Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
القيامة
Al-Qiyamah
The Resurrection · Meccan · 40 ayahs
75:1–2Page 577
لَآ أُقۡسِمُ بِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ ١
I swear by the Day of Resurrection
وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ ٢
And I swear by the reproaching soul1 [to the certainty of resurrection].
(p-٥٩٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القِيامَةِ
قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِتَضَمُّنِها غايَةَ تَعْظِيمِ ذَلِكَ اليَوْمِ، مَن لا يَتَناهى ثَوابُهُ وعِقابُهُ، بِحَيْثُ تَتَحَسَّرُ فِيهِ كُلُّ نَفْسٍ مِن تَقْصِيرِها، وإنْ عَمِلَتْ ما عَمِلَتْ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها أرْبَعُونَ.
(p-٥٩٨٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ - ٢] ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]
﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] قالَ القاشانِيُّ: جَمَعَ بَيْنَ القِيامَةِ والنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، في القَسَمِ بِهِما، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِما، وتَناسُبًا بَيْنَهُما؛ إذِ النَّفْسُ اللَّوّامَةُ هي المُصَدِّقَةُ بِها، المُقِرَّةُ بِوُقُوعِها المُهَيِّئَةُ لِأسْبابِها، لِأنَّها تَلُومُ نَفْسَها أبَدًا في التَّقْصِيرِ، والتَّقاعُدِ عَنِ الخَيْراتِ، وإنْ أحْسَنَتْ، لِحِرْصِها عَلى الزِّيادَةِ في الخَيْرِ، وأعْمالِ البِرِّ، تَيَقُّنًا بِالجَزاءِ، فَكَيْفَ بِها إنْ أخْطَأتْ وفَرَّطَتْ وبَدَرَتْ مِنها بادِرَةٌ غَفْلَةً ونِسْيانًا.
ومَرَّ الكَلامُ عَلى " لا أُقْسِمُ " في مَواقِعِهِ قَبْلَ هَذا. فَتَذَكَّرْ. وحُذِفَ جَوابُ القَسَمِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ:
75:3–4Page 577
أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَلَّن نَّجۡمَعَ عِظَامَهُۥ ٣
Does man think that We will not assemble his bones?
بَلَىٰ قَٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُۥ ٤
Yes. [We are] Able [even] to proportion his fingertips.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣ - ٤] ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤]
﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ عَلَيْهِ، وهو لَتُبْعَثُنَّ. قالَ القاشانِيُّ: المُرادُ بِالقِيامَةِ، هاهُنا الصُّغْرى، لِهَذِهِ الدَّلالَةِ بِعَيْنِها.
﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] أيْ: بَلى! نَجْمَعُ عِظامَهُ، قادِرِينَ تَسْوِيَةَ بَنانِهِ الَّتِي هي أطْرافُ خِلْقَتِهِ وتَمامُها، عَلى صِغَرِها ولَطافَتِها، وضَمِّ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، فَكَيْفَ بِكِبارِ العِظامِ؟
(p-٥٩٨٩)
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾
﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ أيْ: لِيَدُومَ عَلى الفُجُورِ، فِيما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ، ولا يُثْنِيهِ عَنْهُ شَيْءٌ، ولا يَتُوبُ مِنهُ أبَدًا.
قالَ الشِّهابُ:
﴿أمامَهُ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ، اسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، فَيُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ والضَّمِيرُ لِلْإنْسانِ، أوْ لِيَوْمِ القِيامَةِ. وقِيلَ: الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ عَنْ حالِ الفاجِرِ، بِأنَّهُ يُرِيدُ لِيَفْجُرَ في المُسْتَقْبَلِ، عَلى أنَّ إرادَتَهُ وحُسْبانَهُ هُما عَيْنُ الفُجُورِ. وفي إعادَةِ المُظْهَرِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْدِيدِ ونَعْيِ قَبِيحِ ما ارْتَكَبَهُ، وأنَّ الإنْسانِيَّةَ تَأْباهُ. وقِيلَ: حَمَلَهُ عَلى الِاسْتِمْرارِ لِيَصِحَّ الإضْرابُ، ويَصِيرَ المَعْنى: بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى فُجُورِهِ ولا يَتُوبَ، فَلِذا أنْكَرَ البَعْثَ.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: لِيَدُومَ عَلى الفُجُورِ بِالمَيْلِ إلى اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، والشَّهَواتِ البَهِيمِيَّةِ، غارِزًا رَأْسَهُ فِيها، فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الزَّمانِ الحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ، فَيَغْفُلُ عَنِ القِيامَةِ لِقُصُورِ نَظَرِهِ عَنْها، وكَوْنِهِ مَقْصُورًا عَلى اللَّذّاتِ العاجِلَةِ، وفَرْطِ تَهالُكِهِ عَلَيْها، واحْتِجابِهِ بِها عَنِ الآجِلَةِ، سائِلًا عَنْها، مُتَعَنِّتًا مُسْتَبْعِدًا إيّاها، كَما قالَ سُبْحانَهُ:
75:6–13Page 577
يَسۡـَٔلُ أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلۡقِيَٰمَةِ ٦
He asks, "When is the Day of Resurrection?"
فَإِذَا بَرِقَ ٱلۡبَصَرُ ٧
So when vision is dazzled
وَخَسَفَ ٱلۡقَمَرُ ٨
And the moon darkens
وَجُمِعَ ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ ٩
And the sun and the moon are joined,
يَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذٍ أَيۡنَ ٱلۡمَفَرُّ ١٠
Man will say on that Day, "Where is the [place of] escape?"
كـَلَّا لَا وَزَرَ ١١
No! There is no refuge.
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمُسۡتَقَرُّ ١٢
To your Lord, that Day, is the [place of] permanence.
يُنَبَّؤُاْ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذِۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ١٣
Man will be informed that Day of what he sent ahead1 and kept back.2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦ - ١٣] ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] (p-٥٩٩٠)﴿كَلا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]
﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ أيْ: مَتى يَكُونُ؟ اسْتِبْعادًا وهُزُؤًا. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ أوْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: يَفْجُرَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، والِاسْتِئْنافُ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يُرِيدُ الدَّوامَ عَلى الفُجُورِ؟ قِيلَ: لِأنَّهُ أنْكَرَ البَعْثَ واسْتَهْزَأ بِهِ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] أيْ: تَحَيَّرَ ودَهِشَ، أيْ: لِما أتى مِن أمْرِ اللَّهِ. قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: عِنْدَ المَوْتِ. ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] أيْ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] أيْ: جُمِعَ بَيْنَهُما في ذَهابِ الضَّوْءِ، فَلا ضَوْءَ لِواحِدٍ مِنهُما. وقِيلَ: إنَّهُما يَجْتَمِعانِ ثُمَّ يُكَوَّرانِ، كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جُمِعا فَرُمِيَ بِهِما في الأرْضِ.
﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] أيِ: الفِرارُ. أيْ: يَطْلُبُ مَهْرَبًا ومَحِيصًا لِدَهْشَتِهِ، أوْ يَقُولُ قَوْلَ الآيِسِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا فِرارَ حِينَئِذٍ.
﴿كَلا﴾ [القيامة: ١١] رَدْعٌ لَهُ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ، ﴿لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] أيْ: لا مَلْجَأ.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] أيْ: مُسْتَقَرُّ العِبادِ، مِن نارٍ أوْ جَنَّةٍ. أيْ: مُفَوَّضٌ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ مُسْتَقَرُّهُمْ، أوِ اسْتِقْرارُ أمْرِهِمْ، والحُكْمُ فِيهِمْ
﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ:: مِن عَمَلِهِ الَّذِي يُوجِبُ نَجاتَهُ وثَوابَهُ، مِنَ الخَيْراتِ والصّالِحاتِ، ﴿وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] أيْ: مِنهُ فَفَرَّطَ وقَصَّرَ فِيهِ ولَمْ يَعْمَلْهُ.
قالَ الشِّهابُ:
" ما قَدَّمَ " كِنايَةٌ عَمّا عَمِلَ، وما "أخَّرَ" ما تَرَكَهُ ولَمْ يَعْمَلْهُ. وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ فِيما ذُكِرَ. أوْ ما قَدَّمَهُ، ما عَمِلَهُ، وما أخَّرَهُ، عَمِلَ مَنِ اقْتَدى بِهِ بَعْدَهُ عَمَلًا لَهُ، كَأنَّهُ وقَعَ مِنهُ.
(p-٥٩٩١)
75:14–15Page 577
بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ ١٤
Rather, man, against himself, will be a witness,1
وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ ١٥
Even if he presents his excuses.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٤ - ١٥] ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥]
﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ، يَشْهَدُ بِعِلْمِهِ، لِبَقاءِ هَيْئاتِ أعْمالِهِ المَكْتُوبَةِ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ، ورُسُوخِها في ذاتِهِ، وصَيْرُورَةِ صِفاتِهِ صُوَرَ أعْضائِهِ، فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُنَبَّأ مِن خارِجٍ.
قالَ الشِّهابُ:
" بَصِيرَةٌ " مَجازٌ عَنِ الحُجَّةِ الظّاهِرَةِ. أوْ " بَصِيرَةٌ " بِمَعْنى بَيِّنَةٍ، وهي صِفَةٌ لِحُجَّةٍ مُقَدَّرَةٍ. وجَعَلَ الحُجَّةَ بَصِيرَةً؛ لِأنَّ صاحِبَها يُبْصِرُ بِها، فالإسْنادُ مَجازِيٌّ. أوْ هي بِمَعْنى (دالَّةٍ) مَجازًا. أوْ هو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ. و" الإنْسانُ " مُبْتَدَأٌ، و" بَصِيرَةٌ " خَبَرُهُ، و" عَلى " مُتَعَلِّقٌ بِهِ. والتَّأْنِيثُ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِكَوْنِهِ صِفَةَ حُجَّةٍ. ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] أيْ: ولَوْ ألْقى أعْذارَهُ مُجادِلًا عَنْ نَفْسِهِ بِكُلِّ مَعْذِرَةٍ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ، وإنْكارِ البَعْثِ، مُنْكَرٌ باطِلٌ، تُنْكِرُهُ قُلُوبُهُمْ، وأنَّهم في دِفاعِهِمْ يُجادِلُونَ بِالباطِلِ. ولا غَرْوَ أنْ يُنْكِرَ القَلْبُ ما تَدْفَعُهُ الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ، والدِّينُ دِينُ الفِطْرَةِ.
قالَ الشِّهابُ: شَبَّهَ المَجِيءَ بِالعُذْرِ بِإلْقاءِ الدَّلْوِ في البِئْرِ لِلِاسْتِقاءِ بِهِ، فَيَكُونُ فِيهِ تَشْبِيهٌ لِذَلِكَ بِالماءِ المَرْوِيِّ لِلْعَطَشِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
75:16–19Page 577
لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ ١٦
Move not your tongue with it, [O Muḥammad], to hasten with it [i.e., recitation of the Qur’ān].
إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ ١٧
Indeed, upon Us is its collection [in your heart] and [to make possible] its recitation.
فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ ١٨
So when We have recited it [through Gabriel], then follow its recitation.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ ١٩
Then upon Us is its clarification [to you].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦ - ١٩] ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] (p-٥٩٩٢)﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أيْ: لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ عِنْدَ إلْقاءِ الوَحْيِ، لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلَةٍ، مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنكَ.
﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أيْ: في صَدْرِكَ، وإثْباتَ حِفْظِهِ في قَلْبِكَ، بِحَيْثُ لا يَذْهَبُ عَلَيْكَ مِنهُ شَيْءٌ.
﴿وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أيْ: أنْ تَقْرَأهُ بَعْدُ فَلا تَنْسى ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ [القيامة: ١٨] أيْ: أتْمَمْنا قِراءَتَهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أيْ: كُنْ مُقْفِيًا لَهُ ولا تُراسِلْهُ.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] أيْ: بَيانَ ما فِيهِ، إذا أشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن مَعانِيهِ، أوْ أنْ نُبَيِّنَهُ عَلى لِسانِكَ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ هو المَأْثُورُ في "الصَّحِيحَيْنِ" وغَيْرِهِما، ولَفْظُ البُخارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ»»، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ يَخْشى أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ ﴿وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أيْ: تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ [القيامة: ١٨] يَقُولُ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أنْ نُبَيِّنَهُ عَلى لِسانِكَ. زادَ في رِوايَةٍ: فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، إذا أتاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإذا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ، قَرَأهُ النَّبِيُّ ﷺ كَما قَرَأهُ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: أيْ: لا تَكَلَّمْ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ حَتّى يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ، فَإذا قَضَيْنا إلَيْكَ وحْيَهُ، فَتَكَلَّمْ بِهِ. يَعْنِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]
(p-٥٩٩٣)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا قالَ الشَّعْبِيُّ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وغَيْرُ واحِدٍ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، وأنَّها تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِرَسُولِهِ كَيْفِيَّةَ تَلَقِّيهِ الوَحْيَ.
الثّانِي: ذَكَرُوا في مُناسَبَةِ وُقُوعِ الآيَةِ مُعْتَرِضَةً في أحْوالِ القِيامَةِ -عَلى تَأْوِيلِهِمُ المُتَقَدِّمِ- وُجُوهًا:
مِنها: تَأْكِيدُ التَّوْبِيخِ عَلى ما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ -والمَرْءُ مَفْتُونٌ بِحُبِّ العاجِلِ- حَتّى جُعِلَ مَخْلُوقًا مِن عَجَلٍ، ومِن مَحَبَّةِ العاجِلِ، وإيثارِهِ عَلى الآجِلِ، تَقْدِيمُ الدُّنْيا الحاضِرَةِ عَلى الآخِرَةِ، الَّذِي هو مَنشَأُ الكُفْرِ والعِنادِ، المُؤَدِّي إلى إنْكارِ الحَشْرِ والمَعادِ؛ فالنَّهْيُ عَنِ العَجَلَةِ في هَذا يَقْتَضِي النَّهْيَ فِيما عَداهُ، عَلى آكَدِ وجْهٍ. وهَذِهِ مُناسَبَةٌ تامَّةٌ بَيْنَ ما اعْتُرِضَ فِيهِ وبَيْنَهُ، قالَهُ الشِّهابُ.
ومِنها: أنَّ عادَةَ القُرْآنِ، إذا ذُكِرَ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى عَمَلِ العَبْدِ، حَيْثُ يُعْرَضُ يَوْمَ القِيامَةِ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ الكِتابِ المُشْتَمِلِ عَلى الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ في الدُّنْيا الَّتِي تَنْشَأُ عَنْها المُحاسَبَةُ عَمَلًا وتَرْكًا، كَما قالَ في الكَهْفِ:
﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩] إلى أنْ قالَ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٨٩] الآيَةَ. وقالَ في طه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] إلى أنْ قالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]
ومِنها: أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ لَمّا نَزَلَ إلى قَوْلِهِ:
﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] صادَفَ أنَّهُ ﷺ في تِلْكَ الحالَةِ بادَرَ إلى تَحَفُّظِ الَّذِي نَزَلَ، وحَرَّكَ بِهِ لِسانَهُ مِن عَجَلَتِهِ خَشْيَةً مِن تَفَلُّتِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى تَكْمِلَةِ ما ابْتَدَأ بِهِ.
قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: ونَحْوَهُ ما لَوْ ألْقى المُدَرِّسُ عَلى الطّالِبِ مَثَلًا مَسْألَةً، فَتَشاغَلَ الطّالِبُ بِشَيْءٍ عَرَضَ لَهُ فَقالَ لَهُ: ألْقِ إلَيَّ بالَكَ، وتَفَهَّمْ ما أقُولُ، ثُمَّ كَمَّلَ المَسْألَةَ، فَمَن لا يَعْرِفُ (p-٥٩٩٤)السَّبَبَ يَقُولُ: لَيْسَ هَذا الكَلامُ مُناسِبًا لِلْمَسْألَةِ، بِخِلافِ مَن عَرَفَ ذَلِكَ. قالَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "فَتْحِ البارِي".
الثّالِثُ: اسْتَدَلُّوا عَلى التَّأْوِيلِ السّابِقِ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ، كَما هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ لِما تَقْتَضِيهِ " ثُمَّ " مِنَ التَّراخِي. وأوَّلُ مَنِ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ، وتَبِعُوهُ. وهَذا لا يَتِمُّ إلّا عَلى تَأْوِيلِ البَيانِ بِتَبْيِينِ المَعْنى، وإلّا فَإذا حُمِلَ عَلى أنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ حِفْظِهِ لَهُ، وظُهُورِهِ عَلى لِسانٍ، فَلا!
قالَ الآمِدِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ البَيانُ التَّفْصِيلِيُّ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ جَوازُ تَأْخِيرِ البَيانِ الإجْمالِيِّ، فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ. وتُعُقِّبَ بِاحْتِمالِ إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ: الإظْهارِ والتَّفْصِيلِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] جِنْسٌ مُضافٌ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ أصْنافِهِ مِن إظْهارِهِ وتَبْيِينِ أحْكامِهِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِن تَخْصِيصٍ وتَقْيِيدٍ ونَسْخٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. قالَهُ الحافِظُ في "الفَتْحِ".
وجَوَّزَ القَفّالُ أنْ تَكُونَ " ثُمَّ " لِلتَّرْتِيبِ في الإخْبارِ. أيْ: إنّا نُخْبِرُكَ بِأنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ، فَلا تَدُلُّ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ. وضَعَّفَهُ الرّازِيُّ بِأنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
الرّابِعُ: ما قَدَّمْناهُ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ إلَخْ، وما اسْتُفِيدَ مِنهُ، وما قِيلَ في مُناسَبَتِهِ لِما قَبْلَهُ، كُلُّهُ إذا جَرى عَلى المَأْثُورِ فِيها. وحاوَلَ القَفّالُ مَعْنًى فَقالَ كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الرّازِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ لَيْسَ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ بَلْ هو خِطابٌ مَعَ الإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] فَكانَ ذَلِكَ حالَ ما يُنَبَّأُ بِقَبائِحِ أفْعالِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كِتابُهُ فَيُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] فَإذا أخَذَ في القِراءَةِ تَلَجْلَجَ لِسانُهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، (p-٥٩٩٥)وسُرْعَةِ القِراءَةِ، فَيُقالُ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا بِحُكْمِ الوَعْدِ، أوْ بِحُكْمِ الحِكْمَةِ، أنْ نَجْمَعَ أعْمالَكَ عَلَيْكَ، وأنْ نَقْرَأها عَلَيْكَ، فَإذا قَرَأْناهُ عَلَيْكَ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، بِالإقْرارِ بِأنَّكَ فَعَلْتَ تِلْكَ الأفْعالَ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَ أمْرِهِ، وشَرْحَ مَراتِبِ عُقُوبَتِهِ.
وحاصِلُ الأمْرِ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ المُرادَ مِنهُ، أنَّهُ تَعالى يَقْرَأُ عَلى الكافِرِ جَمِيعَ أعْمالِهِ، عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ. وفِيهِ أشَدُّ الوَعِيدِ في الدُّنْيا، وأشَدُّ التَّهْوِيلِ في الآخِرَةِ.
ثُمَّ قالَ القَفّالُ: فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ، لَيْسَ في العَقْلِ ما يَدْفَعُهُ، وإنْ كانَتِ الآثارُ غَيْرَ وارِدَةٍ بِهِ. انْتَهى.
ونَقَلَ الشِّهابُ أنَّ بَعْضَهُمُ ارْتَضى هَذا الوَجْهَ، وقَدَّمَهُ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ.
وزَعَمَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أنَّ الحامِلَ عَلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ هو عُسْرُ بَيانِ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وما قَبْلَها مِن أحْوالِ القِيامَةِ؛ أيْ: ولَمّا بَيَّنَ الأئِمَّةُ المُناسَبَةَ الَّتِي أثَرْناها عَنْهُمْ، لَمْ يَبْقَ وجْهٌ لِلذَّهابِ إلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ، مَعَ أنَّ هَذا الوَجْهَ -هُوَ فِيما يَظْهَرُ- فِيهِ غايَةُ القُوَّةِ والِارْتِباطِ بِهِ قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، مِمّا يُؤْثِرُهُ عَلى المَأْثُورِ، الَّذِي قَدْ يَكُونُ مَدْرَكُهُ الِاجْتِهادَ، والوُقُوفَ مَعَ ظاهِرِ ألْفاظِ الآيَةِ. ومِمّا يُؤَيِّدُ ما أُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ في تِلْكَ الحالِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ في مَبْدَأِ البَعْثِ النَّبَوِيِّ، ولَمْ يَكُنِ ابْنِ عَبّاسٍ وُلِدَ حِينَئِذٍ. ولا مانِعَ -كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ- أنْ يُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ بَعْدُ، فَيَراهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ يُخْبَرَ بِهِ، فَيَكُونُ مِن مَراسِيلِ الصَّحابَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
75:20–25Page 578
كـَلَّا بَلۡ تُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ ٢٠
No! But you [i.e., mankind] love the immediate
وَتَذَرُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ ٢١
And leave [i.e., neglect] the Hereafter.
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ ٢٢
[Some] faces, that Day, will be radiant,
إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ ٢٣
Looking at their Lord.1
وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۭ بَاسِرَةٞ ٢٤
And [some] faces, that Day, will be contorted,
تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ ٢٥
Expecting that there will be done to them [something] backbreaking.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠ - ٢٥] ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] (p-٥٩٩٦)﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥]
﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ أيِ: الدُّنْيا العاجِلَةَ، بِإيثارِ شَهَواتِها ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] أيْ: بِالإعْراضِ عَنِ الأعْمالِ الَّتِي تُورِثُ مَنازِلَها، أوْ تَنْسَوْنَ الآخِرَةَ ووَعِيدَها، وهَوْلَ حِسابِها وجَزائِها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] أيْ: حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ مِنَ النَّعِيمِ.
﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] أيْ: مُشاهِدَةٌ إيّاهُ، تَرى جَمالَ ذاتِهِ العَلِيَّةِ، ونُورَ وجْهِهِ الكَرِيمِ، كَما ورَدَتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ والآثارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] أيْ: كالِحَةٌ، لِجَهامَةِ هَيْئاتِها، وهَوْلِ ما تَراهُ هُناكَ مِنَ الأهْوالِ، وأنْواعِ العَذابِ والخُسْرانِ.
﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] أيْ: داهِيَةٌ تَفْصِمُ فَقارَ الظَّهْرِ، لِشِدَّتِها وسُوءِ حالِها ووَبالِها. وشَتّانَ ما بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ! ويَظْهَرُ أنَّ في عَوْدِ الضَّمِيرِ مِن " بِها " إلى الوُجُوهِ -مُرادًا بِها الذَّواتُ- شِبْهَ اسْتِخْدامٍ، ولَمْ أرَ مَن نَبَّهَ عَلَيْهِ.
75:26–30Page 578
كـَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ ٢٦
No! When it [i.e., the soul] has reached the collar bones1
وَقِيلَ مَنۡۜ رَاقٖ ٢٧
And it is said, "Who will cure [him]?"
وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ ٢٨
And he [i.e., the dying one] is certain that it is the [time of] separation
وَٱلۡتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ ٢٩
And the leg is wound about the leg,1
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمَسَاقُ ٣٠
To your Lord, that Day, will be the procession.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦ - ٣٠] ﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠]
﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أيْ: بَلَغَتِ النَّفْسُ أعالِيَ الصَّدْرِ. وإضْمارُها -وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ- لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْها، كَقَوْلِ حاتِمٍ:(p-٥٩٩٧)
؎أماوِيَّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ
قالَ الرّازِيُّ: يُكَنِّي بِبُلُوغِ النَّفْسِ التَّراقِيَ، عَنِ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ ابْنِ الصِّمَّةِ:
؎ورُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتُ عَنْها ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وقالَ أهْلُهُ: مَن ذا يَرْقِيهِ لِيَشْفِيَهُ مِمّا قَدْ نَزَلَ بِهِ، وطَلَبُوا لَهُ الأطِبّاءَ والمُداوِينَ، فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِن أمْرِ اللَّهِ الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ شَيْئًا. أيْ: فالِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى الطَّلَبِ لِراقٍ أوْ طَبِيبٍ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ بِمَعْنى الإنْكارِ، يَأْسًا مِن أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى نَفْعِهِ بِرُقْيَةٍ أوْ عُوذَةٍ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ إظْهارَ النُّونِ عِنْدَ حُرُوفِ الفَمِ لَحْنٌ، فَلا يَجُوزُ إظْهارُ نُونِ " مَن " في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ إظْهارَ النُّونِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن راقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] و﴿بَلْ رانَ﴾ [المطففين: ١٤] قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولا أعْرِفُ وجْهَ ذَلِكَ. قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ أنْ يُقالَ: قَصَدَ الوَقْفَ عَلى " مَن " و" بَلْ " فَأظْهَرَهُما، ثُمَّ ابْتَدَأ بِما بَعْدَهُما. وهَذا غَيْرُ مَرَضِيٍّ مِنَ القِراءَةِ. انْتَهى.
نَقَلَهُ الرّازِيُّ.
﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ [القيامة: ٢٨] أيْ: وأيْقَنَ الَّذِي قَدْ نَزَلَ ذَلِكَ بِهِ أنَّهُ فِراقُ الدُّنْيا والأهْلِ والمالِ.
﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] أيِ: التَوَتْ ساقُهُ بِساقِهِ، فَلا يَقْدِرُ عَلى تَحْرِيكِها. وقِيلَ: هُما ساقاهُ، إذا التَفَّتا في الكَفَنِ. وقِيلَ: السّاقُ عِبارَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ القَلَمِ. والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ أيْضًا.
قالَ الشِّهابُ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَرَّ هو الكَشْفُ عَنِ السّاقِ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ المُصابَ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ، فَكَيْفَ يُنَزَّلُ هَذا عَلَيْهِ؟
قُلْتُ: الأمْرُ كَما ذَكَرْتُ، لَكِنَّهُ شاعَ فِيهِ، فَفُهِمَ ذَلِكَ مِنَ السِّياقِ وحْدَهُ، حَتّى صارَ (p-٥٩٩٨)عِبارَةً عَنْ كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ الرّاغِبُ، انْتَهى.
﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] أيْ: سَوْقُهُ إلى حُكْمِهِ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences