Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:198–206
7:198Page 176
وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْۖ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ١٩٨
And if you invite them to guidance, they do not hear; and you see them looking at you while they do not see.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٨] ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾
" ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا﴾ إذْ لَيْسَ لَهم سَمْعٌ، وإنْ صَوَّرْتَ لَهُمُ الآذانَ، كَما أنَّهُ لا بَصَرَ لَهُمْ، وإنْ صَوَّرْتَ لَهُمُ الأعْيُنَ. كَما قالَ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ إذْ صَوَّرْتَ لَهُمُ الأعْيُنَ " ﴿وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ لِأنَّهم جَمادٌ عُومِلُوا مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ، فَعَبَّرَ عَنْهم بِضَمِيرِهِ، لِأنَّهم عَلى صُوَرٍ مُصَوَّرَةٍ كالإنْسانِ، وهَذا مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ، لِعَدَمِ مُبالاتِهِ بِهِمْ، فَلا تَكْرارَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: المُرادُ بِهَذا (المُشْرِكُونَ)، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوُهُ، أيْ وإنْ كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيْكَ، فَإنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِالنَّظَرِ والرُّؤْيَةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والأوَّلُ أوْلى، وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، أيْ تَفْصِّيًا مِنَ التَّفْكِيكِ، لِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُمُ الأصْنامُ.
تَنْبِيهٌ:
مِن غَرائِبِ اسْتِنْباطِ المُعْتَزِلَةِ قَوْلُهم في هَذِهِ الآيَةِ -والعِبارَةُ لِلْجَشْمِيِّ - ما مِثالُهُ: تَدُلُّ (p-٢٩٢٩)الآيَةُ عَلى أنَّ النَّظَرَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ، وأنَّهُ لا يَقْتَضِي الرُّؤْيَةَ، لِذَلِكَ أثْبَتَهم ناظِرِينَ غَيْرَ رائِينَ.
قالَ: ومِثْلُهُ قَوْلُهم نَظَرْتُ إلى الهِلالِ فَلَمْ أرَهُ. ويُقَسِّمُونَ النَّظَرَ إلى وُجُوهٍ، ولا تَنْقَسِمُ الرُّؤْيَةُ.
قالَ: فَبَطَلَ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] يَقْتَضِي الرُّؤْيَةَ. انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ الأصْلَ في إطْلاقِ النَّظَرِ هو الرُّؤْيَةُ والإبْصارُ، ولِذَلِكَ تَتَعاقَبُ في هَذا المَعْنى، وتَتَرادَفُ كَثِيرًا، وانْفِكاكُهُ عَنِ الرُّؤْيَةِ في هَذِهِ الآيَةِ لِقَرِينَةِ كَوْنِ المُحَدَّثِ عَنْهم جَمادًا، ولا قَرِينَةَ في الآيَةِ لِتُقاسَ عَلى ما هُنا، دَعْ ما صَحَّ مِنَ الأخْبارِ في وُقُوعِها، مِمّا هو بَيانٌ لَها -فافْهَمْ-.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَّفْحِ عَنِ المُشْرِكِينَ إذا جادَلُوهُ في شُرَكائِهِمْ بَعْدَ هَذا البَيانِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
7:199Page 176
خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ ١٩٩
Take what is given freely,1 enjoin what is good, and turn away from the ignorant.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩٩] ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾
" ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ أيْ مَكانَ الغَضَبِ، لِيَكُونُوا أقْبَلَ لِلنَّصِيحَةِ " ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ أيْ بِالجَمِيلِ المُسْتَحْسَنِ مِنَ الأفْعالِ، فَإنَّها قَرِيبَةٌ مِن قَبُولِ النّاسِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ. ولِما كانَ النّاصِحُ لِغَيْرِهِ، كالمُعَرَّضِ لِعُدْوانِهِمْ، ثَلَّثَ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ في ذَلِكَ فَقالَ: " ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ أيِ المُصِرِّينَ عَلى جَهْلِهِمْ، فَلا تُكافِئِ السُّفَهاءَ بِمِثْلِ سَفَهِهِمْ، ولا تُمارِهِمْ، واحْلِمْ عَنْهُمْ، وأغْضِ عَلى ما يَسُوؤُكَ مِنهم.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ سِرَّ الشَّرِيعَةِ في الطِّباعِ والعاداتِ، هو تَأْيِيدُ المُسْتَحْسَنِ (p-٢٩٣٠)ومَحْوُ المُسْتَقْبَحِ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] فَإنَّ المَعْرُوفَ ما عَرَفَتْهُ الطِّباعُ السَّلِيمَةُ واسْتَحْسَنَتْهُ، والمُنْكَرُ ما أنْكَرَتْهُ واسْتَقْبَحَتْهُ، ذَلِكَ لِأنَّ غايَةَ الشَّرِيعَةِ راحَةُ الخَلْقِ عَلى حالٍ ونِظامٍ مَعْقُولَيْنِ، فَلا يَصِحُّ الحُكْمُ بِتَوْحِيدِ العاداتِ في كُلِّ البِلادِ. اهـ.
الثّانِي: رُوِيَ عَنِ الإمامِ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، ولَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أجْمَعُ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ مِنها.
ورَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ حَصِينٍ قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: هي يا ابْنَ الخَطّابِ ! فَواللَّهِ، ما تُعْطِينا الجَزْلَ، ولا تَحْكُمُ فِينا بِالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ، حَتّى هَمَّ أنْ يُوقِعَ بِهِ. فَقالَ لَهُ الحُرُّ بْنُ قَيْسٍ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ وإنَّ هَذا مِنَ الجاهِلِينَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ! ما جاوَزَها عُمَرُ حِينَ تَلاها عَلَيْهِ، وكانَ وقّافًا عِنْدَ كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
7:200Page 176
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٠٠
And if an evil suggestion comes to you from Satan, then seek refuge in Allāh. Indeed, He is Hearing and Knowing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٠] ﴿وإمّا يَنْـزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَـزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
" ﴿وإمّا يَنْـزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَـزْغٌ﴾ أيْ يُصِيبَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ وسْوَسَةٌ تُثِيرُ غَضَبَكَ عَلى جَهْلِهِمْ وإساءَتِهِمْ، وتَحْمِلُكَ عَلى خِلافِ ما أمَرْتَ فِيهِ مِنَ العَفْوِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ: " ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أيِ اسْتَجِرْ بِهِ، وادْعُهُ في دَفْعِهِ " ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ أيْ لِدُعائِكَ " ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِاسْتِعاذَتِكَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النَّزْغُ والنَّسْغُ: الغَرْزُ والنَّخْسُ، كَأنَّهُ يَنْخُسُ النّاسَ حِينَ يُغْرِيهِمْ عَلى المَعاصِي. أيْ فَشُبِّهَتْ وسْوَسَتُهُ وإغْراؤُهُ بِالغَرْزِ، وهو إدْخالُ الإبْرَةِ وطَرَفِ العَصا وما يُشْبِهُهُ (p-٢٩٣١)فِي الجَلْدِ، كَما يَفْعَلُهُ السّائِقُ لِحَثِّ الدَّوابِّ. وجَعْلُ النَّزْغِ نازِغًا مَجازٌ بِالإسْنادِ، لِجَعْلِ المَصْدَرِ فاعِلًا، كَجَدِّ جَدِّهِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ تَعالى تَهْوِيلٌ لِأمْرِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِنَ الغَوائِلِ الصَّعْبَةِ الَّتِي لا يَتَخَلَّصُ مِن مُضِرَّتِها إلّا بِالِالتِجاءِ إلى حَرَمِ عِصْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.
7:201Page 176
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ ٢٠١
Indeed, those who fear Allāh - when an impulse touches them from Satan, they remember [Him] and at once they have insight.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠١] ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾
" ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهُمْ﴾ أيْ أصابَهم " ﴿طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ أيْ وسْوَسَةٌ وخاطِرٌ مِنهُ " ﴿تَذَكَّرُوا﴾ أيْ الِاسْتِعاذَةَ بِهِ تَعالى والتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ " ﴿فَإذا هُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّذَكُّرِ " ﴿مُبْصِرُونَ﴾ أيْ مَواقِعُ الخَطَأِ، ومَكائِدُ الشَّيْطانِ، فَيَنْتَهُونَ عَنْها ولا يَتْبَعُونَهُ. وقُرِئَ ((طَيْفٌ)) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، مِن قَوْلِهِمْ (طافَ بِهِ الخَيالُ يَطِيفُ طَيْفًا)، أوْ تَخْفِيفُ (طَيِّفٍ) كَلَيِّنٍ وهَيِّنٍ. وهَذِهِ الآيَةُ تَأْكِيدٌ وتَقْرِيرٌ لِما قَبْلَها مِن وُجُوبِ الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ تَعالى، عِنْدَ نَزْغِ الشَّيْطانِ، وأنَّ المُتَّقِينَ هَذِهِ عادَتُهم. وقَوْلُهُ تَعالى:
7:202Page 176
وَإِخۡوَٰنُهُمۡ يَمُدُّونَهُمۡ فِي ٱلۡغَيِّ ثُمَّ لَا يُقۡصِرُونَ ٢٠٢
But their brothers1 - they [i.e., the devils] increase them in error; then they do not stop short.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٢] ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾
" ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ يَعْنِي وأمّا إخْوانُ الشَّياطِينِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَتَّقُوا، فَلَمْ يَتَأتَّ لَهُمُ التَّذَكُّرُ، ولا يَنْفَعُ فِيهِمْ الِاسْتِعاذَةُ لِأنَّ الشَّياطِينَ " ﴿يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ أيْ يَكُونُونَ مَدَدًا لَهم بِتَكْثِيرِ الشُّبَهِ والتَّزْيِينِ والتَّسْهِيلِ في الضَّلالِ، يَعْنِي تُساعِدُهُمُ الشَّياطِينُ عَلى المَعاصِي، وتُسَهِّلُها عَلَيْهِمْ وتُحَسِّنُها لَهم.
(p-٢٩٣٢)" ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ أيْ لا يُمْسِكُونَ عَنْ إغْوائِهِمْ، حَتّى يُصِرُّوا ولا يَرْجِعُوا، يَعْنِي أنَّ الشَّياطِينَ يَمُدُّونَ أوْلِياءَهم مِنَ الإنْسِ، ولا يَسْأمُونَ مِن إمْدادِهِمْ مِنَ الشَّرِّ، لِأنَّ ذَلِكَ طَبِيعَةٌ لَهم وسَجِيَّةٌ: وجَوَّزَ عَوْدَ الضَّمِيرِ لِـ (الإخْوانِ)، أيْ لا يَرْعُوُونَ عَنِ الغَيِّ ولا يُقْصِرُونَ، وإنْ بُولِغَ عَلَيْهِمْ في الوَعْظِ بِآياتِ اللَّهِ، وإقامَةِ الدَّلائِلِ، ورَفْعِ الشُّبَهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يُرادَ أيْضًا بِـ (الإخْوانِ) الشَّياطِينُ، ويَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلى " الجاهِلِينَ " أيْ وإخْوانُ الجاهِلِينَ، وهُمُ الشَّياطِينُ، يَمُدُّونَ الجاهِلِينَ في الغَيِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والأوَّلُ أوْجَهُ، لِأنَّ (إخْوانَهُمْ) في مُقابَلَةِ " الَّذِينَ اتَّقَوْا " .
7:203Page 176
وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَاۚ قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٠٣
And when you, [O Muḥammad], do not bring them a sign [i.e., miracle], they say, "Why have you not contrived it?" Say, "I only follow what is revealed to me from my Lord. This [Qur’ān] is enlightenment from your Lord and guidance and mercy for a people who believe."
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى، مِن أنْواعِ إغْوائِهِمْ، لُجاجَهم في طَلَبِ آياتٍ مُعَيَّنَةٍ، وتَعَنُّتَهم في اقْتِراحِها، مَعَ أنَّ لَدَيْهِمُ المُعْجِزَةَ العُظْمى، والخارِقَةَ الكُبْرى، وهي القُرْآنُ الكَرِيمُ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٣] ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
" ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ أيْ: مِمّا اقْتَرَحُوهُ " ﴿قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ أيْ هَلّا تَكَلَّفْتَها وأنْشَأْتَها مِن عِنْدِكَ ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ أيْ فَلَسْتُ بِمُفْتَعِلٍ لِلْآياتِ، ولا أتَقَدَّمُ إلَيْهِ تَعالى في شَيْءٍ مِنها. ثُمَّ أرْشَدَهم تَعالى إلى أنَّ هَذا القُرْآنَ هو أعْظَمُ المُعْجِزاتِ، وأبْيَنُ الدَّلالاتِ، وأصْدَقُ الحُجَجِ والبَيِّناتِ، فَقالَ سُبْحانَهُ " ﴿هَذا﴾ أيِ القُرْآنُ " ﴿بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ لِلْقُلُوبِ، بِها يُبْصِرُ الحَقَّ، ويُدْرِكُ الصَّوابَ. فالكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. أوْ سَبَبِ البَصائِرِ، فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ أوِ اسْتِعارَةٌ لِإرْشادِهِ، أوِ المَعْنى: حُجَجٌ بَيِّنَةٌ، وبَراهِينُ نَيِّرَةٌ. وإنَّما جَمْعُ خَبَرِ المُفْرَدِ لِاشْتِمالِهِ عَلى آياتٍ وسُوَرٍ، جَعَلَ كُلًّا مِنها بَصِيرَةً. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ -لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ (p-٢٩٣٣)الإيمانِ بِها " ﴿وهُدًى﴾ أيْ: مِنَ الضَّلالَةِ " ﴿ورَحْمَةٌ﴾ أيْ مِنَ العَذابِ " ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ بِهِ، فَيَتَفَكَّرُونَ في حَقائِقِهِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ أنَّهُ تَعالى يُنَزِّلُ الآياتِ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، لا بِحَسَبِ اقْتِراحِهِمْ، لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ فَسادًا. ويَدُلُّ قَوْلُهُ: " ﴿هَذا بَصائِرُ﴾ أنَّ المَعارِفَ مُكْتَسَبَةٌ. وتَدُلُّ أنَّ جَمِيعَ ما يَقُولُهُ الرَّسُولُ ويَفْعَلُهُ مِنَ الشَّرْعِ مِن وحْيِهِ، لِذَلِكَ قالَ: " ﴿أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ﴾ ومَتى قِيلَ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يَجْتَهِدُ ولا يَقِيسُ؟ قُلْنا: لا، لِأنَّ القِياسَ والِاجْتِهادَ إذا كانَ مُتَعَبَّدًا بِهِ، فاتِّباعُهُ اتِّباعُ الوَحْيِ، كالعامِّيِّ يَقْبَلُ مِنَ المُفْتِي، والعالِمُ يَجْتَهِدُ، ويَتَّبِعُ الوَحْيَ، كَذَلِكَ هَذا.
والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ حَتّى يُؤْمَرَ بِهِ -انْتَهى كَلامُهُ- وفي إطْلاقِهِ تَفْصِيلٌ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
7:204Page 176
وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٢٠٤
So when the Qur’ān is recited, then listen to it and pay attention that you may receive mercy.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٤] ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾
" ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ أيْ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وغَيْرِهِ " ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ القُرْآنَ بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ، أرْشَدَ إلى طَرِيقِ الفَوْزِ بِما انْطَوى عَلَيْهِ مِن مَنافِعِهِ الجَلِيلَةِ. أيْ وإذا قُرِئَ القُرْآنُ الَّذِي ذُكِرَتْ خَصائِصُهُ، فاسْتَمِعُوا لَهُ، أيْ: أصْغُوا إلَيْهِ بِأسْماعِكم لِتَفْهَمُوا مَعانِيَهُ، وتَتَدَبَّرُوا مَواعِظَهُ، وأنْصِتُوا لِقِراءَتِهِ حَتّى تَنْقَضِيَ، إعْظامًا لَهُ واحْتِرامًا، لِكَيْ تَفُوزُوا بِالرَّحْمَةِ الَّتِي هي أعْظَمُ ثَمَراتِهِ، لا كَما يَعْتَمِدُهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]
(p-٢٩٣٤)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الِاسْتِماعِ والإنْصاتِ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ وغَيْرِها، وعَلَيْهِ أهْلُ الظّاهِرِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، وأبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ، وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وإذا قَرَأ فَأنْصِتُوا»» . وكَذا رَواهُ أهْلُ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِن صَلاةٍ جَهَرَ فِيها بِالقِراءَةِ فَقالَ: «هَلْ قَرَأ أحَدٌ مِنكم مَعِي آنِفًا»؟ قالَ رَجُلٌ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «إنِّي أقُولُ: ما لِي أُنازَعُ القُرْآنَ» ؟ قالَ: فانْتَهى النّاسُ عَنِ القِراءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما جَهَرَ فِيهِ بِالقِراءَةِ مِنَ الصَّلاةِ، حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وصَحَّحَهُ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ. نَعَمْ ورَدَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ بِاسْتِثْناءِ الفاتِحَةِ وحْدَها لِلْمَأْمُومِ. وذَلِكَ فِيما رَواهُ عُبادَةُ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ القِراءَةُ، فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: «إنِّي أراكم تَقْرَؤُونَ وراءَ إمامِكم» ؟ قالَ: قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إي واللَّهِ. قالَ: «لا تَفْعَلُوا إلّا بِأُمِّ القُرْآنِ، فَإنَّهُ لا صَلاةَ لِمَن لا يَقْرَأُ بِها»» -رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ -.
وفِي لَفْظٍ: ««فَلا تَقْرَءُوا بِشَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ إذا جَهَرْتَ (p-٢٩٣٥)بِهِ، إلّا بِأُمِّ القُرْآنِ»» . رَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ وقالَ: رُواتُهُ كُلُّهم ثِقاتٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أتَقْرَءُونَ في صَلاتِكم خَلْفَ الإمامِ، والإمامُ يَقْرَأُ؟ فَلا تَفْعَلُوا، ولْيَقْرَأْ أحَدُكم بِفاتِحَةِ الكِتابِ في نَفْسِهِ»» .
وأمّا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَقَدِّمُ، فَلا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى عَدَمِ قِراءَةِ المَأْمُومِ مُطْلَقًا بَلْ جَهْرًا، لِأنَّ المُنازَعَةَ إنَّما تَكُونُ مَعَ جَهْرِ المَأْمُومِ، لا مَعَ إسْرارِهِ، ولَوْ سُلِّمَ دُخُولُ ذَلِكَ في المُنازَعَةِ لَكانَ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ فِيهِ عامًّا لِجَمِيعِ القُرْآنِ، أوْ مُطْلَقًا في جَمِيعِهِ.
وحَدِيثُ عُبادَةَ خاصٌّ أوْ مُقَيَّدٌ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ عامٍّ وخاصٍّ، أوْ مُطْلَقٍ ومُقَيَّدٍ، لِابْتِناءِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي. وكَذا يُقالُ في عُمُومِ الآيَةِ، وفي هَذا جَمَعَ بَيْنَ دَلالَةِ الكِتابِ، وصَحِيحِ السُّنَّةِ، إذْ جاءَنا بِها مَن جاءَ بِالقُرْآنِ.
الثّانِي: رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الصَّلاةِ. وعَنْ بَعْضِهِمْ: فِيها وفي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: فِيهِما وفي خُطْبَةِ الأضْحى والفِطْرِ. وقَدْ قَدَّمْنا في مُقَدِّمَةِ الكِتابِ مُصْطَلَحَ السَّلَفِ في قَوْلِهِمْ: (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَذا)، وبَيَّنّا أنَّهُ قَدْ يُرادُ بِذَلِكَ، أنَّ الآيَةَ تَشْمَلُ ذَلِكَ الشَّيْءَ لِدُخُولِهِ في عُمُومِها، لا أنَّهُ سَبَبٌ لِنُزُولِها، وذَلِكَ في بَعْضِ المَقاماتِ، وما هُنا مِنهُ.
وبِتَحْقِيقِ هَذا يَسْقُطُ ما لِلرّازِيِّ هُنا مِن أنَّهُ إذا قِيلَ بِنُزُولِها في مَنعِ المَأْمُومِ مِنَ الجَهْرِ بِالقِراءَةِ، يَذْهَبُ تَناسُبُ الآيَةِ مَعَ ما قَبْلَها مِن إفْحامِ المُشْرِكِينَ، بِأنْ يَسْتَمِعُوا لِقِراءَتِهِ، لِيَقِفُوا عَلى إعْجازِهِ. وما لِلْخازِنِ، بِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وخُطْبَةُ الجُمُعَةِ والعِيدَيْنِ شُرِعَتا بِالمَدِينَةِ -فافْهَمْهُ-.
الثّالِثُ: رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَنِ اسْتَمَعَ إلى آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ مُضاعَفَةٌ، ومَن تَلاها كانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ»» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ تَفَرَّدَ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى:
7:205Page 176
وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ ٢٠٥
And remember your Lord within yourself in humility and in fear without being apparent in speech - in the mornings and the evenings. And do not be among the heedless.
(p-٢٩٣٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٥] ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾
" ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ عامٌّ، أوِ المَعْنى: واذْكُرْ رَبَّكَ أيُّها الإنْسانُ، والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّ ما خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ولَمْ يَكُنْ مِن خَصائِصِهِ، فَإنَّهُ مَشْرُوعٌ لِأُمَّتِهِ.
وقَدْ أوْضَحَ هَذا آيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٢] والأمْرُ بِالذِّكْرِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عامٌّ في الأذْكارِ مِن قِراءَةِ القُرْآنِ والدُّعاءِ والتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: هَذا الأمْرُ يَحْتَمِلُ الوُجُوبَ، إنْ فُسِّرَ الذِّكْرُ بِالصَّلاةِ، وإنْ أُرِيدَ الدُّعاءُ أوِ الذِّكْرُ بِاللِّسانِ، فَهو مَحْمُولٌ عَلى الِاسْتِحْبابِ. قالَ: وبِكُلٍّ فُسِّرَتِ الآيَةُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ آدابًا لِذِكْرِهِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ في نَفْسِهِ، لِأنَّ الإخْفاءَ أدْخَلُ في الإخْلاصِ، وأقْرَبُ إلى الإجابَةِ، وأبْعَدُ مِنَ الرِّياءِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّضَرُّعِ، وهو التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ والِاعْتِرافُ بِالتَّقْصِيرِ، لِيَتَحَقَّقَ بِذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ لِعِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ الخِيفَةِ، أيِ الخَوْفِ والخَشْيَةِ مِن سُلْطانِ الرُّبُوبِيَّةِ، وعَظَمَةِ الأُلُوهِيَّةِ، مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلى التَّقْصِيرِ في العَمَلِ، لِتَخْشَعَ النَّفْسُ، ويَخْضَعَ القَلْبُ.
(p-٢٩٣٧)الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ دُونَ الجَهْرِ، لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى حُسْنِ التَّفَكُّرِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَلِهَذا يُسْتَحَبُّ أنْ لا يَكُونَ الذِّكْرُ نِداءً ولا جَهْرًا بَلِيغًا. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «رَفَعَ النّاسُ أصْواتَهم بِالدُّعاءِ في بَعْضِ الأسْفارِ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «يا أيُّها النّاسُ ! ارْبَعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ، فَإنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا، إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، أقْرَبُ إلى أحَدِكم مِن عُنُقِ راحِلَتِهِ»» . قالَ الإمامُ: المُرادُ أنْ يَقَعَ الذِّكْرُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الجَهْرِ والمَخافَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ١١٠]
الخامِسُ: أنْ يَكُونَ بِاللِّسانِ لا بِالقَلْبِ وحْدَهُ، وهو مُسْتَفادٌ مِن قَوْلِهِ " ﴿ودُونَ الجَهْرِ﴾ لِأنَّ مَعْناهُ: ومُتَكَلِّمًا كَلامًا دُونَ الجَهْرِ، فَيَكُونُ صِفَةً لِمَعْمُولِ حالٍ مَحْذُوفَةٍ مَعْطُوفًا عَلى " ﴿تَضَرُّعًا﴾ أوْ هو مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿فِي نَفْسِكَ﴾ أيِ اذْكُرْهُ ذِكْرًا في نَفْسِكَ، وذِكْرًا بِلِسانِكَ دُونَ الجَهْرِ.
السّادِسُ: أنْ يَكُونَ بِالغُدُوِّ والآصالِ، أيْ في البُكْرَةِ والعَشِيِّ. فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى مَزِيَّةِ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، لِأنَّهُما وقْتُ سُكُونٍ ودِعَةٍ وتَعْبُّدٍ واجْتِهادٍ، وما بَيْنَهُما، الغالِبُ فِيهِ الِانْقِطاعُ إلى أمْرِ المَعاشِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَمَلَ العَبْدِ يُصْعَدُ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ، فَطَلَبُ الذِّكْرِ فِيهِما، لِيَكُونَ ابْتِداءُ عَمَلِهِ واخْتِتامُهُ بِالذِّكْرِ.
ثُمَّ نَهى تَعالى عَنِ الغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِهِ بِقَوْلِهِ " ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ أيْ مِنَ الَّذِينَ يَغْفُلُونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ويَلْهُونَ عَنْهُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِطَلَبِ دَوامِ ذِكْرِهِ تَعالى، واسْتِحْضارُ عَظَمَتِهِ وجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ، بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ.
(p-٢٩٣٨)ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما يُقَوِّي دَواعِيَ الذِّكْرِ، ويُنْهِضُ الهِمَمَ إلَيْهِ، بِمَدْحِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ، لا يَفْتَرُونَ، فَقالَ:
7:206Page 176
إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ يَسۡجُدُونَۤ۩ ٢٠٦
Indeed, those who are near your Lord [i.e., the angels] are not prevented by arrogance from His worship, and they exalt Him, and to Him they prostrate.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾
" ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم في أعْلى مَقاماتِ القُرْبِ " ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ أيْ لا يَتَعَظَّمُونَ عَنْها. وقَوْلُهُ " ﴿ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ أيْ فَيَنْبَغِي أنْ يُقْتَدى بِهِمْ فِيما ذُكِرَ عَنْهُمْ، فَفِيهِ حَثٌّ ولُطْفٌ مُرَغِّبٌ في ذَلِكَ، لِأنَّهُ إذا كانَ أُولَئِكَ -وهم ما هم في قُرْبِ المَنزِلَةِ والعِصْمَةِ- حالُهم في عِبادَتِهِ تَعالى وتَسْبِيحِهِ ما ذُكِرَ، فَكَيْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ غَيْرُهم.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: تَمَسَّكَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ بِهَذِهِ الآيَةِ في تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى البَشَرِ قالَ: لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِالعِبادَةِ والذِّكْرِ قالَ: " ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ، أيْ فَأنْتَ أوْلى وأحَقُّ بِالعِبادَةِ، والمَسْألَةُ مُسْتَوْفاةٌ في كُتُبِ الكَلامِ. واسْتَنْبَطَ مَن قالَ بِالتَّفْضِيلِ المَذْكُورِ مِنَ الآيَةِ، أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَنْظُرَ إلى مَن فَوْقَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: المُشَبِّهَةُ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقالُوا: لَفْظُ (عِنْدَ) مُشْعِرٌ بِالجِهَةِ. ثُمَّ أجابَ بِما هو مَعْرُوفٌ لِلْخَلَفِ. ويَعْنِي -سامَحَهُ اللَّهُ- بِالمُشَبِّهَةِ الحَنابِلَةَ، وهم بَراءٌ مِنَ التَّشْبِيهِ، كَما يَعْلَمُهُ مَن طالَعَ عَقائِدَهُمْ، واقِفُونَ عَلى حَدِّ النُّصُوصِ بِلا تَشْبِيهٍ ولا تَعْطِيلٍ، ولَمْ يَنْفَرِدُوا بِذَلِكَ، فَقَدْ تَقَدَّمَهم مَن لا يُحْصى في هَذِهِ المَسْألَةِ. راجِعْ كِتابَ (العُلُوِّ لِلذَّهَبِيِّ ) تَعْلَمْ ما ذَكَرْنا.
(p-٢٩٣٩)الثّالِثُ: قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى كَوْنِ المَلائِكَةِ مُكَلَّفِينَ. وتَدُلُّ عَلى أنَّهم سَجَدُوا لِلَّهِ، وآدَمُ كانَ قِبْلَةَ السُّجُودِ، لِأنَّهُ وصَفَهم بِأنَّهم يَسْجُدُونَ لَهُ.
الرّابِعُ: هَذِهِ أوَّلُ سَجْدَةٍ في القُرْآنِ مِمّا يُشْرِعُ لِتالِيها ومُسْتَمِعِها السُّجُودَ بِالإجْماعِ.
وقَدْ ورَدَ في حَدِيثٍ رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ عَدَّها في سَجَداتِ القُرْآنِ.
ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيها سَجْدَةٌ، فَيَسْجُدُ ونَسْجُدُ مَعَهُ، حَتّى ما يَجِدُ بَعْضُنا مَوْضِعًا لِمَكانِ جَبْهَتِهِ، في غَيْرِ وقْتِ صَلاةٍ» .
ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا قَرَأ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطانُ يَبْكِي يَقُولُ: يا ويْلَتا أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَلَهُ الجَنَّةُ، وأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأبَيْتُ فَلِيَ النّارُ»» .
ورَوى مُسْلِمٌ «عَنْ ثَوْبانَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإنَّكَ لا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إلّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِها دَرَجَةً، وحَطَّ عَنْكَ بِها خَطِيئَةً»» .
الخامِسُ: السَّجْدَةُ المَشْرُوعَةُ، إنْ كانَتْ لِآيَةٍ، أُمِرَ فِيها بِالسُّجُودِ فَلِلْأمْرِ، أوْ حَكى فِيها (p-٢٩٤٠)اسْتِنْكافُ الكَفَرَةِ عَنْهُ، فَلِمُخالَفَتِهِمْ وإرْغامِهِمْ، أوْ حُكِيَ فِيها سُجُودُ الأنْبِياءِ أوِ المَلائِكَةِ، فَلِلتَّأسِّي بِهِمْ- كَذا في (العِنايَةِ)-.
وهَذا آخِرُ ما تَيَسَّرَ تَعْلِيقُهُ عَلى سُورَةِ الأعْرافِ، فَلِلَّهِ الحَمْدُ عَلى هَذا التَّسْهِيلِ والإسْعافِ، ونَسْألُهُ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ العَوْنَ عَلى الإتْمامِ، فَإنَّهُ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ.
وكانَ الفَراغُ مِن ذَلِكَ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن يَوْمِ الثُّلاثاءِ، في ٢٦ رَمَضانَ المُبارَكِ سَنَةَ ١٣٢١ بِشِبّاكِ السُّدَّةِ العُلْيا اليُمْنى مِن جامِعِ السَّنانِيَةِ عَلى يَدِ الفَقِيرِ جَمالِ الدِّينِ القاسِمِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ولِوالِدَيْهِ ولِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ورَحِمَهُ وإيّاهم إنَّهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ.
تَمَّ الجُزْءُ السّابِعُ ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الثّامِنُ ويَحْتَوِي عَلى تَفْسِيرِ سُورَتَيِ الأنْفالِ والتَّوْبَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences