Al-QasimiAl‑Anfal · 8:1–8

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

الأنفال

Al-Anfal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

8:1Page 177

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١

They ask you, [O Muḥammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allāh and the Messenger." So fear Allāh and amend that which is between you and obey Allāh and His Messenger, if you should be believers.

(p-٢٩٤٤)سُورَةُ الأنْفالِ

مَدَنِيَّةٌ، أوْ، إلّا ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] الآياتِ السَّبْعِ، فَمَكِّيَّةٌ. وآياتُها خَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً.

سُمِّيَتْ بِالأنْفالِ لِأنَّها مَبْدَأُ هَذِهِ السُّورَةِ، ومُنْتَهى ما ذُكِرَ فِيها مِن أثَرِ أمْرِ الحُرُوبِ.

(p-٢٩٤٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١ ] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سُورَةَ الأنْفالِ نَزَلَتْ في بَدْرٍ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَشَهِدْتُ مَعَهُ بَدْرًا، فالتَقى النّاسُ، فَهَزَمَ اللَّهُ تَعالى العَدُوَّ، فانْطَلَقَتْ طائِفَةٌ في آثارِهِمْ يَهْزِمُونَ ويَقْتُلُونَ، وأقْبَلَتْ طائِفَةٌ عَلى العَسْكَرِ يَحُوزُونَهُ ويَجْمَعُونَهُ، وأحْدَقَتْ طائِفَةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا يُصِيبُ العَدُوُّ مِنهُ غِرَّةً، حَتّى إذا كانَ اللَّيْلُ، وفاءَ النّاسُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، قالَ الَّذِينَ جَمَعُوا الغَنائِمَ: نَحْنُ حَوَيْناها وجَمَعْناها، فَلَيْسَ لِأحَدٍ فِيها نَصِيبٌ.

قالَ الَّذِينَ خَرَجُوا في طَلَبِ العَدُوِّ: لَسْتُمْ بِأحَقَّ بِهِ مِنّا، نَحْنُ نَفَيْنا عَنْها العَدُوَّ وهَزَمْناهم.

وقالَ الَّذِينَ أحْدَقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَسْتُمْ بِأحَقَّ بِها مِنّا، نَحْنُ أحْدَقْنا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وخِفْنا أنْ يُصِيبَ العَدُوُّ مِنهُ غِرَّةً، واشْتَغَلْنا بِهِ، فَنَزَلَتْ:

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ الآيَةَ، فَقَسَمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى فَواقٍ مِنَ المُسْلِمِينَ».

(p-٢٩٤٦)وهَذا الحَدِيثُ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ أيْضًا وحَسَّنَهُ، ورَواهُ ابْنُ حَيّانَ في صَحِيحِهِ، وصَحَّحَهُ الحاكِمُ.

ولَفْظُ ابْنِ إسْحاقَ عَنْ عُبادَةَ قالَ: «فِينا، أصْحابَ بَدْرٍ، نَزَلَتْ، حِينَ اخْتَلَفْنا في النَّفْلِ، وساءَتْ فِيهِ أخْلاقُنا، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِن أيْدِينا، فَجَعَلَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُسْلِمِينَ عَلى السَّواءِ» .

ورَوى أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صَنَعَ كَذا وكَذا فَلَهُ مِنَ النَّفْلِ كَذا وكَذا» . فَتَسارَعَ في ذَلِكَ شُبّانُ القَوْمِ، وبَقِيَ الشُّيُوخُ تَحْتَ الرّاياتِ.

فَلَمّا كانَتِ المَغانِمُ، جاءُوا يَطْلُبُونَ الَّذِي جُعِلَ لَهم، فَقالَ الشُّيُوخُ: لا تَسْتَأْثِرُوا عَلَيْنا، فَإنّا كُنّا رِدْءًا لَكم، لَوِ انْكَشَفْتُمْ لَثُبْتُمْ إلَيْنا، فَتَنازَعُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ الآيَةِ»، وهَذا مِمّا يُفِيدُ أنَّ التَّشاجُرَ كانَ مُتَنَوِّعًا، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِفَصْلِهِ.

والأنْفالُ: هي المَغانِمُ، جَمْعُ ( نَفَلٍ) مُحَرَّكَةً، وهو الغَنِيمَةُ، أيْ: كُلُّ نَيْلٍ نالَهُ المُسْلِمُونَ مِن أمْوالِ أهْلِ الحَرْبِ.

قالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّها زِيادَةٌ في أمْوالِ المُسْلِمِينَ. أيْ: لِأنَّ النَّفَلَ يُطْلَقُ عَلى الزِّيادَةِ، كَما في (" التّاجِ)، ومِنهُ النّافِلَةُ لِصَلاةِ التَّطَوُّعِ لِزِيادَتِها عَلى الفَرِيضَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ _ قالَ المَهايِمِي: أيْ: لَيْسَتْ هي في مُقابَلَةِ الجِهادِ، وإنَّما مُقابِلُهُ الأجْرُ الأُخْرَوِيُّ، وهَذِهِ زائِدَةٌ عَلَيْهِ، خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ المُشْرِكِينَ فَصارَتْ مِلْكًا خالِصًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ. والرَّسُولُ خَلِيفَةٌ يُعْطِيها، عَلى ما أراهُ اللَّهُ، مَن يَشاءُ، لَوْمًا أطْلَقَ لَهُ ﷺ الحُكْمَ فِيها فَقَسَمَها بَيْنَهم بِالسَّوِيَّةِ، ووَهَبَ مَنِ اسْتَوْهَبَهُ.

فَرَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «لِما كانَ يَوْمُ بَدْرٍ قُتِلَ (p-٢٩٤٧)أخِي عُمَيْرٌ وقَتَلْتُ سَعِيدَ بْنَ العاصِ، وأخَذْتُ سَيْفَهُ، وكانَ يُسَمّى ذا الكَتِيفَةِ، فَأتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: اذْهَبْ فاطْرَحْهُ في القَبْضِ، قالَ: فَرَجَعْتُ وبِي ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، مِن قَتْلِ أخِي وأخْذِ سَلْبِي.

قالَ: فَما جاوَزْتُ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْفالِ.

فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اذْهَبْ فَخُذْ سَلَبَكَ»» .

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ - وصَحَّحَهُ - عَنْ سَعْدِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شَفانِي اللَّهُ اليَوْمَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَهَبْ لِي هَذا السَّيْفَ، فَقالَ: «إنَّ هَذا السَّيْفَ لا لَكَ ولا لِي ضَعْهُ» .

قالَ، فَوَضَعْتُهُ ثُمَّ رَجَعْتُ، فَقُلْتُ: عَسى أنْ يُعْطِيَ هَذا السَّيْفَ اليَوْمَ مَن لا يُبْلِي بَلائِي.

قالَ: إذا رَجُلٌ يَدْعُونِي مِن ورائِي.

قالَ: قُلْتُ: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيَّ شَيْئًا. قالَ: كُنْتَ سَألْتَنِي السَّيْفَ، لَيْسَ هو لِي، إنَّهُ قَدْ وُهِبَ لِي، فَهو لَكَ. قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ الآيَةَ» .

تَنْبِيهاتٍ:

الأوَّلُ: ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ أنْفالَ بَدْرٍ قُسِّمَتْ مِن غَيْرِ تَخْمِيسٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ آيَةُ الخُمْسِ، فَنَسَخَتِ الأُولى.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فِيهِ نَظَرٌ. ويَرُدُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في شارَفَيْهِ اللَّذَيْنِ حَصَلا لَهُ، مِنَ الخُمْسِ، يَوْمَ بَدْرٍ. فالصَّوابُ أنَّها مُجْمَلَةٌ مُحْكَمَةٌ، بَيَّنَ مَصارِفَها في آيَةِ الخُمْسِ.

الثّانِي: رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ فَسَّرَ ( الأنْفالَ) بِما شَذَّ مِنَ المُشْرِكِينَ إلى المُسْلِمِينَ في غَيْرِ قِتالٍ مِن دابَّةٍ أوْ أمَةٍ أوْ مَتاعٍ.

قالَ: فَهو نَفْلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَصْنَعُ بِهِ ما يَشاءُ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ فَسَّرَ ( الأنْفالَ) بِالفَيْءِ وهو ما أُخِذَ مِنَ الكُفّارِ مِن غَيْرِ قِتالٍ.

(p-٢٩٤٨)قُلْتُ: صِدْقُ ( النَّفْلِ) عَلَيْهِ، لا شَكَّ فِيهِ، وأمّا كَوْنُهُ المُرادَ مِنَ الآيَةِ بِخُصُوصِهِ، فَلا يُساعِدُهُ سَبَبُ نُزُولِها المارُّ ذِكْرُهُ، لا سِيَّما قَوْلُهُ: ﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ المُشِيرُ إلى التَّنازُعِ المُتَقَدِّمِ.

ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّها الزِّيادَةُ عَلى القَسْمِ، أيْ: ما يُدْفَعُ إلى الغازِي زائِدًا عَلى سَهْمِهِ مِنَ المَغْنَمِ، والكَلامُ الَّذِي قُلْتُهُ قَبْلُ، يَجْرِي هُنا أيْضًا.

ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي؛ أنَّ كُلَّ هَذا الوُجُوهِ تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ. قالَ: ولَيْسَ فِيها دَلِيلٌ عَلى تَرْجِيحِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، وإنْ صَحَّ في الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعَيُّنِ، قَضى بِهِ، وإلّا فالكُلُّ مُحْتَمَلٌ.

وكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها جائِزٌ، فَكَذَلِكَ إرادَةُ الجَمِيعِ جائِزَةٌ فَإنَّهُ لا تَناقُضَ بَيْنِها. أيْ: لِصِدْقِ ( النَّفْلِ) عَلَيْها.

الثّالِثُ: وقَعَ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ المُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا في غَنائِمِ بَدْرٍ، لِمَنِ الحُكْمُ فِيها ألِلْمُهاجِرِينَ أمْ لِلْأنْصارِ، أمْ لَهم جَمِيعًا ؟ فَأُجِيبُوا بِأنَّ الحاكِمَ فِيها الرَّسُولُ، ولَيْسَ لِأحَدٍ فِيها حُكْمٌ.

تَأثَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أبُو السُّعُودِ في سَوْقِهِ لِما ذُكِرَ، وزادَ عَلَيْهِ اعْتِمادُهُ لَهُ، بِتَطْوِيلٍ مُمِلٍّ، ولا أدْرِي مِن أيْنَ سَرَتَ لَهم هَذا الرِّوايَةُ.

فَإنَّ رُواةُ الآثارِ لَمْ يُخْرِجُوها في صِحاحِهِمْ ولا سُنَنِهِمْ، بَلْ ولا أصْحابُ السِّيَرِ، كابْنِ إسْحاقَ وابْنِ هِشامٍ، وهَلْ يُمْكِنُ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَخْتَلِفُوا لِلْحُكْمِ عَلى الغَنائِمِ، ويَتَنازَعُوا وِلايَتَها، والرَّسُولُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ ؟ ومَتى عَهِدَ ذَلِكَ مِن سِيرَتِهِمْ ؟ سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ! ولَكِنْ هو الرَّأْيُ ( قاتَلَهُ اللَّهُ) ! ونَبَذَ كُتُبَ السَّنَةِ، والتَّقْلِيدِ البَحْتِ، الَّذِي لا يَهْتَمُّ صاحِبُهُ بِحَقائِقِ الأشْياءِ، ولا يُرِيدُ مَعْرِفَتَها ولا فَحْصَها بِالعَقْلِ يَضَعُ قَدَمَهُ عَلى القَدَمِ، حَيْثُ يَكُونُ مِطْواعًا لِآراءِ غَيْرِهِ، مُنْقادًا لَها مُصَدِّقًا ما يَنْطِقُ بِهِ فَمُهُ، غَثًّا كانَ أوْ سَمِينًا. اللَّهُمَّ نَوِّرْ بَصِيرَتِنا بِفَضْلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في الِاخْتِلافِ والتَّخاصُمِ، وكُونُوا مُتَحَدِّينَ مُتَآخِينَ في اللَّهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أيْ: أحْوالَ بَيْنِكم، يَعْنِي ما بَيْنَكم مِنَ الأحْوالِ، حَتّى تَكُونَ أحْوالَ أُلْفَةٍ ومَحَبَّةٍ واتِّفاقٍ.

(p-٢٩٤٩)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: في قَسْمِهِ بَيْنَكم، عَلى ما أراهُ اللَّهُ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالأوامِرِ الثَّلاثَةِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ التَّقْوى، وإصْلاحَ ذاتِ البَيْنِ، وطاعَةَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، مِن لَوازِمِ الإيمانِ ومُوجِباتِهِ، لِيُعْلِمَهم أنَّ كَمالَ الإيمانِ مَوْقُوفٌ عَلى التَّوَفُّرِ عَلَيْها فَمَعْنى قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: كامِلِي الإيمانِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مَن أُرِيدَ بِال (مُؤْمِنِينَ) بِذِكْرِ أوْصافِهِمُ الجَلِيلَةِ، المُسْتَتْبَعَةِ لِما ذُكِرَ مِنَ الخِصالِ الثَّلاثِ، تَرْغِيبًا لَهم في الِامْتِثالِ بِالأوامِرِ المَذْكُورَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ.

8:2Page 177

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢

The believers are only those who, when Allāh is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢ ] ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ: الكامِلُونَ المُخْلِصُونَ فِيهِ ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ أيْ: حَقُّهُ أوْ وعِيدُهُ ﴿وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: فَزِعَتْ لِذِكْرِهِ، واقْشَعَرَّتْ إشْفاقًا ألّا تَكُونَ قامَتْ بِحَقِّهِ، وتَهْيِبًا مِن جَلالِهِ وعِزَّةِ سُلْطانِهِ، وبَطْشِهِ بِالعُصاةِ وعِقابِهِ.

قالَ الجُشَمِيُّ: ومَتى قِيلَ: لِمَ جازَ وصْفُهم هاهُنا بِالوَجَلِ والطُّمَأْنِينَةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ﴾ [الرعد: ٢٨] فَجَوابُنا فِيهِ وُجُوهٌ:

مِنها: أنَّهُ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم عِنْدَ ذِكْرِ نِعَمِهِ، وتَوْجَلُ لِخَوْفِ عِقابِهِ بِارْتِكابِ مَعاصِيهِ.

ومِنها: أنَّ قُلُوبَهم تَطْمَئِنُّ لِمَعْرِفَةِ تَوْحِيدِهِ، ووَعْدِهِ، ووَعِيدِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوْجَلُ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، خَوْفِ التَّقْصِيرِ في الواجِباتِ، والإقْدامِ عَلى المَعاصِي، والمُسْتَقْبَلُ يَتَغَيَّرُ حالُهُ. انْتَهى.

﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ أيْ: حُجَجُهُ وهي القُرْآنُ ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ أيْ: يَقِينًا وطُمَأْنِينَةَ نَفْسٍ، إلى ما عِنْدَهم؛ فَإنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ أقْوى لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، وأثْبَتُ لِقَدَمِهِ.

(p-٢٩٥٠)وقَدِ اسْتَدَلَّ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ وأشْباهِها، عَلى زِيادَةِ الإيمانِ وتَفاضُلِهِ في القُلُوبِ، كَما هو مَذْهَبُ جُمْهُورِ الأُمَّةِ، بَلْ قَدْ حَكى الإجْماعَ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، كالشّافِعِيِّ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وأبِي عُبَيْدٍ.

﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ: لا يَرْجُونَ سِواهُ، ولا يَخْشَوْنَ غَيْرَهُ، ولا يُفَوِّضُونَ أُمُورَهم إلى غَيْرِهِ.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى مِن أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ أعْمالَ القُلُوبِ مِنَ الخَشْيَةِ والإخْلاصِ والتَّوَكُّلِ، أعْقَبَهُ بِأعْمالِ الجَوارِحِ مِنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

8:3Page 177

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣

The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣ ] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ .

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ أيِ: المَفْرُوضَةَ بِحُدُودِها وأرْكانِها في أوْقاتِها.

والمَوْصُولُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ بَيانٌ لَهُ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ عامٌّ في الزَّكاةِ، وأنْواعِ البَرِّ والقُرُباتِ.

8:4Page 177

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤

Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤ ] ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ .

﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أيْ: لا شَكَّ في إيمانِهِمْ.

و: ﴿حَقًّا﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إيمانًا حَقًّا أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْجُمْلَةِ، أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، كَقَوْلِكَ: هو عَبْدُ اللَّهِ حَقًّا.

قالَ عَمْرَةُ بْنُ مُرَّةَ (في هَذا الآيَةِ): إنَّما أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلِسانِ العَرَبِ، كَقَوْلِكَ: فُلانٌ سَيِّدٌ حَقًّا، وفي القَوْمِ سادَةٌ، وفُلانٌ تاجِرٌ حَقًّا، وفي القَوْمِ تُجّارٌ، وفُلانٌ شاعِرٌ حَقًّا، وفي القَوْمِ شُعَراءُ. انْتَهى.

وكَأنَّهُ أرادَ الرَّدَّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ ﴿حَقًّا﴾ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ بَعْدُ، تَأْكِيدًا لَهُ، وأنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّ هَذا الزَّعْمَ يُصانُ عِنْدَ أُسْلُوبِ التَّنْزِيلِ الحَكِيمِ.

(p-٢٩٥١)وقَدْ تَطَرَّفَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هُنا لِمَسْألَةٍ شَهِيرَةٍ وهي: هَلْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أنا مُؤْمِنٌ حَقًّا.

قالَ الطُّوسِيُّ في (" نَقْدِ المُحَصِّلِ): المُعْتَزِلَةُ ومَن تَبِعَهم يَقُولُونَ: اليَقِينُ لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ والزَّوالَ، فَقَوْلُ القائِلِ: ( أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ) لا يَصِحُّ إلّا عِنْدَ الشَّكِّ، أوْ خَوْفِ الزَّوالِ. وما يُوهِمُ أحَدَهُما، لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلتَّبَرُّكِ. انْتَهى.

والغَزالِيُّ في الإحْياءِ، بَسَطَ هَذِهِ المَسْألَةَ، وأجابَ عَمَّنْ سَوَّغَ ذَلِكَ بِأجْوِبَةٍ:

مِنها: التَّخَوُّفُ مِنَ الخاتِمَةِ، لِأنَّ الإيمانَ مَوْقُوفٌ عَلى سَلامَةِ الخاتِمَةِ.

ومِنها: الِاحْتِرازُ مِن تَزْكِيَةِ النَّفْسِ.

ومِنها: غَيْرُ ذَلِكَ انْظُرْهُ بِطُولِهِ.

وقالَ ابْنُ حَزْمٍ في (" الفَصْلِ): القَوْلُ عِنْدَنا في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ أنَّ هَذِهِ صِفَةٌ يُعْلَمُها المَرْءُ مِن نَفْسِهِ، فَإنْ كانَ يَدْرِي أنَّهُ مُصَدِّقٌ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ، وبِكُلِّ ما أتى بِهِ، وأنَّهُ يُقِرُّ بِلِسانِهِ بِكُلِّ ذَلِكَ، فَواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَعْتَرِفَ بِذَلِكَ، كَما أمَرَ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]

ولا نِعْمَةَ أوْكَدُ ولا أفْضَلُ، ولا أوْلى بِالشُّكْرِ، مِن نِعْمَةِ الإسْلامِ، فَواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ: أنا مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ قَطْعًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في وقْتِي هَذا.

ولا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ ( أنا مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ)، وبَيْنَ قَوْلِهِ ( أنا أسْوَدُ أوْ أنا أبْيَضُ)، وهَكَذا سائِرُ صِفاتِهِ الَّتِي لا يُشَكُّ فِيها، ولَيْسَ هَذا مِن بابِ الِامْتِداحِ والعَجَبِ في شَيْءٍ، لِأنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِ أنْ يَحْقِنَ دَمَهُ بِشَهادَةِ التَّوْحِيدِ.

وقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: ( أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ) عِنْدَنا صَحِيحٌ، لِأنَّ الإسْلامَ والإيمانَ إسْمانِ مَنقُولانِ عَنْ مَوْضُوعِهِما في اللُّغَةِ، إلى جَمِيعِ البِرِّ والطّاعاتِ.

فَإنَّما مَنَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ الجَزْمَ عَلى مَعْنى أنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِجَمِيعِ الطّاعاتِ، وهَذا صَحِيحٌ.

ومَنِ ادَّعى لِنَفْسِهِ هَذا فَقَدَ كَذَبَ بِلا شَكٍّ، وما مَنَعَ أنْ يَقُولَ المَرْءُ ( إنِّي مُؤْمِنٌ) بِمَعْنى ( مُصَدِّقٌ) .

(p-٢٩٥٢)وأمّا قَوْلُ المانِعِينَ: (مَن قالَ أنا مُؤْمِنٌ، فَلْيَقُلْ إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ) فالجَوابُ: إنّا نَقُولُ إنْ مِتْنا عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ الآنَ، فَلا بُدَّ لَنا مِنَ الجَنَّةِ بِلا شَكٍّ.

وبُرْهانُ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ صَحَّ مِن نُصُوصِ القُرْآنِ والسُّنَنِ والإجْماعِ، أنَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ، وبِكُلِّ ما جاءَ بِهِ، ولَمْ يَأْتِ بِما هو كُفْرٌ، فَإنَّهُ في الجَنَّةِ إلّا أنَّنا لا نَدْرِي ما يُفْعَلُ بِنا في الدُّنْيا، ولا نَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ تَعالى، ولا إضْلالَهُ، ولا كَيْدَ الشَّيْطانِ؛ ولا نَدْرِي ماذا نَكْسِبُ غَدًا، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الخِذْلانِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.

ولَقَدْ أجادَ فِيما أفادَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: مَنازِلُ ومَقاماتٌ عالِياتٌ في الجَنَّةِ ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ أيْ: تَجاوُزٌ لِسَيِّئاتِهِمْ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو ما أعَدَّ لَهم مَن نَعِيمِ الجَنَّةِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الجُشَمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أشْياءَ:

مِنها: أنَّ الإيمانَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ لِثَلاثِ خِصالٍ: القَوْلِ، والِاعْتِقادِ، والعَمَلِ، خِلافَ ما تَقُولُهُ المُرْجِئَةُ، لِأنَّ الوَجَلَ وزِيادَةَ التَّصْدِيقِ مِن فِعْلِ القَلْبِ، والتَّدَبُّرَ والتَّفَكُّرَ كَذَلِكَ، والصَّلاةَ والإنْفاقَ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ، والتَّوَكُّلَ يَشْتَمِلُ عَلى فِعْلِ القَلْبِ والجَوارِحِ.

ثُمَّ بَيَّنَ في آخِرِهِ أنَّ مَن جَمَعَ هَذِهِ الخِصالَ فَهو المُؤْمِنُ حَقًّا.

ومِنها: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ، لِأنَّ هَذِهِ الطّاعاتِ تَزِيدُ وتَنْقُصُ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢]

ومِنها: أنَّ الواجِبَ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ التَّدَبُّرُ والتَّفَكُّرُ فِيما أمَرَ ونَهى، ووَعَدَ وأوْعَدَ، لِيَنْجَرَّ لِلرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، وذَلِكَ حَثٌّ عَلى الطّاعَةِ، وزَجْرٌ عَنِ المَعاصِي.

ومِنها: وُجُوبُ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، والتَّوَكُّلُ عَلى ضَرْبَيْنِ: مِنها في الدُّنْيا، ومِنها في الدِّينِ.

أمّا في الدُّنْيا فَلا بُدَّ مِن خِصالٍ:

مِنها: أنْ يَطْلُبَ مَصالِحَ دُنْياهُ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي أُتِيحَ لَهُ، ولا يَطْلُبُ مُحَرَّمًا

(p-٢٩٥٣)ومِنها: إذا حُرِّمَ الرِّزْقُ الحَلالُ لا يَعْدِلُ إلى مُحَرَّمٍ.

ومِنها: ألّا يُظْهِرَ الجَزَعَ عِنْدَ الضِّيقِ، بَلْ يَسْلُكَ فِيهِ طَرِيقَ الصَّبْرِ واعْتِقادِ أنَّ ما هو فِيهِ مُصْلِحَةٌ لَهُ.

ومِنها: أنَّ ما يُرْزَقُ مِنَ النِّعَمِ بَعْدَها مِن جِهَتِهِ تَعالى، إمّا بِنَفْسِهِ أوْ بِواسِطَةٍ.

ومِنها: ألّا يَحْسَبَهُ عَنْ حُقُوقِهِ خَشْيَةَ الفَقْرِ.

ومِنها: ألّا يُسْرِفَ في النَّفَقَةِ ولا يَفْتَقِرَ.

فَعِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الخِصالِ يَصِيرُ مُتَوَكِّلًا.

فَأمّا الَّذِي يَزْعُمُهُ بَعْضُهم؛ أنَّ التَّوَكُّلَ إهْمالُ النَّفْسِ، وتَرْكُ العَمَلِ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.

وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالإنْفاقِ، وبِالعَمَلِ، وثَبَتَ عَنِ الصَّحابَةِ - وهم ساداتُ الإسْلامِ - التِّجارَةُ والزِّراعَةُ والأعْمالُ، وكَذَلِكَ التّابِعِينَ، وبِهَذا أجْرى اللَّهُ العادَةَ.

وقَدْ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الأعْرابِيَّ أنْ يَعْقِلَ ناقَتَهُ ويَتَوَكَّلَ.

فَأمّا التَّوَكُّلُ في الدِّينِ فَخِصالٌ:

مِنها: أنْ يَقُومَ بِالواجِباتِ، ويَجْتَنِبَ المَحارِمَ، لِأنَّهُ بِذَلِكَ يَصِلُ إلى الجَنَّةِ والرَّحْمَةِ.

ومِنها: أنْ يَسْألَهُ التَّوْفِيقَ والعِصْمَةَ.

ومِنها: أنْ يَرى جَمِيعَ نِعَمِهِ مِنهُ، إذا حَصَلَ بِهِدايَتِهِ وتَمْكِينِهِ ولُطْفِهِ.

ومِنها: أنْ لا يَثِقَ بِطاعَتِهِ جُمْلَةً، بَلْ يُطِيعُ ويَجْتَنِبُ المَعاصِيَ، ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ، ويَخافُ عَذابَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مُتَوَكِّلًا.

ثُمَّ قالَ الجُشَمِيُّ: وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ تارِكَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا، خِلافَ قَوْلِ المُرْجِئَةِ. انْتَهى.

8:5Page 177

كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ٥

[It1 is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥ ] ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٢٩٥٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ الكافُ في (كَما) كافُ التَّشْبِيهِ، والعامِلُ فِيهِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، فَإمّا هو مَعْنى الفِعْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ١] تَقْدِيرُهُ نَزَعَ الأنْفالَ مِن أيْدِيهِمْ بِالحَقِّ، كَما أخْرَجَكَ بِالحَقِّ. وإمّا هو مَعْنى الحَقِّ، يَعْنِي هَذا الذِّكْرُ حَقٌّ، كَما أخْرَجَكَ بِالحَقِّ، وإمّا أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو المُشَبَّهُ، أيْ: حالُهم هَذِهِ في كَراهَةِ تَنْفِيلِ الغُزاةِ، كَحالِ إخْراجِكَ مِن بَيْتِكَ لِلْحَرْبِ في كَراهَتِهِمْ لَهُ (كَما سَيَأْتِي في تَفْصِيلِ القِصَّةِ) .

وهَذا هو قَوْلُ الفَرّاءِ، فَإنَّهُ قالَ: الكافُ شَبَّهَتْ هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي هي إخْراجُهُ مِن بَيْتِهِ، بِالقِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، الَّتِي هي سُؤالُهم عَنِ الأنْفالِ وكَراهَتُهم لِما وقَعَ فِيها، مَعَ أنَّها أوْلى بِحالِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَيْتِكَ﴾ أرادَ بِهِ بِالمَدِينَةِ، أوِ المَدِينَةِ نَفْسِها، لِأنَّها مَثْواهُ، أيْ: إخْراجُهُ إلى بَدْرٍ.

وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ المُرادَ إخْراجُهُ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ لِلْهِجْرَةِ، وهو ساقِطٌ بِرَدِّهِ سِياقَ القِصَّةِ البَدْرِيَّةِ في الآياتِ بَعْدُ.

ومُلَخَّصُها أنَّ أبا سُفْيانَ قَدِمَ بِعِيرٍ مِنَ الشّامِ في تِجارَةٍ عَظِيمَةٍ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ لِيَغْنَمُوها، فَعَلِمَتْ قُرَيْشٌ، فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ ومُقاتِلُو مَكَّةَ لِيَذُبُّوا عَنْها، وهُمُ النَّفِيرُ. وأخَذَ أبُو سُفْيانَ بِالعِيرِ طَرِيقَ السّاحِلِ، فَنَجَتْ، فَقِيلَ لِأبِي جَهْلٍ: ارْجِعْ، فَأبى وسارَ إلى بَدْرٍ.

فَشاوَرَ ﷺ أصْحابَهُ وقالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ وعَدَنِي إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، فَوافَقُوهُ عَلى قِتالِ النَّفِيرِ، وكَرِهَ بَعْضُهم ذَلِكَ، وقالُوا: لَمْ نَسْتَعِدَّ لَهُ، كَما قالَ تَعالى:

8:6Page 177

يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٦

Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.

(p-٢٩٥٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦ ] ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ .

﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾ وهو الجِهادُ وتَلَقِّي النَّفِيرِ ﴿بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهم أنَّهم يُنْصَرُونَ فِيهِ ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يَكْرَهُونَ القِتالَ كَراهَةَ مَن يُساقُ إلى المَوْتِ، وهو ناظِرٌ إلى أسْبابِهِ، وكانَ ذَلِكَ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وعَدَمِ تَأهُّبِهِمْ.

إذْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ فارِسانِ: المِقْدادُ والزُّبَيْرُ، وقِيلَ الأوَّلُ فَقَطْ. والمُشْرِكُونَ ألْفٌ، ذَوُو عِدَّةٍ وعُدَّةٍ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم إنَّما يُسارُ بِهِمْ إلى الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ لِلْوَعْدِ الحَقِّ.

8:7Page 177

وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧

[Remember, O believers], when Allāh promised you one of the two groups1 - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allāh intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧ ] ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ .

﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ العِيرِ أوِ النَّفِيرِ ﴿أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ﴾ أيْ: تُحِبُّونَ ﴿أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ وهو العِيرُ، لا ذاتَ الشَّوْكَةِ، وهي النَّفِيرُ، والشَّوْكَةُ: السِّلاحُ أوْ حِدَّتُهُ.

﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ﴾ أيْ: يُثْبِتُهُ ويُعْلِيهِ، وهو دَعْوَةُ رَسُولِهِ ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ [يونس: ٨٢] أيْ: بِآياتِهِ المُنَزَّلَةِ، وأوامِرِهِ في هَذا الشَّأْنِ ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: يَسْتَأْصِلُهم فَلا يَبْقى مِنهم أحَدًا.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الحِكْمَةَ في اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ لَهم ونُصْرَتِهِمْ عَلَيْها، بِقَوْلِهِ:

8:8Page 177

لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨

That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨ ] ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ .

﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ أيْ: لِيُثْبِتَ الدِّينَ الحَقَّ، ويَمْحَقَ الدِّينَ الباطِلَ، (p-٢٩٥٦)بِاسْتِئْصالِ أهْلِهِ، مَعَ ظُهُورِ شَوْكَتِهِمْ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ ذَلِكَ.

ثُمَّ ذَكَّرَهم تَعالى التِجاءَهم إلَيْهِ، واسْتِمْدادَهم مِنهُ النَّصْرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وإمْدادَهُ حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском