Al-QasimiAl‑Anfal · 8:69–74

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:69–74

8:69Page 185

فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٩

So consume what you have taken of war booty [as being] lawful and good, and fear Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٩ ] ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ أيْ: كُلُوا بَعْضَهُ بَعْدَ إخْراجِ الخُمْسِ حَلالًا، أيْ: مُطْلَقًا عَنِ العِتابِ والعِقابِ، مِن (حَلِّ العِقالِ) .

﴿طَيِّبًا﴾ أيْ: لَذِيذًا هَنِيئًا، أوْ حَلالًا بِالشَّرْعِ، طَيِّبًا بِالطَّبْعِ.

قِيلَ: هَذا الأمْرُ تَأْكِيدٌ لِحِلِّ المَغْنَمِ، لِأنَّهُ عُلِمَ مِمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] الآيَةَ، وإشارَةً لِانْدِراجِ مالِ الفِداءِ في عُمُومِها، فَ (ما غَنِمْتُمْ) هُنا، إمّا الفِدْيَةُ، لِأنَّها غَنِيمَةٌ، أوْ مُطْلَقُ الغَنائِمِ.

والمُرادُ بَيانُ حُكْمِ ما انْدَرَجَ فِيها مِنَ الفِدْيَةِ وجَعَلَ الفاءَ عاطِفَةً عَلى سَبَبٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ، فَكَلُّوا قَدْ يُسْتَغْنى عَنْهُ بِعَطْفِهِ عَلى ما قَبْلَهُ بِمَعْناهُ، أيْ: لا أُؤاخِذُكم بِما أُخِذَ مِنَ الفِداءِ فَكُلُوهُ. كَذا في (" العِنايَةِ ") .

قالَ أبُو السُّعُودِ: والأظْهَرُ أنَّها لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: دَعُوهُ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ. ثُمَّ قالَ: وقِيلَ: (ما) عِبارَةٌ عَنِ الفِدْيَةِ، فَإنَّها مِن جُمْلَةِ الغَنائِمِ، ويَأْباهُ اتِّساقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ. انْتَهى. وهو مُتَّجِهٌ.

(p-٣٠٤١)﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في مُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَيَغْفِرُ لَكم ويَرْحَمُكم إذا اتَّقَيْتُمُوهُ.

8:70Page 186

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٠

O Prophet, say to whoever is in your hands of the captives, "If Allāh knows [any] good in your hearts, He will give you [something] better than what was taken from you, and He will forgive you; and Allāh is Forgiving and Merciful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٠ ] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى﴾ أيْ: لِمَن في مِلْكَتِكم، كَأنَّ أيْدِيَكم قابِضَةٌ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ تَخْلِيصًا لَهم مِن أسْرِ الضَّلالِ بِضَعْفِ الإيمانِ ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا﴾ أيْ: قُوَّةَ إيمانٍ وإخْلاصًا فِيهِ ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الفِداءِ، إمّا أنْ يُخَلِّفَكم في الدُّنْيا أضْعافَهُ، أوْ يُثِيبَكم في الآخِرَةِ ﴿ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

8:71Page 186

وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدۡ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ فَأَمۡكَنَ مِنۡهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٧١

But if they intend to betray you - then they have already betrayed Allāh before, and He empowered [you] over them. And Allāh is Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧١ ] ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأمْكَنَ مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿وإنْ يُرِيدُوا﴾ أيِ: الأسْرى ﴿خِيانَتَكَ﴾ أيْ: نَكَثَ ما بايَعُوكَ عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ بِالرِّدَّةِ، أوْ مَنعِ ما ضَمِنُوا مِنَ الفِداءِ ﴿فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ (بَدْرٍ) بِالكُفْرِ بِهِ.

﴿فَأمْكَنَ مِنهُمْ﴾ أيْ: فَأمْكَنَكَ مِنهم، أيْ: أظْفَرَكَ بِهِمْ قَتْلًا وأسْرًا، كَما رَأيْتُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَسَيُمَكِّنُ مِنهم إنْ عادُوا إلى الخِيانَةِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: عَلِيمٌ بِما في بَواطِنِهِمْ مِن إيمانٍ وتَصْدِيقٍ، أوْ خِيانَةٍ ونَقْضِ عَهْدٍ، حَكِيمٌ يُجازِي كُلًّا بِعِلْمِهِ، الخَيْرَ بِالثَّوابِ، والشَّرَّ بِالعِقابِ.

(p-٣٠٤٢)رَوى ابْنُ هِشامٍ في (السِّيرَةِ) أنَّ فِداءَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ أرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ بِالرَّجُلِ إلى ألْفِ دِرْهَمٍ، إلّا مَن لا شَيْءَ لَهُ، فَمِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ أكْثَرَ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ فِداءً العَبّاسُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ رَجُلًا مُوسِرًا، فافْتَدى نَفْسَهُ بِمِائَةِ أُوقِيَّةٍ ذَهَبًا.

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ! ائْذَنْ لَنا، فَنَتْرُكَ لِابْنِ أُخْتِنا عَبّاسٍ فِداءَهُ. قالَ: «لا واللَّهِ ! لا تَذَرُونَ مِنهُ دِرْهَمًا»» .

ورَوى ابْنُ إسْحاقَ «أنَّ العَبّاسَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! قَدْ كُنْتُ مُسْلِمًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُ أعْلَمُ بِإسْلامِكَ، فَإنْ يَكُنْ كَما تَقُولُ، فَإنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ، وأمّا ظاهِرُكَ فَقَدْ كانَ عَلَيْنا، فافْتَدِ نَفْسَكَ وابْنَيْ أخِيكَ نَوْفَلًا وعَقِيلًا وحَلِيفَكَ عُتْبَةَ» . قالَ: ما ذاكَ عِنْدِي يا رَسُولَ اللَّهِ ! قالَ: «فَأيْنَ المالُ الَّذِي دَفَنْتَهُ أنْتَ وأُمُّ الفَضْلِ»، فَقُلْتَ لَها: إنْ أُصِبْتُ في سَفَرِي هَذا، فَهَذا المالُ الَّذِي دَفَنْتُهُ لِبْنَيَّ: الفَضْلِ وعَبْدِ اللَّهِ وقُثَمٍ ؟ قالَ: واللَّهِ ! يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي لَأعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، إنَّ هَذا لَشَيْءٌ ما عَلِمَهُ أحَدٌ غَيْرِي وغَيْرَ أمِّ الفَضْلِ، فاحْسُبْ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أصَبْتُمْ مِن عِشْرِينَ أُوقِيَّةً مِن مالٍ كانَ مَعِي. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا، ذاكَ شَيْءٌ أعْطانا اللَّهُ تَعالى مِنكَ» .

فَفَدى نَفْسَهُ وابْنِي أخَوَيْهِ وحَلِيفَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] الآيَةَ.

قالَ العَبّاسُ: فَأعْطانِي اللَّهُ مَكانَ العِشْرِينَ الأُوقِيَّةَ في الإسْلامِ، عِشْرِينَ عَبْدًا كُلَّهم في يَدِهِ مالٌ، يَضْرِبُ بِهِ، مَعَ ما أرْجُو مِن مَغْفِرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ».

(p-٣٠٤٣)ورَوى ابْنُ إسْحاقَ أيْضًا أنَّ العَبّاسَ كانَ يَقُولُ: فِيَّ نَزَلَتْ، واللَّهِ ! حِينَ ذَكَرْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إسْلامِي.

ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عَبّاسًا وأصْحابَهُ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: آمَنّا بِما جِئْتَ بِهِ، ونَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، لَنَنْصَحَنَّ لَكَ عَلى قَوْمِنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] الآيَةَ. قالَ، فَكانَ العَبّاسُ يَقُولُ: ما أُحِبُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ فِينا، وأنَّ لِيَ الدُّنْيا، لَقَدْ قالَ: ﴿يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] فَقَدْ أعْطانِي خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنِّي مِائَةَ ضِعْفٍ. وقالَ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] وأرْجُو أنْ قَدْ غَفَرَ لِي».

ورَوى البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمالٍ مِنَ البَحْرِينِ، فَقالَ: «انْثُرُوهُ في مَسْجِدِي» . قالَ، وكانَ أكْثَرَ ما أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَجَ إلى الصَّلاةِ، ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ، فَلَمّا قَضى الصَّلاةَ فَجاءَ فَجَلَسَ إلَيْهِ، فَما كانَ يَرى أحَدًا إلّا أعْطاهُ، إذْ جاءَهُ العَبّاسُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! أعْطِنِي، فادَيْتُ نَفْسِي، وفادَيْتُ عَقِيلًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خُذْ»، فَحَثا في ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ. فَقالَ: مُرْ بَعْضَهم يَرْفَعُهُ إلَيَّ، قالَ: لا، قالَ: «فارْفَعْهُ أنْتَ عَلَيَّ»، قالَ: لا ! فَنَثَرَ مِنهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ عَلى كاهِلِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَما زالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتْبَعُهُ بِبَصَرِهِ حَتّى خَفِيَ عَنْهُ، عَجَبًا مِن حِرْصِهِ.

فَما قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وثَمَّ مِنها دِرْهَمٌ. وفي رِوايَةٍ: وما بَعَثَ إلى أهْلِهِ بِدِرْهَمٍ». ورَواهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا.

وفِي رِوايَةٍ: فَجُعِلَ العَبّاسُ يَقُولُ وهو مُنْطَلِقٌ: أمّا إحْدى اللَّتَيْنِ وعَدَنا اللَّهُ فَقَدْ أنْجَزْنا، وما نَدْرِي ما يَصْنَعُ في الأُخْرى !

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أصْنافَ المُؤْمِنِينَ، وقَسَّمَهم إلى مُهاجِرِينَ وأنْصارٍ فَقالَ:

8:72Page 186

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٧٢

Indeed, those who have believed and emigrated and fought with their wealth and lives in the cause of Allāh and those who gave shelter and aided - they are allies of one another. But those who believed and did not emigrate - for you there is no support of them until they emigrate. And if they seek help of you for the religion, then you must help, except against a people between yourselves and whom is a treaty. And Allāh is Seeing of what you do.

(p-٣٠٤٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٢ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ لِنَصْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: طاعَتِهِ ﴿والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا﴾ أيْ: وطَّنُوا المُهاجِرِينَ وأنْزَلُوهم مَنازِلَهم وبَذَلُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم، وآثَرُوهم عَلى أنْفُسِهِمْ، ونَصَرُوهم عَلى أعْدائِهِمْ ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: يَتَوَلّى بَعْضُهم بَعْضًا في النُّصْرَةِ والمُظاهَرَةِ، ويَقُومُ مَقامَ أهْلِهِ ونَفْسِهِ، ويَكُونُ أحَقَّ بِهِ مِن كُلِّ أحَدٍ، ولِهَذا آخى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: «وآخى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أصْحابِهِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَقالَ فِيما بَلَغَنا: «تَآخُوا أخَوَيْنِ أخَوَيْنِ»، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ فَقالَ: «هَذا أخِي»». وكانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أسَدُ اللَّهِ وأسَدُ رَسُولِهِ وعَمُّ النَّبِيِّ ﷺ وزَيْدُ بْنُ حارِثَةَ مَوْلى النَّبِيِّ ﷺ أخَوَيْنِ. وإلَيْهِ أوْصى حَمْزَةُ يَوْمَ (أُحُدٍ)، حِينَ حَضَرَهُ القِتالُ إنْ حَدَثَ بِهِ حادِثُ المَوْتِ.

وجَعْفَرٌ ذُو الجَناحَيْنِ الطَّيّارُ في الجَنَّةِ ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ أخَوَيْنِ، وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وخارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ أخَوَيْنِ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعِتْبانُ بْنُ مالِكٍ أخَوَيْنِ، وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ أخَوَيْنِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ أخَوَيْنِ، والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ وسَلَمَةُ (p-٣٠٤٥)بْنُ سَلامَةَ أخَوَيْنِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وأوْسُ بْنُ ثابِتٍ أخَوَيْنِ وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ أخَوَيْنِ، وسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أخَوَيْنِ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ أخَوَيْنِ، وأبُو حُذَيْفَةَ وعَبّادُ بْنُ بِشْرٍ أخَوَيْنِ، وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ أخَوَيْنِ، وأبُو ذَرٍّ الغِفارِيُّ والمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو أخَوَيْنِ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ وأبُو الدَّرْداءِ أخَوَيْنِ، وحاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ وعُوَيْمُ بْنُ ساعِدَةَ أخَوَيْنِ، وبِلالٌ الحَبَشِيُّ وأبُو رُوَيْحَةَ الخَثْعَمِيُّ أخَوَيْنِ.

ولَمّا خَرَجَ بِلالٌ إلى الشّامِ، وأقامَ فِيها مُجاهِدًا، قالَ لَهُ عُمَرُ: إلى مَن نَجْعَلُ دِيوانَكَ ؟ قالَ: مَعَ أبِي رُوَيْحَةَ، لا أُفارِقُهُ أبَدًا، لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَدَ بَيْنَهُ وبَيْنِي. فَضُمَّ إلَيْهِ، وضُمَّ دِيوانُ الحَبَشَةِ إلى خَثْعَمٍ، لِمَكانِ بِلالٍ مِنهم.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَهَؤُلاءِ مَن سَمّى لَنا مِمَّنْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخى بَيْنَهم مِن أصْحابِهِ:

تَنْبِيهٌ:

نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الوِلايَةِ، هي الوِلايَةُ في المِيراثِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَمّا تَآخَوْا كانُوا يَتَوارَثُونَ بِذَلِكَ إرْثًا مُقَدَّمًا عَلى القَرابَةِ، حَتّى نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِالمَوارِيثِ، ثَبَتَ ذَلِكَ في صَحِيحِالبُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ وقَتادَةَ وغَيْرِ واحِدٍ.

قالَ الخَفاجِيُّ: فَكانَ المُهاجِرِيُّ يَرِثُهُ أخُوهُ الأنْصارِيُّ، إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِالمَدِينَةِ ولِيٌّ مُهاجِرِيٌّ، ولا تَوارُثَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَرِيبِهِ المُسْلِمِ غَيْرِ المُهاجِرِيِّ. واسْتَمَرَّ أمْرُهم عَلى ذَلِكَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ تَوارَثُوا بِالنَّسَبِ بَعْدُ، إذْ لَمْ تَكُنْ هِجْرَةٌ.

والوَلِيُّ القَرِيبُ والنّاصِرُ، لِأنَّ أصْلَهُ القُرْبُ المَكانِيُّ، ثُمَّ جُعِلَ لِلْمَعْنَوِيِّ، كالنَّسَبِ والدِّينِ والنُّصْرَةِ.

فَقَدْ جَعَلَ ﷺ في أوَّلِ الإسْلامِ التَّناصُرَ الدِّينِيَّ أُخُوَّةً، وأثْبَتَ لَها أحْكامَ الأُخُوَّةِ الحَقِيقِيَّةِ مِنَ التَّوارُثِ، فَلا وجْهَ لِما قِيلَ إنَّ هَذا التَّفْسِيرَ لا تُساعِدُهُ اللُّغَةُ، فالوِلايَةُ عَلى هَذا، والوِراثَةُ المُسَبَّبَةُ عَنِ القَرابَةِ الحِكَمِيَّةِ. انْتَهى.

(p-٣٠٤٦)ومُرادُهُ بِ (ما قِيلَ)، ما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ في تَضْعِيفِ تَفْسِيرِ الوِلايَةِ بِالوِراثَةِ، حَيْثُ قالَ: واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الوِلايَةِ غَيْرُ مُشْعِرٍ بِهَذا المَعْنى، لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ مُشْعِرٌ بِالقُرْبِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ.

ويُقالُ: السُّلْطانُ ولِيُّ مَن لا ولِيَّ لَهُ، ولا يُفِيدُ الإرْثَ، وقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] ولا يُفِيدُ الإرْثَ، بَلِ الوِلايَةُ تُفِيدُ القُرْبَ، فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى غَيْرِ الإرْثِ، وهو كَوْنُ بَعْضِهِمْ مُعَظِّمًا لِلْبَعْضِ، مُهْتَمًّا بِشَأْنِهِ، مَخْصُوصًا بِمُعاوَنَتِهِ ومُناصَرَتِهِ، والمَقْصُودُ أنْ يَكُونُوا يَدًا واحِدَةً عَلى الأعْداءِ، وأنْ يَكُونَ حُبُّ كُلِّ واحِدٍ لِغَيْرِهِ جارِيًا مَجْرى حُبِّهِ لِنَفْسِهِ.

وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِهَذا المَعْنى، كانَ حَمْلُهُ عَلى الإرْثِ بَعِيدًا عَنْ دَلالَةِ اللَّفْظِ، لا سِيَّما وهم يَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] وأيُّ حاجَةٍ تَحْمِلُنا عَلى حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى مَعْنى لا إشْعارَ لِذَلِكَ اللَّفْظِ بِهِ، ثُمَّ الحُكْمُ بِأنَّهُ صارَ مَنسُوخًا بِآيَةٍ أُخْرى مَذْكُورَةٍ مَعَهُ ؟ هَذا في غايَةِ البُعْدِ، اللَّهُمَّ إلّا إذا حَصَلَ إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ، إلّا أنَّ دَعْوى الإجْماعِ بَعِيدَةٌ انْتَهى.

وأقُولُ: لِعُمُومِ هَذا الخِطابِ ونَظْمِهِ وجْهٌ في إثْباتِ التَّوارُثِ، لا سِيَّما وقَدْ نَفى تَعالى وِلايَةَ مَن لَمْ يُهاجِرْ نَفْيًا اسْتَغْرَقَ أقْرَبَ الأقارِبِ حَيْثُ قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ أيْ: بِأنْ أقامُوا في بَوادِيهِمْ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ أيْ: إلى المَدِينَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أيْ: إذا اسْتَنْصَرَكم هَؤُلاءِ الأعْرابُ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا في قِتالٍ دِينِيٍّ، فَيَجِبُ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهم عَلى أعْدائِهِمُ المُشْرِكِينَ، لِأنَّهم إخْوانُكم في الدِّينِ ﴿إلا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ أيْ: عَهْدٌ ومُهادَنَةٌ إلى مُدَّةٍ، فَلا تُعِينُوهم عَلَيْهِمْ، لِئَلّا تُخْفِرُوا ذِمَّتَكم، وتَنْقُضُوا عَهْدَكم ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ: فَلا تُخالِفُوا أمْرَهُ.

(p-٣٠٤٧)تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: احْتَجَّ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن تَوْلِيَتِهِمْ في المِيراثِ، وأنَّهُ هو المُرادُ في الآيَةِ السّابِقَةِ أيْضًا، بِقَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ فَإنَّ هَذا مُوالاةٌ في الدِّينِ، فَحِينَئِذٍ لا يَجُوزُ حَمْلُ المُوالاةِ المَنفِيَّةِ عَلى النُّصْرَةِ والمُظاهَرَةِ، لِأنَّها لازِمَةٌ لِكُلِّ حالٍ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ.

وأجابَ الرّازِيُّ بِما مَعْناهُ: إنَّ الوِلايَةَ هُنا لَيْسَ المُرادُ بِها مُطْلَقَ التَّوَلِّي حَتّى يَرُدَّهُ ما ذَكَرُوهُ، بَلْ عُنِيَ بِها مَعْنًى خاصٌّ، وهو عَلاقَةٌ شَدِيدَةٌ، ومَحَبَّةٌ أكِيدَةٌ، وإيثارٌ قَوِيٌّ، وأُخُوَّةٌ وثِيقَةٌ، ولا يَلْزَمُ مِنَ النَّصْرِ التَّوَلِّي، فَقَدْ يَنْصُرُ المَرْءُ ذِمِّيًّا لِأمْرٍ ما ولا يَتَوَلّاهُ، ويُدافِعُ عَنْ عَبْدِهِ أوْ أمَتِهِ ويُعِينُهُما ولا يَتَوَلّاهُما - واللَّهُ أعْلَمُ - .

الثّانِي: يُظْهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَسَوابِقِها مِمّا نَزَلَ إثْرَ واقِعَةِ بَدْرٍ، وطُلِبَ مِن كُلِّ مَن آمَنَ مِنَ البادِينَ أنْ يُهاجِرَ، لِيَكْثُرَ سَوادُ المُسْلِمِينَ، ويَظْهَرُ اجْتِماعُهم، وإعانَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَتَتَقَوّى بِأُلْفَتِهِمْ شَوْكَتُهم، ولَمْ يَزُلْ طَلَبُ الهِجْرَةِ إلّا بِفَتْحِ مَكَّةَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: ««لا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ»» . رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ مُجاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ.

الثّالِثُ: شَمِلَ نَفْيُ المُوالاةِ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا وقْتَئِذٍ، حِرْمانَهم مِنَ المَغانِمِ والفَيْءِ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الحُصَيْبِ الأسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-٣٠٤٨)إذا بَعَثَ أمِيرًا عَلى سَرِيَّةٍ، أوْصاهُ في خاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوى اللَّهِ وبِمَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا. وقالَ: «اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قاتِلُوا مَن كَفَرَ بِاللَّهِ، إذا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فادْعُهم إلى ثَلاثِ خِصالٍ أوْ خِلالٍ، فَأيَّتُها ما أجابُوكَ إلَيْها فاقْبَلْ مِنهم، وكُفَّ عَنْهُمُ، ادْعُهم إلى الإسْلامِ، فَإنْ أجابُوكَ فاقْبَلْ مِنهم، وكُفَّ عَنْهم، ثُمَّ ادْعُهم مِنَ التَّحَوُّلِ مِن دارِهِمْ إلى دارِ المُهاجِرِينَ، وأعْلِمْهم إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أنَّ لَهم ما لِلْمُهاجِرِينَ، وأنَّ عَلَيْهِمْ ما عَلى المُهاجِرِينَ، فَإنْ أبَوْا واخْتارُوا دارَهم، فَأعْلِمْهم أنَّهم يَكُونُونَ كَأعْرابِ المُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلى المُؤْمِنِينَ، ولا يَكُونُ لَهم في الفَيْءِ والغَنِيمَةِ نَصِيبٌ، إلّا أنْ يُجاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإنْ هم أبَوْا فادْعُهم إلى إعْطاءِ الجِزْيَةِ، فَإنْ أجابُوا فاقْبَلْ مِنهم، وكُفَّ عَنْهم، فَإنْ أبَوْا فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وقاتِلْهم»» .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ، وعِنْدَهُ زِياداتٌ أُخَرُ.

الرّابِعُ: قَرَأ حَمْزَةُ (وِلايَتِهِمْ) بِكَسْرِ الواوِ، والباقُونَ بِفَتْحِها.

قالَ الشِّهابُ: جاءَ في اللُّغَةِ: (الوِلايَةُ) مُصَدَّرًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ فِيهِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو القُرْبُ الحِسِّيُّ والمَعْنَوِيُّ، وقِيلَ: بَيْنَهُما فَرْقٌ، فالفَتْحُ وِلايَةُ مَوْلى النَّسَبِ ونَحْوِهِ، والكَسْرُ وِلايَةُ السُّلْطانِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ الفَتْحُ مِنَ النُّصْرَةِ والنَّسَبِ. والكَسْرُ مِنَ الإمارَةِ. قالَهُ الزَّجّاجُ.

وخَطَّأ الأصْمَعِيُّ قِراءَةَ الكَسْرِ، وهو المُخْطِئُ لِتَواتُرِها، واخْتَلَفُوا في تَرْجِيحِ إحْدى القِراءَتَيْنِ. ولَمّا قالَ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّ (فِعالَةَ) بِالكَسْرِ في الأسْماءِ لِما يُحِيطُ بِشَيْءٍ، ويُجْعَلُ فِيهِ كاللِّفافَةِ والعِمامَةِ، وفي المَصادِرِ يَكُونُ في الصِّناعاتِ وما يُزاوَلُ بِالأعْمالِ، كالكِتابَةِ والخِياطَةِ، ذَهَبَ الزَّجّاجُ وتَبِعَهُ غَيْرُهُ إلى أنَّ الوِلايَةَ لِاحْتِياجِها إلى تَمَرُّنٍ وتَدَرُّبٍ شُبِّهَتْ بِالصِّناعَةِ، لِذا جاءَ فِيها الكَسْرُ، كالإمارَةِ.

وهَذا يَحْتَمِلُ أنَّ الواضِعَ حِينَ وضَعَها شَبَّهَها بِذَلِكَ، فَتَكُونُ حَقِيقَةً ويَحْتَمِلُ - كَما في بَعْضِ شُرُوحِ الكَشّافِ - أنْ تَكُونَ اسْتِعارَةً، كَما سَمُّوا الطِّبَّ صِناعَةً. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى:

8:73Page 186

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ ٧٣

And those who disbelieved are allies of one another. If you do not do so [i.e., ally yourselves with other believers], there will be fitnah [i.e., disbelief and oppression] on earth and great corruption.

(p-٣٠٤٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٣ ] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ .

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أيْ: فَلا يَتَوَلّاهم إلّا مَن كانَ مِنهم، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى نَهْيِ المُسْلِمِينَ عَنْ مُوالاتِهِمْ، وإيجابِ مُباعَدَتِهِمْ ومُصارَمَتِهِمْ، وإنْ كانُوا أقْرَبَ وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لا تَوارُثَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ.

رَوى الحاكِمُ في (" مُسْتَدْرَكِهِ ") عَنْ أُسامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا يَتَوارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ، ولا يَرِثُ مُسْلِمٌ كافِرًا ولا كافِرٌ مُسْلِمًا، ثُمَّ قَرَأ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ،» رَواهُ الشَّيْخانِ عَنْهُ بِلَفْظِ: ««لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ ولا الكافِرُ المُسْلِمَ»» .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ أيْ: إلّا تَفْعَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ مِنَ التَّواصُلِ، وتَوَلِّي بَعْضِكم بَعْضًا، ومِن قَطْعِ العَلائِقِ بَيْنَكم وبَيْنَ الكُفّارِ، تَحْصُلُ فِتْنَةٌ في الأرْضِ ومَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ ما لَمْ يَصِيرُوا يَدًا واحِدَةً عَلى الشِّرْكِ، كانَ الشَّرْطُ ظاهِرًا، والفَسادُ زائِدًا، في الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ.

وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْمِيثاقِ أوْ حِفْظِهِ أوِ النَّصْرِ أوِ الإثْباتِ. وقِيلَ إنَّهُ لِلِاسْتِنْصارِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، والفِتْنَةُ: إهْمالٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المُسْتَنْصِرِينَ بِنا، حَتّى يُسَلَّطَ عَلَيْنا الكُفّارُ، إذْ فِيهِ وهَنٌ لِلدِّينِ. ؟

قالَ الشِّهابُ: وفِيهِ تَكَلُّفٌ، أيْ: فالأوْجَهُ عَوْدُهُ لِلتَّوَلِّي والتَّواصُلِ - كَما بَيَّنّا - .

قالَ الرّازِيُّ: بَيانُ هَذِهِ الفِتْنَةِ والفَسادِ عَنْ وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المُسْلِمِينَ لَوِ اخْتَلَطُوا بِالكُفّارِ في زَمانِ ضَعْفِ المُسْلِمِينَ، وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وزَمانِ قُوَّةِ الكُفّارِ، وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فَرُبَّما صارَتْ تِلْكَ المُخالَطَةُ سَبَبًا لِالتِحاقِ المُسْلِمِ بِالكَفّارِ.

(p-٣٠٥٠)الثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ لَمْ يَظْهَرْ مِنهم جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِجُرْأةِ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ.

الثّالِثُ: أنَّهُ إذا كانَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ كُلَّ يَوْمٍ في الزِّيادَةِ في العَدَدِ والعُدَدِ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَزِيدِ رَغْبَتِهِمْ فِيما هم فِيهِ، ورَغْبَةِ المُخالِفِ في الِالتِحاقِ بِهِمُ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى:

8:74Page 186

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٧٤

But those who have believed and emigrated and fought in the cause of Allāh and those who gave shelter and aided - it is they who are the believers, truly. For them is forgiveness and noble provision.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٤ ] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ .

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ عَوْدٌ لِذِكْرِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ، والشَّهادَةِ لَهم، مَعَ المَوْعِدِ الكَرِيمِ، فَلا تَكْرارَ، لِما أنَّ مَساقَ الأوَّلِ لِإيجابِ التَّواصُلِ بَيْنَهم، فَذِكْرُهم هاهُنا لِبَيانِ تَعْظِيمِ شَأْنِهِمْ، وعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ.

قالَ الرّازِيُّ: وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الإعادَةَ تَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِحالِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الشَّرَفِ والتَّعْظِيمِ.

والثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى أثْنى عَلَيْهِمْ هاهُنا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وقَوْلُهُ: ﴿حَقًّا﴾ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ مُحَقِّقِينَ في طَرِيقِ الدِّينِ، وقَدْ كانُوا كَذَلِكَ، لِأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مُحِقًّا في دِينِهِ، لَمْ يَتَحَمَّلْ تَرْكَ الأدْيانِ السّالِفَةِ، ولَمْ يُفارِقِ الأهْلَ والوَطَنَ، ولَمْ يَبْذُلِ النَّفْسَ والمالَ، ولَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الأحْوالِ مِنَ المُتَسارِعِينَ المُتَسابِقِينَ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ والتَّنْكِيرُ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ، أيْ: مَغْفِرَةٌ تامَّةٌ كامِلَةٌ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ والمُرادُ مِنهُ الثَّوابُ الرَّفِيعُ الشَّرِيفُ. انْتَهى.

(p-٣٠٥١)وقَدْ أثْنى تَعالى عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ في غَيْرِ ما آيَةٍ في كِتابِهِ الكَرِيمِ - واللَّهُ أعْلَمُ ـ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском