Al-QasimiAl‑Anfal · 8:9–17

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:9–17

8:9Page 178

إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ ٩

[Remember] when you were asking help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩ ] ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ .

﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ أيْ: تَطْلُبُونَ مِنهُ الغَوْثَ، وهو التَّخَلُّصُ مِنَ الشِّدَّةِ، والعَوْنُ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ ﴿فاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ أيِ: الدُّعاءَ ﴿أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ أيْ: مُعِينُكم ﴿بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ بِكَسْرِ الدّالِ، أيْ: مُتَتابِعِينَ، بَعْضُهم عَلى إثْرِ بَعْضٍ، أوَمُرْدِفِينَ غَيْرَهم.

وقُرِئَ بِفَتْحِها عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ أرْدَفَ المُسْلِمِينَ بِهِمْ، أوْ مُرْدَفِينَ بِغَيْرِهِمْ، أيْ: مِن مَلائِكَةٍ آخَرِينَ.

وقُرِئَ (بِآلافٍ) بِالجَمْعِ، كَما يَأْتِي.

رَوى مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المُشْرِكِينَ وهم ألْفٌ، وأصْحابُهُ ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا؛ فاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ القِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ ويَقُولُ: «اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِنِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ، لا تُعْبَدْ في الأرْضِ» . فَما زالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مادًّا يَدَيْهِ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ عَنْ مَنكِبَيْهِ، فَأتاهُ أبُو بَكْرٍ، فَأخَذَ رِداءَهُ، فَألْقاهُ عَلى مَنكِبَيْهِ، ثُمَّ التَزَمَهُ مِن ورائِهِ، وقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ ! كَفاكَ مُناشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾»

(p-٢٩٥٧)ورَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ:

«هَذا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ، عَلَيْهِ أداةُ الحَرْبِ»» .

ورَوى البُخارِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ رِفاعَةَ، عَنْ رافِعٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أبِيهِ - وكانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا - قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ما تَعُدُّونَ أهْلَ بَدْرٍ فِيكم ؟ قالَ: مِن أفْضَلِ المُسْلِمِينَ - أوْ كَلِمَةً نَحْوَها - قالَ: وكَذَلِكَ مَن شَهِدَ بَدْرًا مِنَ المَلائِكَةِ».

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ الجُشَمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ المَلَكَ يَجُوزُ أنْ يَتَشَبَّهَ بِالآدَمِيِّ، ولا يَخْرُجَ مِن كَوْنِهِ مَلَكًا، بِأنْ يُغَيِّرَ أطْرافَهم دُونَ الأجْزاءِ الَّتِي صارُوا بِها أحْياءً والَّذِي يُنْكَرُ أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى تَغْيِيرِ الصُّوَرِ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ.

انْتَهى.

الثّانِي: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنِ السُّدِّيِّ: (بِآلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ) - عَلى الجَمْعِ - لِيُوافِقَ ما في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

فَإنْ قُلْتَ: فِيمَ يُعْتَذَرُ لِمَن قَرَأ عَلى التَّوْحِيدِ، ولَمْ يُفَسَّرِ (المُرْدِفِينَ) بِإرْدافِ المَلائِكَةِ مَلائِكَةً آخَرِينَ، و(المُرْدَفِينَ) بِارْتِدافِهِمْ غَيْرَهم ؟

قُلْتُ: بِأنَّ المُرادَ بِالألْفِ، مَن قاتَلَ مِنهم، أوِ الوُجُوهُ مِنهُمُ، الَّذِينَ مَن سِواهم أتْباعٌ لَهُمُ. انْتَهى.

قالَ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القَيِّمِ في (" زادِ المَعادِ ") في بَحْثِ غَزْوَةِ بَدْرٍ:

فَإنْ قِيلَ: هاهُنا ذَكَرَ أنَّهُ أمَدَّهم بِألْفٍ، وفي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ قالَ: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْـزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤] ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟

(p-٢٩٥٨)قِيلَ: اخْتُلِفَ في هَذا الإمْدادِ الَّذِي بِثَلاثَةِ آلافٍ، والَّذِي بِخَمْسَةٍ عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَوْمَ (أُحُدٍ)، وكانَ إمْدادًا مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ، فَلَمّا فاتَ شَرْطُهُ، فاتَ الإمْدادُ. وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ، وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، والرِّوايَةُ الأُخْرى عَنْ عِكْرِمَةَ، واخْتارَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وحُجَّةُ هَؤُلاءِ، أنَّ السِّياقَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ:

﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣] ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْـزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤] ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥] إلى أنْ قالَ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ١٠] أيْ: هَذا الإمْدادَ: ﴿إلا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]

قالَ هَؤُلاءِ: فَلَمّا اسْتَغاثُوا، أمَدَّهم بِألْفٍ، ثُمَّ أمَدَّهم بِتَمامِ ثَلاثَةِ آلافٍ، ثُمَّ أمَدَّهم بِتَمامِ خَمْسَةِ آلافٍ، لِما صَبَرُوا واتَّقَوْا. وكانَ هَذا التَّدْرِيجُ، ومُتابَعَةُ الإمْدادِ، أحْسَنَ مَوْقِعًا، وأقْوى لِتَقْوِيَتِهِمْ وأسَرَّ لَها مِن أنْ يَأْتِي مَرَّةً واحِدَةً، وهو بِمَنزِلَةِ مُتابَعَةِ الوَحْيِ ونُزُولِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.

وقالَتِ الفِرْقَةُ الأُولى: القِصَّةُ في سِياقِ (أُحُدٍ)، وإنَّما أُدْخِلَ ذِكْرُ (بَدْرٍ) اعْتِراضًا في أثْنائِها، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١] ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] ثُمَّ قالَ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣] فَذِكْرُهُ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، لِما نَصَرَهم بِبَدْرٍ وهم أذِلَّةٌ، ثُمَّ عادَ إلى قِصَّةِ (أُحُدٍ)، وأخْبَرَ عَنْ قَوْلِ رَسُولِهِ لَهم: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْـزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤] ثُمَّ وعَدَهم أنَّهم إنْ صَبَرُوا واتَّقَوْا أمَدَّهم بِخَمْسَةِ آلافٍ.

فَهَذا مِن قَوْلِ رَسُولِهِ، والإمْدادُ الَّذِي بِبَدْرٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى، وهَذا بِخَمْسَةِ آلافٍ، وإمْدادُ بَدْرٍ بِألْفٍ، وهَذا مُعَلِّقٌ عَلى شَرْطٍ، وذَلِكَ مُطْلَقٌ.

والقِصَّةُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، هي قِصَّةُ (أُحُدٍ) مُسْتَوْفاةٌ مُطَوَّلَةٌ، و(بَدْرٌ) ذُكِرَتْ فِيها اعْتِراضًا.

(p-٢٩٥٩)والقِصَّةُ في سُورَةِ الأنْفالِ قِصَّةُ (بَدْرٍ) مُسْتَوْفاةٌ مُطَوَّلَةٌ، فالسِّياقُ في آلِ عِمْرانَ غَيْرُ السِّياقِ في الأنْفالِ، يُوَضِّحُ هَذا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ [آل عمران: ١٢٥] قَدْ قالَ مُجاهِدٌ: هو يَوْمُ (أُحُدٍ)، وهَذا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ الإمْدادُ المَذْكُورَ فِيهِ، فَلا يَصِحُّ قَوْلُهُ إنَّ الإمْدادَ بِهَذا العَدَدِ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ وإتْيانُهم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يَوْمَ أُحُدٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى

8:10Page 178

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ١٠

And Allāh made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allāh. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠ ] ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: هَذا الإمْدادَ ﴿إلا بُشْرى﴾ أيْ: بِشارَةً لَكم بِالنَّصْرِ، ﴿ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ شَرِكَةٌ لِغَيْرِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حِكْمَةَ إخْبارِهِمْ بِالنَّصْرِ، وأنَّهُ يُرِيدُ بُشْراهم وطُمَأْنِينَتَهم وتَوَكُّلَهم عَلَيْهِ، وهو أدْعى إلى قُوَّةِ العَزِيمَةِ، فَإنَّ العامِلَ إذا أيْقَنَ بِأنَّ مَعَهُ قاهِرَ الكَوْنِ: رَفَعَتْهُ تِلْكَ الفِكْرَةُ، وجَعَلَتْهُ أقْوى النّاسِ، وأقْدَرَهم عَلى صِعابِ الأُمُورِ، لا كَما يَظُنُّهُ المُنْتَكِسُونَ الجاهِلُونَ الكُسالى اليائِسُونَ مِن رَوْحِ اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلُوا التَّوَكُّلَ ذَرِيعَةً إلى البِطالَةِ، فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ. انْتَهى.

ثُمَّ ذَكَّرَهم سُبْحانَهُ بِنِعَمٍ أُخْرى جَعَلَها سَبَبًا لِنَصْرِهِمْ، ولِلْعِنايَةِ بِهِمْ، فَقالَ:

8:11Page 178

إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ ١١

[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١ ] ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَـزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ .

﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ﴾ أيْ: يُلْقِي عَلَيْكُمُ النُّوَّمَ لِلْأمْنِ الكائِنِ مِنهُ تَعالى (p-٢٩٦٠)مِمّا حَصَلَ لَكم مِنَ الخَوْفِ مِن كَثْرَةِ عَدُوِّكم.

وقَدْ كانَ أسَهَرَهُمُ الخَوْفُ، فَألْقى تَعالى عَلَيْهِمُ النَّوْمَ فَأمِنُوا واسْتَراحُوا. وكَذَلِكَ فَعَلَ تَعالى بِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ، كَما قالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿ثُمَّ أنْـزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وقُرِئَ: (يُغْشِيكم) مِنَ الإغْشاءِ، بِمَعْنى التَّغْشِيَةِ والفاعِلُ في الوَجْهَيْنِ هو اللَّهُ تَعالى وقُرِئَ: (يَغْشاكم) عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى النُّعاسِ.

وفِي الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا كانَ يَوْمُ (بَدْرٍ) في العَرِيشِ مَعَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهُما يَدْعُوانِ، أخَذَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سِنَةٌ مِنَ النَّوْمِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ مُتَبَسِّمًا، فَقالَ: «أبْشِرْ يا أبا بَكْرٍ، هَذا جِبْرِيلُ، عَلى ثَغاياهُ النَّقْعُ» . ثُمَّ خَرَجَ مِن بابِ العَرِيشِ، وهو يَتْلُوا: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]»

ثُمَّ ذَكَّرَهم تَعالى مِنَّةً أُخْرى تَدُلُّ عَلى نَصْرِهِ إيّاهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويُنَـزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ أيْ: مِنَ الحَدَثِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ، وهو تَطْهِيرُ الظّاهِرِ ﴿ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: وسْوَسَتَهُ، بِأنَّكم عَلى هَذا الرَّمْلِ لا تَتَمَكَّنُونَ مِنَ المُحارَبَةِ، ومَعَ فَقْدِ الماءِ كَيْفَ تَفْعَلُونَ ؟ فَأزالَ تَعالى بِإنْزالِهِ ذَلِكَ، فَكانَ لَهم بِهِ طَهارَةٌ باطِنَةٌ، فَكَمُلَتْ لَهُمُ الطَّهارَتانِ، أيْ: مِن وسْوَسَةٍ أوْ خاطِرٍ سَيِّئٍ، وهو تَطْهِيرُ الباطِنِ: ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: يُقَوِّيَها بِالثِّقَةِ، بِالأمْنِ وزَوالِ الخَوْفِ.

﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ أيْ: عَلى الرَّمْلِ.

قالَ مُجاهِدٌ: أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَطَرَ، فَأطْفَأ بِهِ الغُبارَ، وتَلَبَّدَتْ بِهِ الأرْضُ، وطابَتْ نُفُوسُهم، وثَبَتَتْ بِهِ أقْدامُهم.

قالَ الجُشَمِيُّ: قالَ القاضِي: وهو أشْبَهُ بِالظّاهِرِ.

وقِيلَ بِالصَّبْرِ وقُوَّةِ القَلْبِ الَّتِي أفْرَغَها عَلَيْهِمْ، حَتّى ثَبَتُوا لِعَدُوِّهِمْ. وقَوْلُهُ (بِهِ)، يَرْجِعُ إلى الماءِ المُنَزَّلِ، أوْ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ البِشارَةِ والنَّصْرِ.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى نِعْمَةٍ خَفِيَّةٍ أظْهَرَها تَعالى لَهم لِيَشْكُرُوهُ عَلَيْها بِقَوْلِهِ:

8:12Page 178

إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ ١٢

[Remember] when your Lord inspired to the angels, "I am with you, so strengthen those who have believed. I will cast terror into the hearts of those who disbelieved, so strike [them] upon the necks and strike from them every fingertip."1

(p-٢٩٦١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢ ] ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ .

﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ﴾ أيِ: الَّذِينَ أمَدَّ بِهِمُ المُسْلِمِينَ، ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ أيْ: بِالعَوْنِ والنَّصْرِ.

قالَ الجُشَمِيُّ: يَحْتَمِلُ مَعَ المَلائِكَةِ، إذا أرْسَلَهم رِدْءًا لِلْمُسْلِمِينَ، ويَحْتَمِلُ مَعَ المُسْلِمِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُوحِيَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَ المُؤْمِنِينَ، فانْصُرُوهم وثَبِّتُوهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِدَفْعِ الوَسْواسِ وبِالقِتالِ مَعَهم والحُضُورِ مَدَدًا وعَوْنًا ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أيِ: الخَوْفَ.

ثُمَّ عَلَّمَهم تَعالى كَيْفِيَّةَ الضَّرْبِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا﴾ أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ لِلْمَلائِكَةِ. وعَلَيْهِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم قاتَلُوا: ﴿فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أيْ: أعالِيَ الأعْناقِ الَّتِي هي المَذابِحُ، تَطْيِيرًا لِلرُّءُوسِ، لِأنَّها فَوْقَ الأعْناقِ.

﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ أيْ: أصابِعَ، جَمْعُ (بَنانَةٍ)، قِيلَ: المُرادُ بِالبَنانِ، مُطْلَقُ الأطْرافِ مَجازًا، تَسْمِيَةً لِلْكُلِّ بِالجُزْءِ، لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ الأعْناقِ والمَقاتِلِ.

والمَعْنى: اضْرِبُوهم كَيْفَما اتُّفِقَ مِنَ المَقاتِلِ وغَيْرِها.

8:13Page 178

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٣

That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh and His Messenger - indeed, Allāh is severe in penalty.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣ ] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الضَّرْبُ أوِ الأمْرُ بِهِ ﴿بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: خالَفُوهُما فِيما شَرَعا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ تَقْرِيرٌ (p-٢٩٦٢)لِما قَبْلَهُ، إنْ أُرِيدَ بِالعِقابِ ما وقَعَ لَهم في الدُّنْيا، أوْ وعِيدٌ بِما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ، بَعْدَ ما حاقَ بِهِمْ في الدُّنْيا، وبَيانٌ لِخُسْرانِهِمْ في الدّارَيْنِ.

8:14Page 178

ذَٰلِكُمۡ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٤

"That [is yours], so taste it." And indeed for the disbelievers is the punishment of the Fire.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤ ] ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ .

﴿ذَلِكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْكَفَرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَذابُ أيُّها الكُفّارُ في الدُّنْيا ﴿وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ في الآخِرَةِ.

ثُمَّ نَهى تَعالى عَنِ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ، مُبَيِّنًا وعِيدَهُ بِقَوْلِهِ:

8:15Page 178

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ١٥

O you who have believed, when you meet those who disbelieve advancing [in battle], do not turn to them your backs [in flight].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ .

أيِ: الظُّهُورُ بِالِانْهِزامِ، و(الزَّحْفُ) الجَيْشُ الكَثِيرُ، تَسْمِيَةً بِالمَصْدَرِ، والجَمْعُ زُحُوفٌ، مِثْلَ فَلْسٍ وفُلُوسٍ.

ويُقالُ: زَحَفَ إلَيْهِ، أيْ: مَشى، وزَحَفَ الصَّبِيُّ عَلى اسْتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُومَ. شَبَّهَ بِزَحْفِ الصِّبْيانِ مَشْيَ الجَيْشِ الكَثِيرِ لِلْقِتالِ، لِأنَّهُ لِكَثْرَتِهِ يُرى كَأنَّهُ يَزْحَفُ، أيْ: يَدِبُّ دَبِيبًا قَبْلَ التَّدانِي لِلضِّرابِ أوِ الطِّعانِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: ﴿زَحْفًا﴾ مَنصُوبٌ، إمّا عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ: ﴿لَقِيتُمُ﴾ أيْ: زاحِفِينَ نَحْوَكم، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، هو الحالُ مِنهُ، أيْ: يَزْحَفُونَ زَحْفًا.

وأمّا كَوْنُهُ حالًا مِن فاعِلِهِ أوْ مِنهُ، ومِن مَفْعُولِهِ مَعًا كَما قِيلَ فَيَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ إذْ لا مَعْنى لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ عَنِ الإدْبارِ بِتَوَجُّهِهِمُ السّابِقِ إلى العَدُوِّ أوْ بِكَثْرَتِهِمْ، بَلْ تَوَجُّهُ العَدُوِّ إلَيْهِمْ وكَثْرَتُهم هو الدّاعِي إلى الإدْبارِ عادَةً، والمُحْوِجُ إلى النَّهْيِ عَنْهُ.

(p-٢٩٦٣)وحَمْلُهُ عَلى الإشْعارِ بِما سَيَكُونُ مِنهم يَوْمَ حُنَيْنٍ، حَيْثُ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وهم زَحْفٌ مِنَ الزُّحُوفِ اثْنا عَشَرَ ألْفًا - بِعِيدٌ.

والمَعْنى: إذا لَقِيتُمُوهم لِلْقِتالِ، وهم كَثِيرٌ جَمٌّ وأنْتُمْ قَلِيلٌ، فَلا تُوَلُّوهم أدْبارَكم، فَضْلًا عَنِ الفِرارِ، بَلْ قابِلُوهم وقاتِلُوهم، فَضْلًا عَنْ أنْ تُدانُوهم في العَدَدِ أوْ تُساوُوهم.

قالَ الشِّهابُ: عَدَلَ عَنْ لَفْظِ الظُّهُورِ إلى الأدْبارِ تَقْبِيحًا لِلِانْهِزامِ، وتَنْفِيرًا عَنْهُ.

8:16Page 178

وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦

And whoever turns his back to them on such a day, unless swerving [as a strategy] for war or joining [another] company, has certainly returned with anger [upon him] from Allāh, and his refuge is Hell - and wretched is the destination.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٦ ] ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .

﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ اللِّقاءِ ﴿دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾ أيْ: مائِلًا لَهُ.

يُقالُ: تَحَرَّفَ وانْحَرَفَ واحْرَوْرَفَ: مالَ وعَدَلَ، وهَذا التَّحَرُّفُ إمّا بِالتَّوَجُّهِ إلى قِتالِ طائِفَةٍ أُخْرى أهَمَ مِن هَؤُلاءِ، وإمّا بِالفَرِّ لِلْكَرِّ، بِأنْ يُخَيَّلَ عَدُوُّهُ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ لِيَغُرَّهُ، ويُخْرِجَهُ مِن بَيْنِ أعْوانِهِ، فَيَفِرَّ عَنْهُ، ثُمَّ يَكِرُّ عَلَيْهِ وحْدَهُ أوْ مَعَ مَن في الكَمِينِ مِن أصْحابِهِ، وهو بابٌ مِن مَكايِدِ الحَرْبِ: ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ أيْ: مُنْضَمًّا إلى جَماعَةٍ أُخْرى مِنَ المُسْلِمِينَ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ: ﴿فَقَدْ باءَ﴾ أيْ: رَجَعَ ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ: ما صارَ إلَيْهِ مِن عَذابِ النّارِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ مُصابَرَةِ العَدُوِّ، أيِ: الثَّباتِ عِنْدَ القِتالِ، وتَحْرِيمِ الفِرارِ مِنهُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وعَلى أنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ، لِأنَّهُ تَوَعَّدَهُ عَلَيْهِ وعِيدًا شَدِيدًا.

الثّانِي: ظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ في كُلِّ زَمَنٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ، إلّا حالَةَ التَّحَرُّفِ، أوِ التَّحَيُّزِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ.

قالَ الحاكِمُ: وعَلَيْهِ أكْثَرُ الفُقَهاءِ.

(p-٢٩٦٤)ورَوى عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، أنَّ تَحْرِيمَ الفِرارِ المَذْكُورِ مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ (بَدْرٍ)، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ وأُجِيبُ بِأنَّ الإشارَةَ في: (يَوْمَئِذٍ) إلى يَوْمِ لِقاءِ الزَّحْفِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ، لا إلى يَوْمِ بَدْرٍ.

الثّالِثُ: ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ أيْ: جَماعَةٍ أُخْرى مِنَ المُسْلِمِينَ، سِوى الَّتِي هو فِيها، سَواءٌ قَرُبَتْ تِلْكَ الفِئَةُ أوْ بَعُدَتْ وقَدْ رُوِيَ أنَّ أبا عُبَيْدٍ قُتِلَ عَلى الجِسْرِ بِأرْضِ فارِسَ، لِكَثْرَةِ الجَيْشِ مِن ناحِيَةِ المَجُوسِ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ تَحَيَّزَ إلَيَّ لَكُنْتُ لَهُ فِئَةً.

وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ: أيُّها النّاسُ ! أنا فِئَتُكم.

وقالَ الضَّحّاكُ: المُتَحَيِّزُ إلى فِئَةٍ، الفارُّ إلى النَّبِيِّ وأصْحابِهِ.

وكَذَلِكَ مَن فَرَّ اليَوْمَ إلى أمِيرِهِ أوْ أصْحابِهِ، وجَنَحَ إلى هَذا ابْنُ كَثِيرٍ حَيْثُ قالَ: مَن فَرَّ مِن سَرِيَّةٍ إلى أمِيرِهِ، أوْ إلى الإمامِ الأعْظَمِ، دَخَلَ في هَذِهِ الرُّخْصَةِ.

ثُمَّ أوْرَدَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ المَرْوِيَّ عِنْدَ الإمامِ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِمْ، قالَ: «كُنْتُ في سَرِيَّةٍ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَحاصَ النّاسُ حَيْصَةً، فَكُنْتُ فِيمَن حاصَ، فَقُلْنا: كَيْفَ نَصْنَعُ، وقَدْ فَرَرْنا مِنَ الزَّحْفِ، وبُؤْنا بِالغَضَبِ، ثُمَّ قُلْنا: لَوْ دَخَلْنا المَدِينَةَ فَبِتْنا ! ثُمَّ قُلْنا: لَوْ عَرَضْنا أنْفُسَنا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنْ كانَتْ لَنا تَوْبَةٌ، وإلّا ذَهَبْنا ! فَأتَيْناهُ قَبْلَ صَلاةِ الغَداةِ، فَخَرَجَ فَقالَ: مَنِ القَوْمُ ؟ فَقُلْنا: نَحْنُ الفَرّارُونَ. فَقالَ: «لا، بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ، أنا فِئَتُكم وفِئَةُ المُسْلِمِينَ»، قالَ: فَأتَيْناهُ حَتّى قَبَّلْنا يَدَهُ».

قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادٍ. انْتَهى.

أيْ: وقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ.

قالَ الحاكِمُ في (مَسْألَةِ الفِرارِ): إنَّ (p-٢٩٦٥)ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى ظَنِّ المُقاتِلِ واجْتِهادِهِ، فَإنْ ظَنَّ المُقاوَمَةَ لَمْ يَحِلَّ الفِرارُ، وإنَّ ظَنَّ الهَلاكَ جازَ الفِرارُ إلى فِئَةٍ وإنْ بَعُدَتْ، وإذا لَمْ يَقْصِدِ الإقْلاعَ عَنِ الجِهاتِ. وحُمِلَ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ المَذْكُورُ.

وعَنِ الكَرْخِيِّ: أنَّ الثَّباتَ والمُصابَرَةَ واجِبٌ، إذا لَمْ يَخْشَ الِاسْتِئْصالِ، وعَرَفَ عَدَمَ نِكايَتِهِ لِلْكُفّارِ، والتَجَأ إلى مِصْرٍ لِلْمُسْلِمِينَ، أوْ جَيْشٍ، وهَكَذا أُطْلِقَ في (" شَرْحِ الإبانَةِ ") فَلَمْ يَبُحِ الفِرارُ إلّا بِهَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلاثَةِ، ولَمْ يُعْتَبَرِ العَدَدُ الآتِي بَيانُهُ.

الرّابِعُ: رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] قالَ الحاكِمُ: إذا أمْكَنَ الجَمْعُ فَلا نَسْخَ وأقُولُ: كُنّا أسْلَفْنا أنَّ السَّلَفَ كَثِيرًا ما يَعْنُونَ بِـ (النَّسْخِ) تَقْيِيدَ المُطْلَقِ، أوْ تَخْصِيصَ العامِّ، فَلا يُنافِي كَوْنُها مُحْكَمَةً إطْلاقَهُمُ النَّسْخَ عَلَيْها.

قالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: هَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ تَقْضِي بِوُجُوبِ المُصابَرَةِ، وإنْ تَضاعَفَ عَدَدُ المُشْرِكِينَ أضْعافًا كَثِيرَةً، لَكِنَّ هَذا العُمُومَ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في السُّورَةِ هَذِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ [الأنفال: ٦٥]

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَن فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، ومَن فَرَّ مِن ثَلاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ.

وبِالجُمْلَةِ، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ الضَّعْفِ، فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُقَيَّدَةٌ بِها، فَيَكُونُ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمًا بِشَرْطٍ بَيَّنَهُ اللَّهُ في آيَةِ الضَّعْفِ.

وفِي (" المُهَذَّبِ "): إنْ زادَ عَدَدُهم عَلى مِثْلَيْ عَدَدِ المُسْلِمِينَ، جازَ الفِرارُ، لَكِنْ إنْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم لا يَهْلَكُونَ، فالأفْضَلُ الثَّباتُ، وإنْ ظَنُّوا الهَلاكَ، فَوَجْهانِ: يَلْزَمُ الِانْصِرافُ (p-٢٩٦٦)لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]

والثّانِي: يُسْتَحَبُّ ولا يَجِبُ، لِأنَّهم إنْ قُتِلُوا فازُوا بِالشَّهادَةِ وإنْ لَمْ يَزِدْ عَدَدُ الكُفّارِ عَلى مِثْلَيْ عَدَدِ المُسْلِمِينَ، فَإنْ لَمْ يَظُنُّوا الهَلاكَ لَمْ يَجُزِ الفِرارُ، وإنْ ظَنُّوهُ فَوَجْهانِ:

يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ولا يَجُوزُ، وصَحَّحُوهُ لِظاهِرِ الآيَةِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ نَصْرَهم يَوْمَ بَدْرٍ، مَعَ قِلَّتِهِمْ، كانَ بِحَوْلِهِ تَعالى وقُوَّتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

8:17Page 179

فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٧

And you did not kill them, but it was Allāh who killed them.1 And you threw not, [O Muḥammad], when you threw, but it was Allāh who threw2 that He might test the believers with a good test.3 Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٧ ] ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ أيْ: بِقُوَّتِكم ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ أيْ: سَبَبٌ في قَتْلِهِمْ بِنُصْرَتِكم وخِذْلانِهِمْ وألْقى الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، وقَوّى قُلُوبَكم، وأمَدَّكم بِالمَلائِكَةِ، وأذْهَبَ عَنْها الفَزَعَ والجَزَعَ.

﴿وما رَمَيْتَ﴾ أيْ: أنْتَ يا خاتَمَ النَّبِيِّينَ، أيْ: ما بَلَغَتْ رَمْيَةُ الحَصْباءِ إلى وُجُوهِ المُشْرِكِينَ ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ أيْ: بِالحَصْباءِ، لِأنَّ كَفًّا مِنها لا يَمْلَأُ عُيُونَ الجَيْشِ الكَثِيرِ بِرَمْيَةِ بَشَرٍ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ أيْ: بَلَّغَ بِإيصالِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ لِيَقْهَرَهم.

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ في مَعْنى الآيَةِ: أيْ: ما أصَبْتَ إذا رَمَيْتَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أصابَ.

والرَّمْيُ لا يُطْلَقُ إلّا عِنْدَ الإصابَةِ، وذَلِكَ ظاهِرٌ في أشْعارِهِمْ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ، أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ القَبْضَةِ مِنَ التُّرابِ الَّتِي حَصَبَ بِها النَّبِيُّ ﷺ وُجُوهَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، حِينَ خَرَجَ مِنَ العَرِيشِ، بَعْدَ دُعائِهِ وتَضَرُّعِهِ واسْتِكانَتِهِ، فَرَماهم بِها وقالَ: ««شاهَتِ الوُجُوهُ»» . ثُمَّ أمَرَ أصْحابَهُ أنْ يَصْدُقُوا الحَمْلَةَ إثْرَها، فَفَعَلُوا، فَأوْصَلَ اللَّهُ تِلْكَ الحَصْباءَ إلى أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِنهم إلّا نالَهُ ما شَغَلَهُ عَنْ حالِهِ، وانْهَزَمُوا.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الجُشَمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ أنَّ فِعْلَ العَبْدِ يُضافُ إلَيْهِ تَعالى إذا كانَ بِنُصْرَتِهِ ومَعُونَتِهِ (p-٢٩٦٧)وتَمْكِينِهِ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّهم قَتَلُوا، وأنَّهُ رَمى، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ ولِهَذا يُضافُ إلى السَّيِّدِ ما يَأْتِيهِ غُلامُهُ.

وتَدُلُّ عَلى أنَّ الإضافَةَ بِالمَعُونَةِ والأمْرِ، صارَتْ أقْوى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾

وقالَ في (" العِنايَةِ "): اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ بِخَلْقِهِ تَعالى، حَيْثُ نَفى القَتْلَ والرَّمْيَ.

والمَعْنى: إذْ رَمَيْتَ أوْ باشَرْتَ صَرْفَ الآلاتِ.

والحاصِلُ: ما رَمَيْتَ خَلْقًا إذا رَمَيْتَ كَسْبًا. وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ المُدَّعى وإنْ كانَ حَقًّا، لَكِنْ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلَيْهِ، لِأنَّ التَّعارُضَ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ الَّذِي يَتَراءى في بادِئِ النَّظَرِ، مَدْفُوعٌ بِأنَّ المُرادَ ما رَمَيْتَ رَمْيًا تَقْدِرُ بِهِ عَلى إيصالِهِ إلى جَمِيعِ العُيُونِ، وإنْ رَمَيْتَ حَقِيقَةً وصُورَةً، وهَذا مُرادُ مَن قالَ: (ما رَمَيْتَ حَقِيقَةً إذْ رَمَيْتَ صُورَةً)، فالمَنفِيُّ هو الرَّمْيُ الكامِلُ، والمُثْبَتُ أصْلُهُ وقَدَرٌ مِنهُ.

فالإثْباتُ والنَّفْيُ لَمْ يَرِدا عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، حَتّى يُقالَ: (المَنفِيُّ عَلى وجْهِ الخَلْقِ، والمُثْبَتُ عَلى وجْهِ المُباشِرَةِ)، ولَوْ كانَ المَقْصُودُ هَذا لَما ثَبَتَ المَطْلُوبُ بِها، الَّذِي هو سَبَبُ النُّزُولِ، مِن أنَّهُ أثْبَتَ لَهُ الرَّمْيَ، لِصُدُورِهِ عَنْهُ، ونَفى عَنْهُ، لِأنَّ أثَرَهُ لَيْسَ في طاقَةِ البَشَرِ، ولِذا عُدَّتْ مُعْجِزَةً لَهُ، حَتّى كَأنَّهُ لا مَدْخَلَ لَهُ فِيها أصْلًا. فَمَبْنى الكَلامِ عَلى المُبالَغَةِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ مُطابَقَتِهِ لِلْواقِعِ، لِأنَّ مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ غَيْرُ مَقْصُودٍ. هَكَذا يَنْبَغِي أنْ يُفْهَمَ هَذا المَقامُ إذْ لَوْ كانَ المُرادُ ما ذُكِرَ، لَمْ يَكُنْ مَخْصُوصًا بِهَذا الرَّمْيِ، لِأنَّ جَمِيعَ أفْعالِ العِبادِ كَذَلِكَ بِمُباشَرَتِهِمْ وخَلْقِ اللَّهِ. انْتَهى.

وهَذا التَّحْقِيقُ جَيِّدٌ، وقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ أيْضًا العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ في (" زادِ المَعادِ ") حَيْثُ قالَ:

وقَدْ ظَنَّتْ طائِفَةٌ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى نَفْيِ الفِعْلِ عَنِ العَبْدِ وإثْباتِهِ لِلَّهِ، وأنَّهُ هو الفاعِلُ حَقِيقَةً، وهَذا غَلَطٌ مِنهم مِن وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ، مَذْكُورَةٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أثْبَتَ لِرَسُولِهِ ابْتِداءَ الرَّمْيِ، ونَفى عَنْهُ الإيصالَ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ بِرَمْيِهِ، فالرَّمْيُ يُرادُ بِهِ الحَذْفُ والإيصالُ، فَأثْبَتَ لِنَبِيِّهِ الحَذْفَ، ونَفى عَنْهُ الإيصالَ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ﴾ أيْ: لِيَمْنَحَهم مِن فَضْلِهِ ﴿بَلاءً حَسَنًا﴾ (p-٢٩٦٨)أيْ: مَنحًا جَمِيلًا، بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ والفَتْحِ، ثُمَّ بِالأجْرِ والمَثُوبَةِ، غَيْرَ مَشُوبٍ بِمُقاساةِ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ، فَيَعْرِفُوا حَقَّهُ ويَشْكُرُوهُ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: واللّامُ، إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُتَأخِّرٍ، فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، أيْ: ولِلْإحْسانِ إلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ، فَعَلَ ما فَعَلَ، لا لِشَيْءٍ غَيْرَ ذَلِكَ، مِمّا لا يُجْدِيهِمْ نَفْعًا، وإمّا بِرَمْيٍ، فالواوُ لِلْعَطْفِ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى لِيَمْحَقَ الكافِرِينَ ولِيُبْلِيَ. . إلَخْ. وتَفْسِيرُ البَلاءِ هُنا بِالمِنحَةِ هو ما اخْتارَهُ المُحَقِّقُونَ مِن قَوْلِهِمْ: أبْلاهُ اللَّهُ بِبَلِيَّةٍ إبْلاءً حَسَنًا، إذا صَنَعَ بِهِ صُنْعًا جَمِيلًا، وأبْلاهُ مَعْرُوفًا، قالَ زُهَيْرٌ في قَصِيدَتِهِ الَّتِي مَطْلَعُها:

؎صَحا القَلْبُ عَنْ سَلْمى وقَدْ كادَ لا يَسْلُو وأقْفَرَ مِن سَلْمى التَّعانِيقُ والثِّقْلُ

والتَّعانِيقُ والثِّقْلُ: مَواضِعُ:

؎جَزى اللَّهُ بِالإحْسانِ ما فَعَلا بِكم ∗∗∗ وأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو

أيْ: (إحْسانُ فِعْلِهِما بِكم، فَأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ، أيْ: صَنَعَ اللَّهُ إلَيْهِما خَيْرَ الصَّنِيعِ الَّذِي يَبْتَلِي بِهِ عِبادَهُ، والإنْسانُ يُبْلى بِالخَيْرِ والشَّرِّ)، أيْ: صَنَعَ بِهِما خَيْرَ الصَّنِيعِ الَّذِي يَبْلُو بِهِ عِبادَهُ.

واسْتَظْهَرَ الطِّيبِيُّ تَفْسِيرَهُ بِالإبْلاءِ في الحَرْبِ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ: أبْلى فُلانٌ إذا اجْتَهَدَ في صِفَةِ حَرْبٍ أوْ كَرَمٍ، ويُقالُ: أبْلى ذَلِكَ اليَوْمَ بَلاءً حَسَنًا.

﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أيْ: لِدُعائِهِمْ واسْتِغاثَتِهِمْ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِمَن يَسْتَحِقُّ النَّصْرَ والغَلَبَ وقَوْلُهُ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском