Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:30–35
8:30Page 180
وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٣٠
And [remember, O Muḥammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allāh plans. And Allāh is the best of planners.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠ ] ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾
لَمّا ذَكَّرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى:
(p-٢٩٨٢)﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦] ذَكَّرَ النَّبِيَّ ﷺ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ خاصَّةً، في حِفْظِهِ مِن مَكْرِ قُرَيْشٍ بِهِ لِيَشْكُرَهُ تَعالى في نَجاتِهِ مِن مَكْرِهِمْ، واسْتِيلائِهِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ «أنَّ قُرَيْشًا، لَمّا أسْلَمَتِ الأنْصارُ، وأخَذَ نُورُ الإسْلامِ في الِانْتِشارِ، فَرَقُوا أنْ يَتَفاقَمَ أمْرُهُ، فاجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ - (وهي دارٌ بَناها قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ لِيُصْلِحَ فِيها بَيْنَ قُرَيْشٍ، ثُمَّ صارَتْ لِمُشاوَرَتِهِمْ، وهي الآنَ مَقامُ الحَنَفِيِّ، والنَّدْوَةُ الجَماعَةُ مِنَ القَوْمِ، ونَدا بِالمَكانِ اجْتَمَعَ فِيهِ، ومِنهُ النّادِي) - لِيَتَشاوَرُوا في أمْرِهِ ﷺ .
فَقالَ أبُو البُحْتُرِيِّ بْنُ هِشامٍ: رَأْيِي أنْ تَحْبِسُوهُ في بَيْتٍ، وتَشُدُّوا وثاقَهُ، وتَسُدُّوا بابَهُ، غَيْرَ كُوَّةٍ، تُلْقُونَ إلَيْهِ طَعامَهُ وشَرابَهُ مِنها، وتَتَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ.
وهَذا ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ أيْ: لِيَحْبِسُوكَ ويُوثِقُوكَ، لِأنَّ كُلَّ مَن حَبَسَ شَيْئًا ورَبَطَهُ فَقَدْ جَعَلَهُ ثابِتًا لا يَقْدِرُ عَلى الحَرَكَةِ مِنهُ.
ثُمَّ اعْتَرَضَ هَذا الرَّأْيَ شَيْخٌ نَجْدِيٌّ دَخَلَ مَعَهم، فَقالَ: بِئْسَ الرَّأْيُ ! يَأْتِيكم مَن يُقاتِلُكم مِن قَوْمِهِ، ويُخَلِّصُهُ مِن أيْدِيكم ! ثُمَّ قالَ هِشامُ بْنُ عَمْرٍو: رَأْيِي أنْ تَحْمِلُوهُ عَلى جَمَلِهِ، وتُخْرِجُوهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم، فَلا يَسُرُّكم ما صَنَعَ، واسْتَرَحْتُمْ.
وهَذا ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ يَعْنِي مِن مَكَّةَ، ثُمَّ اعْتَرَضَ النَّجْدِيُّ أيْضًا بِقَوْلِهِ: بِئْسَ الرَّأْيُ ! يُفْسِدُ قَوْمًا غَيْرَكم، ويُقاتِلُكم بِهِمْ. فَقالَ أبُو جَهْلٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ -: أنا أرى أنْ تَأْخُذُوا مِن كُلِّ بَطْنٍ غُلامًا، وتُعْطُوهُ سَيْفًا، فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ، فَيَتَفَرَّقَ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا يَقْوى بَنُو هاشِمٍ عَلى حَرْبِ قُرَيْشِ كُلِّهِمْ، فَإذا طَلَبُوا العَقْلَ عَقَلْناهُ واسْتَرَحْنا، وهَذا ما ذَكَرَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَقْتُلُوكَ﴾
ثُمَّ قالَ النَّجْدِيُّ اللَّعِينُ: صَدَقَ هَذا الفَتى، هو أجْوَدُكم رَأْيًا، فَتَفَرَّقُوا عَلى رَأْيِ أبِي جَهْلٍ، مَجْمِعِينَ عَلى قَتْلِهِ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وأمَرَهُ أنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ، وأذِنَ اللَّهُ لَهُ في الهِجْرَةِ، فَأمَرَ عَلِيًّا، فَنامَ في مَضْجَعِهِ، وقالَ لَهُ: اتَّشِحْ بِبُرْدَتِي، (p-٢٩٨٣)فَإنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إلَيْكَ أمْرٌ تَكْرَهُهُ.
ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ، وأخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، فَأخَذَ اللَّهُ بِأبْصارِهِمْ عَنْهُ، وجَعَلَ يَنْثُرُ التُّرابَ عَلى رُؤُوسِهِمْ وهو يَقْرَأُ: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩]
ومَضى مَعَ أبِي بَكْرٍ إلى الغارِ، وباتَ المُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا، يَحْسَبُونَ أنَّهُ النَّبِيُّ. فَلَمّا أصْبَحُوا سارُوا إلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَرَأوْا عَلِيًّا، فَقالُوا: أيْنَ صاحِبُكَ ؟ فَقالَ: لا أدْرِي ! فاتَّبَعُوا أثَرَهُ، فَلَمّا بَلَغُوا الغارَ، رَأوْا نَسْجَ العَنْكَبُوتِ عَلى بابِهِ، فَقالُوا: لَوْ دَخَلَهُ لَمْ يَبْقَ لِنَسْجِ العَنْكَبُوتِ أثَرٌ. وخَيَّبَ اللَّهُ سَعْيَهم، وأبْطَلَ مَكْرَهم.
ثُمَّ مَكَثَ ﷺ فِيهِ ثَلاثًا، ثُمَّ خَرَجَ إلى المَدِينَةِ» .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طُرُقٍ عِنْدَ ابْنِ إسْحاقَ، والإمامِ أحْمَدَ والحاكِمِ والبَيْهَقِيِّ، دَخَلَتْ رِواياتُ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ أيْ: يُدَبِّرُ ما يُبْطِلُ مَكْرَهم. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أيْ: أعْظَمُهم تَأْثِيرًا، قالَهُ المَهايِمِيُّ وأفادَ أيْضًا في مُناسَبَةِ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ ما قَبْلَها؛ أنَّ هَذِهِ تُشِيرُ إلى أنَّ المُتَّقِيَ كَما يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فُرْقانًا يَمْنَعُ مِنَ الِاجْتِراءِ عَلى أهْلِهِ ومالِهِ وعِرْضِهِ ظاهِرًا يَحْفَظُهُ مِن مَكْرِ مَن مَكَرَ بِهِ، بَلْ يَمْكُرُ لَهُ عَلى ماكِرِهِ. انْتَهى.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ كُفْرِ قُرَيْشٍ وعُتُوِّهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ ودَعْواهُمُ الباطِلَ عِنْدَ سَماعِ آياتِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ:
8:31Page 180
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا قَالُواْ قَدۡ سَمِعۡنَا لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣١
And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١ ] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ أيِ: المَتْلُوِّ.
وهَذا غايَةُ المُكابَرَةِ ونِهايَةُ العِنادِ.
كَيْفَ لا ؟ ولَوِ اسْتَطاعُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، (p-٢٩٨٤)فَما الَّذِي كانَ يَمْنَعُهم مِنَ المَشِيئَةِ، وقَدْ تُحُدُّوا غَيْرَ ما مَرَّةٍ أنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ، وقُرِّعُوا عَلى العَجْزِ، وذاقُوا مِن ذَلِكَ الأمَرَّيْنِ، ثُمَّ قُورِعُوا بِالسَّيْفِ، فَلَمْ يُعارِضُوا سِواهُ، مَعَ فَرْطِ أنَفَتِهِمْ، واسْتِنْكافِهِمْ أنْ يَغْلِبُوا، خُصُوصًا في بابِ البَيانِ الَّذِي هم فُرْسانُهُ، المالِكُونَ لِأزِمَّتِهِ، وغايَةِ ابْتِهاجِهِمْ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: ما سَطَرُوهُ وكَتَبُوهُ مِنَ القَصَصِ. قِيلَ: (أساطِيرُ) لا واحِدَ لَهُ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ؛ أسْطُرٌ وسُطُورٌ وأسْطارٌ، جُمُوعُ سَطْرٍ وأحادِيثَ. والأصْلُ في السَّطْرِ الخَطُّ والكِتابَةُ. يُقالُ: سَطَرَ: كَتَبَ، ويُطْلَقُ عَلى الصَّفِّ مِنَ الشَّيْءِ كالكِتابِ والشَّجَرِ. كَذا في القامُوسِ وشَرْحِهِ.
وقَدْ رُوِيَ «أنَّ قائِلَ هَذا النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ مِن كِلْدَةَ، وأنَّهُ كانَ ذَهَبَ إلى بِلادِ فارِسَ وجاءَ مِنها بِنُسْخَةِ حَدِيثِ رُسْتُمَ وأسْفِنْدِيارَ، ولَمّا قَدِمَ ووَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَعَثَهُ اللَّهُ، وهو يَتْلُو عَلى النّاسِ ما قَصَّهُ تَعالى مِن أحادِيثِ القُرُونِ.
قالَ: لَوْ شِئْتَ لَقُلْتَ مِثْلَ هَذا، فَزَعَمَ أنَّهُ مِثْلُ ما تَلَقَّفَهُ، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا قامَ مِن مَجْلِسٍ، جَلَسَ فِيهِ النَّضْرُ فَحَدَّثَهم مِن مُتَلَقِّفاتِهِ. ثُمَّ يَقُولُ: بِاللَّهِ ! أيُّنا أحْسَنُ قَصَصًا، أنا أوْ مُحَمَّدٌ ؟
وقَدْ أمْكَنَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ يَوْمَ بَدْرِ، وأسَرَهُ المِقْدادُ، ثُمَّ أمَرَ ﷺ بِهِ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ».
وإسْنادُهُ قَوْلُهُ إلى الجَمِيعِ، إمّا لِرِضا الباقِينَ بِهِ أوْ لِأنَّ قائِلَهُ كَبِيرٌ مُتَّبَعٌ، وقَدْ كانَ اللَّعِينُ قاصَّهُمُ الَّذِي يُعَلِّمُهُمُ الباطِلَ ويَقُودُهم إلَيْهِ، ويَغُرُّهم بِمِثْلِ هَذِهِ الجَعْجَعَةِ.
8:32Page 180
وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٢
And [remember] when they said, "O Allāh, if this should be the truth from You, then rain down upon us stones from the sky or bring us a painful punishment."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٢ ] ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .
﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ (p-٢٩٨٥)هَذا أُسْلُوبٌ مِنَ الجُحُودِ بَلِيغٌ، لِأنَّهم عَدُّوا حَقِيَّةَ القُرْآنِ مُحالًا، فَلِذا عَلَّقُوا عَلَيْهِ طَلَبَ العَذابِ الَّذِي لا يَطْلُبُهُ عاقِلٌ، ولَوْ كانَ مُمْكِنًا لَفَرُّوا مِن تَعْلِيقِهِ عَلَيْهِ.
والمَعْنى، إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ حَقًّا مُنَزَّلًا، فَعاقِبْنا عَلى إنْكارِهِ بِالسِّجِّيلِ، كَما فَعَلْتَ بِأصْحابِ الفِيلِ، أوْ بِعَذابٍ آخَرَ.
وفِي إطْلاقِهِمُ (الحَقَّ) عَلَيْهِ، وجَعْلِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، تَهَكُّمٌ بِمَن يَقُولُ ذَلِكَ، مِنَ النَّبِيِّ أوِ المُؤْمِنِينَ. وفائِدَةُ التَّعْرِيفِ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُعَلَّقَ بِهِ كَوْنُهُ حَقًّا عَلى الوَجْهِ، يَدَّعِيهِ ﷺ، وهو تَنْزِيلُهُ، لا الحَقُّ مُطْلَقًا، لِتَجْوِيزِهِمْ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلْواقِعِ، غَيْرَ مُنَزَّلٍ كالأساطِيرِ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ.
و: (أمْطِرْ) اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ (لِأنْزِلْ) .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ كَثُرَ الإمْطارُ في مَعْنى العَذابِ. فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ والإمْطارُ لا يَكُونُ إلّا مِنها ؟ قُلْتُ: كَأنَّهُ أُرِيدَ أنْ يُقالَ: فَأمْطِرْ عَلَيْنا السِّجِّيلَ، وهي الحِجارَةُ المُسَوَّمَةُ لِلْعَذابِ، فَوَضَعَ: ﴿حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ مَوْضِعَ (السِّجِّيلِ)، كَما تَقُولُ: صَبَّ عَلَيْهِ مَسْرُودَةً مِن حَدِيدٍ، تُرِيدُ دِرْعًا.
وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: سِوى الإمْطارِ المَذْكُورِ، أوْ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ.
وعَنْ مُعاوِيَةَ، أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ مِن سَبَأٍ: ما أجْهَلَ قَوْمَكَ حِينَ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ امْرَأةً ! قالَ: أجْهَلُ مِن قَوْمِي قَوْمُكَ ! قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَعاهم إلى الحَقِّ: إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً، ولَمْ يَقُولُوا إنْ كانَ هَذا هو الحَقُّ فاهْدِنا لَهُ.
أيِ: الَّذِي هو الأصْلَحُ لَهم، ولَكِنْ لِشِدَّةِ جَهْلِهِمْ وعُتُوِّهِمْ وعِنادِهِمُ اسْتَفْتَحُوا عَلى أنْفُسِهِمْ، واسْتَعْجَلُوا تَقْدِيمَ العُقُوبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦] وقَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ﴿لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ [المعارج: ٢] ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣] وكَذَلِكَ قالَ الجَهَلَةُ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، كَما قالَ قَوْمُ شُعَيْبٍ لَهُ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧]
(p-٢٩٨٦)وعَنْ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، صاحِبُ القَوْلِ السّالِفِ.
قالَ عَطاءٌ: لَقَدْ أُنْزِلَ في النَّضْرِ بِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً، فَحاقَ بِهِ ما سَألَ مِنَ العَذابِ يَوْمَ بَدْرٍ.
ورَوى البُخارِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ أبُو جَهْلٍ.
ورَوى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ العاصِ واقِفًا يَوْمَ أُحُدٍ عَلى فَرَسٍ وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فاخْسِفْ بِي وبِفَرَسِي.
وقَوْلُهُ تَعالى:
8:33Page 180
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ٣٣
But Allāh would not punish them while you, [O Muḥammad], are among them, and Allāh would not punish them while they seek forgiveness.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ ] ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .
﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْمُوجِبِ لِإمْهالِهِمْ، وعَدَمِ إجابَةِ دُعائِهِمْ.
واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والدَّلالَةُ عَلى أنَّ تَعْذِيبَهم، والنَّبِيُّ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ في الحِكْمَةِ، لِأنَّ سُنَّتَهُ تَعالى، وقَضِيَّةَ حِكْمَتِهِ، ألّا يُعَذِّبَ أُمَّةً ونَبِيُّها بَيْنَ ظَهْرانِيها، لِأنَّهُ لَوْ نَزَلَ العَذابُ في مَكانِهِمْ لَأصابَ كُلَّ مَن كانَ فِيهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم مُرْصَدُونَ بِالعَذابِ إذا هاجَرَ عَنْهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ذَكَرُوا فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلَ: أنَّ المُرادَ اسْتِغْفارُ مَن بَقِيَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ المُسْتَضْعَفِينَ.
قالَ الطِّيبِيُّ: وهَذا الوَجْهُ أبْلَغُ، لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ اسْتِغْفارَ الغَيْرِ مِمّا يُدْفَعُ بِهِ العَذابُ عَنْ أمْثالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ.
(p-٢٩٨٧)والثّانِيَ: أنَّ المُرادَ بِهِ دُعاءُ الكَفَرَةِ بِالمَغْفِرَةِ، وقَوْلُهم: (غُفْرانَكَ) في طَوافِهِمْ بِالبَيْتِ، كَما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، فَيَكُونُ مُجَرَّدُ طَلَبِ المَغْفِرَةِ مِنهُ تَعالى مانِعًا مِن عَذابِهِ، ولَوْ مِنَ الكَفَرَةِ.
والثّالِثَ: أنَّ المُرادَ بِالِاسْتِغْفارِ التَّوْبَةُ، والرُّجُوعُ عَنِ الجَمِيعِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وغَيْرِهِ، فَيَكُونُ القَيْدُ مَنفِيًّا في هَذا، ثابِتًا في الوَجْهَيْنِ الأوَّلِينَ.
قالَ القاشانِيُّ: العَذابُ سَوْرَةُ الغَضَبِ وأثَرُهُ، فَلا يَكُونُ إلّا مِن غَضَبِ النَّبِيِّ، أوْ مِن غَضَبِ اللَّهِ المُسَبَّبِ مِن ذُنُوبِ الأُمَّةِ، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ صُورَةَ الرَّحْمَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ولِهَذا لَمّا كَسَرُوا رَباعِيَتَهُ قالَ: ««اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ»»، ولَمْ يَغْضَبْ كَما غَضِبَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦]
فَوُجُودُهُ فِيهِمْ مانِعٌ مِن نُزُولِ العَذابِ، وكَذا وُجُودُ الِاسْتِغْفارِ، فَإنَّ السَّبَبَ الأوَّلِيَّ لِلْعَذابِ لَمّا كانَ وُجُودُ الذَّنْبِ، والِاسْتِغْفارُ مانِعٌ مِن تَراكُمُ الذَّنْبِ وثَباتِهِ، بَلْ يُوجِبُ زَوالَهُ، فَلا يَتَسَبَّبُ لِغَضَبِ اللَّهِ، فَما دامَ الِاسْتِغْفارُ فِيهِمْ فَهم لا يُعَذَّبُونَ. انْتَهى.
رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ أمانَيْنِ لِأُمَّتِي: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ، فَإذا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ»» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويَشْهَدُ لِهَذا ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ إبْلِيسَ قالَ لِرَبِّهِ: بِعِزَّتِكَ وجَلالِكَ، لا أبْرَحُ أُغْوِي بَنِي آدَمَ ما دامَتِ الأرْواحُ فِيهِمْ، فَقالَ اللَّهُ: فَبِعِزَّتِي وجَلالِي لا أبْرَحُ أغْفِرُ لَهم ما اسْتَغْفَرُونِي».
(p-٢٩٨٨)ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «العَبْدُ آمِنُ مِن عَذابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما اسْتَغْفَرَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ».
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم أهْلٌ لِلْعَذابِ لَوْلا المانِعُ المُتَقَدِّمُ بِقَوْلِهِ:
8:34Page 181
وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٤
But why should Allāh not punish them while they obstruct [people] from al-Masjid al-Ḥarām and they were not [fit to be] its guardians? Its [true] guardians are not but the righteous, but most of them do not know.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٤ ] ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ لَهم في انْتِفاءِ العَذابِ عَنْهم، وحالُهُمُ الصَّدُّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، كَما صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، ومِن صَدِّهِمْ عَنْهُ إلْجاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ إلى الهِجْرَةِ.
قالَ القاشانِيُّ: أيْ: لَيْسَ عَدَمُ نُزُولِ العَذابِ لِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ بِحَسَبِ أنْفُسِهِمْ، بَلْ إنَّهم مُسْتَحِقُّونَ بِذَواتِهِمْ، لِصُدُودِهِمْ، وصَدِّهِمُ المُسْتَعِدِّينَ، وعَدَمِ بَقاءِ الخَيْرِيَّةِ فِيهِمْ، ولَكِنْ يَمْنَعُهُ وجُودُكَ ووُجُودُ المُؤْمِنِينَ المُسْتَغْفِرِينَ مَعَكَ فِيهِمْ.
ثُمَّ قالَ: واعْلَمْ أنَّ الوُجُودَ الإمْكانِيَّ يَتْبَعُ الخَيْرَ الغالِبَ، لِأنَّ الوُجُودَ الواجِبِيَّ هو الخَيْرُ المَحْضُ، فَما رَجَحَ خَيْرُهُ عَلى شَرِّهِ فَهو مَوْجُودٌ بِوُجُودِهِ بِالمُناسَبَةِ الخَيْرِيَّةِ، وإذا غَلَبَ الشَّرُّ لَمْ تَبْقَ المُناسَبَةُ، فَلَزِمَ اسْتِئْصالُهُ وإعْدامُهُ.
فَهم ما دامُوا عَلى الصُّورَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ كانَ الخَيْرُ فِيهِمْ غالِبًا، فَلَمْ يَسْتَحِقُّوا الدَّمارَ بِالعَذابِ، وأمّا إذا تَفَرَّقُوا فَما بَقِيَ إلّا شَرُّهم خالِصًا فَوَجَبَ تَدْمِيرُهم، كَما وقَعَ في واقِعَةِ بَدْرٍ.
ومِن هَذا يَظْهَرُ تَحْقِيقُ المَعْنى الثّانِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]
لِغَلَبَةِ الشَّرْعِ عَلى المَجْمُوعِ حِينَئِذٍ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ رَدٌّ لِما كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ وُلاةِ البَيْتَ والحَرَمَ، (p-٢٩٨٩)نَصُدُّ مَن نَشاءُ، ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ، أيْ: ما كانُوا مُسْتَحِقِّينَ وِلايَةَ أمْرِهِ، لِشِرْكِهِمْ: ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ أيْ: مِنَ الشِّرْكِ، فَلَهم أنْ يَصُدُّوا المُفْسِدِينَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّهم لا وِلايَةَ لَهم عَلَيْهِ:
8:35Page 181
وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٥
And their prayer at the House [i.e., the Kaʿbah] was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved [i.e., practiced of deviations].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٥ ] ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ .
﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً﴾ أيْ: تَصْفِيرًا: ﴿وتَصْدِيَةً﴾ أيْ: تَصْفِيقًا بِالأكُفِّ.
رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ ابْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما حَكى فِعْلَهم، فَصَفَّرَ، وأمالَ خَدَّهُ، وصَفَّقَ بِيَدَيْهِ.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا قالَ: إنَّهم كانُوا يَضَعُونَ خُدُودَهم عَلى الأرْضِ ويُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ.
وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، يُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم كانُوا يَصْنَعُونَ ذَلِكَ لِيَخْلِطُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ صَلاتَهُ.
وقالَ الزُّهْرِيُّ: يَسْتَهْزِئُونَ بِالمُؤْمِنِينَ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى: ﴿وهم يَصُدُّونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] فَيَكُونُ لِتَقْرِيرِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ، أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] فَيَكُونُ تَقْرِيرًا لِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِوِلايَتِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما وجْهُ هَذا الكَلامِ ؟ قُلْتُ: هو نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ - أيِ: (الفَرَزْدَقِ) ـ:
؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ أداهِمَ سُودًا أوْ مُحَدْرَجَةً سُمْرا
والمَعْنى أنَّهُ وضَعَ القُيُودَ والسِّياطَ مَوْضِعَ العَطاءِ، ووَضَعُوا المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ مَوْضِعَ الصَّلاةِ.
(p-٢٩٩٠)وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، الرِّجالُ والنِّساءُ، وهم مُشَبِّكُونَ بَيْنَ أصابِعِهِمْ، يُصَفِّرُونَ فِيها ويُصَفِّقُونَ.
وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذا قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في صَلاتِهِ، ويَخْلِطُونَ عَلَيْهِ.
ما كُنْتُ أخْشى، أيْ: ما كُنْتُ أعْلَمُ. وأداهِمُ: جَمْعُ (أدْهَمَ)، وهو الأسْوَدُ مِنَ الحَيّاتِ. والعَرَبُ تَذْكُرُ (الأدْهَمَ)، وتُرِيدُ بِهِ (القَيْدَ)، كَما في قِصَّةِ القَبَعْثَرى.
والمُحَدْرَجَةُ: السِّياطُ. انْتَهى.
﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيِ: اعْتِقادًا وعَمَلًا، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ هَذا الفِعْلَ المُبْطِلَ لِحُرْمَةِ البَيْتِ كُفْرٌ، لِلِاسْتِهانَةِ بِشَعائِرِهِ تَعالى والسُّخْرِيَةِ بِها.
والعَذابُ المَذْكُورُ هو ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (" إغاثَةِ اللَّهْفانِ "): المُتَقَرِّبُونَ إلى اللَّهِ بِالصَّفِيرِ والتَّصْفِيقِ، والمُخْلِطُونَ بِهِ عَلى أهْلِ الصَّلاةِ والذِّكْرِ والقِراءَةِ، أشْباهُ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ وابْنُ الأنْبارِيِّ: المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ لَيْسا بِصَلاةٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم جَعَلُوا مَكانَ الصَّلاةِ الَّتِي أُمِرُوا بِها المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، فَألْزَمَهم ذَلِكَ عَظِيمَ الأوْزارِ. وهَذا كَقَوْلِكَ: زُرْتُهُ فَجَعَلَ جَفائِي صِلَتِي، أيْ: أقامَ الجَفاءَ مَقامَ الصِّلَةِ.
والمَقْصُودُ أنَّ المُصَفِّقِينَ والصَّفّارِينَ في يَراعٍ أوْ مِزْمارٍ ونَحْوِهِ، فِيهِمْ شَبَهٌ مِن هَؤُلاءِ، ولَوْ أنَّهُ مُجَرَّدُ الشَّبَهِ الظّاهِرِ، فَلَهم قِسْطٌ مِنَ الذَّمِّ، بِحَسَبِ تَشَبُّهِهِمْ بِهِمْ، وإنْ لَمْ يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ في جَمِيعِ مُكائِهِمْ وتَصْدِيَتِهِمْ، واللَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُشَرِّعِ التَّصْفِيقَ لِلرِّجالِ وقْتَ الحاجَةِ إلَيْهِ في الصَّلاةِ إذا نابَهم أمْرٌ، بَلْ أُمِرُوا بِالعُدُولِ عَنْهُ إلى التَّسْبِيحِ، لِئَلّا يَتَشَبَّهُوا بِالنِّساءِ، فَكَيْفَ إذا فَعَلُوهُ، لا لِحاجَةٍ، وقَرَنُوا بِهِ أنْواعًا مِنَ المَعاصِي قَوْلًا وفِعْلًا. انْتَهى.
(p-٢٩٩١)وقالَ قَبْلَهُ: ومِن مَكائِدِ عَدُوِّ اللَّهِ ومَصايِدِهِ الَّتِي كادَ بِها مَن قَلَّ نَصِيبُهُ مِنَ العِلْمِ والعَقْلِ والدِّينِ، وصادَ بِها قُلُوبَ الجاهِلِينَ والمُبْطِلِينَ، سَماعُ المُكاءِ والتَّصْدِيَةِ، والغَناءِ بِالآلاتِ المُحَرَّمَةِ الَّذِي يَصُدُّ القُلُوبَ عَنِ القُرْآنِ، ويَجْعَلُها عاكِفَةً عَلى الفُسُوقِ والعِصْيانِ.
وقالَ شَيْخُهُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، في بَعْضِ فَتاوِيهِ: وأمّا اتِّخاذُ التَّصْفِيقِ والغَناءِ والضَّرْبِ بِالدُّفُوفِ والنَّفْخِ بِالشَّبّاباتِ والِاجْتِماعِ عَلى ذَلِكَ، دِينًا وطَرِيقًا إلى اللَّهِ وقُرْبَةً، فَهَذا لَيْسَ مِن دِينِ الإسْلامِ، ولَيْسَ مِمّا شَرَعَهُ لَهم نَبِيُّهم مُحَمَّدٌ ﷺ، ولا أحَدٌ مِن خُلَفائِهِ، ولا اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ أحَدٌ مِن أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، بَلْ ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن أهْلِ الدِّينِ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا عَهْدِ أصْحابِهِ، ولا تابِعِيهِمْ بِإحْسانٍ، ولا تابِعِي التّابِعِينَ، بَلْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن أهْلِ الدِّينِ مِنَ الأعْصارِ الثَّلاثَةِ، لا بِالحِجازِ ولا بِالشّامِ ولا بِاليَمَنِ ولا العِراقِ ولا بِخُراسانَ ولا المَغْرِبِ ولا مِصْرَ يَجْتَمِعُ عَلى مِثْلِ هَذا السَّماعِ، وإنَّما ابْتُدِعَ في الإسْلامِ بَعْدَ القُرُونِ الثَّلاثَةِ، ولِهَذا قالَ الشّافِعِيُّ - لَمّا رَأى ذَلِكَ -: خَلَّفْتُ بِبَغْدادَ شَيْئًا أحْدَثَتْهُ الزَّنادِقَةُ يُسَمُّونَهُ (التَّغْبِيرَ)، يَصُدُّونَ بِهِ النّاسَ عَنِ القُرْآنِ، وسُئِلَ عَنْهُ أحْمَدُ فَقالَ: أكْرَهُهُ، هو مُحْدَثٌ. قِيلَ، أتَجْلِسُ مَعَهم ؟ قالَ: لا ! وكَذَلِكَ كَرِهَهُ سائِرُ أئِمَّةِ الدِّينِ، وأكابِرُ الشُّيُوخِ الصّالِحِينَ لَمْ يَحْضُرُوهُ، فَلَمْ يَحْضُرْهُ مِثْلُ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ، ولا الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ، ولا مَعْرُوفٍ الكَرْخِيِّ، ولا أبُو سُلَيْمانَ الدّارِانِيُّ ولا أحْمَدُ بْنُ أبِي الحِوارِيِّ، ولا السَّرِيُّ السَّقَطِيُّ، وأمْثالُهم.
والَّذِينَ حَضَرُوهُ مِنَ الشُّيُوخِ مِنَ المَحْمُودِينَ، تَرَكُوهُ في آخِرِ أمْرِهِمْ، وأعْيانُ المَشايِخِ عابُوا أهْلَهُ، كَما ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ عَبْدُ القادِرِ، والشَّيْخُ أبُو البَيانِ وغَيْرُهُما مِنَ الشُّيُوخِ، وما ذَكَرَهُ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهُ مِن إحْداثِ الزَّنادِقَةِ، مِن كَلامِ إمامٍ خَبِيرٍ بِأُصُولِ الإسْلامِ، فَإنَّ هَذا السَّماعَ لَمْ يَرْغَبْ فِيهِ، ويَدْعُو إلَيْهِ في الأصْلِ، إلّا مَن هو مُتَّهَمٌ بِالزَّنْدَقَةِ، كابْنِ الرّاوِنْدِيِّ والفارابِيِّ وابْنِ سِينا وأمْثالِهِمْ.
(p-٢٩٩٢)ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: نَعَمْ ! قَدْ حَضَرَهُ أقْوامٌ مِن أهْلِ الإرادَةِ والمَحَبَّةِ، ومَن لَهُ نَصِيبٌ في المَحَبَّةِ، لِما فِيهِ مِنَ التَّحْرِيكِ لَهم، ولَمْ يَعْلَمُوا غائِلَتَهُ، ولا عَرَفُوا مَغَبَّتَهُ، كَما دَخَلَ قَوْمٌ مِنَ الفُقَهاءِ في أنْواعٍ مِن كَلامِ الفَلاسِفَةِ المُخالِفِ لِدِينِ الإسْلامِ ظَنًّا مِنهم أنَّهُ حَقٌّ مُوافِقٌ، ولَمْ يَعْلَمُوا غائِلَتَهُ، ولا عَرَفُوا مَغَبَّتَهُ، فَإنَّ القِيامَ بِحَقائِقِ الدِّينِ عِلْمًا وقَوْلًا وعَمَلًا وذَوْقًا وخِبْرَةً لا يَسْتَقِلُّ بِهِ أكْثَرُ النّاسِ، ولَكِنَّ الدَّلِيلَ الجامِعَ هو الِاعْتِصامُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ.
ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ومَن كانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِحَقائِقِ الدِّينِ، وأحْوالِ القُلُوبِ، ومَعارِفِها وأذْواقِها، عَرَفَ أنَّ سَماعَ المُكاءِ والتَّصْدِيَةِ لا يَجْلِبُ لِلْقَلْبِ مَنفَعَةً ولا مَصْلَحَةً، إلّا وفي ضِمْنِ ذَلِكَ مِنَ المَفْسَدَةِ ما هو أعْظَمُ مِنهُ، فَهو لِلرُّوحِ كالخَمْرِ لِلْجَسَدِ، يَفْعَلُ في النُّفُوسِ أعْظَمَ ما تَفْعَلُهُ حَمِيّا الكُؤُوسِ. ثُمَّ قالَ: وبِالجُمْلَةِ فَعَلى المُؤْمِنِ أنْ يَعْلَمَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا يُقَرِّبُ إلى الجَنَّةِ، إلّا وقَدْ حَدَّثَ بِهِ، ولا شَيْئًا يُبْعِدُ عَنِ النّارِ، إلّا وقَدْ حَدَّثَ بِهِ، وإنَّ هَذا السَّماعَ لَوْ كانَ مَصْلَحَةً، لَشَرَّعَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الآيَةَ.
وإذا وجَدَ السّامِعُ بِهِ مَنفَعَةً لِقَلْبِهِ، ولَمْ يَجِدْ شاهِدَ ذَلِكَ مِن كِتابِ اللَّهِ ولا مِن سُنَّةِ رَسُولِهِ، لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ. كَما أنَّ الفَقِيهَ إذا رَأى قِياسًا لا يَشْهَدُ لَهُ الكِتابُ والسُّنَّةُ، لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ انْتَهى.
وقَدْ سَلَفَ لَنا شَيْءٌ مِن هَذا البَحْثِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] فَلْيُراجَعْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences