Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:36–41
8:36Page 181
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ ٣٦
Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allāh. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٦ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ .
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ (p-٢٩٩٣)نَزَلَتْ فِيمَن يُنْفِقُ عَلى حَرْبِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المُشْرِكِينَ، وبَيانَ سُوءِ مَغَبَّةِ هَذا الإنْفاقِ، وقَدْ ذَهَبَ الضَّحّاكُ إلى أنَّهُ عُنِيَ بِها المُطْعِمُونَ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ، يُطْعِمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم، كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَةَ جُزُرٍ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِمْ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ، ونَفَقَتُهُ الأمْوالَ في (أُحُدٍ) لِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ لَمّا أُصِيبَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ ورَجَعَ فَلُّهم إلى مَكَّةَ، ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ بِعِيرِهِ، مَشى رِجالٌ مِن قُرَيْشٍ أُصِيبَ آباؤُهم وأبْناؤُهم وإخْوانُهم بِبَدْرٍ، فَكَلَّمُوا أبا سُفْيانَ، ومَن كانَتْ لَهُ في تِلْكَ العِيرِ تِجارَةٌ، فَقالُوا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وتَرَكم، وقَتَلَ خِيارَكم، فَأعِينُونا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِهِ، لَعَلَّنا أنْ نُدْرِكَ مِنهُ ثَأْرًا بِمَن أُصِيبَ مِنّا، فَفَعَلُوا. قالَ: فَفِيهِمْ - كَما ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - أُنْزِلَتِ الآيَةُ. ولا يَخْفى شُمُولُ الآيَةِ لِجَمِيعِ ذَلِكَ.
واللّامُ في ﴿لِيَصُدُّوا﴾ لامُ الصَّيْرُورَةِ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، لِأنَّ غَرَضَهُمُ الصَّدُّ عَمّا هو سَبِيلُ اللَّهِ بِحَسَبِ الواقِعِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في اعْتِقادِهِمْ.
وسَبِيلُ اللَّهِ طَرِيقُهُ وهو دِينُهُ، واتِّباعُ رَسُولِهِ، ولَمّا تَضَمَّنَ المَوْصُولُ مَعْنى الشَّرْطِ، والخَبَرُ بِمَنزِلَةِ الجَزاءِ، وهو: ﴿فَسَيُنْفِقُونَها﴾ اقْتَرَنَ بِالفاءِ (يُنْفِقُونَ) إمّا حالٌ، أوْ بَدَلٌ مِن: (كَفَرُوا) وفي تَضَمُّنِ الجَزاءِ مِن مَعْنى الإعْلامِ والإخْبارِ، التَّوْبِيخُ عَلى الإنْفاقِ، والإنْكارُ عَلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]
وفِي تَكْرِيرِ الإنْفاقِ في شَبَهِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، الدَّلالَةُ عَلى كَمالِ سُوءِ الإنْفاقِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] وقَوْلُهم: مَن أدْرَكَ الصَّمّانَ فَقَدْ أدْرَكَ المَرْعى، والمَعْنى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ، والصَّدِّ عَنِ اتِّباعِ رَسُولِهِ ﷺ، سَيَعْلَمُونَ عَنْ قَرِيبٍ سُوءَ (p-٢٩٩٤)مَغَبَّةِ ذَلِكَ الإنْفاقِ، وانْقِلابِهِ إلى أشَدِّ الخُسْرانِ، مِنَ القَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا، والنَّكالِ في العُقْبى: قالَ المُتَنَبِّيُّ:
؎إذا الجُودُ لَمْ يُرْزَقْ خَلاصًا مِنَ الأذى فَلا الحَمْدُ مَكْسُوبًا ولا المالُ باقِيًا
(والأذى هُنا المَنُّ)
وفِي جَعْلِ ذاتِ الأمْوالِ تَصِيرُ: ﴿حَسْرَةً﴾ أيْ: نَدَمًا وتَأسُّفًا - وهي عاقِبَةُ أمْرِها - مُبالَغَةً.
والمُرادُ بِالغَلَبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ الغَلَبَةُ الَّتِي اسْتَقَرَّ عَلَيْها الأمْرُ، وإنْ كانَتِ الحَرْبُ بَيْنَهم سِجالًا قَبْلَ ذَلِكَ. فَإنْ قُلْتَ: غَلَبَةُ المُسْلِمِينَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى تَحَسُّرِهِمْ، بِالزَّمانِ، فَلِمَ أُخِّرَتْ بِالذِّكْرِ ؟
قُلْتُ: المُرادُ أنَّهم يَغْلِبُونَ في مُواطِنَ أُخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ. كَذا في (" العِنايَةِ ") .
تَنْبِيهٌ:
قالَ بَعْضُهُمْ: ثَمَرَةُ الآيَةِ خَطَرُ المُعاوَنَةِ عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ الإنْفاقَ في ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ، فَيَدْخُلُ في هَذا مُعاوَنَةُ الظَّلَمَةِ عَلى حَرَكاتِهِمْ في البَغْيِ والظُّلْمِ، وكَذَلِكَ بَيْعُ السِّلاحِ والكُراعِ، مِمَّنْ يَسْتَعِينُ بِذَلِكَ عَلى حَرْبِ المُسْلِمِينَ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾
8:37Page 181
لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجۡعَلَ ٱلۡخَبِيثَ بَعۡضَهُۥ عَلَىٰ بَعۡضٖ فَيَرۡكُمَهُۥ جَمِيعٗا فَيَجۡعَلَهُۥ فِي جَهَنَّمَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٣٧
[It is] so that Allāh may distinguish the wicked from the good and place the wicked some of them upon others and heap them all together and put them into Hell. It is those who are the losers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٧ ] ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .
﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أيِ: الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، أوِ الفَسادَ مِنَ الصَّلاحِ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: ﴿يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] أوْ: ﴿يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] أوْ ما أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِمّا أنْفَقَهُ المُسْلِمُونَ في نُصْرَتِهِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال: ٣٦] ﴿ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ﴾
أيْ: فَيَجْمَعُهُ ويَضُمُّ بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ، حَتّى يَتَراكَبُوا لِفَرْطِ ازْدِحامِهِمْ، أوْ يَضُمُّ إلى الكافِرِ ما أنْفَقَهُ، (p-٢٩٩٥)لِيَزِيدَ بِهِ عَذابُهُ كَمالَ الكانِزِينَ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الخَبِيثِ، لِأنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالفَرِيقِ الخَبِيثِ، أوْ إلى المُنْفِقِينَ: ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ لِخُسْرانِهِمْ أنْفُسَهم وأمْوالَهم.
8:38Page 181
قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٨
Say to those who have disbelieved [that] if they cease, what has previously occurred will be forgiven for them. But if they return [to hostility] - then the precedent of the former [rebellious] peoples has already taken place.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٨ ] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ وإنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ .
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ، فالتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْعَهْدِ أوْ لِلْجِنْسِ، فَيَدْخُلُ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًا ﴿إنْ يَنْتَهُوا﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ وقِتالِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿وإنْ يَعُودُوا﴾ إلى قِتالِهِ: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الأنْبِياءِ بِالتَّدْمِيرِ، أوِ الَّذِينَ حاقَ بِهِمْ مَكْرُهم يَوْمَ بَدْرٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ مَضَتْ﴾ إلَخْ دَلِيلٌ الجَزاءِ، والتَّقْدِيرُ: انْتَقَمْنا مِنهم فَقَدْ مَضَتْ ......... إلَخْ.
تَنْبِيهٌ:
اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ وأنَّ الكافِرَ إذا أسْلَمَ، لا يُخاطَبُ بِقَضاءِ ما فاتَهُ مِن صَلاةٍ أوْ زَكاةٍ أوْ صَوْمٍ أوْ إتْلافِ مالٍ أوْ نَفْسٍ.
وأجْرى المالِكِيَّةُ ذَلِكَ كُلَّهُ في المُرْتَدِّ إذا تابَ، لِعُمُومِ الآيَةِ، واسْتَدَلُّوا بِها عَلى إسْقاطِ ما عَلى الذِّمِّيِّ مِن جِزْيَةٍ وجُبِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ إسْلامِهِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: لا يُؤاخَذُ كافِرٌ بِشَيْءٍ صَنَعَهُ في كُفْرِهِ إذا أسْلَمَ، ولَمْ يُعَدَّ طَلاقُهم شَيْئًا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ كَذا في (" الإكْلِيلِ ") .
8:39Page 181
وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣٩
And fight against them until there is no fitnah1 and [until] the religion [i.e., worship], all of it, is for Allāh.2 And if they cease - then indeed, Allāh is Seeing of what they do.
(p-٢٩٩٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٩ ] ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: شِرْكٌ أوْ إضْلالٌ لِغَيْرِهِمْ، وفَتْنٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ ﴿ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ أيْ: يَخْلُصُ التَّوْحِيدُ لِلَّهِ، فَلا يُعْبَدُ غَيْرُهُ ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي ظاهِرًا: ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِبَواطِنِهِمْ ﴿بَصِيرٌ﴾ أيْ: فَيُجازِيهِمْ، وعَلَيْهِ حِسابُهم، فَكَفُّوا عَنْهم، وإنْ لَمْ تَعْلَمُوا بِبَواطِنِهِمْ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الآيَةَ، وفي الآيَةِ الأُخْرى: ﴿فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]
وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها وحِسابُهم عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ»» .
وفِي الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأُسامَةَ: لَمّا عَلا ذَلِكَ الرَّجُلَ بِالسَّيْفِ، فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لِأُسامَةَ: «أقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟» فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما قالَها تَعَوُّذًا، فَقالَ: «هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ» ؟ وجَعَلَ يَقُولُ ويُكَرِّرُ عَلَيْهِ: «مَن لَكَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ» ؟ قالَ أُسامَةُ: حَتّى تَمَنَّيْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ إلّا يَوْمَئِذٍ».
8:40Page 181
وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٤٠
But if they turn away - then know that Allāh is your protector. Excellent is the protector, and excellent is the helper.
(p-٢٩٩٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤٠ ] ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكم نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ .
﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ ولَمْ يَنْتَهُوا ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ: ناصِرُكم ومُعِينُكم، فَثِقُوا بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ ﴿نِعْمَ المَوْلى﴾ فَلا يَضِيعُ مَن تَوَلّاهُ ﴿ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ فَلا يُغْلَبُ مَن نَصَرَهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مَصْرِفَ ما أحَلَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ وخَصَّها بِهِ، وهو الغَنائِمُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
8:41Page 182
۞ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٤١
And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allāh is one fifth of it and for the Messenger1 and for [his] near relatives2 and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler,3 if you have believed in Allāh and in that which We sent down to Our Servant4 on the day of criterion [i.e., decisive encounter] - the day when the two armies met [at Badr]. And Allāh, over all things, is competent.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤١ ] ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْـزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: قَلَّ أوْ كَثُرَ مِنَ الكُفّارِ ﴿فَأنَّ لِلَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي مِنهُ النَّصْرُ المُتَفَرِّعُ عَلَيْهِ الغَنِيمَةُ ﴿خُمُسَهُ﴾ شُكْرًا لَهُ عَلى نَصْرِهِ وإعْطائِهِ الغَنِيمَةَ ﴿ولِلرَّسُولِ﴾ أيِ: الَّذِي هو الأصْلُ في أسْبابِ النَّصْرِ ﴿ولِذِي القُرْبى﴾ وهم بَنُو هاشِمٍ والمُطَّلِبِ ﴿واليَتامى﴾ أيْ: مَن ماتَ آباؤُهم ولَمْ يَبْلُغُوا، لِأنَّهم ضُعَفاءُ، ﴿والمَساكِينِ﴾ لِأنَّهم أيْضًا ضُعَفاءُ كاليَتامى ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ وهو المُسافِرُ الَّذِي قُطِعَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ ويُرِيدُ الرُّجُوعَ إلى بَلَدِهِ، ولا يَجِدُ ما يَتَبَلَّغُ بِهِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
الأُولى: قالَ الفُقَهاءُ: (الغَنِيمَةُ) المالُ المَأْخُوذُ مِنَ الكَفّارِ بِإيجافِ الخَيْلِ والرِّكابِ، أيْ: ما ظَهَرَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بِالقِتالِ. وهَلْ هي والفَيْءُ والنَّفْلُ شَيْءٌ واحِدٌ أوْ لا ؟ وسَنُفَصِّلُهُ في آخِرِ المَسائِلِ.
(p-٢٩٩٨)الثّانِيَةُ: (ما) في: (أنَّما) بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وكانَ حَقُّها - عَلى أُصُولِهِمْ - أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً.
قالَ الشِّهابُ: وقَدْ أُجِيزَ في (ما) هَذِهِ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً.
الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ، عَلى أنَّهُ حالٌ مِن عائِدِ المَوْصُولِ، قُصِدَ بِهِ الِاعْتِناءُ بِشَأْنِ الغَنِيمَةِ، وألّا يَشِذَّ عَنْها شَيْءٌ، أيْ: ما غَنِمْتُمُوهُ كائِنًا ما كانَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ، حَتّى الخَيْطُ والمَخِيطُ.
الرّابِعَةُ: (الخُمُسُ) بِضَمِّ المِيمِ، وسُكُونِها، لُغَتانِ قَدْ قُرِئَ بِهِما.
الخامِسَةُ: أفادَتِ الآيَةُ أنَّ الواجِبَ في المَغْنَمِ تَخْمِيسُهُ، وصَرْفُ الخُمْسِ إلى مَن ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، وقِسْمَةُ الباقِي بَيْنَ الغانِمِينَ بِالعَدْلِ، لِلرّاجِلِ سَهْمٌ، ولِلْفارِسِ ذِي الفَرَسِ العَرَبِيِّ ثَلاثَةُ أسْهُمٍ، سَهْمٌ لَهُ وسَهْمانِ لِفَرَسِهِ.
هَكَذا قَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ عامَ خَيْبَرَ.
ومِنَ الفُقَهاءِ مَن يَقُولُ: لِلْفارِسِ سَهْمانِ.
والأوَّلُ هو الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، ولِأنَّ الفَرَسَ يَحْتاجُ إلى مَؤُونَةَ نَفْسِهِ وسائِسِهِ، ومَنفَعَةُ الفارِسِ بِهِ أكْثَرُ مِن مَنفَعَةِ رَجُلَيْنِ.
ومِنهم مَن يَقُولُ: يُسَوّى بَيْنَ الفَرَسِ العَرَبِيِّ والهَجِينِ في هَذا، الهَجِينُ يُسَمّى البِرْذَوْنَ والأكْدِيشَ.
ويَجِبُ قِسْمَتُها بَيْنَهم بِالعَدْلِ، فَلا يُحابى أحَدٌ، لا لِرِياسَتِهِ ولا لِنَسَبِهِ ولا لِفَضْلِهِ، كَما كانَ النَّبِيُّ ﷺ وخُلَفاؤُهُ يُقَسِّمُونَها.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ «أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ رَأى أنَّ لَهُ فَضْلًا عَلى مَن دُونَهُ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَلْ تُنْصَرُونَ وتُرْزَقُونَ إلّا بِضُعَفائِكم ؟» وفي مُسْنَدِ أحْمَدَ «أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ابْنَ أُمِّ (p-٢٩٩٩)سَعْدٍ» وهَلْ تُرْزَقُونَ وتُنْصَرُونَ إلّا بِضُعَفائِكم. كَذا في (" السِّياسَةِ الشَّرْعِيَّةِ ") لِابْنِ تَيْمِيَّةَ.
فِي (" زادِ المَعادِ ") لِابْنِ القَيِّمِ: «كانَ ﷺ إذا ظَفِرَ بِعَدُوِّهِ، أمَرَ مُنادِيًا فَجَمَعَ الغَنائِمَ كُلَّها، فَبَدَأ بِالأسْلابِ فَأعْطاها لِأهْلِها، ثُمَّ أخْرَجَ خُمْسَ الباقِي فَوَضَعَهُ حَيْثُ أراهُ اللَّهُ وأمَرَهُ بِهِ مِن مَصالِحِ الإسْلامِ، ثُمَّ يَرْضَخُ مِنَ الباقِي لِمَن لا سَهْمَ لَهُ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ والعَبِيدِ، ثُمَّ قَسَّمَ الباقِيَ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَ الجَيْشِ: لِلْفارِسِ ثَلاثَةُ أسْهُمٍ، ولِلرّاجِلِ سَهْمٌ، وكانَ يَنْفُلُ مِن صُلْبِ الغَنِيمَةِ بِحَسَبِ ما يَراهُ مِنَ المَصْلَحَةِ».
وقِيلَ: بَلْ كانَ النَّفْلُ مِنَ الخُمْسِ، وجَمَعَ لِسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ في بَعْضِ مَغازِيهِ، بَيْنَ سَهْمِ الرّاجِلِ والفارِسِ، فَأعْطاهُ خَمْسَةَ أسْهُمٍ، لِعِظَمِ غَنائِهِ في تِلْكَ الغَزْوَةِ.
قالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وما زالَتِ الغَنائِمُ تُقَسَّمُ بَيْنَ الغانِمِينَ في دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ وبَنِي العَبّاسِ، لِما كانَ المُسْلِمُونَ يَغْزُونَ الرُّومَ والتُّرْكَ والبَرْبَرَ.
السّادِسَةُ: ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلَيْهِ أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ﴾ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ: تَعْظِيمِ الرَّسُولِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] أوْ لِبَيانِ أنَّهُ لا بُدَّ في الخَمْسَةِ مِن إخْلاصِها لِلَّهِ تَعالى، وأنَّ المُرادَ قِسْمَةُ الخُمْسِ عَلى المَعْطُوفِينَ عَلَيْهِ، وتَمَسُّكُ بَعْضِهِمْ بِظاهِرِ ذَلِكَ، فَأوْجَبَ سَهْمًا سادِسًا لِلَّهِ تَعالى، يُصْرَفُ في وُجُوهِ الخَيْرِ، أوْ يُؤْخَذُ لِلْكَعْبَةِ قالَ: لِأنَّ كَلامَ الحَكِيمِ لا يُعَرّى عَنِ الفائِدَةِ، ولِأنَّهُ ثَبَتَ اخْتِصاصُهُ في آيَةِ الصَّدَقاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] فَكَذا هُنا.
وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي العالِيَةِ، والرَّبِيعِ والقاسِمِ وأسْباطِهِ ويُؤَيِّدُ ما لِلْجُمْهُورِ، ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ رَجُلٍ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، وهو بِوادِي القُرى، وهو مُعْتَرِضٌ فَرَسًا، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! ما تَقُولُ في الغَنِيمَةِ ؟ فَقالَ: «لِلَّهِ خُمْسُها وأرْبَعَةُ أخْماسِها لِلْجَيْشِ» . قُلْتُ: فَما أحَدٌ أوْلى بِهِ (p-٣٠٠٠)مِن أحَدٍ ؟ قالَ، «لا، ولا السَّهْمُ تَسْتَخْرِجُهُ مِن جَيْبِكَ، لَيْسَ أنْتَ أحَقُّ بِهِ مِن أخِيكَ المُسْلِمِ»». ومِن لَطائِفِ الحَسَنِ أنَّهُ أوْصى بِالخُمْسِ مِن مالِهِ وقالَ: ألا أرْضى مِن مالِي بِما رَضِيَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ ؟
السّابِعَةُ: خُمْسُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ، كانَ أمْرُهُ في حَياتِهِ مُفَوَّضًا إلَيْهِ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِما شاءَ، ويَرُدُّهُ في أُمَّتِهِ كَيْفَ شاءَ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ «أنَّ أبا الدَّرْداءِ قالَ لِعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ: يا عُبادَةَ ! كَلِماتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ كَذا وكَذا في شَأْنِ الأخْماسِ ؟ فَقالَ عُبادَةُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمْ في غَزْوِهِمْ إلى بَعِيرٍ مِنَ المَقْسِمِ، فَلَمّا سَلَّمَ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَتَناوَلَ وبَرَةً بَيْنَ أُنَمُلَتَيْهِ فَقالَ: «إنَّ هَذِهِ مِن غَنائِمِكم، وإنَّهُ لَيْسَ لِي فِيها إلّا نَصِيبِي مَعَكم إلّا الخُمْسَ، والخَمْسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكم، فَأدُّوا الخَيْطَ والمَخِيطَ، وأكْبَرَ مِن ذَلِكَ وأصْغَرَ، ولا تَغُلُّوا فَإنَّ الغُلُولَ نارٌ وعارٌ عَلى أصْحابِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وجاهِدُوا النّاسَ، في اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، القَرِيبَ والبَعِيدَ، ولا تُبالُوا في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وأقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وجاهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّ الجِهادَ بابٌ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ، يُنَجِّي اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ مِنَ الغَمِّ والهَمِّ»» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ عَظِيمٌ.
ورَوى أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمْ إلى بَعِيرٍ مِنَ المَغْنَمِ، فَلَمّا سَلَّمَ أخَذَ وبَرَةً مِن جَنْبِ البَعِيرِ ثُمَّ قالَ: ««ولا يَحِلُّ لِي مِن غَنائِمِكم مِثْلُ هَذا إلّا الخُمْسَ والخُمْسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكم»» - واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَصْرِفُهُ لِمَصالِحِ المُسْلِمِينَ.
(p-٣٠٠١)وكانَ لَهُ ﷺ مِنَ الغَنائِمِ شَيْءٌ يَصْطَفِيهِ لِنَفْسِهِ، عَبْدٌ أوْ أمَةٌ أوْ فَرَسٌ أوْ سَيْفٌ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ والشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا، وأحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ولِلْعُلَماءِ فِيما يُصْنَعُ بِخُمْسِهِ ﷺ مِن بَعْدِهِ مَذاهِبُ:
فَمِن قائِلٍ: يَكُونُ لِمَن يَلِي الأمْرَ مِن بَعْدِهِ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: رُوِيَ هَذا عَنْ أبِي بَكْرٍ وعَلِيٍّ وقَتادَةَ وجَماعَةٍ. وجاءَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ.
ومِن قائِلٍ: يُصْرَفُ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ، قالَ الأعْمَشُ عَنْ إبْراهِيمَ: كانَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ يَجْعَلانِ سَهْمَ النَّبِيِّ ﷺ في الكُراعِ والسِّلاحِ.
ومِن قائِلٍ: بِأنَّهُ يُصْرَفُ لِقَرابَتِهِ ﷺ .
ومِن قائِلٍ: بِأنَّهُ مَرْدُودٌ عَلى بَقِيَّةِ الأصْنافِ: ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ. واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. ولِلْمَسْألَةِ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ.
الثّانِيَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ (بِذَوِي القُرْبى) قَرابَتُهُ ﷺ .
وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ سَهْمَ ذَوِي القُرْبى يُصْرَفُ إلى بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ خاصَّةً، لِأنَّ بَنِي المُطَّلِبِ وازَرُوا بَنِي هاشِمٍ في الجاهِلِيَّةِ، وفي أوَّلِ الإسْلامِ ودَخَلُوا مَعَهم في الشِّعْبِ غَضَبًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وحِمايَةً لَهُ، مُسْلِمُهم طاعَةً لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وكافِرُهم حَمِيَّةً لِلْعَشِيرَةِ، وأنَفَةً وطاعَةً لِأبِي طالِبٍ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأمّا بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ وبَنُو نَوْفَلٍ، وإنْ كانُوا ابْنَيْ عَمِّهِمْ، لَمْ يُوافِقُوهم، بَلْ حارَبُوهم ونابَذُوهم، ومالَؤُوا بُطُونَ قُرَيْشٍ عَلى حَرْبِ الرَّسُولِ، ولِهَذا كانَ ذَمَّهم أبُو طالِبٍ في قَصِيدَتِهِ بِقَوْلِهِ مِنها:(p-٣٠٠٢)
؎جَزى اللَّهُ عَنّا عَبْدَ شَمْسٍ ونَوْفَلًا عُقُوبَةَ شَرٍّ عاجِلًا غَيْرَ آجِلِ
(نَوْفَلٌ: هو ابْنُ خُوَيْلِدٍ، كانَ مِن شَياطِينِ قُرَيْشٍ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ يَوْمَ بَدْرٍ) .
؎بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَخِيسُ شَعِيرَةً ∗∗∗ لَهُ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ غَيْرُ عائِلِ
(لا يَخِيسُ، مِن قَوْلِهِمْ: خاسَ بِالعَهْدِ إذا نَقَضَهُ وأفْسَدَهُ. والعائِلُ: الحائِرُ) .
؎لَقَدْ سَفِهَتْ أحْلامُ قَوْمٍ تَبَدَّلُوا ∗∗∗ بَنِي خَلَفٍ قَيْضًا بِنا والغَياطِلِ
(قَيْضًا: عِوَضًا، والغَياطِلُ: بَنُو سَهْمٍ) .
؎ونَحْنُ الصَّمِيمُ مِن ذُؤابَةِ هاشِمٍ ∗∗∗ وآلِ قُصَيٍّ في الخُطُوبِ الأوائِلِ
(الصَّمِيمُ: الخالِصُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، والذُّؤابَةُ: الجَماعَةُ العالِيَةُ، وأصْلُهُ الخَصْلَةُ مِن شَعْرِ الرَّأْسِ) .
وقالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ: «مَشَيْتُ أنا وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقُلْنا: أعْطَيْتَ بَنِي المُطَّلِبِ مِن خُمْسِ خَيْبَرَ وتَرَكْتَنا، ونَحْنُ وهَمَ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ مِنكَ ؟ فَقالَ: «إنَّما بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ واحِدٌ»» . - رَواهُ مُسْلِمٌ.
وفِي رِوايَةٍ: «أنَّهم لَمْ يُفارِقُونِي في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ» - أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ - .
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وزَيْنِ العابِدِينَ والباقِرِ أنَّهُ يُسَوّى في العَطاءِ بَيْنَ غَنِيِّهِمْ وفَقِيرِهِمْ، ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمْ، لِأنَّ اسْمَ القَرابَةِ يَشْمَلُهم، ولِأنَّهم عَوَّضُوهُ لَمّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الزَّكاةُ، وقِياسًا عَلى المالِ المُقَرِّ بِهِ لِبَنِي فُلانٍ.
واعْتَبَرَ الشّافِعِيُّ أنَّ سَهْمَهُمُ اسْتَحَقَّ بِالقَرابَةِ، فَأشْبَهَ المِيراثَ. قالَ: فَلِلذِّكْرِ مِنهُ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ. انْتَهى.
وقالَ في (" العِنايَةِ "): إنَّهُ كانَ لِعَبْدِ مَنافٍ - جَدِّ النَّبِيِّ ﷺ - خَمْسُ بَنِينَ: هاشِمٌ وعَبْدُ شَمْسٍ ونَوْفَلٌ والمُطَّلِبُ وأبُو عَمْرٍو، وكُلُّهم أعْقَبُوا إلّا أبا عَمْرٍو.
التّاسِعَةُ: سَهْمُ اليَتامى: قِيلَ يُخَصُّ بِهِ فُقَراؤُهم، وقِيلَ: يَعُمُّ الأغْنِياءَ والفُقَراءَ، (p-٣٠٠٣)حَكاهُ ابْنُ كَثِيرٍ. والأظْهَرُ الثّانِي، والسِّرُّ فِيهِ ما قَدَّمْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَتَذَكَّرْهُ فَإنَّهُ مُهِمٌّ.
العاشِرَةُ: المَساكِينُ: المَحاوِيجُ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يَسُدُّ خَلَّتْهم ويَكْفِيهِمْ، وابْنُ السَّبِيلِ: ذَكَرْنا مَعْناهُ أوَّلًا.
الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قالَ بَعْضُهم: يَقْتَضِي ما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ وما في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأنْفالِ، وما في سُورَةِ الحَشْرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧]
أنَّ القِسْمَةَ في الأمْوالِ المَظْفُورِ بِها ثُلاثِيَّةٌ: نَفْلٌ: وغَنِيمَةٌ، وفَيْءٌ، ويَقْتَضِي إطْلاقَ جَعْلِ النَّفْلِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والغَنِيمَةِ لِمَن ذُكِرَ مُخَمَّسَةً، والفَيْءِ لِمَن ذُكِرَ بِلا قَيْدٍ. التَّخْمِيسُ أنْ لِكُلٍّ مِنَ الثَّلاثَةِ حُكْمًا يُخالِفُ الآخَرَ، وإنَّ النَّفْلَ ما يُعْطى لِمَن لَهُ مِنَ العِنايَةِ والمُقاتَلَةِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وفاءً لِعِدَتِهِ بِذَلِكَ، قَبْلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ كالسَّلَبِ، وإنَّ الغَنِيمَةَ ما أحْرَزَ بِالقِتالِ، سِوى ما شَرَطَ التَّنْفِيلَ بِهِ، لِأنَّهُ لا يُخَمَّسُ، والفَيْءُ ما أُخِذَ مِنَ الكَفّارِ بِغَيْرِ قِتالٍ، كالأمْوالِ الَّتِي يُصالِحُونَ عَلَيْها، والجِزْيَةِ والخَراجِ، ونَحْوَ ذَلِكَ، وإلى هَذا التَّفْصِيلِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى اتِّحادِ الثَّلاثَةِ، وعَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَها، وإلى دُخُولِها في الغَنِيمَةِ، وقالَ: ما أطُلِقَ في آيَةِ الأنْفالِ، وآيَةِ الحَشْرِ، مُقَيَّدٌ بِآيَةِ الغَنِيمَةِ هَذِهِ. وهَذا هو مُرادُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّهُما مَنسُوخَتانِ بِهَذِهِ، بِمَعْنى أنَّ إطْلاقَهُما مُقَيَّدٌ بِهَذِهِ - واللَّهُ أعْلَمُ ـ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ أيْ: فاعْمَلُوا بِما ذُكِرَ، وارْضَوْا بِهَذِهِ القِسْمَةِ فالإيمانِ يُوجِبُ العَمَلُ بِالعِلْمِ، والرِّضا بِالحُكْمِ.
وقَدْ جاءَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، في حَدِيثِ وفْدِ عَبْدِ القَيْسِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهم: ««وآمُرُكم بِأرْبَعٍ، وأنْهاكم عَنْ أرْبَعٍ: آمُرُكم بِالإيمانِ بِاللَّهِ» . (p-٣٠٠٤)ثُمَّ قالَ: «هَلْ تَدْرُونَ ما الإيمانُ بِاللَّهِ ؟ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وأنْ تُؤَدُّوا الخُمْسَ مِنَ المَغْنَمِ»»، الحَدِيثَ - فَجَعَلَ أداءَ الخُمْسِ مِن جُمْلَةِ الإيمانِ، وقَدْ بَوَّبَ البُخارِيُّ عَلى ذَلِكَ في بابِ الإيمانِ مِن صَحِيحِهِ، فَقالَ: (بابُ أداءِ الخُمْسِ مِنَ الإيمانِ)، وساقَ الحَدِيثَ المَذْكُورَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْـزَلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى: (بِاللَّهِ) أيْ: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وبِالمُنْزِلِ ﴿عَلى عَبْدِنا﴾ أيْ: مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ: مِنَ الآياتِ والمَلائِكَةِ والنَّصْرِ، ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ أيْ: يَوْمَ بَدْرٍ، فَإنَّهُ فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. و(الفُرْقانِ) بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ، والإضافَةُ فِيهِ لِلْعَهْدِ ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ يَعْنِي جَمْعَ المُؤْمِنِينَ وجَمْعَ الكافِرِينَ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، وكانَ التِقاؤُهُما يَوْمَ الجُمْعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِن رَمَضانَ، والمُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشْرَةَ رَجُلًا، والمُشْرِكُونَ ما بَيْنَ الألْفِ والتِّسْعِمِائَةٍ، فَهَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ، وقَتَلَ مِنهم زِيادَةً عَلى سَبْعِينَ، وأُسِرَ مِنهم مِثْلُ ذَلِكَ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى نَصْرِ القَلِيلِ عَلى الكَثِيرِ، كَما فَعَلَ بِكم يَوْمَ بَدْرٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences