُّفاتِ المَرِيضِ، (p-٢٩٢٣)تَنْفُذُ مِنَ الثُّلُثِ. وهو قَوْلُ مالِكٍ واللَّيْثِ، واحْتَجّا بِالآيَةِ، لِأنَّهُ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَ حالِ الخِفَّةِ والإثْقالِ. وقالَ غَيْرُهُما: تَصَرُّفُها مِنَ الجَمِيعِ، ما لَمْ يَأْخُذْها الطَّلْقُ. قُلْنا: إنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْها بَعْدَ السِّتَّةِ، وضْعُ الحَمْلِ في كُلِّ وقْتٍ. انْتَهى.

ثُمَّ قالَ: ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ الدُّعاءُ لِطَلَبِ أُمُورِ الدُّنْيا، وإنَّ حُصُولَ الوَلَدِ مِنَّةٌ يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْها. انْتَهى.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَعالى تَوْبِيخَ المُشْرِكِينَ كافَّةً، واسْتِقْباحَ إشْراكِهِمْ، وإبْطالَهُ بِالكُلِّيَّةِ بِبَيانِ شَأْنِ ما أشْرَكُوا بِهِ سُبْحانَهُ وتَفْصِيلِ أحْوالِهِ القاضِيَةِ بِبُطْلانِ ما اعْتَقَدُوهُ في حَقِّهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ.

7:191Page 175

أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ١٩١

Do they associate with Him those who create nothing and they are [themselves] created?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩١] ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾

" ﴿أيُشْرِكُونَ﴾ أيْ بِخالِقِ الأشْياءِ تَعالى وتَقَدَّسَ " ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ أيْ لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ ما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ: ومَن هَذِهِ صِفَتُهُ كَيْفَ يُعْبَدُ؟ ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِعابِدِهِ لا مَحالَةَ. " ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ أيْ بَلْ هم مَخْلُوقُونَ مَصْنُوعُونَ، كَما قالَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥]

7:192Page 175

وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ لَهُمۡ نَصۡرٗا وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٢

And they [i.e., the false deities] are unable to [give] them help, nor can they help themselves.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٢] ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾

" ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ لِعَبَدَتِهِمْ إذا حَزَبَهم أمْرٌ " ﴿نَصْرًا﴾ أيْ بِجَلْبِ نَفْعٍ، أوْ دَفْعِ ضُرٍّ " ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ إذا اعْتَرَتْهم حادِثَةٌ مِنَ الحَوادِثِ، كَما قالَ تَعالى: (p-٢٩٢٤)﴿وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾ [الحج: ٧٣] وكَما كانَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَكْسِرُ أصْنامَ قَوْمِهِ، ويُهِينُها غايَةَ الإهانَةِ.

وقَدْ حَكى ابْنُ كَثِيرٍ أنَّ مُعاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ، ومُعاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أسْلَما لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ، وكانا شابَّيْنِ، فَكانا يَعْدُوانِ في اللَّيْلِ عَلى أصْنامِ المُشْرِكِينَ، يَكْسِرانِها ويُتْلِفانِها، ويَتَّخِذانِها حَطَبًا لِلْأرامِلِ، لِيُعْتَبَرَ قَوْمُهُما. وكانَ لِعَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ -وكانَ سَيِّدًا في قَوْمِهِ- صَنَمٌ يَعْبُدُهُ ويُطَيِّبُهُ، فَكانا يَجِيئانِ في اللَّيْلِ، فَيُنَكِّسانِهِ عَلى رَأْسِهِ، ويُلَطِّخانِهِ بِالعُذْرَةِ، فَيَجِيءُ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ، فَيَرى ما صُنِعَ بِهِ، فَيَغْسِلُهُ ويُطَيِّبُهُ، ويَضَعُ عِنْدَهُ سَيْفًا، ويَقُولُ لَهُ: انْتَصِرْ، ثُمَّ يَعُودانِ لِمِثْلِ ذَلِكَ، ويَعُودُ إلى صَنِيعِهِ أيْضًا. حَتّى أخَذاهُ مَرَّةً، فَقَرَناهُ مَعَ كَلْبٍ مَيِّتٍ، ودَلَّياهُ في حَبْلٍ في بِئْرٍ هُناكَ، فَلَمّا جاءَ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ، ورَأى ذَلِكَ نَظَرَ فَعَلِمَ أنَّ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ باطِلٌ. وقالَ:

؎تاللَّهِ لَوْ كُنْتَ إلَهًا مُسْتَدَنْ لَمْ تَكُ والكَلْبَ جَمِيعًا في قَرَنْ

(مُسْتَدَنٌ: ذَلِيلٌ مُسْتَعْبَدٌ. والقَرَنُ: الحَبْلُ).

ثُمَّ أسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلامُهُ، وقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضاهُ.

(انْظُرْ سِيرَةَ ابْنِ هِشامٍ ج٢ ص٩٥ طَبْعَةُ الحَلَبِيِّ. وص٣٠٣ طَبْعَةُ جُوتَنْجِنَ).

تَنْبِيهٌ:

قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى صِحَّةِ الحِجاجِ في الدِّينِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ﴾ [الأعراف: ١٩١] الآيَةَ - حِجاجٌ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ الَّذِي يَخْلُقُ ويُنْعِمُ ويَقْدِرُ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ هو اللَّهُ تَعالى.

7:193Page 175

وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ ١٩٣

And if you [believers] invite them to guidance, they will not follow you. It is all the same for you whether you invite them or you are silent.

(p-٢٩٢٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٣] ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾

" ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أيُّها المُشْرِكُونَ " ﴿إلى الهُدى﴾ أيْ إلى ما فِيهِ رَشادٌ " ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ أيْ إلى مُرادِكم وطُلْبَتِكم " ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ دُعاءَ مَن دَعاها، كَما قالَ إبْراهِيمُ: ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]

وجَوَّزَ في الآيَةِ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ تَدْعُوهم إلى أنْ يَهْدُوكم وتَطْلُبُوا مِنهُمْ، كَما تَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ، الخَيْرَ والشَّرَّ، لا يُجِيبُوكم كَما يُجِيبُكُمُ اللَّهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٤]

7:194Page 175

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٩٤

Indeed, those you [polytheists] call upon besides Allāh are servants [i.e., creations] like you. So call upon them and let them respond to you, if you should be truthful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

" ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ تَعْبُدُونَهم وتُسَمُّونَهم آلِهَةً " ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ أيْ مَخْلُوقاتٌ مُماثِلَةٌ لَكم " ﴿فادْعُوهُمْ﴾ أمْرُ تَعْجِيزٍ وتَبْكِيتٍ. أيْ فادْعُوهم لِجَلْبِ نَفْعٍ، أوْ كَشْفِ ضُرٍّ " ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في زَعْمِكم أنَّها آلِهَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

7:195Page 175

أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ١٩٥

Do they have feet by which they walk? Or do they have hands by which they strike? Or do they have eyes by which they see? Or do they have ears by which they hear? Say, [O Muḥammad], "Call your 'partners' and then conspire against me and give me no respite.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٥] ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾

" ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها (p-٢٩٢٦)أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ تَبْكِيتٌ إثْرَ تَبْكِيتٍ، مُؤَكِّدٌ لِما يُفِيدُهُ الأمْرُ التَّعْجِيزِيُّ، مِن عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ، بِبَيانِ فِقْدانِ آلَتِها بِالكُلِّيَّةِ، فَإنَّ الِاسْتِجابَةَ مِنَ الهَياكِلِ الجُسْمانِيَّةِ، إنَّما تَتَصَوَّرُ إذا كانَ لَها حَياةٌ وقُوًى مُحَرِّكَةٌ، ومُدْرِكَةٌ، وما لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَهو بِمَعْزِلٍ مِنَ الأفاعِيلِ بِالمَرَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَهم هَذِهِ الآلاتُ الَّتِي بِها تَتَحَقَّقُ الِاسْتِجابَةُ، حَتّى يُمْكِنَ اسْتِجابَتُهم لَكُمْ؟ وقَدْ وجَّهَ الإنْكارَ إلى كُلِّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الآلاتِ الأرْبَعِ عَلى حِدَةٍ، تَكْرِيرًا لِلتَّبْكِيتِ، وتَثْنِيَةً لِلتَّقْرِيعِ، وإشْعارًا بِأنَّ انْتِفاءَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها بِحِيالِها، كافٍ في الدَّلالَةِ عَلى اسْتِحالَةِ الِاسْتِجابَةِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

ويُقالُ: إنَّهُ لَمّا جَعَلَهم مِثْلَهُمْ، كَرَّ عَلى المِثْلِيَّةِ بِالنَّقْضِ بِما ذَكَرَ، لِأنَّهم أدْوَنُ مِنهُمْ، وعِبادَةُ الشَّخْصِ مَن هو مِثْلُهُ لا تَلِيقُ، فَكَيْفَ مَن هو دُونَهُ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الرّازِيُّ: تَعَلَّقَ بَعْضُ أغْمارِ المُشَبِّهَةِ وجُهّالِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، في إثْباتِ هَذِهِ الأعْضاءِ لِلَّهِ تَعالى، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى جَعَلَ عَدَمَ هَذِهِ الأعْضاءِ، لِهَذِهِ الأصْنامِ، دَلِيلًا عَلى عَدَمِ إلَهِيَّتِها، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الأعْضاءُ مَوْجُودَةً لِلَّهِ تَعالى، لَكانَ عَدَمُها دَلِيلًا عَلى عَدَمِ الإلَهِيَّةِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِإثْباتِ هَذِهِ الأعْضاءِ لِلَّهِ تَعالى... إلَخْ.

وأقُولُ: الظّاهِرُ أنَّ مَلْحَظَ مُثْبِتِيها هو أنَّ عَدَمَها يَدُلُّ عَلى النَّقْصِ، وهو مُحالٌ عَلى المَوْلى تَعالى، إذْ لَهُ كُلُّ صِفَةِ كَمالٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ في إثْباتِها لَهُ تَعالى مِن آياتٍ أُخَرَ، وأحادِيثَ مَشْهُورَةٍ، ما يُغْنِي عَنْ تَكَلُّفِ اسْتِثْباتِها لَهُ تَعالى مِن مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَكِنْ عَلى المِنهاجِ السَّلَفِيِّ، وهو إثْباتٌ بِلا تَكْيِيفٍ، إذْ مَن كَيَّفَ فَقَدَ مَثَّلَ، ومَن نَفى فَقَدْ عَطَّلَ. فالمُشَبِّهَةُ كالمُعَطِّلَةِ، والحَقُّ وراءَهُمْ، والمَسْألَةُ شَهِيرَةٌ.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ شُرَكاءَهم عاجِزُونَ، أمَرَ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُناصِبَهم لِلْمُحاجَّةِ، ويُكَرِّرُ عَلَيْهِمُ التَّبْكِيتَ، فَقالَ سُبْحانَهُ: " ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ أيِ اسْتَنْصِرُوا بِها عَلَيَّ " ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أيِ اعْمَلُوا أنْتُمْ وهم في هَلاكِي مِن حَيْثُ لا أشْعُرُ بِهِ، حَتّى يُمْكِنَنِي دَفْعُهُ.

(p-٢٩٢٧)" ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ عَجِّلُوا في كَيْدِي، فَلا تُمْهِلُونِي مُدَّةً أطَّلِعُ فِيها عَلى كَيْدِكُمْ، فَإنِّي لا أُبالِي بِكم. وقَدْ أثْبَتَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو الياءَ في ((كِيدُونِي))، والباقُونَ حَذَفُوها. ومِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] قالَ الواحِدِيُّ: والقَوْلُ فِيهِ أنَّ الفَواصِلَ تُشْبِهُ القَوافِيَ، وقَدْ حَذَفُوا هَذِهِ الياءاتِ إذا كانَتْ في القَوافِي، كَقَوْلِهِ:

؎يَلْمِسُ الأحْلاسَ في مَنزِلِهِ بِيَدَيْهِ كاليَهُودِيِّ المُصَلِّ

(وأصْلُها المُصَلِّي).

والَّذِينَ أثْبَتُوها، فَلِأنَّ الأصْلَ هو الإثْباتُ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

7:196Page 176

إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩٦

Indeed, my protector is Allāh, who has sent down the Book; and He is an ally to the righteous.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٦] ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَـزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾

" ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَـزَّلَ الكِتابَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ، المُنْفَهِمُ مِنَ السُّوقِ انْفِهامًا جَلِيًّا. أيِ: الَّذِي يَتَوَلّى حِفْظِي ونُصْرَتِي هو اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ، المُشْتَمِلَ عَلى هَذِهِ العُلُومِ العَظِيمَةِ النّافِعَةِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: ووَصْفُهُ تَعالى بِتَنْزِيلِ الكِتابِ، لِلْإشْعارِ بِدَلِيلِ الوِلايَةِ، والإشارَةِ إلى عِلَّةٍ أُخْرى لِعَدَمِ المُبالاةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا أُبالِي بِكم وبِشُرَكائِكُمْ، لِأنَّ ولِيِّيَ هو اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ النّاطِقَ بِأنَّهُ ولِيِّي وناصِرِي، وبِأنَّ شُرَكاءَكم لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ، فَضْلًا عَنْ نَصْرِكم.

وقَوْلُهُ تَعالى " ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ. أيْ ومِن عادَتِهِ أنْ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ، ويَنْصُرُهم ولا يَخْذُلُهم. وفِيهِ تَعْرِيضٌ، لِمَن فَقَدَ الصَّلاحَ، بِالخِذْلانِ والمَحْقِ.

قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُخَوِّفُونَ الرَّسُولَ ﷺ بِآلِهَتِهِمْ، فَقالَ تَعالى: " ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٥] الآيَةَ، لِيُظْهِرَ لَكم أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَها عَلى إيصالِ المَضارِّ إلَيَّ، بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. وهَذا كَما قالَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا قالَ قَوْمُهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ (p-٢٩٢٨)بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [هود: ٥٤] ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ [هود: ٥٦] الآيَةَ.

7:197Page 176

وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٧

And those you call upon besides Him are unable to help you, nor can they help themselves."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٧] ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾

" ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ أيْ لا يَتَوَلَّوْنَ أحَدًا، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم " ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ أيْ: إذا قَصَدَ إضْرارَهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском