Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
المزمل
Al-Muzzammil
The Enshrouded One · Meccan · 20 ayahs
73:1–4Page 574
يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ ١
O you who wraps himself [in clothing],1
قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا ٢
Arise [to pray] the night, except for a little -
نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا ٣
Half of it - or subtract from it a little
أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا ٤
Or add to it, and recite the Qur’ān with measured recitation.
(p-٥٩٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُزَّمِّلِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِدَلالَتِهِ عَلى عِظَمِ أمْرِ الوَحْيِ؛ لِأنَّ أقْوى الخَلائِقِ كانَ يَرْتَعِدُ عِنْدَهُ فَيَتَزَمَّلُ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ، قِيلَ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وآيُها عِشْرُونَ.
(p-٥٩٥٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٤] ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤]
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ أيِ: المُتَزَمِّلُ. مِن تَزَمَّلَ بِثِيابِهِ إذا تَلَفَّفَ بِها. فَأدْغَمَ التّاءَ في الزّايِ؛ خُوطِبَ ﷺ بِحِكايَةِ حالِهِ وقْتَ نُزُولِ الوَحْيِ، مُلاطَفَةً وتَأْنِيسًا وتَنْشِيطًا لِلتَّشَمُّرِ لِقِيامِ اللَّيْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ المُتَحَمِّلُ أعْباءَ النُّبُوَّةِ، مِن تَزَمَّلَ الزِّمْلَ، إذا تَحَمَّلَ الحِمْلَ؛ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ، شَبَّهَ إجْراءَ التَّبْلِيغِ بِتَحَمُّلِ الحَمْلِ الثَّقِيلِ، بِجامِعِ المَشَقَّةِ.
قالَ الشِّهابُ: وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَعَ صِحَّةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ، واعْتِضادِهِ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، لا وجْهَ لِادِّعاءِ التَّجَوُّزِ فِيهِ.
وقَدْ يُجابُ بِأنَّ الأحادِيثَ رُوِيَتْ في نُزُولِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ، لا في هَذِهِ السُّورَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ، إلّا أنْ يُقالَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ.
﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] أيْ: فِيهِ لِلصَّلاةِ، ودَعِ التَّزَمُّلَ لِلْهُجُوعِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] أيْ: بِحُكْمِ الضَّرُورَةِ لِلِاسْتِراحَةِ، ومَصالِحِ البَدَنِ الَّتِي لا يُمْكِنُ بَقاؤُهُ بِدُونِها.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى قَدْرَ القِيامِ مُخَيِّرًا لَهُ بِقَوْلِهِ:
﴿نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٣] أيْ: نِصْفَ اللَّيْلِ بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ.
﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ [المزمل: ٣] أيْ: مِنَ النِّصْفِ ﴿قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] أيْ: إلى الثُّلْثِ.
﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] أيِ: النِّصْفَ إلى الثُّلْثَيْنِ، والمَقْصُودُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ قِيامِ النِّصْفِ وما فَوْقَهُ وما دُونَهُ. ولا يُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ النِّصْفُ قَلِيلًا وهو مُساوٍ لِلنِّصْفِ الآخَرِ؟ لِأنَّ القِلَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، لا إلى عَدِيلِهِ.
(p-٥٩٥٩)﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] أيْ: بَيِّنْهُ تَبْيِينًا، وتَرَسَّلْ فِيهِ تَرَسُّلًا.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَرْتِيلُ القُرْآنِ قِراءَتُهُ عَلى تَرَسُّلٍ وتُؤَدَةٍ، بِتَبْيِينِ الحَرْفِ، وإشْباعِ الحَرَكاتِ، حَتّى يَجِيءَ المَتْلُوُّ مِنهُ شَبِيهًا بِالثَّغْرِ المُرَتِّلِ، وهو المُفَلَّجُ المُشَبَّهُ بِنُورِ الأُقْحُوانِ، وأنْ لا يَهُذَّهُ هَذا، ولا يَسْرُدَهُ سَرْدًا.
تَنْبِيهٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ: في الآيَةِ اسْتِحْبابُ تَرْتِيلِ القِراءَةِ، وأنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الهَذِّ بِهِ، وهو واضِحٌ.
وقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ أنَّهُ ﷺ ««كانَ يُقَطِّعُ قِراءَتَهُ آيَةً آيَةً، وأنَّها كانَتْ مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا، وأنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى رُؤُوسِ الآيِ»» .
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ التَّرْتِيلَ والتَّدَبُّرَ، مَعَ قِلَّةِ القِراءَةِ أفْضَلُ مِن سُرْعَةِ القِراءَةِ مَعَ كَثْرَتِها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ القُرْآنِ فَهْمُهُ وتَدَبُّرُهُ، والفِقْهُ فِيهِ، والعَمَلُ بِهِ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لا تَهُذُّوا القُرْآنَ هَذَّ الشِّعْرِ، ولا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ، قِفُوا عِنْدَ عَجائِبِهِ، وحَرِّكُوا بِهِ القُلُوبَ، ولا يَكُنْ هَمُّ أحَدِكم آخِرَ السُّورَةِ.
73:5Page 574
إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا ٥
Indeed, We will cast upon you a heavy word.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾
﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ أيْ: رَصِينًا، لِرَزانَةِ لَفْظِهِ، ومَتانَةِ مَعْناهُ، ورُجْحانِهِ فِيهِما عَلى ما عَداهُ.
ولَمّا كانَ الرّاجِحُ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، تَجَوَّزَ بِالثَّقِيلِ عَنْهُ. أوْ ثَقِيلًا عَلى المُتَأمِّلِ فِيهِ، لِافْتِقارِهِ إلى مَزِيدِ تَصْفِيَةٍ لِلسِّرِّ، وتَجْرِيدٍ لِلنَّظَرِ. أوْ ثَقِيلًا تَلَقِّيهِ، لِقَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «رَأيْتُهُ ﷺ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ، «وإنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا»» . وعَلى كُلٍّ فالجُمْلَةُ مُعَلِّلَةٌ لِلْأمْرِ بِالتَّرْتِيلِ، وأنَّ ثِقْلَهُ مِمّا يَسْتَدْعِيهِ.
(p-٥٩٦٠)
73:6Page 574
إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا ٦
Indeed, the hours of the night are more effective for concurrence [of heart and tongue]1 and more suitable for words.2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] [٥] ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾
﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أيْ: نَشْأتُهُ وطَبِيعَةُ خَلْقِهِ ومَظْهَرِهِ ﴿هِيَ أشَدُّ وطْئًا﴾ أيْ: مُوافَقَةً لِما يُرادُ مِنها مِن جَمْعِ الهَمِّ، وهُدُوءِ البالِ.
﴿وأقْوَمُ قِيلا﴾ أيْ: أشَدُّ مَقالًا وأصْوَبُهُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِأنَّ اللَّيْلَ تَهْدَأُ فِيهِ الأصْواتُ، وتَنْقَطِعُ فِيهِ الحَرَكاتُ، ويَخْلُصُ القَوْلُ، ولا يَكُونُ دُونَ تَسَمُّعِهِ وتَفَهُّمِهِ حائِلٌ.
ونَقَلَ السُّيُوطِيُّ عَنِ الجاحِظِ قالَ: ناشِئَةُ اللَّيْلِ هي المَعانِي المُسْتَنْبَطَةُ مِنَ القُرْآنِ بِاللَّيْلِ، أشَدُّ وطْأً أبْيَنُ أثَرًا. وأقْوَمُ قِيلًا، أصَحُّ مِمّا تُخْرِجُهُ الأفْكارُ بِالنَّهارِ، لِخُلُوِّ السَّمْعِ والبَصَرِ عَنِ الِاشْتِغالِ.
73:7–9Page 574
إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا ٧
Indeed, for you by day is prolonged occupation.
وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلۡ إِلَيۡهِ تَبۡتِيلٗا ٨
And remember the name of your Lord and devote yourself to Him with [complete] devotion.
رَّبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا ٩
[He is] the Lord of the East and the West; there is no deity except Him, so take Him as Disposer of [your] affairs.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧ - ٩] ﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ [المزمل: ٩]
﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ: تَقَلُّبًا في مُهِمّاتِكَ، واشْتِغالًا بِها؛ فَلِذا أُمِرْتَ بِقِيامِ اللَّيْلِ.
﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [المزمل: ٨] أيْ: دُمْ عَلى ذِكْرِهِ لَيْلًا ونَهارًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذِكْرُ اللَّهِ يَتَناوَلُ كُلَّ ما كانَ مِن ذِكْرٍ طَيِّبٍ: تَسْبِيحٍ وتَهْلِيلٍ وتَكْبِيرٍ وتَمْجِيدٍ وتَوْحِيدٍ وصَلاةٍ وتِلاوَةِ قُرْآنٍ، ودِراسَةِ عِلْمٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَغْرِقُ بِهِ ساعاتِ لَيْلِهِ ونَهارِهِ.
﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] أيْ: أخْلِصْ إلَيْهِ بِتَجْرِيدِ النَّفْسِ عَنْ غَيْرِهِ، إخْلاصًا عَظِيمًا.
﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ [المزمل: ٩] أيْ: تَكِلُ إلَيْهِ مَهامَّكَ، فَإنَّهُ سَيَكْفِيكَها.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فِيما يَأْمُرُكَ، وفَوِّضْ إلَيْهِ أسْبابَكَ.
(p-٥٩٦١)
73:10–14Page 574
وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهۡجُرۡهُمۡ هَجۡرٗا جَمِيلٗا ١٠
And be patient over what they say and avoid them with gracious avoidance.
وَذَرۡنِي وَٱلۡمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعۡمَةِ وَمَهِّلۡهُمۡ قَلِيلًا ١١
And leave Me with [the matter of] the deniers, those of ease [in life], and allow them respite a little.
إِنَّ لَدَيۡنَآ أَنكَالٗا وَجَحِيمٗا ١٢
Indeed, with Us [for them] are shackles and burning fire
وَطَعَامٗا ذَا غُصَّةٖ وَعَذَابًا أَلِيمٗا ١٣
And food that chokes and a painful punishment -
يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ كَثِيبٗا مَّهِيلًا ١٤
On the Day the earth and the mountains will convulse and the mountains will become a heap of sand pouring down.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠ - ١٤] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ [المزمل: ١١] ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [المزمل: ١٤]
﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأذى والفَرْيِ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ أيْ: بِالإعْراضِ عَنْ مُكافَأتِهِمْ بِالمِثْلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١] أيْ: دَعْنِي وإيّاهُمْ، وكِلْ أمْرَهم إلَيَّ؛ فَإنَّ بِي غَنِيمَةً عَنْكَ في الِانْتِقامِ مِنهم.
﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] أيِ: التَّنَعُّمِ، يُرِيدُ صَنادِيدَ قُرَيْشٍ ومُتْرَفِيهِمْ.
﴿ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ [المزمل: ١١] أيْ: تَمَهَّلْ عَلَيْهِمْ زَمانًا، أوْ إمْهالًا قَلِيلًا.
﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا﴾ [المزمل: ١٢] أيْ: قُيُودًا ﴿وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] أيْ: نارًا شَدِيدَةَ الحَرِّ والِاتِّقادِ ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ [المزمل: ١٣] أيْ: يَغَصُّ بِهِ آكِلُهُ فَلا يُسِيغُهُ، ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣] أيْ: ونَوْعًا آخَرَ مِن أنْواعِ العَذابِ مُؤْلِمًا لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ. أيْ: فَلا تَرى مَوْكُولًا إلَيْهِ أمْرَهم يُنْتَقَمُ مِنهم بِمِثْلِ ذَلِكَ الِانْتِقامِ.
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ [المزمل: ١٤] أيْ: تَضْطَرِبُ وتَرْتَجُّ بِالزِّلْزالِ، ﴿وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ [المزمل: ١٤] أيْ: رَمْلًا مُتَفَرِّقًا مَنثُورًا.
73:15–16Page 574
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ رَسُولٗا شَٰهِدًا عَلَيۡكُمۡ كَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ رَسُولٗا ١٥
Indeed, We have sent to you a Messenger as a witness upon you just as We sent to Pharaoh a messenger.
فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا ١٦
But Pharaoh disobeyed the messenger, so We seized him with a ruinous seizure.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٥ - ١٦] ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ [المزمل: ١٦]
(p-٥٩٦٢)﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: بِإجابَةِ مَن أجابَ وإباءِ مَن أبى ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ أيْ: يَدْعُوهُ إلى الحَقِّ.
﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ [المزمل: ١٦] أيْ: ثَقِيلًا، وذَلِكَ بِإهْلاكِهِ ومَن مَعَهُ، غَرَقًا في اليَمِّ.
73:17–19Page 574
فَكَيۡفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرۡتُمۡ يَوۡمٗا يَجۡعَلُ ٱلۡوِلۡدَٰنَ شِيبًا ١٧
Then how can you fear, if you disbelieve, a Day that will make the children white-haired?1
ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرُۢ بِهِۦۚ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَفۡعُولًا ١٨
The heaven will break apart therefrom;1 ever is His promise fulfilled.
إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا ١٩
Indeed, this is a reminder, so whoever wills may take to his Lord a way.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧ - ١٩] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾ [المزمل: ١٨] ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [المزمل: ١٩]
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ أيْ: كَيْفَ تَقُونَ أنْفُسَكم إنْ بَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكُمْ، ولَمْ تُؤْمِنُوا بِالحَقِّ، يَوْمَ القِيامَةِ، وحالُهُ في الهَوْلِ ما ذُكِرَ.
قالَ ابْنُ أبِي الحَدِيدِ: لِأنَّ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ: إنَّهُ لَيُشِيبُ نَواصِيَ الأطْفالِ، كَلامٌ جارٍ مَجْرى المَثَلِ. ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ لِأنَّ الأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ عَلى أنَّ الأطْفالَ لا تَتَغَيَّرُ حُلاهم في الآخِرَةِ إلى الشَّيْبِ. والأصْلُ في هَذا أنَّ الهُمُومَ والأحْزانَ إذا تَوالَتْ عَلى الإنْسانِ شابَ سَرِيعًا. قالَ أبُو الطِّيبِ:
؎والهَمُّ يَخْتَرِمُ الجَسِيمَ نَحافَةً ويُشِيبُ ناصِيَةَ الصَّبِيِّ ويُهْرِمُ
﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصْفٌ لِلْيَوْمِ بِالشِّدَّةِ أيْضًا. وأنَّ السَّماءَ عَلى عِظَمِها وإحْكامِها تَنْفَطِرُ فِيهِ، فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِها مِنَ الخَلائِقِ؟
قالَ السَّمِينُ: وإنَّما لَمْ تُؤَنَّثِ الصِّفَةُ لِأحَدِ الوُجُوهِ:
مِنها: تَأْوِيلُهُ بِالمُشْتَقِّ. ومِنها: أنَّها عَلى النَّسَبِ، أيْ: ذاتُ انْفِطارٍ، نَحْوَ: مُرْضِعٍ وحائِضٍ.
ومِنها: أنَّها تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ. (p-٥٩٦٣)ومِنها: أنَّها اسْمُ جِنْسٍ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ واحِدَةٍ بِالتّاءِ، فَيُقالُ: سَماءَةٌ، وفي اسْمِ الجِنْسِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ. والباءُ في " بِهِ " سَبَبِيَّةٌ أوْ لِلِاسْتِعانَةِ، أوْ بِمَعْنى في.
﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾ [المزمل: ١٨] أيْ: لِأنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، فاحْذَرُوا ذَلِكَ اليَوْمَ.
﴿إنَّ هَذِهِ﴾ [المزمل: ١٩] أيِ: الآياتِ النّاطِقَةَ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ [المزمل: ١٩] أيْ: مَوْعِظَةٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ بِها واتَّعَظَ، ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [المزمل: ١٩] أيْ: بِالإيمانِ بِهِ، والعَمَلِ بِطاعَتِهِ.
73:20Page 575
۞ إِنَّ رَبَّكَ يَعۡلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدۡنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيۡلِ وَنِصۡفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحۡصُوهُ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرۡضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗاۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمُۢ ٢٠
Indeed, your Lord knows, [O Muḥammad], that you stand [in prayer] almost two thirds of the night or half of it or a third of it, and [so do] a group of those with you. And Allāh determines [the extent of] the night and the day. He has known that you [Muslims] will not be able to do it1 and has turned to you in forgiveness, so recite what is easy [for you] of the Qur’ān. He has known that there will be among you those who are ill and others traveling throughout the land seeking [something] of the bounty of Allāh and others fighting for the cause of Allāh. So recite what is easy from it and establish prayer and give zakāh and loan Allāh a goodly loan.2 And whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allāh. It is better and greater in reward. And seek forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠] ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾ أيْ: تَتَهَجَّدُ فِيهِ هَذِهِ التّاراتِ المُخْتَلِفَةَ، وتَتَشَمَّرُ لِلْعِبادَةِ فِيهِ هَذا التَّشَمُّرَ امْتِثالًا لِأمْرِهِ وتَبَتُّلًا إلَيْهِ،﴿وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ أيْ: يَعْلَمُهم كَذَلِكَ، ﴿واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ أيْ: أنْ يَجْعَلَهُما عَلى مَقادِيرَ يَجْرِيانِ عَلَيْها، فَتارَةً يَعْتَدِلانِ، وتارَةً يَزِيدُ أحَدُهُما في الآخَرِ، وبِالعَكْسِ مِمّا يَشُقُّ لِأجْلِهِ المُواظَبَةُ عَلى قِيامِهِ بِما عَلِمَهُ مِنكم. أشارَ إلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ. أوِ المَعْنى: السُّورَةُ مِنَ التَّخْيِيرِ، تَرْخِيصًا وتَيْسِيرًا.
﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أيْ: قِيامَ اللَّيْلِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي (p-٥٩٦٤)دَأبْتُمْ عَلَيْهِ، أوْ قِيامَ اللَّيْلِ كُلِّهِ، لِلْحَرَجِ والعُسْرِ ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: عادَ عَلَيْكم بِاليُسْرِ ورَفْعِ الحَرَجِ.
﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ أيْ: في صَلاةِ اللَّيْلِ بِلا تَقْدِيرٍ. أوِ المُرادُ: لا تَتَجاوَزُوا ما قَدَّرَهُ لَكُمْ، رَحْمَةً بِأنْفُسِكم. وفِيهِ رَدٌّ مِن غُلُوِّهِمْ في قِيامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ، أوِ الحِرْصِ عَلَيْهِ، شَوْقًا إلى العِبادَةِ، وسَبْقًا إلى الكَمالاتِ.
قالَ مُقاتِلٌ: كانَ الرَّجُلُ يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ، مَخافَةَ أنْ لا يُصِيبَ مِمّا أُمِرَ بِهِ مِن قِيامِ ما فُرِضَ عَلَيْهِ -نَقَلَهُ الرّازِيُّ-.
﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ أيْ: يُضْعِفُهُمُ المَرَضُ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها، فَيُقْعِدُهم ذَلِكَ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ ﴿وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: لِنُصْرَةِ الدِّينِ، فَلا يَتَفَرَّغُونَ لِلْقِيامِ فِيهِ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ، ولا تُحْرِجُوا أنْفُسَكُمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى يُرِيدُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إلى وُجُوبِ قِيامِ اللَّيْلِ المَفْهُومِ مِنَ الأمْرِ بِهِ طَلِيعَةَ السُّورَةِ، مَنسُوخٌ بِهَذِهِ الآياتِ.
رَوى ابْنُ جَرِيرٍ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كُنْتُ أجْعَلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَصِيرًا يُصَلِّي عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَسامَعَ بِهِ النّاسُ فاجْتَمَعُوا، فَخَرَجَ كالمُغْضَبِ -وكانَ بِهِمْ رَحِيمًا- فَخَشِيَ أنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِمْ قِيامُ اللَّيْلِ، فَقالَ: «يا أيُّها النّاسُ؟ اكْلَفُوا مِنَ الأعْمالِ ما تُطِيقُونَ؛ فَإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ مِنَ الثَّوابِ حَتّى تَمَلُّوا مِنَ العَمَلِ، وخَيْرُ الأعْمالِ ما دُمْتُمْ عَلَيْهِ»»؛ ونَزَلَ القُرْآنُ: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] الآيَةَ. حَتّى كانَ الرَّجُلُ يَرْبُطُ الحَبْلَ ويَتَعَلَّقُ، فَمَكَثُوا بِذَلِكَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، فَرَأى اللَّهُ ما يَبْتَغُونَ مِن رِضْوانِهِ فَرَحِمَهُمْ، فَرَدَّهم إلى الفَرِيضَةِ، وتَرَكَ قِيامَ اللَّيْلِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والحَدِيثُ في "الصَّحِيحِ" بِدُونِ زِيادَةِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، وهَذا السِّياقُ قَدْ يُوهِمُ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما هي مَكِّيَّةٌ. انْتَهى كَلامُهُ.
(p-٥٩٦٥)أقُولُ: وبِمِثْلِ هَذِهِ الرِّوايَةِ يُسْتَدَلُّ عَلى أنَّ مُرادَ السَّلَفِ بِقَوْلِهِمْ: ونَزَلَتِ الآيَةُ، الِاسْتِشْهادُ بِها في قَضِيَّةٍ تَنْطَبِقُ عَلَيْها، كَما بَيَّنّاهُ مِرارًا.
وأُخْرِجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ والمُؤْمِنِينَ بِقِيامِ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ خَفَّفَ عَنْهم فَرَحِمَهُمْ، وأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. فَوَسَّعَ اللَّهُ -ولَهُ الحَمْدُ- ولَمْ يُضَيِّقْ.
وعَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] قامُوا بِها حَوْلًا حَتّى ورِمَتْ أقْدامُهم وسُوقُهُمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ فاسْتَراحَ النّاسُ.
وهَكَذا رُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ والحُسْنِ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ في "شَرْحِ البُخارِيِّ ": ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ كانَتْ مَفْرُوضَةً، ثُمَّ نُسِخَتْ بِقِيامِ بَعْضِ اللَّيْلِ مُطْلَقًا، ثُمَّ نُسِخَ بِالخُمْسِ. وأنْكَرَهُ المَرْوَزِيُّ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الإسْراءِ صَلاةٌ مَفْرُوضَةٌ.
وقالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] هو مَنسُوخٌ بَعْدَ أنْ كانَ واجِبًا، بِآخِرِ السُّورَةِ. وقِيلَ: مُحْكَمٌ، فاسْتُدِلَّ بِهِ عَلى نَدْبِ قِيامِ اللَّيْلِ. واسْتَدَلَّ بِهِ طائِفَةٌ عَلى وُجُوبِهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً. وآخَرُونَ عَلى وُجُوبِهِ عَلى الأُمَّةِ أيْضًا، ولَكِنْ لَيْسَ اللَّيْلَ كُلَّهُ، بَلْ صَلاةَ ما فِيهِ، وعَلَيْهِ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ. انْتَهى.
أقُولُ: مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الأمْرَ مُحْكَمٌ وأنَّهُ لِلنَّدْبِ، يَرى أنَّ آخِرَ السُّورَةِ تَعْلِيمٌ لَهُمُ الرِّفْقَ بِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّهُ تابَ عَلَيْهِمْ بِاليُسْرِ، ورَفَعَ عَنْهُمُ الآصارَ. وفِيهِ ما يَدُلُّ عَلى عِنايَتِهِمْ بِالمَندُوبِ، وحِرْصِهِمْ عَلَيْهِ، حَتّى أفْضى الحالُ إلى الرِّفْقِ بِهِمْ فِيهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أثَرُ عائِشَةَ في رَبْطِهِمُ الحَبْلَ لِلتَّعَلُّقِ بِهِ، اسْتِعانَةً عَلى قِراءَةِ القُرْآنِ، وكَثْرَةِ تِلاوَتِهِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ تَعْبِيرٌ عَنِ (p-٥٩٦٦)الصَّلاةِ بِالقِراءَةِ، كَما قالَ في سُورَةِ سُبْحانَ: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] أيْ: بِقِراءَتِكَ. وقَدِ اسْتَدَلَّ أصْحابُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، بِهَذِهِ الآيَةِ، عَلى أنَّهُ لا تَتَعَيَّنُ قِراءَةُ الفاتِحَةِ في الصَّلاةِ، بَلْ لَوْ قَرَأ بِها أوْ بِغَيْرِها مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ بِآيَةٍ، أجْزَأهُ. واعْتَضْدُوا بِحَدِيثِ المُسِيءِ صَلاتِهِ الَّذِي في "الصَّحِيحَيْنِ"، وهُوَ: ««ثُمَّ اقْرَأْ ما تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ»» . وقَدْ أجابَهُمُ الجُمْهُورُ بِحَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وهو في "الصَّحِيحَيْنِ" أيْضًا، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا صَلاةَ إلّا أنْ يَقْرَأ بِفاتِحَةِ الكِتابِ»» . انْتَهى.
الثّالِثُ: في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَلَمٌ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ، بَلِ السُّورَةُ كُلُّها، مَكِّيَّةٌ. ولَمْ يَكُنِ القِتالُ شُرِعَ بَعْدُ، فَهي مِن أكْبَرِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ الإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ المُسْتَقْبَلَةِ.
الرّابِعُ: قالَ ابْنُ الفَرَسِ: في قَوْلِهِ:
﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ فَضِيلَةُ التِّجارَةِ، لِسَوْقِها في الآيَةِ مَعَ الجِهادِ.
أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: ما مِن حالٍ يَأْتِينِي عَلَيْهِ المَوْتُ بَعْدَ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، أحَبَّ إلَيَّ أنْ يَأْتِيَنِي وأنا ألْتَمِسُ مِن فَضْلِ اللَّهِ. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ السُّيُوطِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في التِّجارَةِ.
(p-٥٩٦٧)﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ أيْ: زَكاةَ أمْوالِكم.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا يَدُلُّ لِمَن قالَ بِأنَّ فَرْضَ الزَّكاةِ نَزَلَ بِمَكَّةَ، لَكِنَّ مَقادِيرَ النُّصُبِ والمَخْرَجِ لَمْ تُبَيَّنْ إلّا بِالمَدِينَةِ.
﴿وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ يَعْنِي بِهِ بَذْلَ المالِ في سَبِيلِ الخَيْراتِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، يَكُونُ مِن أطْيَبِ المالِ، وإعْطاءَهُ لِلْمُسْتَحَقِّ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، واتِّقاءَ المَنِّ والأذى. وسِرُّ الأمْرِ بِ: (الحَسَنِ) أنَّ القَرْضَ لَمّا كانَ يُعْطى بِنِيَّةِ الأخْذِ، لا يُبالِي بِأيِّ شَيْءٍ وأيِّ مِقْدارٍ يُعْطى مِنهُ، فَأُشِيرَ إلى إيثارِ المَقامِ الأرْفَعِ. ولِكَوْنِهِ مُحَقَّقَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ دَلَّ التَّعْبِيرُ بِهِ عَلى تَحَقُّقِ العِوَضِ هُنا.
﴿وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ أيْ: في الدُّنْيا مِن صَدَقَةٍ أوْ نَفَقَةٍ في وُجُوهِ الخَيْرِ، أوْ عَمَلٍ بِطاعَةِ اللَّهِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أعْمالِ البِرِّ ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا﴾ أيْ: ثَوابًا مِمّا عِنْدَكم مِن مَتاعِ الدُّنْيا.
﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: سَلُوهُ غُفْرانَ ذُنُوبِكُمْ، ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: ذُو مَغْفِرَةٍ لِذُنُوبِ مَن تابَ إلَيْهِ وأنابَ، ورَحْمَةَ أنْ يُعاقِبَكم عَلَيْها بَعْدَ تَوْبَتِهِمْ مِنها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences