Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:82–88
7:82Page 161
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ ٨٢
But the answer of his people was only that they said, "Evict them from your city! Indeed, they are men who keep themselves pure."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢] ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾
﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ " أيِ: المُسْتَكْبِرِينَ في مُقابَلَةِ نُصْحِهِ، ﴿إلا أنْ قالُوا (p-٢٨٠٢)أخْرِجُوهُمْ﴾ " أيْ: لُوطًا والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ ﴿مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ " أيْ: بَلَدِكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ما أجابُوهُ بِما يَكُونُ جَوابًا عَمّا كَلَّمَهم بِهِ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إنْكارِ الفاحِشَةِ، وتَعْظِيمِ أمْرِها، ووَسَمَهم بِسِمَةِ الإسْرافِ الَّذِي هو أصْلُ الشَّرِّ كُلِّهِ، ولَكِنَّهم جاءُوا بِشَيْءٍ آخَرَ لا يَتَعَلَّقُ بِكَلامِهِ ونَصِيحَتِهِ، مِنَ الأمْرِ بِإخْراجِهِ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِن قَرْيَتِهِمْ، ضَجَرًا بِهِمْ، وبِما يَسْمَعُونَهُ مِن وعْظِهِمْ ونُصْحِهِمْ. وقَوْلُهُمْ: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ " سُخْرِيَةٌ بِهِمْ، وبِتَطَهُّرِهِمْ مِنَ الفَواحِشِ، وافْتِخارٌ بِما كانُوا فِيهِ مِنَ القَذارَةِ، كَما يَقُولُ الشُّطّارُ مِنَ الفَسَقَةِ لِبَعْضِ الصُّلَحاءِ إذا وعَظَهم (أبْعِدُوا عَنّا هَذا المُتَقَشِّفَ وأرِيحُونا مِن هَذا المُتَزَهِّدِ).
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ مُجاهِدٌ: يَتَطَهَّرُونَ مِن أدْبارِ الرِّجالِ وأدْبارِ النِّساءِ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى تَحْرِيمِ أدْبارِ النِّساءِ، أيْ بِناءً عَلى أنَّ تَفْسِيرَ الصَّحابِيِّ لَهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ.
ورَجَّحَ ابْنُ القَيِّمِ أنَّهُ في حُكْمِ المَوْقُوفِ.
والمَسْألَةُ تَقَدَّمَتْ مُسْتَوْفاةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فَتَذَكَّرْ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الإمامُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ (إغاثَةُ اللَّهْفانِ): قَدْ وسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الشِّرْكَ والزِّنى واللُّواطَةَ بِالنَّجاسَةِ والخُبْثِ في كِتابِهِ، دُونَ سائِرِ الذُّنُوبِ، وإنْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى ذَلِكَ. لَكِنَّ الَّذِي وقَعَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ اللُّوطِيَّةِ: ﴿ولُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا ونَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤] وقالَتِ اللُّوطِيَّةُ: ﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] فَأقَرُّوا مَعَ شِرْكِهِمْ وكُفْرِهِمْ، أنَّهم هُمُ الأخْباثُ الأنْجاسُ، وأنَّ لُوطًا وآلَهُ مُطَهَّرُونَ مِن ذَلِكَ، (p-٢٨٠٣)بِاجْتِنابِهِمْ لَهُ.
وقالَ تَعالى في حَقِّ الزُّناةِ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ﴾ [النور: ٢٦] وأمّا نَجاسَةُ الشِّرْكِ فَهي نَوْعانِ نَجاسَةٌ مُغَلَّظَةٌ، ونَجاسَةٌ مُخَفَّفَةٌ. فالمُغَلَّظَةُ: الشِّرْكُ الأكْبَرُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، والمُخَفَّفَةُ: الشِّرْكُ الأصْغَرُ، كَيَسِيرِ الرِّياءِ، والتَّصَنُّعِ لِلْمَخْلُوقاتِ والحَلِفِ بِهِ، وخَوْفِهِ ورَجائِهِ.
ثُمَّ قالَ: ونَجاسَةُ الزِّنى واللُّواطَةِ أغْلَظُ مِن غَيْرِها مِنَ النَّجاساتِ، مِن جِهَةِ أنَّها تُفْسِدُ القَلْبَ، وتُضْعِفُ تَوْحِيدَهُ جِدًّا. ولِهَذا أحْظى النّاسِ بِهَذِهِ النَّجاسَةِ أكْثَرُهم شِرْكًا، فَكُلَّما كانَ الشِّرْكُ في العَبْدِ أغْلَبَ، كانَتْ هَذِهِ النَّجاسَةُ والخَبائِثُ فِيهِ
أكْثَرَ، وكُلَّما كانَ أعْظَمَ إخْلاصًا، كانَ مِنها أبْعَدَ، كَما قالَ تَعالى عَنْ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] فَإنَّ عِشْقَ الصُّوَرِ المُحَرَّمَةِ نَوْعُ تَعَبُّدٍ لَها بَلْ هو مِن أعْلى أنْواعِ التَّعَبُّدِ، ولا سِيَّما إذا اسْتَوْلى عَلى القَلْبِ، وتَمَكَّنَ مِنهُ، صارَ تَتَيُّمًا، والتَّتَيُّمُ: التَّعَبُّدُ، فَيَصِيرُ العاشِقُ عابِدًا لِمَعْشُوقِهِ، وكَثِيرًا ما يَغْلِبُ حُبُّهُ وذِكْرُهُ والشَّوْقُ إلَيْهِ والسَّعْيُ في مَرْضاتِهِ، وإيثارُ مَحابِّهِ عَلى حُبِّ اللَّهِ وذِكْرِهِ، والسَّعْيِ في مَرْضاتِهِ. بَلْ كَثِيرًا ما يَذْهَبُ ذَلِكَ مِن قَلْبِ العاشِقِ بِالكُلِّيَّةِ، ويَصِيرُ مُتَعَلِّقًا بِمَعْشُوقَةٍ مِنَ الصُّوَرِ -كَما هو مُشاهَدٌ- فَيَصِيرُ المَعْشُوقُ هو إلَهُهُ مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يُقَدِّمُ رِضاهُ وحُبَّهُ عَلى رِضا اللَّهِ وحُبِّهِ، ويَتَقَرَّبُ إلَيْهِ ما لا يَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ، ويُنْفِقُ في مَرْضاتِهِ ما لا يُنْفِقُهُ في مَرْضاةِ اللَّهِ، ويَتَجَنَّبُ سُخْطَهُ، ما لا يَتَجَنَّبُ مِن سُخْطِ اللَّهِ تَعالى، فَيَصِيرُ آثَرَ عِنْدَهُ مِن رَبِّهِ، حُبًّا وخُضُوعًا وذُلًّا وسَمْعًا وطاعَةً. ولِهَذا كانَ العِشْقُ والشِّرْكُ مُتَلازِمَيْنِ، وإنَّما حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ العِشْقَ عَنِ المُشْرِكِينَ مِن قَوْمِ لُوطٍ وعَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وكانَتْ إذْ ذاكَ مُشْرِكَةً، فَكُلَّما قَوِيَ شِرْكُ العَبْدِ، بُلِيَ بِعِشْقِ الصُّوَرِ، وكُلَّما قَوِيَ تَوْحِيدُهُ صُرِفَ ذَلِكَ عَنْهُ.
والزّانِي واللُّواطَةُ، كَمالُ لَذَّتِهِ إنَّما يَكُونُ مَعَ العِشْقِ، ولا يَخْلُو صاحِبُهُما مِنهُ، وإنَّما لِتَنْقُلَهُ مِن مَحَلٍّ إلى مَحَلٍّ، لا يَبْقى عِشْقُهُ مَقْصُورًا عَلى مَحَلٍّ واحِدٍ، يَنْقَسِمُ عَلى سِهامٍ كَثِيرَةٍ، لِكُلِّ مَحْبُوبٍ نَصِيبٌ مِن تَألُّهِهِ وتَعَبُّدِهِ فَلَيْسَ في الذُّنُوبِ أفْسَدُ لِلْقَلْبِ والدِّينِ مِن هاتَيْنِ الفاحِشَتَيْنِ، ولَهُما خاصِّيَّةٌ في تَبْعِيدِ القَلْبِ مِنَ (p-٢٨٠٤)اللَّهِ، فَإنَّهُما مِن أعْظَمِ الخَبائِثِ، فَإذا انْصَبَغَ القَلْبُ بِهِما بَعُدَ مِمَّنْ هو طَيِّبٌ، لا يَصْعَدُ إلَيْهِ إلّا طَيِّبٌ، وكُلَّما ازْدادَ خُبْثًا، ازْدادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا. ولِهَذا قالَ المَسِيحُ، فِيما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، في كِتابِ (الزُّهْدِ): لا يَكُونُ البَطّالُونَ مِنَ الحُكَماءِ، ولا يَلِجُ الزُّناةُ مَلَكُوتَ السَّماءِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ حالَ الزِّنى، كانَ قَرِينًا لِلشِّرْكِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]
ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَمّى الزَّوانِيَ والزُّناةَ خَبِيثِينَ وخَبِيثاتٍ، وجِنْسُ هَذا الفِعْلِ قَدْ شَرَعَتْ فِيهِ الطَّهارَةُ، وإنْ كانَ حَلالًا، وسَمّى فاعِلَهُ جُنُبًا، لِبُعْدِهِ عَنْ قِراءَةِ القُرْآنِ، وعَنِ الصَّلاةِ، وعَنِ المَساجِدِ، فَمَنَعَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ حَتّى يَتَطَهَّرَ بِالماءِ.
فَكَذَلِكَ إذا كانَ حَرامًا، يُبْعِدُ القَلْبَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وعَنِ الدّارِ الآخِرَةِ، بَلْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ، حَتّى يُحْدِثَ طُهْرًا كامِلًا بِالتَّوْبَةِ، وطُهْرًا لِبَدَنِهِ بِالماءِ.
وقَوْلُ اللُّوطِيَّةِ: ﴿أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ مِن جِنْسِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في أصْحابِ الأُخْدُودِ: ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩] وهَكَذا المُشْرِكُ، إنَّما يَنْقِمُ عَلى المُوَحِّدِ تَجْرِيدَهُ لِلتَّوْحِيدِ، وأنَّهُ لا يَشُوبُهُ بِالإشْراكِ. وهَكَذا المُبْتَدِعُ إنَّما يَنْقِمُ عَلى السُّنِّيِّ تَجْرِيدَهُ مُتابَعَةَ الرَّسُولِ، وأنَّهُ لَمْ يَشُبْها بِآراءِ الرِّجالِ، ولا بِشَيْءٍ مِمّا خالَفَها.
فَصَبْرُ المُوَحِّدِ المُتَّبِعِ لِلرَّسُولِ عَلى ما يَنْقَمُهُ عَلَيْهِ أهْلُ الشِّرْكِ والبِدْعَةِ، خَيْرٌ لَهُ وأنْفَعُ، وأسْهَلُ عَلَيْهِ مِن صَبْرِهِ عَلى ما يَنْقَمُهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن مُوافَقَةِ أهْلِ الشِّرْكِ والبِدْعَةِ:
؎إذا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الصَّبْرِ فاصْطَبِرْ عَلى الحَقِّ ذاكَ الصَّبْرُ تُحْمَدُ عُقْباهُ
انْتَهى.
(p-٢٨٠٥)ولَمّا هَمَّ قَوْمُ لُوطٍ بِإخْراجِهِ ونَفْيِهِ ومَن مَعَهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، أخْرَجَهُ اللَّهُ تَعالى سالِمًا، وأهْلَكَهم في أرْضِهِمْ صاغِرِينَ مُهانِينَ، كَما أشارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
7:83Page 161
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٨٣
So We saved him and his family, except for his wife; she was of those who remained [with the evildoers].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٣] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ " أيْ ومَن يَخْتَصُّ بِهِ مِن ذَوِيِهِ، أوْ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِطِيبِهِمْ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولَمْ يُؤْمِن بِهِ أحَدٌ مِنهم سِوى أهْلِ بَيْتِهِ فَقَطْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦]
﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ " أيْ: فَإنّا لَمْ نُنْجِها لِخُبْثِها. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّها لَمْ تُؤْمِن بِهِ، بَلْ كانَتْ عَلى دِينِ قَوْمِها، تُمالِئُهم عَلَيْهِ وتُعْلِمُهم بِمَن يَقْدُمُ عَلَيْهِ مِن ضِيفانِهِ بِإشاراتٍ بَيْنَها وبَيْنَهم. ولِهَذا لَمّا أُمِرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَسْرِيَ بِأهْلِهِ، أُمِرَ أنْ لا يُعْلِمَها ولا يُخْرِجَها مِنَ البَلَدِ. ومِنهم مَن يَقُولُ بَلِ اتَّبَعَتْهُمْ، فَلَمّا جاءَ العَذابُ التَفَتَتْ هِيَ، فَأصابَها ما أصابَهم.
الأظْهَرُ أنَّها لَمْ تَخْرُجْ مِنَ البَلَدِ، ولا أعْلَمَها لُوطٌ، بَلْ بَقِيَتْ مَعَهُمْ، ولِهَذا قالَ هَهُنا ﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ " . ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ " أيْ مِنَ الَّذِينَ غَبَرُوا في دِيارِهِمْ، أيْ بَقُوا فَهَلَكُوا. وقِيلَ: مِنَ الهالِكِينَ. وهو تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ، والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ، ولِبَيانِ اسْتِحْقاقِها لِما يَسْتَحِقُّهُ المُباشِرُونَ لِلْفاحِشَةِ.
7:84Page 161
وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٨٤
And We rained upon them a rain [of stones]. Then see how was the end of the criminals.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٤] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ " أيْ وأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ نَوْعًا مِنَ المَطَرِ عَجِيبًا غَيْرِ مُتَعارَفٍ، وهو مُبَيَّنٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ طِينٍ مُتَحَجِّرٍ.
قالَ المَهايِمِيُّ: ولِكُفْرِهِمْ بِمَطَرِ الشَّرائِعِ المُحْيِي بِإبْقاءِ النَّسْلِ وغَيْرِهِ، انْقَلَبَ عَلَيْهِمْ في صُورَةِ العِقابِ.
(p-٢٨٠٦)وقَرَأْتُ في التَّوْراةِ المُعَرَّبَةِ، أنَّ المَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ جاءا لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ، يُخْبِرانِهِ ويُبَشِّرانِهِ بِهَلاكِ قَوْمِهِ، قالا لَهُ: أخْرِجْ مِن هَذا المَوْضِعِ، مَن لَكَ هَهُنا مِن أصْهارِكَ وبَنِيكَ وبَناتِكَ وجَمِيعَ مَن لَكَ، فَإنّا بَعَثَنا الرَّبُّ لِنُهْلِكَ هَذِهِ المَدِينَةَ.
ولَمّا كانَ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ألَحَّ المَلَكانِ عَلى لُوطٍ بِأخْذِ امْرَأتِهِ وابْنَتَيْهِ، ثُمَّ أمْسَكا بِأيْدِيهِمْ جَمِيعًا وصَيَّراهم خارِجَ المَدِينَةِ وقالا: لا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنكم إلى ورائِهِ، وتَخْلُصا إلى الجَبَلِ. ولَمّا أشْرَقَتْ أمْطَرَ الرَّبُّ مِنَ السَّماءِ عَلى سَدُومَ وعَمُّورَةَ كِبْرِيتًا ونارًا، وقَلَبَ تِلْكَ المُدُنَ، وكُلَّ البُقْعَةِ وجَمِيعَ سُكّانِ المُدُنِ ونَبْتَ الأرْضِ، والتَفَتَتِ امْرَأتُهُ إلى ورائِها فَصارَتْ نُصُبَ مِلْحٍ، وقَدَمَ إبْراهِيمُ غَدْوَةً مِن أرْضِهِ، فَتَطَلَّعَ إلى جِهَةِ سَدُومَ وعَمُّورَةَ، فَإذا دُخانُ الأرْضِ صاعِدٌ كَدُخانِ الأتُونِ. انْتَهى.
وقَرَأْتُ في نُبُوَّةِ حَزْقِيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ، في الفَصْلِ السّادِسَ عَشَرَ: في بَيانِ إثْمِ سَدُومَ ما نَصُّهُ:
إنَّ الِاسْتِكْبارَ والشِّبَعَ مِنَ الخُبْزِ، وطُمَأْنِينَةِ الفَراغِ، كانَتْ في سَدُومَ وتَوابِعِها، ولَمْ تُعَضِّدْ يَدَ البائِسِ والمِسْكِينِ، وتَشامَخْنَ وصَنَعْنَ الرِّجْسَ أمامِي، فَنَزَعْتُهُنَّ كَما رَأيْتَ انْتَهى.
وقَدْ صارَ مَوْضِعُ تِلْكَ المُدُنِ بَحْرَ ماءٍ أُجاجٍ، لَمْ يَزَلْ إلى يَوْمِنا هَذا، ويُعْرَفُ بِالبَحْرِ المَيِّتِ، أوْ بُحَيْرَةِ لُوطٍ، والأرْضُ الَّتِي تَلِيها قاحِلَةٌ لا تَنْبُتُ شَيْئًا.
قالَ في (مُرْشِدِ الطّالِبِينَ): بَحْرُ لُوطٍ، هو بَحْرُ سَدُومَ، ويُدْعى أيْضًا البَحْرَ المَيِّتَ، وهو بِرْكَةٌ مالِحَةٌ في فِلَسْطِينَ، طُولُها خَمْسُونَ مِيلًا، وعَرْضُها عَشَرَةُ أمْيالٍ، وهي أوْطَأُ مِن بَحْرِ الرُّومِ بِنَحْوِ ١٢٥٠ قَدَمًا، ومَوْقِعُها في المَوْضِعِ الَّذِي كانَتْ عَلَيْهِ سَدُومُ وعَمُّورَةُ وأدْمَةُ وصَبَوِييِمُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ هَؤُلاءِ أجْرَمُوا بِالكُفْرِ وعَمَلِ الفَواحِشِ، كَيْفَ أهْلَكْناهم.
والنَّظَرُ تَعْجِيبًا مِن حالِهِمْ، وتَحْذِيرًا مِن أعْمالِهِمْ، فَإنَّ مَن تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ رَذِيلَةُ الدَّعارَةِ، تَكْبَحُهُ عَنِ التَّوْفِيقِ نَفْسًا وجَسَدًا، وتُورِدُهُ مَوارِدَ الهَلَكَةِ والبَوارِ، جَزاءَ ما جَنى لَهُمُ اتِّباعَ الأهْواءِ.
(p-٢٨٠٧)تَنْبِيهٌ في حَدِّ اللُّوطِيِّ:
اعْلَمْ أنَّهُ ورَدَتِ السُّنَّةُ بِقَتْلِ مَن لاطَ بِذَكَرٍ، ولَوْ كانَ بِكْرًا، وكَذَلِكَ المَفْعُولُ بِهِ إذا كانَ مُخْتارًا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، عِنْدَ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ والتِّرْمِذِيِّ والحاكِمِ والبَيْهَقِيِّ، قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن وجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فاقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ»» . قالَ ابْنُ حَجَرٍ: رِجالُهُ مُوَثَّقُونَ، إلّا أنَّ فِيهِ اخْتِلافًا.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««اقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ أُحْصِنا أوْ لَمْ يُحْصَنا»» - وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ-.
قالَ ابْنُ الطِّلاعِ في (أحْكامِهِ): لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ رَجَمَ في اللِّواطِ، ولا أنَّهُ حَكَمَ فِيهِ. وثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «اقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ» - رَواهُ عَنْهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ - انْتَهى.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ رَجَمَ لُوطِيًّا.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنْ أبِي بَكْرٍ، أنَّهُ جَمَعَ النّاسَ في حَقِّ رَجُلٍ يُنْكَحُ كَما تُنْكَحُ النِّساءُ، فَسَألَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَكانَ مِن أشَدِّهِمْ يَوْمَئِذٍ قَوْلًا، عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ قالَ: (p-٢٨٠٨)هَذا ذَنْبٌ لَمْ تَعْصِ بِهِ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ إلّا أُمَّةً واحِدَةً، صَنَعَ اللَّهُ بِها ما قَدْ عَلِمْتُمْ، نَرى أنْ نَحْرِقَهُ بِالنّارِ، فاجْتَمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ يَحْرِقَهُ بِالنّارِ، فَكَتَبَ أبُو بَكْرٍ إلى خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ أنْ يَحْرِقَهُ بِالنّارِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في البِكْرِ يُؤْخَذُ عَلى اللُّوطِيَّةِ، يُرْجَمُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِّ اللُّوطِيِّ فَقالَ: يُنْظَرُ أعْلى بِناءٍ في القَرْيَةِ فَيُرْمى بِهِ مُنَكَّسًا، ثُمَّ يُتْبَعُ بِالحِجارَةِ.
وقالَ المُنْذِرِيُّ: حَرَقَ اللُّوطِيَّةَ بِالنّارِ أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وهِشامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ.
وبِالجُمْلَةِ: فَلَمّا ثَبَتَ أنَّ حَدَّهُ القَتْلُ بَقِيَ الِاجْتِهادُ في هَيْئَتِهِ حَرْقًا أوْ تَرْدِيَةً أوْ غَيْرَهُما.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنْ كانَ اللِّوّاطُ مِمّا يَصِحُّ انْدِراجُهُ تَحْتَ عُمُومِ أدِلَّةِ الزِّنى فَهو مُخَصَّصٌ بِما ورَدَ فِيهِ مِنَ القَتْلِ لِكُلِّ فاعِلٍ، مُحْصَنًا أوْ غَيْرَهُ، وإنْ كانَ غَيْرَ داخِلٍ تَحْتَ أدِلَّةِ الزِّنى، فَفي أدِلَّتِهِ الخاصَّةِ لَهُ ما يَشْفِي ويَكْفِي. انْتَهى.
وقالَ الإمامُ الجَشْمِيُّ اليَمَنِيُّ: لَوْ كانَ في اللِّواطِ حَدٌّ مَعْلُومٌ لَما خَفِيَ عَلى الصَّحابَةِ، حَتّى شاوَرَهم في ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمّا كَتَبَ إلَيْهِ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (زادِ المَعادِ): لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قَضى في اللِّواطِ بِشَيْءٍ، لِأنَّ هَذا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ العَرَبُ، ولَمْ يُرْفَعْ إلَيْهِ ﷺ، ولَكِنْ ثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «اقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ» - رَواهُ أهْلُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وإسْنادُهُ صَحِيحٌ - وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وحَكَمَ بِهِ أبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ، وكَتَبَ بِهِ إلى خالِدٍ، بَعْدَ مُشاوَرَةِ الصَّحابَةِ، وكانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أشَدَّهم في ذَلِكَ.
(p-٢٨٠٩)وقالَ ابْنُ القَصّارِ وشَيْخُنا: أجْمَعَتِ الصَّحابَةُ عَلى قَتْلِهِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ قَتْلِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ: يُرْمى مِن شاهِقٍ، وقالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: يُهْدَمُ عَلَيْهِ حائِطٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُقْتَلانِ بِالحِجارَةِ. فَهَذا اتِّفاقٌ مِنهم عَلى قَتْلِهِ، وإنِ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّتِهِ.
وهَذا مُوافِقٌ لِحُكْمِهِ ﷺ فِيمَن وطِئَ ذاتَ مَحْرَمٍ، لِأنَّ الوَطْءَ في المَوْضِعَيْنِ لا يُباحُ لِلْواطِئِ بِحالٍ. ولِهَذا جَمَعَ بَيْنَهُما في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««مَن وجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فاقْتُلُوهُ»» .
ورُوِيَ أيْضًا عَنْهُ: «مَن وقَعَ عَلى ذاتِ رَحِمٍ فاقْتُلُوهُ» . وفي حَدِيثِهِ أيْضًا بِالإسْنادِ: ««مَن أتى بَهِيمَةً فاقْتُلُوهُ واقْتُلُوها مَعَهُ»» .
وهَذا الحُكْمُ عَلى وفْقِ حُكْمِ الشّارِعِ، فَإنَّ المُحَرَّماتِ كُلَّما تَغَلَّظَتْ، تَغَلَّظَتْ عُقُوبَتُها، ووَطْءُ مَن لا يُباحُ بِحالٍ أعْظَمُ جُرْمًا مِن وطْءِ مَن يُباحُ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَيَكُونُ حَدُّهُ أغْلَظَ.
وقَدْ نَصَّ أحْمَدُ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ، أنَّ حُكْمَ مَن أتى بَهِيمَةً حُكْمُ اللِّواطِ سَواءً، فَيُقْتَلُ بِكُلِّ حالٍ، أوْ يَكُونُ حَدُّهُ حَدَّ الزّانِي.
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في ذَلِكَ، فَقالَ الحَسَنُ: حَدُّهُ حَدُّ الزّانِي. وقالَ أبُو سَلَمَةَ: يُقْتَلُ بِكُلِّ حالٍ. وقالَ الشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ: يُعَزَّرُ، وبِهِ أخَذَ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ في رِوايَةٍ، فَإنَّ ابْنَ عَبّاسٍ أفْتى بِذَلِكَ، وهو راوِي الحَدِيثِ. انْتَهى.
وقَدْ طَعَنَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ (الهِدايَةِ) في دَعْوى إجْماعِ الصَّحابَةِ عَلى قَتْلِ اللُّوطِيِّ في رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ: أنَّ أبا بَكْرٍ جَمَعَ الصَّحابَةَ فَسَألَهُمْ، فَكانَ أشَدَّهم في ذَلِكَ قَوْلًا عَلِيٌّ، فَقالَ: نَرى أنْ نَحْرِقَهُ بِالنّارِ، فاجْتَمَعَ رَأْيُهم عَلى ذَلِكَ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ: قُلْتُ: وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، ولَوْ صَحَّ لَكانَ قاطِعًا لِلْحُجَّةِ. انْتَهى.
وجَلِيٌّ أنَّ عُقُوباتِ القَتْلِ أعْظَمُ الحُدُودِ، فَلا يُؤْخَذُ فِيها إلّا بِالقَواطِعِ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ مُتَواتِرَةٍ، أوْ إجْماعٍ أوْ حَدِيثٍ صَحِيحِ السَّنَدِ والمَتْنِ، قَطْعِيِّ الدَّلالَةِ.
ولِذا كانَ عَلى الحاكِمِ بَذْلُ جُهْدِهِ في ذَلِكَ اسْتِبْراءً لِدِينِهِ - واللَّهُ أعْلَمُ-.
(p-٢٨١٠)
7:85Page 161
وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨٥
And to [the people of] Madyan [We sent] their brother Shuʿayb. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. So fulfill the measure and weight and do not deprive people of their due and cause not corruption upon the earth after its reformation. That is better for you, if you should be believers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٥] ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ " أيْ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: هم مِن سُلالَةِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، وشُعَيْبٌ هو ابْنُ مِيكَيْلَ بْنِ يَشْجُرَ بْنِ مَدْيَنَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مَدْيَنُ تُطْلَقُ عَلى القَبِيلَةِ وعَلى المَدِينَةِ الَّتِي بِقُرْبِ مَعانٍ مِن طَرِيقِ الحِجازِ وهم أصْحابُ الأيْكَةِ.
﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ " أيِ: الَّذِينَ أحَبَّ كَمالَهم دِينًا ودُنْيا: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وهَذِهِ دَعْوَةُ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ كَما قَدَّمْنا ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ ما تَبَيَّنَ بِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. يَعْنِي دَعْوَتَهُ وإرْشادَهُ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِالبَيِّنَةِ مَجِيءُ شُعَيْبٍ، وأنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ آيَةٌ إلّا النُّبُوَّةَ، ومَن فَسَّرَ البَيِّنَةَ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ والمُعْجِزَةِ المَحْسُوسَةِ ذَهابًا إلى أنَّ النَّبِيَّ لَمّا كانَ يَدْعُو إلى شَرْعٍ يُوجِبُ قَبُولَهُ، فَلا بُدَّ مِن دَلِيلٍ يُعْلَمُ صِدْقُهُ بِهِ، وما ذاكَ إلّا المُعْجِزَةُ. قالَ: إنَّ مُعْجِزَةَ شُعَيْبٍ لَمْ تُذْكَرْ في القُرْآنِ، ولَيْسَتْ كُلُّ آياتِ الأنْبِياءِ مَذْكُورَةً في القُرْآنِ. ولا يَخْفى أنَّ البَيِّنَةَ أعَمُّ مِنَ المُعْجِزَةِ بِعُرْفِهِمْ، فَكُلُّ مَن أبْطَلَتْ شُبْهَةٌ ضَلالَهُ، وأظْهَرَتْ لَهُ حُجَّةَ الحَقِّ الَّذِي يُدْعى إلَيْهِ فَقَدْ جاءَتْهُ البَيِّنَةُ. لِأنَّ حَقِيقَةَ البَيِّنَةِ كُلُّ ما يُبَيِّنُ الحَقَّ، فاحْفَظْهُ.
قالَ الجَشْمِيُّ: واخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ إلّا ومَعَهُ شَرْعٌ - عَنْ أبِي هاشِمٍ -. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ إلى ما في العَقْلِ -عَنْ أبِي عَلِيٍّ - انْتَهى.
(p-٢٨١١)وقَدْ دَلَّتِ الآياتُ هَذِهِ عَلى أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ، دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ والشَّرائِعِ، عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ الرُّسُلِ، فَمِنها قَوْلُهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ أيْ: فَأتِمُّوهُما لِلنّاسِ بِإعْطائِهِمْ حُقُوقَهُمْ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ أيْ: لا تُنْقِصُوهم حُقُوقَهم فَلا تَخُونُوا النّاسَ في أمْوالِهِمْ، وتَأْخُذُوها عَلى وجْهِ البَخْسِ، وهو نَقْصُ المِكْيالِ والمِيزانِ خُفْيَةً وتَدْلِيسًا كَما قالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]
يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ أيْ: نَقَصَهُ إيّاهُ، وظَلَمَهُ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ كُلَّ شَيْءٍ في مُبايَعاتِهِمْ، أوْ كانُوا مَكّاسِينَ لا يَدَعُونَ شَيْئًا إلّا مَكَسُوهُ. قالَ زُهَيْرٌ:
؎أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ
قالَ القاضِي: وإنَّما قالَ ﴿أشْياءَهُمْ﴾ " لِلتَّعْمِيمِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم كانُوا يَبْخَسُونَ الجَلِيلَ والحَقِيرَ والقَلِيلَ والكَثِيرَ -انْتَهى.
والنَّهْيُ عَنِ النَّقْصِ يُوجِبُ الأمْرَ بِالإيفاءِ. فَقِيلَ: في فائِدَةِ التَّصْرِيحِ بِالمَنهِيِّ عَنْهُ بَيانٌ لِقُبْحِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ " الآيَةَ، قالَ: أيْ لا تُسَمُّوا لَهم شَيْئًا، وتُعْطُوا لَهم غَيْرَ ذَلِكَ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ إيفاءَ الكَيْلِ والمِيزانِ واجِبٌ عَلى حَسَبِ ما يُعْتادُ في صِفَةِ الكَيْلِ والوَزْنِ ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ " أيْ: بِالكُفْرِ والظُّلْمِ ﴿بَعْدَ إصْلاحِها﴾ " أيْ: بَعْدَ ما أصْلَحَ أمْرَها وأهْلَها الأنْبِياءُ، وأتْباعُهُمُ الصّالِحُونَ العامِلُونَ بِشَرائِعِهِمْ مِن وضْعِ الكَيْلِ والوَزْنِ والحُدُودِ والأحْكامِ، ﴿ذَلِكُمْ﴾ " إشارَةٌ إلى العَمَلِ بِما أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ " في الحالِ لِتَوَجُّهِ النّاسِ إلَيْكم بِسَبَبِ حُسْنِ الأُحْدُوثَةِ، وفي المَآلِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ " أيْ: مُصَدِّقِينَ قَوْلِي.
(p-٢٨١٢)
7:86Page 161
وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨٦
And do not sit on every path, threatening and averting from the way of Allāh those who believe in Him, seeking to make it [seem] deviant. And remember when you were few and He increased you. And see how was the end of the corrupters.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٦] ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكم وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾
" ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ نَهْيٌ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ الحِسِّيِّ. أيْ: لا تَجْلِسُوا عَلى كُلِّ طَرِيقٍ فِيهِ مَمَرُّ النّاسِ الغُرَباءِ، تَضْرِبُونَهم وتُخَوِّفُونَهُمْ، وتَأْخُذُونَ ثِيابَهُمْ، وتَتَوَعَّدُونَهم بِالقَتْلِ، إنْ لَمْ يُعْطُوكم أمْوالَهم.
قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا عَشّارِينَ -أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ - وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِثْلَهُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِ واحِدٍ أيْ تَتَوَعَّدُونَ المُؤْمِنِينَ الآتِينَ إلى شُعَيْبٍ لِيَتْبَعُوهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ قالَ ﴿بِكُلِّ صِراطٍ﴾ " وهو الطَّرِيقُ. وهَذا الثّانِي هو قَوْلُهُ: ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ: تَصْرِفُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ وطاعَتِهِ مَن آمَنَ بِشُعَيْبٍ، وتَطْلُبُونَ لَها عِوَجًا بِإلْقاءِ الشُّبَهِ، ووَصْفِها بِما يَنْقُصُها لِتَغْيِيرِها: ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ﴾ بِالعَدَدِ والعُدَدِ، فاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم في ذَلِكَ: ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، والقُرُونِ الماضِيَةِ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والنَّكالِ بِاجْتِرائِهِمْ عَلى مَعاصِي اللَّهِ وتَكْذِيبِ رُسُلِهِ.
7:87Page 161
وَإِن كَانَ طَآئِفَةٞ مِّنكُمۡ ءَامَنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٞ لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ فَٱصۡبِرُواْ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ بَيۡنَنَاۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٧
And if there should be a group among you who has believed in that with which I have been sent and a group that has not believed, then be patient until Allāh judges between us. And He is the best of judges."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٧] ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾
" ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ يَعْنِي وإنِ اخْتَلَفْتُمْ في رِسالَتِي فَصِرْتُمْ فِرْقَتَيْنِ مُؤْمِنَةً وكافِرَةً ﴿فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾ (p-٢٨١٣)أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِنَصْرِ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ، فَهو وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ.
قالَ الشِّهابُ: وخِطابُ (اصْبِرُوا) لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْفَرِيقَيْنِ، أيْ: لِيَصْبِرَ المُؤْمِنُونَ عَلى أذى الكُفّارِ، والكُفّارُ عَلى ما يَسُوؤُهم مِن إيمانِهِمْ. أوْ لِلْكافِرِينَ أيْ: تَرَبَّصُوا لِتَرَوْا حُكْمَ اللَّهِ بَيْنَنا وبَيْنَكم ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ " لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجَوْرِ في حُكْمِهِ، فَسَيَجْعَلُ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، والدَّمارَ عَلى الكافِرِينَ.
7:88Page 162
۞ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ ٨٨
Said the eminent ones who were arrogant among his people, "We will surely evict you, O Shuʿayb, and those who have believed with you from our city, or you must return to our religion." He said, "Even if we were unwilling?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٨] ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾
﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٧٥] " أيْ عَنِ الإيمانِ ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ﴾ أيْ إلى تَرْكِ دَعْوى الرِّسالَةِ، والإقْرارِ بِها داخِلِينَ ﴿فِي مِلَّتِنا﴾ " أيْ مِلَّةِ المُشْرِكِينَ.
قالَ الجَشْمِيُّ: المِلَّةُ الدِّيانَةُ الَّتِي يُجْمِعُ عَلى العَمَلِ بِها فِرْقَةٌ عَظِيمَةٌ. والأصْلُ فِيهِ تَكَرُّرُ الأمْرِ، مِن قَوْلِهِمْ: طَرِيقٌ مُمِلٌّ ومَلِيلٌ، إذا تَكَرَّرَ سُلُوكُهُ حَتّى صارَ مُعَلَّمًا. ومِنهُ المَلَلُ: تَكْرارُ الشَّيْءِ عَلى النَّفْسِ حَتّى تَضْجَرَ مِنهُ. انْتَهى.
﴿قالَ﴾ " أيْ شُعَيْبٌ ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ " أيْ: أتُجْبِرُونَنا عَلى ذَلِكَ، وإنْ كُنّا كارِهِينَ لَهُ؟ مَعَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في الإكْراهِ، لِأنَّ دِينَكم إنْ كانَ حَقًّا، لَمْ نَكُنْ بِالإكْراهِ مُنْقادِينَ لَهُ، وإنْ كانَ باطِلًا، لَمْ نَكُنْ بِالإكْراهِ مُتَّصِفِينَ بِهِ، لِأنَّهُ بِالحَقِيقَةِ صِفَةُ القَلْبِ، ولا يَسْرِي إكْراهُكم إلَيْهِ. وكَيْفَ لا نَكْرَهُهُ وهو يَسْتَلْزِمُ غايَةَ القُبْحِ والظُّلْمِ.
(p-٢٨١٤)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences