Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:57–68
7:57Page 157
وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٥٧
And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall] until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٧] ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْـزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾
" ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أيْ قُدّامَ رَحْمَتِهِ الَّتِي هي المَطَرُ، فَإنَّ الصَّبا تُثِيرُ السَّحابَ، والشَّمالَ تَجْمَعُهُ والجَنُوبَ تَدُرُّهُ، والدَّبُّورَ تُفَرِّقُهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَـزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم: ٤٦] قالَ الثَّعالِبِيُّ: المُبَشِّراتُ الَّتِي تَأْتِي بِالسَّحابِ والغَيْثِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ أبُو البَقاءِ: يُقْرَأُ ((نُشُرًا)) بِالنُّونِ والشِّينِ مَضْمُومَتَيْنِ، وهو جَمْعٌ، وفي واحِدِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما ((نَشُورٌ)) مِثْلَ صَبُورٍ وصُبُرٍ، فَعَلى هَذِهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (فَعُولٌ) بِمَعْنى (فاعِلٍ)، أيْ: يَنْشُرُ الأرْضَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى (مَفْعُولٍ)، كَرَكُوبٍ بِمَعْنى مَرْكُوبٍ، أيْ: مَنشُورَةً بَعْدَ الطَّيِّ، أوْ مُنْشَرَةً أيْ: مُحْياةً، مِن قَوْلِكَ أنْشَرَ اللَّهُ المَيِّتَ فَهو مُنْشَرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ناشِرٍ، مِثْلَ بازِلٍ وبُزْلٍ. ويُقْرَأُ بِضَمِّ النُّونِ وإسْكانِ الشِّينِ عَلى تَخْفِيفِ المَضْمُومِ. ويُقْرَأُ نَشْرًا بِفَتْحِ النُّونِ وإسْكانِ الشِّينِ، وهو مَصْدَرُ نَشَرَ بَعْدَ الطَّيِّ، أوْ مِن قَوْلِكَ أنْشَرَ اللَّهُ المَيِّتَ فَنُشِرَ أيْ عاشَ. ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، أيْ ناشِرَةً، أوْ ذاتَ نَشْرٍ، كَما تَقُولُ: جاءَ رَكْضًا أيْ راكِضًا.
(p-٢٧٥٨)ويُقْرَأُ: بُشْرًا بِالباءِ وضَمَّتَيْنِ، وهو جَمْعُ بَشِيرٍ، مِثْلَ قَلِيبٍ وقُلُبٍ، ويُقْرَأُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِسُكُونِ الشِّينِ عَلى التَّخْفِيفِ. ويُقْرَأُ بُشْرى مِثْلَ حُبْلى، أيْ: ذاتُ بِشارَةٍ ويُقْرَأُ بَشْرًا بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الشِّينِ، وهو مَصْدَرُ بَشَرْتُهُ - أيْ: بِالتَّخْفِيفِ- إذا بَشَّرْتَهُ. انْتَهى.
﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ﴾ " أيْ: حَمَلَتْ ﴿سَحابًا ثِقالا﴾ " أيْ مِن كَثْرَةِ ما فِيها مِنَ الماءِ ﴿سُقْناهُ﴾ " أيِ السَّحابَ. قالَ الشِّهابُ: السَّحابُ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ واحِدِهِ بِالتّاءِ، كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ويُفْرَدُ وصْفُهُ، ويُجْمَعُ، وأهْلُ اللُّغَةِ تُسَمِّيهِ جَمْعًا، فَلِذا رُوعِيَ فِيهِ الوَجْهانِ، في وصْفِهِ وضَمِيرِهِ. انْتَهى. أيْ: أرْسَلْناهُ مَعَ أنَّ طَبْعَهُ الهُبُوطُ: ﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ " أيْ: لِأجْلِهِ ولِمَنفَعَتِهِ، أوْ لِإحْيائِهِ أوْ لِسَقْيِهِ. و(مَيِّتٍ)، قُرِئَ مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا ﴿فَأنْـزَلْنا بِهِ الماءَ﴾ " أيِ الضَّمِيرُ. والضَّمِيرُ في (بِهِ) لِلْبَلَدِ ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيِ المُخْتَلِفَةِ الأنْواعِ، مَعَ أنَّ ماءَها واحِدٌ. والمُرادُ (بِكُلِّ الثَّمَراتِ)، المُعْتادَةُ في كُلِّ بَلَدٍ تَخْرُجُ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أجْرى اللَّهُ العادَةَ بِها ودَبَّرَها.
والضَّمِيرُ في (بِهِ)، لِلْماءِ أوْ لِلْبَلَدِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ " أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ ﴿نُخْرِجُ المَوْتى﴾ " أيْ نُحْيِيها بَعْدَ صَيْرُورَتِها رَمِيمًا يَوْمَ القِيامَةِ، يُنَزِّلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ماءً مِنَ السَّماءِ، فَتُمْطِرُ الأرْضَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَتَنْبُتُ مِنهُ الأجْسادُ في قُبُورِها، كَما يَنْبُتُ الحَبُّ في الأرْضِ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ " أيْ إنَّما وصْفُنا ما وصَفْنا مِن هَذا التَّمْثِيلِ لِكَيْ تَتَذَكَّرُوا، مِن أحْوالِ الثَّمَراتِ الَّتِي أُعِيدَتْ إلى حالِها بَعْدَ تَلَفِها، أحْوالَ الآخِرَةِ، فَتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ، قَدَرَ عَلى هَذا بِلا رَيْبٍ.
تَنْبِيهٌ:
مِن أحْكامِ الآيَةِ كَما قالَ الجَشْمِيُّ: أنَّها تَدُلُّ عَلى عِظَمِ نِعَمِهِ تَعالى عَلَيْنا بِالمَطَرِ، وتَدُلُّ عَلى الحِجاجِ في إحْياءِ المَوْتى بِإحْياءِ الأرْضِ بِالنَّباتِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ مِنَ الجَمِيعِ التَّذَكُّرَ. وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ أجْرى العادَةَ بِإخْراجِ النَّباتِ بِالماءِ. وإلّا فَهو قادِرٌ عَلى إخْراجِهِ مِن غَيْرِ ماءٍ، فَأجْرى العادَةَ عَلى وُجُوهٍ دَبَّرَها عَلَيْها عَلى ما نُشاهِدُهُ، لِضَرْبٍ مِنَ المَصْلَحَةِ دِينًا ودُنْيا.
(p-٢٧٥٩)ومِنها إذا رَأى الأرْضَ الطَّيِّبَةَ تُزْرَعُ دُونَ الأرْضِ السَّبْخَةِ، وأنَّها قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ، عَلِمَ فَسادَ التَّقْلِيدِ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَتَفَحَّصَ عَنِ الحَقِّ حَتّى يَعْتَقِدَهُ. ومِنها أنَّهُ إذا زَرَعَ وعَلِمَ وُجُوبَ حِفْظِهِ مِنَ المُبْطِلاتِ، عَلِمَ وُجُوبَ حِفْظِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ مِنَ المُحْبَطاتِ.
7:58Page 158
وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗاۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَشۡكُرُونَ ٥٨
And the good land - its vegetation emerges by permission of its Lord; but that which is bad - nothing emerges except sparsely, with difficulty. Thus do We diversify the signs for a people who are grateful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٨] ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾
﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ أيِ: الأرْضُ الكَرِيمَةُ التُّرْبَةِ ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ أيْ يَخْرُجُ نَباتُهُ وافِيًا حَسَنًا غَزِيرَ النَّفْعِ بِمَشِيئَتِهِ وتَيْسِيرِهِ ﴿والَّذِي خَبُثَ﴾ " أيْ كالحُرَّةِ، وهي الأرْضُ ذاتُ الحِجارَةِ السُّودِ. وكالسَّبِخَةِ (بِكَسْرِ الباءِ)، وهي الأرْضُ ذاتُ المِلْحِ ﴿لا يَخْرُجُ﴾ " أيْ: نَباتُهُ ﴿إلا نَكِدًا﴾ " أيْ: قَلِيلًا، عَدِيمَ النَّفْعِ. يُقالُ: عَطاءٌ نَكِدٌ، أيْ قَلِيلٌ لا خَيْرَ فِيهِ، وكَذا رَجُلٌ نَكِدٌ. قالَ:
؎فَأعْطِ ما أعْطَيْتَهُ طَيِّبًا لا خَيْرَ في المَنكُودِ والنّاكِدِ
وقالَ:
؎لا تُنْجِزِ الوَعْدَ إنْ وعَدْتَ وإنْ ∗∗∗ أعْطَيْتَ، أعْطَيْتَ تافِهًا نَكِدًا
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في الآيَةِ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُؤْمِنُ سَمِعَ كِتابَ اللَّهِ فَوَعاهُ بِعَقْلِهِ، وانْتَفَعَ بِهِ، كالأرْضِ الطَّيِّبَةِ أصابَها الغَيْثُ فَأنْبَتَتْ، والكافِرُ بِخِلافِ ذَلِكَ، وهَذا كَما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ، أصابَ (p-٢٧٦٠)أرْضًا، فَكانَتْ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا، وأصابَ مِنها طائِفَةً أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقِهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»» .
لَطِيفَةٌ:
قالَ أبُو البَقاءِ: يُقْرَأُ ((يَخْرُجُ نَباتُهُ)) بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ ورَفْعِ النَّباتِ. ويُقْرَأُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِضَمِّ الياءِ، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. ويُقْرَأُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ ونَصْبِ النَّباتِ أيْ: فَيُخْرِجُ اللَّهُ أوِ الماءُ. ثُمَّ قالَ: ويُقْرَأُ ﴿نَكِدًا﴾ " بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الكافِ، وهو حالٌ، ويُقْرَأُ بِفَتْحِهِما عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أيْ: ذا نَكِدٍ. ويُقْرَأُ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الكافِ وهو مَصْدَرٌ أيْضًا، وهو لُغَةٌ ويُقْرَأُ يُخْرِجُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ، ونَكِدًا مَفْعُولُهُ.
﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ " أيْ: نُبَيِّنُ وُجُوهَ الحُجَجِ ونُرَدِّدُها ونُكَرِّرُها ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ " يَعْنِي كَما ضَرَبْنا هَذا المَثَلَ، كَذَلِكَ نُبَيِّنُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى التَّوْحِيدِ والإيمانِ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، وحُجَّةً بَعْدَ حُجَّةٍ، لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ، وأنْ جَنَّبَهم سَبِيلَ الضَّلالَةِ، وإنَّما خَصَّ الشّاكِرِينَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِسَماعِ القُرْآنِ.
7:59Page 158
لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥٩
We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. Indeed, I fear for you the punishment of a tremendous Day."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٩] ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ " اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ قِصَّةَ آدَمَ، وما اتَّصَلَ بِها مِن آثارِ قُدْرَتِهِ، وغَرائِبِ صَنْعَتِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، وأقامَ الحُجَّةَ الدّامِغَةَ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ- أتْبَعَ ذَلِكَ بِقِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما جَرى لَهم مَعَ أُمَمِهِمْ.
قالَ الرّازِيُّ: وفِيهِ فَوائِدُ:
(p-٢٧٦١)أحَدُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ إعْراضَ النّاسِ عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، لَيْسَ مِن خَواصِّ قَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ، بَلْ هَذِهِ العادَةُ المَذْمُومَةُ كانَتْ حاصِلَةً في جَمِيعِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والمُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ، فَكانَ ذِكْرُ قِصَصِهِمْ، وحِكايَةُ إصْرارِهِمْ وعِنادِهِمْ، يُفِيدُ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وتَخْفِيفَ ذَلِكَ عَلى قَلْبِهِ.
ثانِيها: أنَّهُ تَعالى يَحْكِي في هَذِهِ القِصَصِ أنَّ عاقِبَةَ أمْرِ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ كانَ إلى اللَّعْنِ في الدُّنْيا، والخَسارَةِ في الآخِرَةِ، وعاقِبَةُ أمْرِ المُحِقِّينَ إلى الدَّوْلَةِ في الدُّنْيا والسَّعادَةِ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ يُقَوِّي قُلُوبَ المُحِقِّينَ، ويَكْسِرُ قُلُوبَ المُبْطِلِينَ.
وثالِثُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى، وإنْ كانَ يُمْهِلُ هَؤُلاءِ المُبْطِلِينَ، ولَكِنَّهُ لا يُهْمِلُهُمْ، بَلْ يَنْتَقِمُ مِنها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ.
ورابِعُها: بَيانُ أنَّ هَذِهِ القِصَصَ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، لِأنَّهُ كانَ أُمِّيًّا، وما طالَعَ كِتابًا، ولا تَلْمَذَ أُسْتاذًا.
فَإذا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَصَ عَلى الوَجْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا خَطَأٍ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما عَرَّفَها بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
ونُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هو ابْنُ لامَكَ بْنِ مَتُوشالَحَ بْنِ أخْنَوْخَ بْنِ يارَدَ بْنِ مَهْلَئِيلَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. هَكَذا نَسَبَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ، وأصْلُهُ مِنَ التَّوْراةِ.
ومَعْنى (أرْسَلْنا): بَعَثْنا، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ بَعْدَ إدْرِيسَ. كَذا في (اللُّبابِ). وإدْرِيسُ هو أخْنَوْخَ فِيما يَزْعُمُونَ.
قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ولَمْ يَلْقَ نَبِيٌّ مِن قَوْمِهِ مِنَ الأذى مِثْلَ نُوحٍ، إلّا نَبِيٌّ قُتِلَ، وقالَ يَزِيدُ الرَّقاشِيُّ: إنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِكَثْرَةِ ما ناحَ عَلى نَفْسِهِ. انْتَهى.
وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ ما ذَكَرَهُ، لَوْ كانَ نُوحٌ لَقَبًا مَعَ وُجُودِ اسْمٍ لَهُ غَيْرِهِ، واللَّفْظُ عَرَبِيٌّ، لِمُناسَبَةِ الِاشْتِقاقِ. أمّا وهو اسْمُهُ الوَضْعِيُّ، واللَّفْظُ غَيْرُ عَرَبِيٍّ، فَلا. وفي كِتابِ (تَأْوِيلُ الأسْماءِ الواقِعَةِ في الكُتُبِ السّالِفَةِ) أنَّ نُوحًا مَعْناهُ راحَةُ أوْ سُلْوانُ، فَتَثَبَّتْ.
(p-٢٧٦٢)وكانَ، قَبْلَ بَعْثَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، قَوْمٌ عَرَفُوا اللَّهَ وعَبَدُوهُ خُصُوصًا في عائِلَةِ شِيثَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ فَسَدَ نَسْلُ شِيثَ أيْضًا، واخْتَلَطُوا مَعَ الأشْرارِ، وامْتَلَأتِ الأرْضُ مِن جَرائِمِهِمْ، وزاغُوا عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وصارُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ والأصْنامَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، لِيَدُلَّهم عَلى طَرِيقِ الرَّشادِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُ واحِدٍ مِن عُلَماءِ التَّفْسِيرِ: كانَ أوَّلَ ما عُبِدَتِ الأصْنامُ أنَّ قَوْمًا صالِحِينَ ماتُوا، فَبَنى قَوْمُهم عَلَيْهِمْ مَساجِدَ، وصَوَّرُوا صُوَرَ أُولَئِكَ فِيها، لِيَتَذَكَّرُوا حالَهم وعِبادَتَهم فَيَتَشَبَّهُوا بِهِمْ. فَلَمّا طالَ الزَّمانُ جَعَلُوا أجْسادًا عَلى تِلْكَ الصُّوَرِ، فَلَمّا تَمادى الزَّمانُ عَبَدُوا تِلْكَ الأصْنامَ وسَمَّوْها بِأسْماءِ أُولَئِكَ الصّالِحِينَ: ودًّا وسِواعًا ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا، فَلَمّا تَفاقَمَ الأمْرُ بَعَثَ اللَّهُ سُبْحانَهُ - ولَهُ الحَمْدُ والمِنَّةُ - رَسُولَهُ نُوحًا فَأمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿فَقالَ يا قَوْمِ﴾ " أيِ: الَّذِينَ حَقُّهم أنْ يُشارِكُونِي في كَمالاتِي ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ﴾ " أيْ: مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ في الوُجُودِ ﴿غَيْرُهُ﴾ "، قُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، فالرَّفْعُ صِفَةٌ لِإلَهِ، بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ الَّذِي هو الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوِ الفاعِلِيَّةِ، وبِالجَرِّ عَلى اللَّفْظِ، وبِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وحُكْمُ (غَيْرِ)، حُكْمُ الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ (إلّا)، أيْ: ما لَكم مِن إلَهٍ إلّا إيّاهُ.
﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ " أيْ: إنْ تَرَكْتُمْ عِبادَتَهُ أوْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ " هو يَوْمُ القِيامَةِ إذا لَقِيتُمُ اللَّهَ وأنْتُمْ مُشْرِكُونَ بِهِ، أوْ يَوْمُ نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، وهو الطُّوفانُ.
ووَصْفُ اليَوْمِ بِ(العِظَمِ) لِبَيانِ عِظَمِ ما يَقَعُ فِيهِ، وتَكْمِيلِ الإنْذارِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَما مَوْقِعُ الجُمْلَتَيْنِ بَعْدَ قَوْلِهِ: " اعْبُدُوا اللَّهَ " ؟ قُلْتُ: الأُولى: بَيانٌ لِوَجْهِ اخْتِصاصِهِ بِالعِبادَةِ، والثّانِيَةُ: بَيانٌ لِلدّاعِي إلى عِبادَتِهِ، لِأنَّهُ هو المَحْذُورُ عِقابُهُ، دُونَ ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ.
(p-٢٧٦٣)
7:60Page 158
قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٦٠
Said the eminent among his people, "Indeed, we see you in clear error."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٠] ﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ﴾ " أيِ: الأشْرافُ، أوِ الجَماعَةُ، أوْ ذَوُو الشّارَةِ والتَّجَمُّعِ. ﴿إنّا لَنَراكَ﴾ " أيْ: بِأمْرِكَ بِعِبادَةِ اللَّهِ، وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ وتَخْوِيفِ العَذابِ عَلى تَرْكِ عِبادَةِ اللَّهِ، وعَلى عِبادَةِ غَيْرِهِ. ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ " أيْ: في ذَهابٍ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والصَّوابِ، لِكَوْنِهِ خِلافَ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا حالُ الفُجّارِ، إنَّما يَرَوْنَ الأبْرارَ في ضَلالَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
7:61Page 158
قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي ضَلَٰلَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦١
[Noah] said, "O my people, there is not error in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦١] ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ " .
7:62Page 158
أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمۡ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٢
I convey to you the messages of my Lord and advise you; and I know from Allāh what you do not know.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٢] ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ " أيْ: ما أُوحِيَ إلَيَّ في الأوْقاتِ المُتَطاوِلَةِ، أوْ في المَعانِي المُخْتَلِفَةِ، مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، والمَواعِظِ والزَّواجِرِ، والبَشائِرِ والنَّذائِرِ. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ رِسالاتِهِ إلَيْهِ وإلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ مِن صُحُفِ جَدِّهِ، إدْرِيسَ، فَهَذا نُكْتَةٌ جَمْعُ (الرِّسالاتِ)، وإلّا فَرِسالَةُ كُلِّ نَبِيٍّ واحِدَةٍ، وهي مَصْدَرُ، والأصْلُ فِيهِ أنْ لا يَجْمَعَ، فَجَمْعٌ لِما ذُكِرَ.
(p-٢٧٦٤)﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ " وأقْصِدُ صَلاحَكم بِإخْلاصٍ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي لا تُعْلَمُ إلّا مِن طَرِيقِ الوَحْيِ، أشْياءَ لا عِلْمَ لَكم بِها، أوْ أعْلَمُ مِن قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، وشِدَّةِ بَطْشِهِ عَلى أعْدائِهِ، وأنَّ بَأْسَهُ لا يُرَدُّ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ما لا تَعْلَمُونَهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا شَأْنُ الرَّسُولِ أنْ يَكُونَ مُبَلِّغًا فَصِيحًا ناصِحًا عالِمًا بِاللَّهِ، لا يُدْرِكُهُ أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ في هَذِهِ الصِّفاتِ، كَما جاءَ في صَحِيحٍ مُسْلِمٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وهم أوْفَرُ ما كانُوا وأكْثَرُ جَمِيعًا: «أيُّها النّاسُ ! إنَّكم مَسْؤُولُونَ عَنِّي، فَما أنْتُمْ قائِلُونَ؟ قالُوا نَشْهَدُ أنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وأدَّيْتَ ونَصَحْتَ. فَجَعَلَ يَرْفَعُ إصْبَعَهُ إلى السَّماءِ، ويُنَكِّسُها عَلَيْهِمْ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ اشْهَدِ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ»» .
7:63Page 158
أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٦٣
Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you and that you may fear Allāh so you might receive mercy?"
(p-٢٧٦٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٣] ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ﴾ " أيْ: مَوْعِظَةٌ ﴿مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ " أيْ: مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا ﴿ولِتَتَّقُوا﴾ " أيْ: ولِيُوجَدَ مِنكُمُ التَّقْوى، وهي الخَشْيَةُ بِسَبَبِ الإنْذارِ، ﴿ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ " أيْ: ولِتُرْحَمُوا بِالتَّقْوى إنْ وُجِدَتْ مِنكم.
7:64Page 158
فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ ٦٤
But they denied him, so We saved him and those who were with him in the ship. And We drowned those who denied Our signs. Indeed, they were a blind people.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٤] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ " أيْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ مَعَ طُولِ مُدَّةِ إقامَتِهِ فِيهِمْ ولَمْ يُؤْمِن مَعَهُ مِنهم إلّا قَلِيلٌ ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ، فَلَمْ يَسْتَبْصِرُوا الحَقَّ ولَمْ يَسْتَنِيرُوا بِنُورِ الوَحْيِ الَّذِي هو كالشَّمْسِ، ولا بِظُهُورِ الآياتِ، ولا بِآيَةِ الطُّوفانِ المُغْرِقِ لَهُمْ، بَعْدَ إنْذارِهِ بِهِ، عَلى تَكْذِيبِهِمْ، والعَمى ذَهابُ بَصَرِ العَيْنَيْنِ، وبَصَرِ القَلْبِ. يُقالُ: عَمِيَ فَهو أعْمى وعَمٍ، كَما في القامُوسِ.
وكانَ مِن أمْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّ قَوْمَهُ، لَمّا أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ، وتَمادَوْا عَلى العِصْيانِ، وعِبادَةِ الأوْثانِ، وطالَ عَلَيْهِ أمْرُهُمْ، شَكاهم إلى اللَّهِ تَعالى، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّهُ: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وهم ناسٌ قَلِيلٌ، فَحِينَئِذٍ دَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ يَصْنَعَ السَّفِينَةَ، وصارَ قَوْمُهُ يَسْخَرُونَ مِنهُ، ويَقُولُونَ: يا نُوحُ ! قَدْ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَ النُّبُوَّةِ ! فَقالَ: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨] ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ (p-٢٧٦٦)عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٩] فَلَمّا فَرَغَ مِن صُنْعِ السَّفِينَةِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَحْمِلَ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ مِن أنْواعِ الحَيَواناتِ، حَتّى لا يَنْقَطِعَ نَسْلُها. وحَشَرَها إلَيْهِ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ولَمّا رَأى فَوَرانَ التَّنُّورِ، وكانَ هو العَلامَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى في ابْتِداءِ الطُّوفانِ، رَكِبَ الفُلْكَ هو ومَن آمَنَ مَعَهُ، وحَمَلَ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، وأمَرَ اللَّهُ تَعالى السَّماءَ أنْ تُمْطِرَ. والأرْضَ أنْ تَتَفَجَّرَ عُيُونًا، وارْتَفَعَ الماءُ في هَذا الطُّوفانِ فَوْقَ رُؤُوسِ الجِبالِ، فَهَلَكَ جَمِيعُ ما عَلى الأرْضِ مِن جِنْسِ الحَيَوانِ، ولَمْ يَبْقَ حَيًّا غَيْرُ أهْلِ السَّفِينَةِ.
وفِي التَّوْراةِ: أنَّ الأمْطارَ هَطَلَتْ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً دُونَ انْقِطاعٍ، حَتّى غَمَرَتِ المِياهُ وجْهَ الأرْضِ، وعَلَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا فَوْقَ الجِبالِ الشّامِخَةِ، وهَلَكَ بِالطُّوفانِ كُلُّ جِسْمٍ حَيٍّ. ثُمَّ أرْسَلَ اللَّهُ رِيحًا عاصِفَةً، فانْقَطَعَتِ الأمْطارُ ونَقَصَتِ المِياهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وقَضى نُوحٌ سَنَةً كامِلَةً داخِلَ الفُلْكِ، وحِينَ خُرُوجِهِ مِنهُ بَنى مَذْبَحًا لِلْقَرابِينِ، شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى، وتَناسَلَتِ النّاسُ مِن أوْلادِ نُوحٍ الثَّلاثَةِ: سامٍ وحامٍ ويافِثَ. وتَوَطَّنَ سامٌ بِلادَ آسِيَةَ، وأقامَ حامٌ بِنَواحِي إفْرِيقِيَّةَ، وسَكَنَ يافِثُ الدِّيارَ الأُورُوبِّيَّةِ -واللَّهُ أعْلَمُ-.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: في الآياتِ فَوائِدُ مِنها: أنَّ نُوحًا دَعاهم أوَّلًا إلى التَّوْحِيدِ، والرَّسُولُ وإنْ حَمَلَ الشَّرائِعَ، فَلا طَرِيقَ لَهُ إلى بَيانِ الشَّرائِعِ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِالتَّوْحِيدِ. ولِأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ إلّا بَعْدَ اعْتِقادِ التَّوْحِيدِ، فَلِذَلِكَ بَدَأ بِهِ. وجَمِيعُ الرُّسُلِ بَدَؤُوا بِالتَّوْحِيدِ ثُمَّ بِالشَّرائِعِ، ولِذَلِكَ كانَ أكْثَرُ حِجاجِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَكَّةَ، في التَّوْحِيدِ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ أنَّهُ انْتَقَمَ لِأوْلِيائِهِ مِن أعْدائِهِ، وأنْجى رَسُولَهُ (p-٢٧٦٧)والمُؤْمِنِينَ، وأهْلَكَ أعْداءَهُمُ الكافِرِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] الآيَةَ، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في عِبادِهِ، في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، والظَّفَرَ والغَلَبَ لَهُمْ، كَما أهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ بِالغَرَقِ، ونَجّى نُوحًا وأصْحابَهُ المُؤْمِنِينَ.
قالَ مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: كانَ قَوْمُ نُوحٍ قَدْ ضاقَ بِهِمُ السَّهْلُ والجَبَلُ. وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: ما عَذَّبَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحِ إلّا والأرْضُ مَلْأى بِهِمْ، ولَيْسَ بُقْعَةٌ مِنَ الأرْضِ إلّا ولَها مالِكٌ وحائِزٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
7:65Page 158
۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٦٥
And to the ʿAad [We sent] their brother Hūd. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. Then will you not fear Him?"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٥] ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾
﴿وإلى عادٍ﴾ " مُتَعَلِّقٍ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أرْسَلْنا﴾ [الأعراف: ٥٩] " في قِصَّةِ نُوحٍ. أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ، وهي قَبِيلَةٌ كانَتْ تَعْبُدُ الأصْنامَ، وكانَتْ ذاتَ بَسْطَةٍ وقُوَّةٍ، قَهَرُوا النّاسَ بِفَضْلِ القُوَّةِ.
قالَ الشِّهابُ: (عادٌ) اسْمُ أبِيهِمْ سُمِّيَتْ بِهِ القَبِيلَةُ أوِ الحَيُّ فَيَجُوزُ صَرْفُهُ وعَدَمُهُ، كَثَمُودَ - كَما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ -.
قالَ اللَّيْثُ: وعادٌ الأُولى، هم عادُ بْنُ عادِيا بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ.
قالَ زُهَيْرٌ:
؎وأهْلَكَ لُقْمانَ بْنَ عادٍ وعادِيا
(p-٢٧٦٨)وأمّا عادٌ الأخِيرَةُ فَهو بَنُو تَمِيمٍ، يَنْزِلُونَ رِمالَ عالِجَ.
وفِي (كِتابِ الأنْسابِ): عادٌ هو ابْنُ عُوصَ بْنِ إرَمِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، كانَ يَعْبُدُ القَمَرَ، ويُقالُ إنَّهُ رَأى مِن صُلْبِهِ وأوْلادِ أوْلادِهِ أرْبَعَةَ آلافٍ، وأنَّهُ نَكَحَ ألْفَ جارِيَةٍ، وكانَتْ بِلادُهم إرَمَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ، وهي مِن عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ. ومِن أوْلادِهِ شَدّادُ بْنُ عادٍ صاحِبِ المَدِينَةِ المَذْكُورَةِ، كَذا في تاجِ العَرُوسِ.
وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْمُ عادٍ كانَتْ مَنازِلُهم في الرِّمالِ وهي الأحْقافُ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الأحْقافُ رَمْلٌ فِيما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخاهم هُودًا﴾ " أيْ أخاهم في النَّسَبِ، لِأنَّهُ مِنهُمْ، في قَوْلِ النَّسّابِينَ. وقِيلَ: النّاسُ كُلُّهم إخْوَةٌ في النَّسَبِ، لِأنَّهم ولَدُ آدَمَ وحَوّاءَ، فالمُرادُ صاحِبُهُمْ، وواحِدٌ في جُمْلَتِهِمْ، (p-٢٧٦٩)كَما يُقالُ: يا أخا العَرَبِ، لِلْواحِدِ مِنهُمْ، وإنَّما أُرْسِلَ مِنهُمْ، لِأنَّهم أفْهَمُ لِقَوْلِهِ مِن قَوْلِ غَيْرِهِ، وأعْرَفُ بِحالِهِ في صِدْقِهِ وأمانَتِهِ وشَرَفِ أصْلِهِ، وأرْغَبُ في اقْتِفائِهِ.
قالَ الشِّهابُ: اشْتُهِرَ أنَّ هُودًا عَرَبِيٌّ، وظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ أعْجَمِيٌّ، ويَشْهَدُ لَهُ ما قِيلَ: إنَّ أوَّلَ العَرَبِ يَعْرُبُ. انْتَهى.
وهُودٌ هو -عَلى ما قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ابْنُ شالِخَ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ. ويُقالُ غَيْرُ ذَلِكَ -واللَّهُ أعْلَمُ-.
ورَوى ابْنُ إسْحاقَ بْنِ عامِرِ بْنِ واثِلَةَ، قالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ لِرَجُلٍ مِن حَضْرَمَوْتَ: هَلْ رَأيْتَ كَثِيبًا أحْمَرَ يُخالِطُهُ مَدَرَةٌ حَمْراءُ، ذا أراكٍ وسِدْرٍ كَثِيرٍ، بِناحِيَةِ كَذا وكَذا، مِن أرْضِ حَضْرَمَوْتَ، هَلْ رَأيْتَهُ؟ قالَ: نَعَمْ، يا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ! واللَّهُ إنَّكَ لَتَنْعَتُهُ نَعْتَ رَجُلٍ قَدْ رَآهُ ! قالَ: لا، ولَكِنِّي قَدْ حُدِّثْتُ عَنْهُ، فَقالَ الحَضْرَمِيُّ: وما شَأْنُهُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قالَ: فِيهِ قَبْرُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ -ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ -. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا فِيهِ فائِدَةُ أنَّ مَساكِنَهم كانَتْ بِاليَمَنِ، فَإذا هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ دُفِنَ هُناكَ. وقالَ: إنَّهم كانُوا يَأْوُونَ إلى العُمُدِ في البَرِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ [الفجر: ٦] ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ [الفجر: ٨] وذَلِكَ لِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] ولِذا دَعاهم هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، وإلى طاعَتِهِ وتَقْواهُ، كَما قالَ تَعالى. ﴿قالَ﴾ " أيْ: هُودٌ ﴿يا قَوْمِ﴾ " أيِ الَّذِينَ حَقُّهم أنْ يَكُونُوا مِثْلِي ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ " أيْ: وحْدَهُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ " أيْ: تَخافُونَ عَذابَهُ.
(p-٢٧٧٠)
7:66Page 158
قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي سَفَاهَةٖ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦٦
Said the eminent ones who disbelieved among his people, "Indeed, we see you in foolishness, and indeed, we think you are of the liars."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٦] ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾
" ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ أيْ: في خِفَّةِ حِلْمٍ، وسَخافَةِ عَقْلٍ، حَيْثُ تَهْجُرُ دِينَ قَوْمِكَ إلى دِينٍ آخَرَ، وجَعَلْتَ السَّفاهَةَ ظُرْفًا عَلى طَرِيقِ المَجازِ، أرادُوا أنَّهُ مُتَمَكِّنٌ فِيها، غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْها ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ " أيْ: في ادِّعائِكَ الرِّسالَةَ، إذِ اسْتَبْعَدُوا أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ أحَدًا مِن أهْلِ الأرْضِ إلَيْهِمْ.
7:67Page 158
قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي سَفَاهَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٧
[Hūd] said, "O my people, there is not foolishness in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٧] ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: إلَيْكُمْ، لِإصْلاحِ أمْرِ نَشْأتَيْكم.
7:68Page 159
أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنَا۠ لَكُمۡ نَاصِحٌ أَمِينٌ ٦٨
I convey to you the messages of my Lord, and I am to you a trustworthy adviser.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦٨] ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾
" ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ أيْ: ناصِحٌ لَكم فِيما آمُرُكم بِهِ مِن عِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، وأمِينٌ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، لا أكْذِبُ فِيهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences