Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:40–50
7:40Page 155
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤٠
Indeed, those who deny Our verses and are arrogant toward them - the gates of Heaven will not be opened for them, nor will they enter Paradise until a camel enters into the eye of a needle [i.e., never]. And thus do We recompense the criminals.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾
" ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ أيْ لا تُفْتَحُ لِأعْمالِهِمْ، ولا لِدُعائِهِمْ، ولا لِشَيْءٍ مِمّا يُرِيدُونَ بِهِ طاعَةَ اللَّهِ. أيْ: لا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنهم لِأنَّهُ لَيْسَ صالِحًا ولا طَيِّبًا، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: لا يُرْفَعُ لَهم مِنها عَمَلٌ صالِحٌ، ولا دُعاءٌ رَواهُ جَماعَةٌ عَنْهُ. وقالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ.
أوِ المَعْنى: لا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البَرَكَةُ والرَّحْمَةُ، ولا يُغاثُونَ، لِأنَّهُ أجْرى العادَةَ بِإنْزالِ الرَّحْمَةِ مِنَ السَّماءِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١] (p-٢٦٨٢)أوِ المَعْنى: لا يُؤْذَنُ لَهم في صُعُودِ السَّماءِ ولا يُطْرَقُ لَهم إلَيْها لِيَدْخُلُوا الجَنَّةَ، عَلى ما رُوِيَ أنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ.
أوِ المَعْنى لا تُفْتَحُ لِأرْواحِهِمْ إذا ماتُوا، أبْوابُ السَّماءِ، كَما تُفْتَحُ لِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ. رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ البَراءِ: ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ قَبْضَ رُوحِ الفاجِرِ، وأنَّهُ يُصْعَدُ بِها إلى السَّماءِ، فَيَصْعَدُونَ بِها، فَلا يَمُرُّونَ عَلى مَلَأٍ مِنَ المَلائِكَةِ إلّا قالُوا: ما هَذا الرُّوحُ الخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ فُلانٌ ! (بِأقْبَحِ أسْمائِهِ الَّتِي كانَ يُدْعى بِها في الدُّنْيا)، حَتّى يَنْتَهُوا بِها إلى السَّماءِ، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَلا يُفْتَحُ لَهُ. ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ الآيَةَ»» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَكَذا رَواهُ. وهو قِطْعَةٌ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ، رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ مُطَوَّلًا وأبُو داوُدَ والنِّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ مِن طُرُقٍ.
(p-٢٦٨٣)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الشِّهابُ كَوْنُ السَّماءِ لَها أبْوابٌ، وأنَّها تُفْتَحُ لِلدُّعاءِ الصّالِحِ، ولِلْأعْمالِ الصّاعِدَةِ أوَ لِلْأرْواحِ- وارِدٌ في النُّصُوصِ القُرْآنِيَّةِ، والأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلٍ. انْتَهى.
(p-٢٦٨٤)وهَذا عَلى قاعِدَةِ أهْلِ الظّاهِرِ في مِثْلِ ذَلِكَ، إلّا أنَّ الإطْلاقَ لا يَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ. والتَّنْزِيلُ الكَرِيمُ إنَّما ورَدَ عَلى مَناحٍ لِلْعَرَبِ مَعْرُوفَةٍ في لِسانِهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٢٦٨٥)الثّانِي: التَّضْعِيفُ في (تُفَتَّحُ)، لِتَكْثِيرِ المَفْعُولِ، لا الفِعْلِ لِعَدَمِ مُناسَبَةِ المَقامِ.
الثّالِثُ: قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ في (تُفْتَحُ)، وبِالتَّخْفِيفِ، والياءِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، ونَصْبِ الأبْوابِ، عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلْآياتِ مَجازًا، وبِالياءِ عَلى أنَّهُ لِلَّهِ تَعالى.
﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ﴾ أيْ: يَدْخُلَ ﴿الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ " أيْ ثُقْبِ الإبْرَةِ، وهو غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَكَذا دُخُولُهم.
لَطائِفُ:
الأُولى: قَرَأ الجُمْهُورُ (الجَمَلُ)، بِفَتْحِ الجِيمِ والمِيمِ، وفَسَّرُوهُ: بِأنَّهُ الجَمَلُ المَعْرُوفُ وهو البَعِيرُ. قالَ الفَرّاءُ: الجَمَلُ زَوْجُ النّاقَةِ، وقالَ شَمِرٌ: البِكْرُ والبِكْرَةُ بِمَنزِلَةِ الغُلامِ والجارِيَةِ، والجَمَلُ والنّاقَةُ بِمَنزِلَةِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ. وقُرِئَ في الشَّواذِّ (الجُمَّلُ)، كَسُكَّرٍ وصُرَدٍ وقُفْلٍ، وعُنُقٍ وجَبْلٍ بِمَعْنى حَبْلِ السَّفِينَةِ الغَلِيظِ الَّذِي يُقالُ لَهُ (القَلْسُ).
وقالَ أبُو البَقاءِ: يُقْرَأُ في الشّاذِّ بِسُكُونِ المِيمِ، والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ لُغَةً، لِأنَّ تَخْفِيفَ المَفْتُوحِ ضَعِيفٌ؛ ويُقْرَأُ بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ وتَشْدِيدِها، وهو الحَبْلُ الغَلِيظُ، وهو جَمْعٌ مِثْلَ صُوَّمٍ وقُوَّمٍ، ويُقْرَأُ بِضَمِّ الجِيمِ والمِيمِ مَعَ التَّخْفِيفِ وهو جَمْعٌ مِثْلُ أسَدٍ وأُسُدٍ؛ ويُقْرَأُ كَذَلِكَ إلّا أنَّ المِيمَ ساكِنَةٌ، وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ المَضْمُومِ. انْتَهى.
وذَكَرَ الكَواشِيُّ أنَّ القِراءاتِ المَذْكُورَةَ كُلَّها لُغاتٌ في البَعِيرِ، ما عَدا (جُمَّلًا) كَسُكَّرٍ وقُفْلٍ، ونُوقِشَ في ذَلِكَ. انْتَهى.
وقِراءَتُهُ (كَسُكَّرٍ) عَلى مَعْنى الحَبْلِ المَذْكُورِ، رَواها مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَها سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ اللَّهَ أحْسَنُ تَشْبِيهًا مِن أنْ يُشَبِّهَ بِالجَمَلِ، أنَّ الحَبْلَ مُناسِبٌ لِلْخَيْطِ الَّذِي يَسْلُكُ في سَمِّ الإبْرَةِ، والبَعِيرُ لا يُناسِبُهُ. إلّا أنَّ قِراءَةَ العامَّةِ أوْقَعُ، لِأنَّ سَمَّ الإبْرَةِ مَثَلٌ في ضِيقِ المَسْلَكِ، يُقالُ: أضْيَقُ مِن خَرْتِ الإبْرَةِ.
(p-٢٦٨٦)وقالُوا لِلدَّلِيلِ الماهِرِ (خِرِّيتٌ) لِلِابْتِداءِ بِهِ في المَضايِقِ المُشَبَّهَةِ بِأخْراتِ الإبَرِ، والجَمَلُ مَثَلٌ في عِظَمِ الجُرْمِ، قالَ:
؎جِسْمُ الجِمالِ وأحْلامُ العَصافِيرِ
إنَّ الرِّجالَ لَيْسُوا بِجَزَرٍ تُرادُ مِنهُمُ الأجْسامُ، فَقِيلَ: لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَكُونَ ما لا يَكُونُ أبَدًا مِن وُلُوجِ هَذا الحَيَوانِ، الَّذِي لا يَلِجُ إلّا في بابٍ واسِعٍ، وفي ثُقْبِ الإبْرَةِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الجَمَلِ؟ فَقالَ: زَوْجُ النّاقَةِ، اسْتِجْهالًا لِلسّائِلِ، وإشارَةً إلى أنَّ طَلَبَ مَعْنًى آخَرَ تَكَلُّفٌ. انْتَهى.
وحاصِلُهُ أنَّ الجَمَلَ لَمّا كانَ مَثَلًا في عِظَمِ الجِسْمِ، لِأنَّهُ أكْبَرُ الحَيَواناتِ جِسْمًا عِنْدَ العَرَبِ، وخَرْقُ الإبْرَةِ مَثَلًا في الضِّيقِ، ظَهَرَ التَّناسُبُ. عَلى أنَّ في إيثارِ الجَمَلِ، وهو مِمّا لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الوُلُوجُ في سَمِّ الإبْرَةِ مُبالَغَةً في اسْتِبْعادِ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ.
الثّانِيَةُ: السَّمُّ: الثُّقْبُ الضَّيِّقُ. قالَ أبُو البَقاءِ: بِفَتْحِ السِّينِ وضَمِّها، لُغَتانِ -انْتَهى.
وصَرَّحَ بِالتَّثْلِيثِ فِيهِ، وفي القاتِلِ المَعْرُوفِ، صاحِبُ القامُوسِ وغَيْرُهُ، إلّا أنَّهم قالُوا: المَشْهُورُ في الثُّقْبِ الفَتْحُ كَما في التَّنْزِيلِ، والأفْصَحُ في القاتِلِ الضَّمُّ.
(p-٢٦٨٧)قالَ العَلّامَةُ الفاسِيُّ: قالَ الزَّبِيدِيُّ: لَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِكَسْرِهِما، وكَأنَّها عامِّيَّةٌ.
قُلْتُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ ﴿فِي سَمِّ الخِياطِ﴾ " بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، وكَفى بِهِ مَرْجِعًا.
الثّالِثَةُ: (الخِياطُ) كَكِتابٍ ومِنبَرٍ، ما خِيطَ بِهِ الثَّوْبُ، والإبْرَةُ، كَذا في القامُوسِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (فِي سَمِّ المَخِيطِ). قالَ الشِّهابُ: بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها، كَما ذَكَرَهُ المُعْرِبُ، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ.
الرّابِعَةُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ﴾ " إلَخْ، جَوازُ فَرْضِ المُحالِ، والتَّعْلِيقُ عَلَيْهِ كَما يَقَعُ كَثِيرًا لِلْفُقَهاءِ. انْتَهى.
والتَّعْلِيقُ عَلى المُحالِ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، كَقَوْلِهِ:
؎إذا شابَ الغُرابُ أتَيْتُ أهْلِي ∗∗∗ وصارَ القارُ كاللَّبَنِ الحَلِيبِ
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ﴾ " أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ ﴿نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ " .
7:41Page 155
لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٞ وَمِن فَوۡقِهِمۡ غَوَاشٖۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١
They will have from Hell a bed and over them coverings [of fire]. And thus do We recompense the wrongdoers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١] ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾
﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ " أيْ: فَرْشٌ مِن تَحْتِهِمْ ﴿ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ " أيْ أغْطِيَةٌ، إذا أحاطَتْ بِهِمُ الخَطِيئَةُ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ " أيْ: بِالكُفْرِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهم بِالمُجْرِمِينَ تارَةً، وبِالظّالِمِينَ أُخْرى، إشْعارًا بِأنَّهم بِتَكْذِيبِهِمُ الآياتِ، اتَّصَفُوا بِكُلِّ واحِدٍ مِن ذَيْنِكَ الوَصْفَيْنِ القَبِيحَيْنِ.
وذَكَرَ الجُرْمَ مَعَ الحِرْمانِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، والظُّلْمَ مَعَ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ الحِرْمانِ المَذْكُورِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ الجَرائِمِ، ثُمَّ تَأثَّرَ تَعالى وعِيدُهُ بِوَعْدِهِ، عَلى سُنَّتِهِ في تَنْزِيلِهِ الكَرِيمِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
(p-٢٦٨٨)
7:42Page 155
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٤٢
But those who believed and did righteous deeds - We charge no soul except [within] its capacity. Those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
" ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ قالَ أبُو البَقاءِ: والَّذِينَ آمَنُوا مُبْتَدَأٌ، وفي الخَبَرِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ والتَّقْدِيرُ (مِنهُمْ)، فَحُذِفَ العائِدُ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]
والثّانِي: أنَّ الخَبَرَ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ " و﴿لا نُكَلِّفُ﴾ " مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما. انْتَهى.
وعَلى الثّانِي اقْتَصَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ. قالُوا: وسِرُّ الِاعْتِراضِ، التَّرْغِيبُ في اكْتِسابِ ما يُؤَدِّي إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ بِبَيانِ سُهُولَةِ مَنالِهِ، وتَيْسِيرِ تَحْصِيلِهِ، والَّذِي حَسَّنَهُ سَبْقُ العَمَلِ الصّالِحِ قَبْلَهُ، أيْ: وإذا عُلِمَ أنَّ مَبْنى التَّكْلِيفِ عَلى الوُسْعِ زادَتِ الرَّغْبَةُ في ذَلِكَ الِاكْتِسابِ، لِحُصُولِهِ بِما فِيهِ يُسْرٌ لا عُسْرٌ.
لَطِيفَةٌ:
الوُسْعُ: ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الإنْسانُ بِسُهُولَةٍ ويَسْتَمِرُّ. قالَهُ الرّازِيُّ، أخْذًا مِن قَوْلِ مُعاذٍ في الآيَةِ (يُسْرُها لا عُسْرُها)، قالَ: وأمّا أقْصى الطّاقَةِ فَيُسَمّى جَهْدًا لا وُسْعًا، وغَلَطَ مَن ظَنَّ أنَّ الوُسْعَ بَذْلُ المَجْهُودِ.
قُلْتُ: في القامُوسِ: الوُسْعُ (مُثَلَّثَةٌ) الجُدَّةُ والطّاقَةُ كالسِّعَةِ. وفِيهِ: الجُهْدُ الطّاقَةُ (ويُضَمُّ) والمَشَقَّةُ. انْتَهى.
قالَ ابْنُ الأثِيرِ: الجَهْدُ (بِالفَتْحِ) المَشَقَّةُ، وقِيلَ: المُبالَغَةُ والغايَةُ، وبِالضَّمِّ الوُسْعُ والطّاقَةُ، (p-٢٦٨٩)وقِيلَ: هُما لُغَتانِ في الوُسْعِ والطّاقَةِ، فَأمّا في المَشَقَّةِ والغايَةِ، فالفَتْحُ لا غَيْرُ. انْتَهى. وبِهِ يُعْلَمُ أنَّ ما جَرى عَلَيْهِ الرّازِيُّ قَوْلٌ لِلُّغَوِيِّينَ، لَيْسَ وِفاقًا.
7:43Page 155
وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٤٣
And We will have removed whatever is within their breasts of resentment,1 [while] flowing beneath them are rivers. And they will say, "Praise to Allāh, who has guided us to this; and we would never have been guided if Allāh had not guided us. Certainly the messengers of our Lord had come with the truth." And they will be called, "This is Paradise, which you have been made to inherit for what you used to do."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٣] ﴿ونَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
" ﴿ونَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ أيْ: نُخْرِجُ مِن قُلُوبِهِمْ أسْبابَ الحِقْدِ والحَسَدِ والعَدَواةِ، أوْ نُطَهِّرُها مِنها، حَتّى لا يَكُونَ بَيْنَهم إلّا التَّوادُّ والتَّعاطُفُ، وصِيغَةُ الماضِي لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِهِ وتَقَرُّرِهِ.
وتَقَرُّرُهُ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ أيْ لِما جَزاؤُهُ هَذا، أيْ: لِأسْبابِ هَذا العُلُوِّ، بِإرْسالِ الرُّسُلِ والتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ.
﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ ما كُنّا لَنُرْشَدُ لِذَلِكَ العَمَلِ الَّذِي هَذا ثَوابُهُ، لَوْلا أنْ وفَّقَنا اللَّهُ بِدَلائِلِهِ وألْطافِهِ وعِنايَتِهِ.
﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ أيْ: فاهْتَدَيْنا بِإرْشادِهِمْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَقُولُونَ ذَلِكَ، أيِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ " إلَخْ سُرُورًا واغْتِباطًا بِما نالُوا، وتَلَذُّذًا بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، لا تَقَرُّبًا ولا تَعَبُّدًا، كَما تَرى مَن رُزِقَ خَيْرًا في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، ولا يَتَمالَكُ أنْ لا يَقُولَهُ، لِلْفَرَحِ والتَّوْبَةِ.
﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أعْطَيْتُمُوها بِسَبَبِ أعْمالِكم في الدُّنْيا. فالمِيراثُ مَجازٌ عَنِ الإعْطاءِ، تُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ إشارَةً إلى أنَّ السَّبَبَ فِيهِ لَيْسَ مُوجَبًا، وإنْ كانَ سَبَبًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ، كَما أنَّ الإرْثَ مِلْكٌ بِدُونِ كَسْبٍ، وإنْ كانَ النَّسَبُ مَثَلًا سَبَبًا لَهُ. وعَلى ما تَقَرَّرَ، فَلا يُقالُ إنَّهُ مُعارِضٌ لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ««واعْلَمُوا أنَّ أحَدَكم لَنْ يُدْخِلَهُ عَمَلُهُ الجَنَّةَ ! قالُوا (p-٢٦٩٠)ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ»» .
ولا يَحْتاجُ إلى الجَوابِ عَنْهُ، ولا أنْ يُقالَ الباءُ لِلْعِوَضِ لا لِلسَّبَبِ، وهَذا تَنْجِيزٌ لِلْوَعْدِ بِإثابَةِ المُطِيعِ، لا بِالِاسْتِحْقاقِ والِاسْتِيجابِ، بَلْ هو بِمَحْضِ فَضْلِهِ تَعالى، كالإرْثِ -كَذا في العِنايَةِ-.
رَوى الإمامُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، نادى مُنادٍ إنَّ لَكم أنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَنْعَمُوا فَلا تَبْأسُوا أبَدًا»»، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ الآيَةَ.
7:44Page 156
وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤
And the companions of Paradise will call out to the companions of the Fire, "We have already found what our Lord promised us to be true. Have you found what your Lord promised to be true?" They will say, "Yes." Then an announcer will announce among them, "The curse of Allāh shall be upon the wrongdoers
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤] ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾
﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ " أيْ إذا اسْتَقَرُّوا في مَنازِلِهِمْ ﴿أصْحابَ النّارِ﴾ " تَوْبِيخًا (p-٢٦٩١)وتَحْسِيرًا لَهم ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ " حَيْثُ نِلْنا هَذِهِ المَراتِبَ العالِيَةَ ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ " مِن تَنْزِيلِكم إلى أسْفَلِ سافِلِينَ، لِاسْتِكْبارِكم عَلى الآياتِ والرُّسُلِ ﴿قالُوا نَعَمْ﴾ " أيْ وجَدْناهُ حَقًّا ﴿فَأذَّنَ﴾ " أيْ نادى ﴿مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ " أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لِيُسْمِعَهُمْ، زِيادَةً في شَماتَةِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ ونَدامَةِ الآخَرِ ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ " .
7:45Page 156
ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ كَٰفِرُونَ ٤٥
Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they were, concerning the Hereafter, disbelievers."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥] ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ " أيْ: يَمْنَعُونَ أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنْ دِينِهِ القَوِيمِ، الَّذِي بَيَّنَهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ، لِمَعْرِفَتِهِ وعِمارَةِ الدّارَيْنِ. ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ " أيْ: يَبْغُونَ لَها زَيْغًا ومَيْلًا عَمّا هي عَلَيْهِ، حَتّى لا يَتْبَعَها أحَدٌ.
﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ " أيْ: وهم بِلِقاءِ اللَّهِ في الدّارِ الآخِرَةِ جاحِدُونَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَلِهَذا لا يُبالُونَ، فَيَأْتُونَ المُنْكَرَ مِنَ القَوْلِ والعَمَلِ، لِأنَّهم لا يَرْجُونَ حِسابًا عَلَيْهِ ولا عِقابًا، فَهم شَرُّ النّاسِ.
7:46Page 156
وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ ٤٦
And between them will be a partition [i.e., wall], and on [its] elevations are men1 who recognize all2 by their mark. And they call out to the companions of Paradise, "Peace be upon you." They have not [yet] entered it, but they long intensely.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٦] ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهم ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾
﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ " أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ سُورٌ وسِتْرٌ، أوْ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، لِيَمْنَعَ وُصُولَ أثَرِ إحْداهُما إلى الأُخْرى.
وقَدْ سُمِّيَ هَذا الحِجابُ سُورًا في آيَةِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ [الحديد: ١٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ (p-٢٦٩٢)أيْ: عَلى أعْرافِ الحِجابِ وشُرُفاتِهِ وأعالِيهِ، وهو السُّورُ المَضْرُوبُ بَيْنَهُما، جَمْعُ عُرْفٍ، مُسْتَعارٌ مِن عُرْفِ الفَرَسِ، وعُرْفِ الدِّيكِ، وكُلُّ ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ عُرْفٌ، فَإنَّهُ بِظُهُورِهِ أعْرَفُ مِمّا انْخَفَضَ.
وقَدْ حَكى المُفَسِّرُونَ أقْوالًا كَثِيرَةً في رِجالِ الأعْرافِ، عَنِ التّابِعِينَ وغَيْرِهِمْ، أنَّهم فُضَلاءُ المُؤْمِنِينَ، أوْ هُمُ الشُّهَداءُ، أوِ الأنْبِياءُ، أوْ قَوْمٌ أُوذُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، فاطَّلَعُوا عَلى أعْدائِهِمْ لِيَشْمَتُوا بِهِمْ، فَعَرَفُوهم بِسِيماهُمْ، وسَلَّمُوا عَلى أهْلِ الجَنَّةِ. واللَّفْظُ، لِإبْهامِهِ، يَحْتَمِلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ السِّياقَ يَدُلُّ عَلى سُمُوِّ قَدْرِهِمْ، لا سِيَّما بِجَعْلِ مَنازِلِهِمُ الأعْرافَ، وهي الأعالِي، والشُّرَفُ، كَما تَقَدَّمَ ومَن ذُكِرَ كُلُّهم جَدِيرُونَ بِذَلِكَ -واللَّهُ أعْلَمُ-.
﴿يَعْرِفُونَ كُلا﴾ " أيْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ ﴿بِسِيماهُمْ﴾ " أيْ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي أعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِها، كَبَياضِ الوَجْهِ وسَوادِهِ.
فائِدَةٌ
السِّيما مَقْصُورَةٌ ومَمْدُودَةٌ، والسِّيمَةُ والسِّيمْياءُ بِكَسْرِهِنَّ العَلامَةُ.
قالَ القاضِي: السِّيمى فِعْلى مِن (سامَ إبِلَهُ)، إذا أرْسَلَها في المَرْعى مُعَلَّمَةً، أوْ مِن (وسَمَ) عَلى القَلْبِ كالجاهِ مِنَ (الوَجْهِ). انْتَهى.
وعَلى الثّانِي اقْتَصَرَ ابْنُ دُرَيْدٍ ﴿ونادَوْا﴾ " أيْ رِجالُ الأعْرافِ ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ " أيْ حِينَ رَأوْهم مِن أعْرافِهِمْ، وقَدْ عَرَفُوهم مِن سِيماهم أنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ ﴿أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ " بِطَرِيقِ الدُّعاءِ والتَّحِيَّةِ، أوْ بِطَرِيقِ الإخْبارِ بِنَجاتِهِمْ مِنَ المَكارِهِ.
والوَجْهُ الأوَّلُ هو المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيما رَواهُ عَنْهُ العَوْفِيُّ. قالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنْزَلَهُمُ اللَّهُ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ لِيَعْرِفُوا مَن في الجَنَّةِ والنّارِ، ولِيَعْرِفُوا أهْلَ النّارِ بِسَوادِ الوُجُوهِ، ويَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ أنْ يَجْعَلَهم مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ، وهم في ذَلِكَ يُحَيُّونَ أهْلَ الجَنَّةِ بِالسَّلامِ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ " الضَّمِيرانِ في الجُمْلَتَيْنِ لِأصْحابِ الأعْرافِ، والأُولى حالٌ مِنَ الواوِ، والثّانِيَةُ حالٌ مِن فاعِلِ " يَدْخُلُوها "، أيْ نادَوْهم وهم لَمْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ بَعْدُ، حالَ كَوْنِهِمْ طامِعِينَ في دُخُولِها، مُتَرَقِّبِينَ.
(p-٢٦٩٣)قالَ الجَشْمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قِيلَ: إذا كانَ أصْحابُ الأعْرافِ أفاضِلَ المُؤْمِنِينَ، فَلِمَ تَأخَّرَ دُخُولُهُمْ؟ قُلْنا: هم تَعَجَّلُوا اللَّذَّةَ بِالشَّماتَةِ مِنَ الأعْداءِ، وإنْ تَأخَّرَ دُخُولُهُمْ، لِظُهُورِ فَضْلِهِمْ، وجَلالَةِ طَرِيقِهِمْ إلى مَنازِلِهِمْ اهـ.
ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ " حالًا مِن " أصْحابِ الجَنَّةِ " أيْ نادَوْهم بِالسَّلامِ وهم في المَوْقِفِ عَلى طَمَعِ دُخُولِ الجَنَّةِ يُبَشِّرُونَهم بِالأمانِ والفَوْزِ مِنَ العَذابِ، إشارَةً إلى سَبْقِ أهْلِ الأعْرافِ عَلى غَيْرِهِمْ في دُخُولِ الجَنَّةِ، وعُلُوِّ مَنازِلِهِمْ عَلى سِواهم - واللَّهُ أعْلَمُ -.
وذَهَبَ أبُو مِجْلَزٍ إلى أنَّ الضَّمِيرَيْنِ لِأصْحابِ الجَنَّةِ، أيْ: نادى أهْلُ الأعْرافِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِالسَّلامِ، حالَ كَوْنِ أصْحابِ الجَنَّةِ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ في دُخُولِها، وهو وجْهٌ جَيِّدٌ. فالجُمْلَةُ الأُولى حالٌ مِنَ المَفْعُولِ وهو (أصْحابُ الجَنَّةِ)، والثّانِيَةُ حالٌ مِن فاعِلِ (يَدْخُلُوها).
7:47Page 156
۞ وَإِذَا صُرِفَتۡ أَبۡصَٰرُهُمۡ تِلۡقَآءَ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧
And when their eyes are turned toward the companions of the Fire, they say, "Our Lord, do not place us with the wrongdoing people."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧] ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهُمْ﴾ " أيْ: أبْصارُ أهْلِ الأعْرافِ أوْ أهْلِ الجَنَّةِ.
قالَ الجَشْمِيُّ: وإنَّما قالَ ﴿صُرِفَتْ﴾ " لِأنَّ نَظَرَهم إلى أهْلِ النّارِ نَظَرُ عَداوَةٍ، فَلا يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تُصْرَفَ وُجُوهُهم إلَيْهِمْ. فَأمّا أهْلُ الجَنَّةِ فَوُجُوهُهم إلَيْهِمْ سُرُورًا بِهِمْ، فَلا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ، وقِيلَ: لِأنَّهم مَعَ أهْلِ الجَنَّةِ بُعَداءُ مِن أهْلِ النّارِ، فَيَحْتاجُونَ إلى صَرْفِ أبْصارِهِمْ تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ.
ثُمَّ قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ الِاجْتِنابِ مِنَ الظُّلْمَةِ في الدُّنْيا، كَيْلا يَكُونَ مَعَهم في الآخِرَةِ -انْتَهى.
﴿تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ﴾ " أيْ: إلى جَهَنَّمَ ﴿قالُوا﴾ " مِن شِدَّةِ خَوْفِهِمْ تَعَوُّذًا بِاللَّهِ ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: في النّارِ. وقالَ أبُو السُّعُودِ: في وصْفِهِمْ (p-٢٦٩٤)بِالظُّلْمِ -دُونَ ما هم عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مِنَ العَذابِ وسُوءِ الحالِ الَّذِي هو المُوجِبُ لِلدُّعاءِ- إشْعارٌ بِأنَّ المَحْذُورَ عِنْدَهم لَيْسَ نَفْسَ العَذابِ فَقَطْ، بَلْ ما يُوجِبُهُ ويُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ.
7:48Page 156
وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٨
And the companions of the Elevations will call to men [within Hell] whom they recognize by their mark, saying, "Of no avail to you was your gathering1 and [the fact] that you were arrogant."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٨] ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾
" ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالا﴾ يَعْنِي مِن عُظَماءِ أهْلِ الضَّلالَةِ ﴿يَعْرِفُونَهم بِسِيماهُمْ﴾ " أيِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أعْيانِهِمْ وإنْ تَغَيَّرَتْ صُوَرُهم ﴿قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكُمْ﴾ أيْ: كَثْرَتُكم أوْ جَمْعُكم لِلْأمْوالِ الَّتِي تُدْفَعُ بِها الآفاتُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ " عَنِ الحَقِّ، أوْ عَلى الخَلْقِ. وقُرِئَ ( تَسْتَكْثِرُونَ) مِنَ الكَثْرَةِ، أيْ: مِنَ الأتْباعِ الَّذِينَ يُسْتَعانُ بِهِمْ في دَفْعِ المُلِمّاتِ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: يَعْنِي ما نَفَعَكم جَمْعُكم وعَشِيرَتُكم وتَجَرُّؤُكم عَلى الحَقِّ ولا اسْتِكْبارُكم وهَذا إمّا نَفْيٌ وإمّا اسْتِفْهامٌ وتَوْبِيخٌ، وهو أبْلَغُ وأفْحَمُ. ثُمَّ نَظَرُوا إلى الجَنَّةِ فَرَأوْا مِنَ الضُّعَفاءِ الَّذِينَ كانَ الكُفّارُ يَسْتَرْذِلُونَهم في الدُّنْيا، ويَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ لا يَخْتَصُّهم دُونَهم في الدُّنْيا، فَيَقُولُ لَهم أهْلُ الأعْرافِ.
7:49Page 156
أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٤٩
[Allāh will say], "Are these1 the ones whom you [inhabitants of Hell] swore that Allāh would never offer them mercy? Enter Paradise, [O people of the Elevations]. No fear will there be concerning you, nor will you grieve."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٩] ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾
﴿أهَؤُلاءِ﴾ " الضُّعَفاءُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ بِرَفْعِ دَرَجاتِهِمْ في الآخِرَةِ، فَها هم في الجَنَّةِ يَتَمَتَّعُونَ ويَتَنَعَّمُونَ، وفي رِياضِها يُحْبَرُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ أيْ: لا خَوْفٌ عَلَيْكم مِنَ (p-٢٦٩٥)العَذابِ النّازِلِ بِالكَفّارِ، ولا تَحْزَنُونَ كَحُزْنِ الكُفّارِ عَلى فَواتِ النَّعِيمِ، وهَذا إمّا مِن قَوْلِ أصْحابِ الأعْرافِ، يَتَآمَرُونَ بَيْنَهم بِدُخُولِ الجَنَّةِ بَعْدَ تَبْكِيتِ أهْلِ النّارِ، فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ؛ وإمّا مِن كَلامِ أهْلِ الأعْرافِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ يَقُولُونَ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، أوْ مِن تَتِمَّةِ مُخاطَبَةِ أهْلِ الأعْرافِ لِلرِّجالِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمُ: انْظُرُوا إلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، كَيْفَ نالُوها، حَيْثُ قِيلَ لَهم مِن قِبَلِهِ تَعالى: ادْخُلُوا الجَنَّةَ. وعَلى: كُلٍّ فالجُمْلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى قَوْلٍ مَحْذُوفٍ إيجازًا، لِلْعِلْمِ بِهِ.
لَطِيفَةٌ:
بَيَّنَ الزَّمَخْشَرِيُّ سِرَّ حَبْسِهِمْ عَلى الأعْرافِ، ثُمَّ إدْخالَهُمُ الجَنَّةَ أبْدَعَ بَيانٍ، فَقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُقالُ لِأصْحابِ الأعْرافِ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ يُحْبَسُوا عَلى الأعْرافِ، ويَنْظُرُوا إلى الفَرِيقَيْنِ، ويَعْرِفُوهم بِسِيماهُمْ، ويَقُولُوا ما يَقُولُونَ.
وفائِدَةُ ذَلِكَ بَيانُ أنَّ الجَزاءَ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، وأنَّ التَّقَدُّمَ والتَّأخُّرَ عَلى حَسَبِها، وأنَّ أحَدًا لا يَسْبِقُ عِنْدَ اللَّهِ إلّا بِسَبْقِهِ في العَمَلِ، ولا يَتَخَلَّفُ عِنْدَهُ إلّا بِتَخَلُّفِهِ فِيهِ، ولِيَرْغَبِ السّامِعُونَ في حالِ السّابِقِينَ ويَحْرِصُوا عَلى إحْرازِ قَصَبَتِهِمْ، ولِيَتَصَوَّرُوا أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُعْرَفُ ذَلِكَ اليَوْمَ بِسِيماهُ الَّتِي اسْتَوْجَبَ أنْ يُوسَمَ بِها مِن أهْلِ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَيَرْتَدِعُ المُسِيءُ عَنْ إساءَتِهِ، ويَزِيدُ المُحْسِنُ في إحْسانِهِ ولِيَعْلَمَ أنَّ العُصاةَ يُوَبِّخُهم كُلُّ أحَدٍ، حَتّى أقْصَرُ النّاسِ عَمَلًا -انْتَهى.
7:50Page 156
وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠
And the companions of the Fire will call to the companions of Paradise, "Pour upon us some water or from whatever Allāh has provided you." They will say, "Indeed, Allāh has forbidden them both to the disbelievers
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ذِلَّةَ أهْلِ النّارِ وسُؤالَهم أهْلَ الجَنَّةِ مِن شَرابِهِمْ وطَعامِهِمْ، بَعْدَ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ، وبَعْدَ ما أقْسَمُوا لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، وأنَّهم لا يُجابُونَ إلى ذَلِكَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٠] ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾
" ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ أيِ: الَّذِي (p-٢٦٩٦)رَحِمَكُمُ اللَّهُ بِهِ لِيُسْكِنَ حَرارَةَ النّارِ والعَطَشِ.
قالَ الجَشْمِيُّ: وذَكَرُوا لَفْظَ (الإفاضَةِ)، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ أعْلى مَكانًا. ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ " أيْ: مِنَ الأطْعِمَةِ والفَواكِهِ ﴿قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ: مَنَعَهُما عَنْهُمْ، لِأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، فَلَمْ يَشْكُرُوهُ، فَمَنَعَهم نِعَمَهُ في الآخِرَةِ. فالتَّحْرِيمُ تَحْرِيمُ مَنعٍ، لا تَحْرِيمُ تَعَبُّدٍ. ثُمَّ وصَفَ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences