Al-QasimiAl‑A'raf · 7:28–30

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:28–30

7:28Page 153

وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٢٨

And when they commit an immorality, they say, "We found our fathers doing it, and Allāh has ordered us to do it." Say, "Indeed, Allāh does not order immorality. Do you say about Allāh that which you do not know?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٨] ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ " أيْ: ما تَناهى قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، كالشِّرْكِ وكَشْفِ العَوْرَةِ في الطَّوافِ (p-٢٦٥٢)﴿قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ أيْ: إذا فَعَلُوها اعْتَذَرُوا بِأنَّ آباءَهم كانُوا يَفْعَلُونَها، فاقْتَدَوْا بِهِمْ، وبِأنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِأنْ يَفْعَلُوها، حَيْثُ أقَرَّنا عَلَيْها، إذْ لَوْ كَرِهَها لَنَقَلَنا عَنْها، وهُما باطِلانِ، لِأنَّ أحَدَهُما تَقْلِيدٌ لِلْجُهّالِ، والتَّقْلِيدُ لَيْسَ بِطَرِيقٍ لِلْعِلْمِ، والثّانِي افْتِراءٌ عَلى ذِي الجَلالِ.

قالَ الشِّهابُ: في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أمَرَنا﴾ ": مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ أمَرَ آباءَنا، فَلا يُقالُ الظّاهِرُ أمْرُهم بِها، والعُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ إشارَةٌ إلى ادِّعاءِ أنَّ أمْرَ آبائِهِمْ أمْرٌ لَهم.

﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ " أيْ: هَذا الَّذِي تَصْنَعُونَهُ فاحِشَةٌ مُنْكَرَةٌ، واللَّهُ لا يَأْمُرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، لِأنَّ عادَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَرَتْ عَلى الأمْرِ بِمَحاسِنِ الأفْعالِ والحَثِّ عَلى مَكارِمِ الخِصالِ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ إنْكارٌ لِإضافَتِهِمُ الأمْرَ بِالفَحْشاءِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ تَعالى، وفِيهِ شَهادَةٌ عَلى أنَّ مَبْنى قَوْلِهِمْ عَلى الجَهْلِ المُفْرِطِ.

قالَ الشِّهابُ: ولا دَلِيلَ في الآيَةِ لِمَن نَفى القِياسَ، بِناءً عَلى أنَّ ما يَثْبُتُ بِهِ مَظْنُونٌ لا مَعْلُومٌ، لِأنَّهُ مَخْصُوصٌ في عُمُومِها بِإجْماعِ الصَّحابَةِ ومَن يَعْتَدُّ بِهِ، أوْ بِدَلِيلٍ آخَرَ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ مُجاهِدٌ: كانَ المُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، يَقُولُونَ: نَطُوفُ كَما ولَدَتْنا أُمَّهاتُنا، فَتَضَعُ المَرْأةُ عَلى قُبُلِها النِّسْعَةَ أوِ الشَّيْءَ وتَقُولُ:

؎اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ وما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ

فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الآيَةَ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَتِ العَرَبُ، ما عَدا قُرَيْشًا، لا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ في ثِيابِهِمُ الَّتِي لَبِسُوها، يَتَأوَّلُونَ في ذَلِكَ أنَّهم لا يَطُوفُونَ في ثِيابٍ عَصَوُا اللَّهَ فِيها. وكانَتْ قُرَيْشٌ - وهُمُ الحُمْسُ - يَطُوفُونَ في ثِيابِهِمْ، ومَن أعارَهُ أحْمَسِيٌّ ثَوْبًا طافَ فِيهِ، ومَن مَعَهُ ثَوْبٌ جَدِيدٌ طافَ فِيهِ ثُمَّ يُلْقِيهِ، فَلا يَتَمَلَّكُهُ أحَدٌ، ومَن لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا جَدِيدًا، ولا أعارَهُ أحْمَسِيٌّ ثَوْبًا، (p-٢٦٥٣)طافَ عُرْيانًا، ورُبَّما كانَتِ امْرَأةً، فَتَطُوفُ عُرْيانَةً، فَتَجْعَلُ عَلى فَرْجِها شَيْئًا لِيَسْتُرَهُ بَعْضَ السَّتْرِ، فَتَقُولُ: اليَوْمَ يَبْدُو... - البَيْتَ- وأكْثَرُ ما كانَ النِّساءُ يَطُفْنَ بِاللَّيْلِ، وكانَ هَذا شَيْئًا قَدِ ابْتَدَعُوهُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، واتَّبَعُوا فِيهِ آباءَهُمْ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّ فِعْلَ آبائِهِمْ مُسْتَنِدٌ إلى أمْرٍ مِنَ اللَّهِ وشَرْعٌ، فَأنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ.

وذَكَرَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا؛ أنَّها نَزَلَتْ في طَوافِهِمْ بِالبَيْتِ عُراةً، رَواهُ أبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُ، قالَ: فَفِيها وُجُوبُ سَتْرِ العَوْرَةِ في الطَّوافِ.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: ذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّ الإرادَةَ مَدْلُولُ الأمْرِ، ولازِمَةٌ لَهُ، والفَحْشاءُ -أعْنِي الشُّرُورَ والمَعاصِيَ- غَيْرُ مَأْمُورٍ بِها بِنَصِّ الآيَةِ، فَلا تَكُونُ مُرادَةً لَهُ تَعالى.

وأجابَ أهْلُ السُّنَّةِ بِأنَّ الأمْرَ قَدْ يَنْفَكُّ عَنِ الإرادَةِ، بِمَعْنى أنَّهُ يُوجَدُ بِدُونِ الإرادَةِ، فَلا تَكُونُ الإرادَةُ تابِعَةً لَهُ وُجُودًا. ومِمّا يُوَضِّحُ أنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُؤْمَرُ بِهِ ولا يَكُونُ مُرادًا، أنَّ السَّيِّدَ إذا أرادَ أنْ يُظْهِرَ عَلى الحاضِرِينَ عِصْيانَ عَبْدِهِ، يَأْمُرُهُ بِالشَّيْءِ ولا يُرِيدُهُ مِنهُ. ومِنها أنَّ الأمْرَ أمْرانِ:

أمْرٌ تَكْوِينِيٌّ: يَحْصُلُ بِهِ وُجُودُ الأشْياءِ، وهو خِطابُ (كُنْ) وهو تابِعٌ لِلْإرادَةِ، ويَعُمُّ جَمِيعَ الكائِناتِ. فالطّاعاتُ والمَعاصِي كُلُّها مَأْمُورَةٌ ومُرادَةٌ بِهَذا الأمْرِ، ولا يَتَعَلَّقُ بِهَذا الأمْرِ الطّاعَةُ والعِصْيانُ والثَّوابُ والعِقابُ. لِأنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالأشْياءِ حالَ العَدَمِ. وأمْرٌ تَشْرِيعِيٌّ تَدْوِينِيٌّ: أيْ شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ، وكَلَّفَهم بِهِ، مِمّا دُوِّنَ في كُتُبِ الشَّرِيعَةِ وبُيِّنَ. وهَذا الأمْرُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الطّاعَةُ والعِصْيانُ والثَّوابُ والعِقابُ والرِّضا والسُّخْطُ، والكُفْرُ والمَعاصِي لَيْسَتْ مَأْمُورَةً بِهَذا الأمْرِ.

والمُعْتَزِلَةُ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وقالُوا: إنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ لَوْ كانَتْ مُرادَهُ تَعالى، لَكانَتْ مَأْمُورًا بِها، وإتْيانُ المَأْمُورِ بِهِ طاعَةٌ، فَيَكُونُ الكافِرُ والفاسِقُ مُطِيعَيْنِ، فَإنَّهُما مَأْمُورٌ بِهِما بِالأمْرِ الأوَّلِ، ولَيْسَ مَأْمُورًا بِهِما بِالأمْرِ الثّانِي، حَتّى يَكُونَ إتْيانُهُما طاعَةً.

(p-٢٦٥٤)قالَ السَّيْلَكُوتِيُّ: ولا يَخْفى عَلَيْكَ تَقْسِيمُ الأمْرِ إلى أمْرَيْنِ، إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] عَلى ظاهِرِهِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ. وأمّا إذا كانَ عِبارَةً عَنِ الإيجادِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِها خِطابٌ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأشْعَرِيُّ ومَن تَبِعَهُ، فَلا. انْتَهى.

والمَسْألَةُ مَبْسُوطَةٌ في مِحالِها المَعْرُوفَةِ.

الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ جَوابٌ عَنْ شُبْهَتِهِمُ الثّانِيَةِ.

ولَمْ يَذْكُرْ جَوابًا عَنِ الأُولى، قالَ الإمامُ: لِأنَّها إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّقْلِيدِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في المَعْقُولِ أنَّهُ طَرِيقَةٌ فاسِدَةٌ، لِأنَّ التَّقْلِيدَ حاصِلٌ في الأدْيانِ المُتَناقِضَةِ. فَلَوْ كانَ التَّقْلِيدُ حَقًّا، لَزِمَ القَوْلُ بِحَقِّيَّةِ الأدْيانِ المُتَناقِضَةِ، فَلَمّا كانَ فَسادُهُ ظاهِرًا، لَمْ يَذْكُرْهُ تَعالى.

الثّالِثُ: قالَ في (فَتْحِ البَيانِ): في هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ أعْظَمُ زاجِرٍ، وأبْلَغُ واعِظٍ، لِلْمُقَلِّدَةِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ آباءَهم في المَذاهِبِ المُخالِفَةِ لِلْحَقِّ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن الِاقْتِداءِ بِأهْلِ الكُفْرِ، لا بِأهْلِ الحَقِّ، فَإنَّهُمُ القائِلُونَ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]

والقائِلُونَ: ﴿وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ والمُقَلِّدُ، لَوْلا اغْتِرارُهُ بِكَوْنِهِ وجَدَ آباءَهُ عَلى ذَلِكَ المَذْهَبِ، مَعَ اعْتِقادِهِ بِأنَّهُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وأنَّهُ الحَقُّ -لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ-. وهَذِهِ الخَصْلَةُ هي الَّتِي بَقِيَ بِها اليَهُودِيُّ عَلى يَهُودِيَّتِهِ، والنَّصْرانِيُّ عَلى نَصْرانِيَّتِهِ، والمُبْتَدِعُ عَلى بِدْعَتِهِ، فَما أبْقاهم عَلى هَذِهِ الضَّلالاتِ إلّا كَوْنُهم وجَدُوا آباءَهم في اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ والبِدْعَةِ، وأحْسَنُوا الظَّنَّ بِهِمْ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ هو الحَقُّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولَمْ يَنْظُرُوا لِأنْفُسِهِمْ ولا طَلَبُوا الحَقَّ كَما يَجِبُ، ولا بَحَثُوا عَنِ اللَّهِ كَما يَنْبَغِي. وهَذا هو التَّقْلِيدُ البَحْتُ، والقُصُورُ الخالِصُ. ثُمَّ قالَ: وإنَّ مِن أعْجَبِ الغَفْلَةِ وأعْظَمِ الذُّهُولِ عَنِ الحَقِّ، اخْتِيارُ المُقَلِّدَةِ لِآراءِ (p-٢٦٥٥)الرِّجالِ، مَعَ وُجُودِ كِتابِ اللَّهِ ووُجُودِ سُنَّةِ رَسُولِهِ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ، ووُجُودِ مَن يَأْخُذُونَهُما عَنْهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ووُجُودِ آلَةِ الفَهْمِ لَدَيْهِمْ، ومَلَكَةِ العَقْلِ عِنْدَهُمُ. انْتَهى.

ولَمّا نَفى ما تَقَوَّلُوهُ عَلَيْهِ، وأخْبَرَ أنَّهُ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ، بَيَّنَ ما أمَرَ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى

7:29Page 153

قُلۡ أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ ٢٩

Say, [O Muḥammad], "My Lord has ordered justice and that you direct yourselves [to the Qiblah] at every place [or time] of prostration, and invoke Him, sincere to Him in religion." Just as He originated you, you will return [to life] -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٩] ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾

﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ " أيْ: بِالعَدْلِ، ولِلسَّلَفِ فِيهِ هُنا وُجُوهٌ: ما ظَهَرَ في العُقُولِ كَوْنُهُ حَسَنًا، أوِ التَّوْحِيدُ، أوْ كَلِمَةُ الإخْلاصِ. وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ: جَمِيعُ الطّاعاتِ. قالَ الحاكِمُ: وهو الوَجْهُ: ولا يَخْفى أنَّ الجَمِيعَ مِمّا يَشْمَلُهُ (القِسْطُ) فَلا مُنافاةَ.

﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الأمْرِ الَّذِي يَنْحَلُّ إلَيْهِ المَصْدَرُ مَعَ (أنْ). أيْ: بِأنْ أقْسِطُوا وأقِيمُوا، والمَصْدَرُ يَنْحَلُّ إلى الماضِي والمُضارِعِ والأمْرِ، كَما نَقَلَهُ المُعْرِبُ. أوْ مَعْطُوفٌ عَلى " أمَرَ رَبِّي " أيْ: قُلْ أقِيمُوا.

قالَ الجُرْجانِيُّ: الأمْرُ مَعْطُوفٌ عَلى الخَبَرِ، لِأنَّ المَقْصُودَ لَفْظُهُ، أوْ لِأنَّهُ إنْشاءٌ مَعْنًى. انْتَهى.

والوُجُوهُ مَجازٌ عَنِ الذَّواتِ. ومَسْجِدٌ إمّا مَصْدَرٌ، والوَقْتُ مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ، و" عِنْدَ " بِمَعْنى (فِي)، أيْ: أقِيمُوا ذَواتِكم في كُلِّ وقْتِ سُجُودٍ، وذَلِكَ بِمَنعِها عَنْ الِالتِفاتِ إلى الغَيْرِ فِيهِ، وبِمُراعاةِ مُوافَقَةِ الأمْرِ مَعَ صِدْقِ النِّيَّةِ، أوْ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ فِيهِ، وإمّا اسْمُ زَمانٍ أوْ مَكانٍ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، أيْ في كُلِّ وقْتِ سُجُودٍ أوْ مَكانِهِ.

والسُّجُودُ عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ مَجازٌ عَنِ الصَّلاةِ، أوِ المَسْجِدُ هو المُصْطَلَحُ عَلَيْهِ، والمَعْنى: في أيِّ مَسْجِدٍ حَضَرَتْكُمُ الصَّلاةُ ولا تُؤَخِّرُوها حَتّى تَعُودُوا إلى مَساجِدِكُمْ، والأمْرُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلنَّدْبِ، قِيلَ: وهو لا يُناسِبُ المَقامَ، وإمّا عَلى ما قَبْلَهُ، فَهو لِلْوُجُوبِ.

وهَذِهِ الوُجُوهُ مُسْتَفادَةٌ مِمّا رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ. قالَ في (اللُّبابِ): مَعْنى الآيَةِ في قَوْلِ (p-٢٦٥٦)مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: وجِّهُوا وُجُوهَكم حَيْثُما كُنْتُمْ في الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: المَعْنى إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ وأنْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ فَصَلُّوا فِيها، ولا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: أُصَلِّي في مَسْجِدِي، أوْ مَسْجِدِ قَوْمِي، وقِيلَ مَعْناهُ اجْعَلُوا سُجُودَكم لِلَّهِ خالِصًا.

﴿وادْعُوهُ﴾ " أيِ: اعْبُدُوهُ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ " أيِ: الطّاعَةَ بِتَخْصِيصِها لَهُ، لِأنَّهُ اسْتَحَقَّ عِبادَتَكم بِإبْدائِهِ إيّاكُمْ، ولا يَسَعُكم تَرْكُها، إذْ إلَيْهِ عَوْدُكم بِالآخِرَةِ، فَإنَّهُ ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ " أيْ: كَما أنْشَأكُمُ ابْتِداءً، يُعِيدُكم إلَيْهِ أحْياءً، فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكُمْ، فَأخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ. وإنَّما شَبَّهَ الإعادَةَ بِالِابْتِداءِ، تَقْرِيرًا لِإمْكانِها والقُدْرَةِ عَلَيْها.

7:30Page 153

فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٠

A group [of you] He guided, and a group deserved [to be in] error. Indeed, they [i.e., the latter] had taken the devils as allies instead of Allāh while they thought that they were guided.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٠] ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾

﴿فَرِيقًا هَدى﴾ " بِأنْ وفَّقَهم لِلْإيمانِ ﴿وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ " وهُمُ الكافِرُونَ ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ﴾ " أيْ: أنْصارًا وأرْبابًا ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ " حَيْثُ أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ " أيْ: أنَّهم عَلى هِدايَةٍ وحَقٍّ فِيما اعْتَقَدُوا.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ مِن أبْيَنِ الدَّلالَةِ عَلى خَطَأِ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ رَكِبَها، أوْ ضَلالَةٍ اعْتَقَدَها، إلّا أنْ يَأْتِيَها بَعْدَ عِلْمٍ مِنهُ بِصَوابِ وجْهِها، فَيَرْكَبُها عِنادًا مِنهُ لِرَبِّهِ فِيها، لِأنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ فَرِيقِ الضَّلالَةِ الَّذِي ضَلَّ، وهو يَحْسَبُ أنَّهُ مُهْتَدٍ، وفَرِيقِ الهُدى فَرْقٌ، وقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ أسْمائِهِما وأحْكامِهِما في هَذِهِ الآيَةِ. انْتَهى.

(p-٢٦٥٧)وحاصِلُهُ، كَما قالَ القاضِي: إنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الكافِرَ المُخْطِئَ والمُعانِدَ سَواءٌ في اسْتِحْقاقِ الذَّمِّ.

قالَ القاضِي: ولِلْفارِقِ أنْ يَحْمِلَهُ عَلى المُقَصِّرِ في النَّظَرِ، أيْ: يَحْمِلُ الضَّمِيرَ في " اتَّخَذُوا " عَلى الكافِرِ المُقَصِّرِ في النَّظَرِ. وأمّا الَّذِينَ اجْتَهَدُوا وبَذَلُوا الوُسْعَ فَمَعْذُورُونَ، كَما هو مَذْهَبُ البَعْضِ- كَذا في (العِنايَةِ).

الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ والحُسْبانِ لا يَكْفِي في صِحَّةِ الدِّينِ، بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الجَزْمِ والقَطْعِ واليَقِينِ، لِأنَّهُ تَعالى عابَ الكُفّارَ بِأنَّهم يَحْسَبُونَ كَوْنَهم مُهْتَدِينَ. ولَوْلا أنَّ هَذا الحُسْبانَ مَذْمُومٌ، لَما ذَمَّهم بِذَلِكَ. انْتَهى.

قالَ المَهايِمِيُّ: ومِمّا حَسِبُوا فِيهِ أنَّهم مُهْتَدُونَ بِمُتابَعَةِ الشَّيْطانِ، تَرْكُهُمُ التَّزَيُّنَ والتَّلَذُّذَ مَعَ العِبادَةِ، فَطافُوا عُراةً، وتَرْكُهُمُ اللَّحْمَ والسُّمَّ مَعَ الإحْرامِ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском