Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:51–62
8:51Page 183
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٥١
That is for what your hands have put forth [of evil] and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."
(p-٣٠١٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥١ ] ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الضَّرْبِ والعَذابِ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ: ما كَسَبْتُمْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ: بِأنْ يَأْخُذَهم بِلا جُرْمٍ.
فَإنْ قِيلَ: ما سِرُّ التَّعْبِيرِ بِ (ظَلامٍ) بِالمُبالَغَةِ، مَعَ أنَّ نَفْيَ نَفْسِ الظُّلْمِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ كَثْرَتِهِ، ونَفْيَ الكَثْرَةِ لا يَنْفِي أصْلَهُ، بَلْ رُبَّما يُشْعِرُ بِوُجُودِهِ، وبِرُجُوعِ النَّفْيِ لِلْقَيْدِ ؟
وأُجِيبُ بِأجْوِبَةٍ:
مِنها: أنَّهُ نَفْيٌ لِأصْلِ الظُّلْمِ وكَثْرَتِهِ، بِاعْتِبارِ آحادِ مَن ظَلَمَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ظالِمٌ لِفُلانٍ ولِفُلانٍ وهَلُمَّ جَرًّا، فَلَمّا جَمَعَ هَؤُلاءِ عَدَلَ إلى (ظَلّامٍ) لِذَلِكَ، أيْ: لِكَثْرَةِ الكَمِّيَّةِ فِيهِ.
ومِنها: أنَّهُ إذا انْتَفى الظُّلْمُ الكَثِيرُ، انْتَفى الظُّلْمُ القَلِيلُ، لِأنَّ مَن يَظْلِمْ يَظْلِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالظُّلْمِ فَإذا تُرِكَ كَثِيرُهُ، مَعَ زِيادَةِ نَفْعِهِ في حَقِّ مَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّفْعَ والضُّرَّ، كانَ لِقَلِيلِهِ مَعَ قِلَّةِ نَفْعِهِ أكْثَرَ تَرْكًا.
ومِنها: أنَّ (ظَلّامًا) لِلنَّسَبِ، كَ (مَطّارٍ)، أيْ: لا يُنْسَبُ إلَيْهِ الظُّلْمُ أصْلًا.
ومِنها: أنَّ كُلَّ صِفَةٍ لَهُ تَعالى في أكْمَلِ المَراتِبِ، فَلَوْ كانَ تَعالى ظالِمًا، كانَ ظَلّامًا، فَنَفى اللّازِمَ، لِنَفْيِ المَلْزُومِ.
ومِنها: أنَّ في (الظَّلامِ) لِنَفْيِ الظّالِمِ، ضَرُورَةَ أنَّهُ إذا انْتَفى الظُّلْمُ انْتَفى كَمالُهُ، فَجَعَلَ نَفْيَ المُبالِغَةِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ أصْلِهِ، انْتِقالًا مِنَ اللّازِمِ إلى المَلْزُومِ.
ومِنها: أنَّ العَذابَ مِنَ العِظَمِ بِحَيْثُ، لَوْلا الِاسْتِحْقاقُ، لَكانَ المُعَذَّبُ بِمِثْلِهِ ظَلّامًا بَلِيغَ الظُّلْمِ مُتَفاقِمَهُ، فالمُرادِ تَنْزِيهُهُ تَعالى، وهو جَدِيرٌ بِالمُبالَغَةِ.
وأيْضًا لَوْ عَذَّبَ تَعالى عَبِيدَهُ بِدُونِ اسْتِحْقاقٍ وسَبَبٍ، لَكانَ ظُلْمًا عَظِيمًا، لِصُدُورِهِ عَنِ العَدْلِ الرَّحِيمِ. كَذا في (" العِنايَةِ ") .
(p-٣٠١٧)وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: «إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلى نَفْسِي، وجَعَلْتُهُ بَيْنَكم مُحَرَّمًا، فَلا تَظالَمُوا، يا عِبادِي ! إنَّما هي أعْمالُكم أُحْصِيها لَكم، فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ»» . والحَدِيثُ طَوِيلٌ جَلِيلٌ، مَعْرُوفٌ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ، بِالحَدِيثِ المُسَلْسَلِ بِالدِّمَشْقِيِّينَ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ سِيَرَ المُشْرِكِينَ المُسْتَمِرَّ وعادَتَهُمُ الدّائِمَةَ، مَعَ ما أُرْسِلَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ كَسِيَرِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَعَ رُسُلِهِمْ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
8:52Page 183
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٥٢
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They disbelieved in the signs of Allāh, so Allāh seized them for their sins. Indeed, Allāh is Powerful and severe in penalty.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٢ ] ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ خَبَرٌ لِمُقَدَّرٍ، أيْ: دَأبُ هَؤُلاءِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ومِمَّنْ تَقَدَّمَهم مِنَ الأُمَمِ، كَقَوْمِ نُوحٍ، وهو عَمَلُهُمُ الَّذِي دَأبُوا، أيِ: اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقالَ: ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: كَما أخَذَ هَؤُلاءِ، لِأنَّهُمُ اجْتَرَءُوا عَلى مَعاصِيهِ بِما رَأوْا لِأنْفُسِهِمْ مِنَ القُوَّةِ فَضَعَّفَهم إظْهارًا لِقُوَّتِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: تَأْخِيرُ العَذابِ إنَّما يَكُونُ لِلرَّحْمَةِ، لَكِنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ عِنادُهُمُ اشْتَدَّ غَضَبُهُ، لِأنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ لِمَنِ اشْتَدَّ عِنادُهُ مَعَهُ، فَلا يَكُونُ في حَقِّهِ رَحْمَةٌ.
8:53Page 184
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٥٣
That is because Allāh would not change a favor which He had bestowed upon a people until they change what is within themselves. And indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
(p-٣٠١٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٣ ] ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: التَّعْذِيبُ الَّذِي عُلِمَ كَوْنُهُ مُؤاخَذَةً بِالذُّنُوبِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ﴾ بِتَبْدِيلِهِ إيّاها بِالنِّقْمَةِ
﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ مِن وجَباتِ تِلْكَ النِّعَمِ مِنِ اعْتِقادٍ أوْ قَوْلٍ أوْ عِلْمٍ.
وهَذا إخْبارٌ عَنْ تَمامِ عَدْلِهِ وقِسْطِهِ في حُكْمِهِ، بِأنَّهُ تَعالى لا يُغَيِّرُ نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى أحَدٍ إلّا بِسَبَبِ ذَنْبٍ ارْتَكَبَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]
قالَ القاشانِيُّ: كُلُّ ما يَصِلُ إلى الإنْسانِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ، ويَسْألُهُ بِدُعاءِ الحالِ، وسُؤالِ الِاسْتِحْقاقِ.
فَإذا أنْعَمَ عَلى أحَدٍ النِّعْمَةَ الظّاهِرَةَ أوِ الباطِنَةَ لِسَلامَةِ الِاسْتِعْدادِ، وبَقاءِ الخَيْرِيَّةِ فِيهِ لَمْ يُغَيِّرْها حَتّى أفْسَدَ اسْتِعْدادَهُ، وغَيَّرَ قَبُولَهُ لِلصَّلاحِ، بِالِاحْتِجابِ وانْقِلابِ الخَيْرِ الَّذِي فِيهِ بِالقُوَّةِ إلى الشَّرِّ، لِحُصُولِ الرَّيْنِ وارْتِكامِ الظُّلْمَةِ فِيهِ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ مُناسَبَةٌ لِلْخَيْرِ، ولا إمْكانٌ لِصُدُورِهِ مِنهُ، فَيُغَيِّرُها إلى النِّقْمَةِ عَدْلًا مِنهُ وجُودًا، وطَلَبًا مِن ذَلِكَ الِاسْتِعْدادِ إيّاها بِجاذِبَةِ الجِنْسِيَّةِ والمُناسَبَةِ، لا ظُلْمًا وُجَوْرًا. انْتَهى.
﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَيُغَيِّرُ إذا غَيَّرُوا، غَضَبًا عَلَيْهِمْ بِما يَسْمَعُ مِنهم أوْ يَعْلَمُ.
8:54Page 184
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٥٤
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They denied the signs of their Lord, so We destroyed them for their sins, and We drowned the people of Pharaoh. And all [of them] were wrongdoers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٤ ] ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ .
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فَكانَ مَبْدَأُ تَغْيِيرِهِمْ أنَّهم: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ (p-٣٠١٩)أيِ: الَّذِي رَبّاهم بِالنِّعَمِ، فَصَرَفُوها إلى غَيْرِ ما خُلِقَتْ لَهُ بِمُقْتَضى تِلْكَ الآياتِ، فَكانَتْ ذُنُوبًا ﴿فَأهْلَكْناهُمْ﴾ أيْ: زِيادَةً عَلى سَلْبِهِ النِّعَمَ ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: بِما صَرَفُوا بِها النِّعَمَ إلى غَيْرِ ما خُلِقَتْ لَهُ ﴿وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ لِإغْراقِهِمُ النِّعَمَ في بَحْرِ الإنْكارِ بِنِسْبَتِها إلى فِرْعَوْنَ حَيْثُ أقَرُّوا بِآلِهِيَّتِهِ ﴿وكُلٌّ﴾ أيْ: مِنَ الفِرَقِ المُكَذِّبَةِ الكافِرَةِ، أوْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ ومَن قَبْلَهم، وكُفّارِ قُرَيْشٍ.
﴿كانُوا ظالِمِينَ﴾ أيْ: بِصَرْفِ النِّعَمِ إلى غَيْرِ ما خُلِقَتْ لَهُ، وهو نَوْعٌ مِنَ الإغْراقِ لَها في بَحْرِ الإنْكارِ لِأنَّهُ مَرْجِعُ التَّغْيِيرِ لَها. كَذا أوَّلَ المَهايِمِيُّ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى دَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ التَّكْرارِ في الآيَتَيْنِ، بِتَغَيُّرِ التَّشْبِيهَيْنِ فِيهِما، فَلا يَحْتاجُ إلى دَعْوى التَّأْكِيدِ، فَمَعْنى الأوَّلِ: حالُ هَؤُلاءِ كَحالِ آلِ فِرْعَوْنَ في الكُفْرِ، فَأخَذَهم وآتاهُمُ العَذابَ، ومَعْنى الثّانِي: حالُ هَؤُلاءِ كَحالِ آلِ فِرْعَوْنَ في تَغْيِيرِهِمُ النِّعَمَ، وتَغْيِيرُ اللَّهِ حالَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّغْيِيرِ، وهو أنَّهُ أغْرَقَهم.
وقِيلَ: إنَّ النَّظْمَ يَأْباهُ، لِأنَّ وجْهَ التَّشْبِيهِ في الأوَّلِ كُفْرُهُمُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ العِقابُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ وجْهُهُ في الثّانِي قَوْلَهُ: (كَذَّبُوا) لِأنَّهُ مِثْلُهُ، إذْ كُلٌّ مِنهُما جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ بَعْدَ تَشْبِيهٍ، صالِحَةٌ لِأنْ تَكُونَ وجْهَ الشَّبَهِ، فَتُحْمَلُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ [الأنفال: ٥٣] فَكالتَّعْلِيلِ لِحُلُولِ النَّكالِ، مُعْتَرِضٌ بَيْنَ التَّشْبِيهَيْنِ، غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِقَوْمٍ، فَجَعَلَهُ وجْهًا لِلتَّشْبِيهِ بَعِيدٌ عَنِ الفَصاحَةِ. كَذا في (" العِنايَةِ ") .
8:55Page 184
إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٥
Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are those who have disbelieved, and they will not [ever] believe-
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٥ ] ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أصَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ ورَسَخُوا فِيهِ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: فَلا يُتَوَقَّعُ مِنهم إيمانٌ.
8:56Page 184
ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ ٥٦
The ones with whom you made a treaty but then they break their pledge every time, and they do not fear Allāh.
(p-٣٠٢٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٦ ] ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ وهم لا يَتَّقُونَ﴾ .
﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ وهم لا يَتَّقُونَ﴾ أيْ: لا يَخافُونَ عاقِبَةَ الغَدْرِ، ولا يُبالُونَ بِما فِيهِ مِنَ العارِ والنّارِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ المَهايِمِيُّ: أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ كَيْفَ يَتْرُكُ نِعَمَهُ عَلى مَن غَيَّرَ أحْوالَهُ الَّتِي كانَتْ أسْبابَ النِّعَمِ، وقَدْ كانَ بِها إنْسانِيَّتُهُ، فَبِتَغْيِيرِها لَحِقَ بِالدَّوابِّ، وبِإنْكارِ المُنَعِمِ صارَ شَرًّا مِنها، والنِّعَمُ تُسْلَبُ مِمَّنْ لا يَعْرِفُ قَدْرَها، فَكَيْفَ لا تُسْلَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ المُنْعِمَ ؟ .
الثّانِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ تَحْقِيرِ العُصاةِ، والِاسْتِخْفافِ بِهِمْ، حَيْثُ سَمّاهم تَعالى (دَوابَّ)، وأخْبَرَ أنَّهم (شَرُّ الدَّوابِّ) .
الثّالِثُ: قالُوا: نَزَلَتِ الآيَةُ في يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ، رَهْطِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، كانَ عاهَدَهم ألّا يُحارِبُوهُ، ولا يُعاوِنُوا عَلَيْهِ، فَنَقَضُوا العَهْدَ، وأعانُوا مُشْرِكِي مَكَّةَ بِالسِّلاحِ عَلى قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ، ثُمَّ قالُوا: نَسِينا وأخْطَأْنا، فَعاهَدَهُمُ الثّانِيَةَ فَنَقَضُوا العَهْدَ أيْضًا. ومالَؤُوا الكُفّارَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ، ورَكِبَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ إلى مَكَّةَ، فَوافَقَهم عَلى مُخالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
الرّابِعُ: (الَّذِينَ) بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، أوْ نَصْبٌ لَهُ عَلى الذَّمِّ. وضَمِنَ ﴿عاهَدْتَ﴾ مَعْنى الأخْذِ، حَتّى عَدِّيَ بِ (مِن)، أيْ: أخَذْتَ مِنهم عَهْدَهم.
وقِيلَ: (مِن) صِلَةٌ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هي لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ المُباشِرَ بِالذّاتِ لِلْمُعاهَدَةِ بَعْضُ القَوْمِ، وهي الرُّؤَساءُ والأشْرافُ.
الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿وهم لا يَتَّقُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَنْقُضُونَ﴾ أيْ: يَسْتَمِرُّونَ عَلى النَّقْضِ، والحالُ أنَّهم لا يَتَّقُونَ العارَ فِيهِ، لِأنَّ عادَةَ مَن يَرْجِعُ إلى دِينٍ وعَقْلٍ وحَزْمٍ
أنْ يَتَّقِيَ (p-٣٠٢١)نَقْضَ العَهْدِ، حَتّى يَسْكُنَ النّاسُ إلى قَوْلِهِ، ويَثِقُونَ بِكَلامِهِ، فَبَيْنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مَن جَمَعَ بَيْنَ الكُفْرِ ونَقْضِ العَهْدِ، فَهو شَرٌّ مِنَ الدَّوابِّ.
ثُمَّ شَرَعَ تَعالى في بَيانِ أحْكامِ النّاقِضِينَ، بَعْدَ تَفْصِيلِ أحْوالِهِمْ، بِقَوْلِهِ:
8:57Page 184
فَإِمَّا تَثۡقَفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡحَرۡبِ فَشَرِّدۡ بِهِم مَّنۡ خَلۡفَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٥٧
So if you, [O Muḥammad], gain dominance over them in war, disperse by [means of] them those behind them that perhaps they will be reminded.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٧ ] ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ .
﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ﴾ أيْ: فَإمّا تُصادِفَنَّهم وتَظْفَرَنَّ بِهِمْ ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ أيْ: فَرِّقْ بِهِمْ مَن وراءَهم مِنَ المُحارِبِينَ، يَعْنِي: بِأنْ تَفْعَلَ بِهِمْ مِنَ النَّكالِ وتَغْلِيظِ العُقُوبَةِ، ما يُشَرِّدُ غَيْرَهم خَوْفًا، فَيَصِيرُوا لَهم عِبْرَةً، كَما قالَ: ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ أيْ: لَعَلَّ المُشَرَّدِينَ يَتَّعِظُونَ بِما شاهَدُوا ما نَزَلَ بِالنّاقِضِينَ، فَيَرْتَدِعُوا عَنِ النَّقْضِ أوْ عَنِ الكُفْرِ.
قالَ في (" التّاجِ "): وقِيلَ: مَعْنى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ فَسَمِّعْ بِهِمْ وقِيلَ: فَزِّعْ بِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذِهِ المَعانِيَ مُتَقارِبَةٌ.
وأصْلُ التَّشْرِيدِ الطَّرْدُ والتَّفْرِيقُ، ويُقالُ: شَرَّدَ بِهِ تَشْرِيدًا، سَمَّعَ النّاسَ بِعُيُوبِهِ. قالَ:
؎أُطَوِّفُ بِالأباطِحِ كُلَّ يَوْمٍ مَخافَةَ أنْ يُشَرِّدَ بِي حَكِيمُ
مَعْناهُ أنْ يُسَمِّعَ بِي، و(حَكِيمٌ) رَجُلٌ مِن بِي سُلَيْمٍ كانَتْ قُرَيْشٌ ولَّتْهُ الأخْذَ عَلى أيْدِي السُّفَهاءِ.
اسْتُشْهِدَ بِهِ في اللِّسانِ في مادَّةِ: (ش ر د) .
8:58Page 184
وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٨
If you [have reason to] fear from a people betrayal, throw [their treaty] back to them, [putting you] on equal terms.1 Indeed, Allāh does not like traitors.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٨ ] ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ .
﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ بَيانٌ لِأحْكامِ المُشْرِفِينَ إلى نَقْضِ العَهْدِ، إثْرَ بَيانِ (p-٣٠٢٢)النّاقِضِينَ لَهُ بِالفِعْلِ. و(الخَوْفُ) مُسْتَعارٌ لِلْعِلْمِ، أيْ: وإمّا تَعْلَمَنَّ مِن قَوْمٍ مِنَ المُعاهِدِينَ نَقْضَ عَهْدٍ فِيما سَيَأْتِي، بِما لاحَ لَكَ مِنهم مَن دَلائِلِ الغَدْرِ، ومَخايِلِ الشَّرِّ.
﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: فاطْرَحْ إلَيْهِمْ عَهْدَهم ﴿عَلى سَواءٍ﴾ أيْ: عَلى طَرِيقٍ مُسْتَوٍ، قَصَدَ بِأنْ تُظْهِرَ لَهُمُ النَّقْضَ، وتُخْبِرَهم إخْبارًا مَكْشُوفًا بِأنَّكَ قَدْ قَطَعْتَ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهم مِنَ الوَصْلَةِ، ولا تُناجِزْهُمُ الحَرْبَ وهم عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ العَهْدِ، كَيْ لا يَكُونَ مِن قِبَلِكَ شائِبَةُ خِيانَةٍ أصْلًا، وإنْ كانَتْ في مُقابَلَةِ خِيانَتِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالنَّبْذِ، إمّا بِاعْتِبارِ اسْتِلْزامِهِ النَّهْيَ عَنْ مُناجَزَةِ القِتالِ، لِكَوْنِها خِيانَةً، فَيَكُونُ تَحْذِيرًا لَهُ ﷺ مِنها، وإمّا بِاعْتِبارِ اسْتِتْباعِهِ لِلْقِتالِ، فَيَكُونُ حَثًّا لَهُ ﷺ عَلى النَّبْذِ أوَّلًا، وعَلى قِتالِهِمْ ثانِيًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وإمّا تَعْلَمَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قاتِلْهم، إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ، وهم مِن جُمْلَتِهم، ولِما عَلِمَتْ مِن حالِهِمْ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
تَنْبِيهٌ:
دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ مُعاهِدَةِ الكَفّارِ لِمَصْلَحَةٍ، ووُجُوبِ الوَفاءِ بِالعَهْدِ إذا لَمْ يَظْهَرْ مِنهم أمارَةُ الخِيانَةِ، وتَدُلُّ عَلى إباحَةِ نَبْذِ العَهْدِ لِمَن تَوَقَّعَ مِنهم غائِلَةَ مَكْرٍ، وأنْ يُعْلِمَهم بِذَلِكَ، لِئَلّا يَعِيبُوا عَلَيْنا بِنَصْبِ الحَرْبِ مَعَ العَهْدِ.
رَوى أصْحابُ السُّنَنِ «أنَّهُ كانَ بَيْنَ مُعاوِيَةَ وبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ، وكانَ يَسِيرُ نَحْوَ بِلادِهِمْ لِيَقْرُبَ، حَتّى إذا انْقَضى العَهْدُ غَزاهم، فَجاءَ رَجُلٌ عَلى فَرَسٍ أوْ بِرْذَوْنٍ وهو يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ ! (p-٣٠٢٣)اللَّهُ أكْبَرُ ! وفاءٌ لا غَدْرٌ، فَإذا هو عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ مُعاوِيَةُ فَسَألَهُ، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَلا يَشِدَّ عُقْدَةً ولا يَحُلَّها حَتّى يَنْقَضِيَ أمَدُها، أوْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ» فَرَجَعَ مُعاوِيَةُ» . ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ أنَّهُ انْتَهى إلى حِصْنٍ أوْ مَدِينَةٍ، فَقالَ لِأصْحابِهِ: دَعُونِي أدْعُوهم كَما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوهم، فَقالَ:
إنَّما كُنْتُ رَجُلًا مِنكم فَهَدانِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْإسْلامِ، فَإنْ أسْلَمْتُمْ فَلَكم ما لَنا، وعَلَيْكم ما عَلَيْنا، وإنْ أنْتُمْ أبَيْتُمْ، فَأدُّوا الجِزْيَةَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ، فَإنْ أبَيْتُمْ نابَذْناكم عَلى سَواءٍ، إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ.
يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَلَمّا كانَ اليَوْمُ الرّابِعُ غَدا النّاسُ إلَيْها فَفَتَحُوها.
هَذا، وما ذَكَرَ مَن وجَبَ إعْلامُهم، وإنَّما هو عِنْدَ خَوْفِ الخِيانَةِ مِنهم وتَوَقُّعِها، كَما هو مَنطُوقُ الآيَةِ.
وأمّا إذا ظَهَرَ نَقْضُ العَهْدِ ظُهُورًا مَقْطُوعًا بِهِ فَلا حاجَةَ لِلْإمامِ إلى نَبْذِ العَهْدِ، بَلْ يَفْعَلُ كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأهْلِ مَكَّةَ لَمّا نَقَضُوا العَهْدَ بِقَتْلِ خُزاعَةَ، وهو في ذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَرُعْهم إلّا وجَيْشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، وذَلِكَ عَلى أرْبَعَةِ فَراسِخَ مِن مَكَّةَ.
8:59Page 184
وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ إِنَّهُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ ٥٩
And let not those who disbelieve think they will escape. Indeed, they will not cause failure [to Allāh].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥٩ ] ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ .
﴿ولا يَحْسَبَنَّ﴾ قُرِئَ بِالياءِ والتّاءِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ أيْ: فاتُوا وأفْلَتُوا (p-٣٠٢٤)مِن أنْ يَظْفَرَ بِهِمْ ﴿إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوتُونَ اللَّهَ مِنَ الِانْتِقامِ، إمّا في الدُّنْيا بِالقَتْلِ، وإمّا في الآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ.
وقُرِئَ بِفَتْحِ (أنَّ) عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [النور: ٥٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧]
وقَوْلُهُ تَعالى:
8:60Page 184
وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٦٠
And prepare against them whatever you are able of power and of steeds of war1 by which you may terrify the enemy of Allāh and your enemy and others besides them whom you do not know [but] whom Allāh knows. And whatever you spend in the cause of Allāh will be fully repaid to you, and you will not be wronged.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٠ ] ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهم وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ .
﴿وأعِدُّوا لَهُمْ﴾ أيْ: لِقِتالِ ناقِضِي العَهْدِ السّابِقِ ذِكْرِهِمْ، أوِ الكَفّارِ مُطْلَقًا، وهو الأنْسَبُ بِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ﴿ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ ما يُتَقَوّى بِهِ في الحَرْبِ مِن عُدَدِها، أطْلَقَ عَلَيْهِ القُوَّةَ مُبالَغَةً.
قالَ الشِّهابُ: وإنَّما ذُكِرَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم في (بَدْرٍ) اسْتِعْدادٌ تامٌّ، فَنَبَّهُوا عَلى أنَّ النَّصْرَ مِن غَيْرِ اسْتِعْدادٍ لا يَتَأتّى في كُلِّ زَمانٍ.
﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ (الرِّباطُ) في الأصْلِ مَصْدَرُ رَبَطَ، أيْ: شَدَّ، ويُطْلَقُ بِمَعْنى المَرْبُوطِ مُطْلَقًا، كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في الخَيْلِ الَّتِي تُرْبَطُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فالإضافَةُ إمّا بِاعْتِبارِ عُمُومِ المَفْهُومِ الأصْلِيِّ، أوْ بِمُلاحَظَةِ كَوْنِ الرِّباطِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَعانٍ أُخَرَ، كانْتِظارِ الصَّلاةِ ومُلازِمَةِ (p-٣٠٢٥)ثَغْرِ العَدُوِّ، والمُواظَبَةِ عَلى الأمْرِ، فَإضافَتُهُ لِأحَدِ مَعانِيهِ لِلْبَيانِ، كَعَيْنِ الشَّمْسِ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ يَجُوزُ إضافَةُ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ إذا كانَ مُشْتَرَكًا.
وإذا كانَ مِن إضافَةِ المُطْلَقِ لِلْمُقَيَّدِ، فَهو عَلى مَعْنى (مِن) التَّبْعِيضِيَّةِ.
وقَدْ يَكُونُ (الرِّباطُ) جَمْعَ رَبِيطٍ، كَفَصِيلٍ وفِصالٍ.
قالَ في (" التّاجِ "): يُقالُ: نِعْمَ الرَّبِيطُ هَذا، لِما يَرْتَبِطُ مِنَ الخَيْلِ، ثُمَّ إنَّ عَطْفَها عَلى (القُوَّةِ) مَعَ كَوْنِها مِن جُمْلَتِها لِلْإيذانِ بِفَضْلِها عَلى بَقِيَّةِ أفْرادِها، كَعَطْفِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ عَلى المَلائِكَةِ ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ أيْ: تُخَوِّفُونَ بِذَلِكَ الإعْدادِ ﴿عَدُوَّ اللَّهِ﴾ وهو المُثْبِتُ لَهُ شَرِيكًا، المُبْطِلُ لِكَلِمَتِهِ ﴿وعَدُوَّكُمْ﴾ أيِ: الَّذِي يُظْهِرُ عَداوَتَكَ، فَتُخَوِّفُونَهم لِئَلّا يُحارِبُوكم بِاعْتِقادِ القُوَّةِ في أنْفُسِهِمْ دُونَكم.
تَنْبِيهٌ:
دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ إعْدادِ القُوَّةِ الحَرْبِيَّةِ، اتِّقاءَ بَأْسِ العَدُوِّ وهُجُومِهِ.
ولَمّا عَمِلَ الأُمَراءُ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ، أيّامَ حَضارَةِ الإسْلامِ، كانَ الإسْلامُ عَزِيزًا عَظِيمًا، أبِيَّ الضَّيْمِ، قَوِيَّ القَنا، جَلِيلَ الجاهِ، وفِيرَ السَّنا، إذا نُشِرَ لِواءُ سُلْطَتِهِ عَلى مُنْبَسَطِ الأرْضِ، فَقَبَضَ عَلى ناصِيَةِ الأقْطارِ والأمْصارِ، وخَضَّدَ شَوْكَةَ المُسْتَبِدِّينَ الكافِرِينَ، وزَحْزَحَ سُجُوفَ الظُّلْمِ والِاسْتِعْبادِ، وعاشَ بَنُوهُ أحْقابًا مُتَتالِيَةً وهم سادَةُ الأُمَمِ، وقادَةُ مَشْعُوبٍ، وزِمامُ الحَوَلِ والطَّوْلِ وقُطْبُ رَوْحَيِ العِزِّ والمَجْدِ، لا يَسْتَكِينُونَ لِقُوَّةٍ، ولا يَرْهَبُونَ لِسَطْوَةٍ.
وأمّا اليَوْمَ، فَقَدْ تَرَكَ المُسْلِمُونَ العَمَلَ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ومالُوا إلى النَّعِيمِ والتَّرَفِ فَأهْمَلُوا فَرْضًا مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ، فَأصْبَحَتْ جَمِيعُ الأُمَّةِ آثِمَةً بِتَرْكِ هَذا الفَرْضِ ولِذا تُعانِي اليَوْمَ مِن غُصَّتِهِ ما تُعانِي، وكَيْفَ لا يَطْمَعُ العَدُوُّ بِالمَمالِكِ الإسْلامِيَّةِ، ولا تَرى فِيها مَعامِلَ لِلْأسْلِحَةِ، وذَخائِرَ الحَرْبِ، بَلْ كُلُّها مِمّا يُشْتَرى مِن بِلادِ العَدُوِّ ؟
أما آنَ لَها أنْ تَتَنَبَّهَ مِن غَفْلَتِها، وتُنْشِئَ مَعامِلَ لِصُنْعِ المَدافِعِ والبَنادِقِ والقَذائِفِ والذَّخائِرِ الحَرْبِيَّةِ ؟ فَلَقَدْ ألْقى عَلَيْها تَنْقُصُ العَدُوِّ بِلادَها مِن أطْرافِها دَرْسًا يَجِبُ أنْ تَتَدَبَّرَهُ، وتَتَلافى ما فَرَّطَتْ بِهِ قَبْلَ أنْ يُداهِمَ ما بَقِيَ مِنها بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ، (p-٣٠٢٦)فَيَقْضِي - والعِياذُ بِاللَّهِ - عَلى الإسْلامِ ومَمالِكِ المُسْلِمِينَ، لِاسْتِعْمارِ الأمْصارِ، واسْتِعْبادِ الأحْرارِ، ونَزْعِ الِاسْتِقْلالِ المُؤْذِنِ بِالدَّمارِ. وبِاللَّهِ الهِدايَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرِينَ﴾ أيْ: وتُرْعِبُونَ قَوْمًا آخَرِينَ ﴿مِن دُونِهِمْ﴾ أيْ: مِن دُونِ مَن يُظْهِرُ عَداوَتَكم، وهُمُ المُنافِقُونَ ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ أيْ: أنَّهم يُعادُونَكم ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ أيْ: أنَّهم أعْداؤُكم، يُظْهِرُونَ عَداوَتَهم إذا رَأوْا ضَعْفَكم.
ثُمَّ شَجَّعَهم سُبْحانَهُ عَلى إنْفاقِ المالِ في إعْدادِ القُوَّةِ، ورِباطِ الخَيْلِ، مُبَشِّرًا لَهم بِتَوْفِيَةِ جَزائِهِ كامِلًا، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي أوْضَحَهُ الجِهادُ: ﴿يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا مِنَ الفَيْءِ والغَنِيمَةِ والجِزْيَةِ والخَراجِ، وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ المُقِيمِ: ﴿وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أيْ: بِتَرْكِ الإثابَةِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في كُلِّ ما يَلْزَمُ إعْدادَهُ لِلْجِهادِ مِنَ الأدَواتِ.
الثّانِي: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ إشارَةٌ إلى التَّجافِي عَنْ أنْ يَكُونَ الإعْدادُ لِغَيْرِ الإرْهابِ كالخُيَلاءِ.
وفِي حَدِيثِ الإمامِ مالِكٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««الخَيْلُ ثَلاثَةٌ: لِرَجُلٍ أجْرٌ، ولِرَجُلٍ سِتْرٌ ولِرَجُلٍ وِزْرٌ، فَأمّا الَّذِي لَهُ أجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَها في سَبِيلِ اللَّهِ، ورَجُلٌ رَبَطَها تَغَنِّيًا وتَعَفُّفًا، ولَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ في رِقابِها ولا ظُهُورِها، فَهي لَهُ سِتْرٌ، ورَجُلٌ رَبَطَها فَخْرًا ورِياءً ونِواءً لِأهْلِ الإسْلامِ، فَهي عَلى ذَلِكَ وِزْرٌ»» .
الثّالِثُ: ما ذَكَرْناهُ في تَأْوِيلِ (الآخَرِينَ) مِن أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى جَوازَ مُصالَحَةِ الكَفّارِ بِقَوْلِهِ:
8:61Page 184
۞ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦١
And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allāh. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.
(p-٣٠٢٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦١ ] ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
﴿وإنْ جَنَحُوا﴾ أيْ: مالُوا وانْقادُوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾ بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها، لُغَتانِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما، أيِ: الصُّلْحُ والِاسْتِسْلامُ بِوُقُوعِ الرَّهْبَةِ في قُلُوبِهِمْ، بِمُشاهَدَةِ ما بِكم مِنَ الِاسْتِعْدادِ، وإعْتادِ العَتادِ ﴿فاجْنَحْ لَها﴾ أيْ: فَمِلْ إلى مُوافَقَتِهِمْ وصالِحْهم وعاهِدْهم، وإنْ قَدَرْتَ عَلى مُحارَبَتِهِمْ، لِأنَّ المُوافَقَةَ أدْعى لَهم إلى الإيمانِ.
ولِهَذا لَمّا طَلَبَ المُشْرِكُونَ عامَ الحُدَيْبِيَةَ الصُّلْحَ، ووَضْعَ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعَ سِنِينَ، أجابَهم إلى ذَلِكَ، مَعَ ما اشْتَرَطُوا مِنَ الشُّرُوطِ الأُخَرِ. و(السَّلْمُ) يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، كَما في _" القامُوسِ "_ .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (السَّلْمُ) تُؤَنَّثُ تَأْنِيثَ نَقِيضِها، وهي الحَرْبُ.
قالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
؎السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ
﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: لا تَخَفْ في الصُّلْحِ مَكْرَهم، فَإنَّهُ يَعْصِمُكَ مِن مَكْرِهِمْ، ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِهِمْ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ: بِأحْوالِهِمْ، فَيُؤاخِذُهم بِما يَسْتَحِقُّونَ ويَرُدُّ كَيْدَهم في نَحْرِهِمْ.
8:62Page 185
وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٢
But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allāh. It is He who supported you with His help and with the believers
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٢ ] ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ .
﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾ أيْ: بِالصُّلْحِ لِتَكُفَّ عَنْهم ظاهِرًا، وفي نِيَّتِهِمُ الغَدْرُ: ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: كافِيكَ بِنْصِرِهِ ومَعُونَتِهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: يُرِيدُ قُرَيْظَةَ.
ثُمَّ عَلَّلَ كِفايَتَهُ لَهُ، بِما أنْعَمَ عَلَيْهِ مِن تَأْيِيدِهِ ﷺ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ، فَقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ أيْ: يَوْمَ بَدْرٍ بَعْدَ الضَّعْفِ، مِن غَيْرِ إعْدادِ قُوَّةٍ ولا رِباطٍ: ﴿وبِالمُؤْمِنِينَ﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences