Al-QasimiAl‑Mutaffifin · 83:29–36

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Mutaffifin 83:29–36

83:29–31Page 588

إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ ٢٩

Indeed, those who committed crimes used to laugh at those who believed.

وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ ٣٠

And when they passed by them, they would exchange derisive glances.

وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ ٣١

And when they returned to their people, they would return jesting.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٩ - ٣١ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١]

﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيِ: اسْتِهْزاءً بِهِمْ لِإيمانِهِمْ بِاللَّهِ وحْدَهُ وبِما أوْحاهُ إلى رَسُولِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ونَبْذِهِمْ ما ألْفَوْا عَلَيْهِ آباءَهم.

قالَ الإمامُ: الَّذِينَ أجْرَمُوا هُمُ المُعْتَدُونَ الأئِمَّةُ الَّذِينَ شُرِيَتْ نُفُوسُهم في الشَّرِّ، وصُمَّتْ آذانُهم عَنْ سَماعِ دَعْوَةِ الحَقِّ: هَؤُلاءِ كانُوا يَضْحَكُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا؛ ذَلِكَ لِأنَّهُ حِينَ رَحِمَ اللَّهُ هَذا العالَمَ بِبَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ كِبارُ القَوْمِ وعُرَفاؤُهم عَلى رَأْيِ الدَّهْماءِ وفي ضَلالِ العامَّةِ، وكانَتْ دَعْوَةُ الحَقِّ خافِتَةً لا يَرْتَفِعُ بِها إلّا صَوْتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ يَهْمِسُ بِها بَعْضُ مَن يَلِيهِ، ويُجِيبُ دَعْوَتَهُ مِنَ الضُّعَفاءِ الَّذِينَ لَمْ تَطْمِسْ أهْواؤُهم سَبِيلَ الحَقِّ إلى قُلُوبِهِمْ فَيُسِرُّ بِها إلى مَن يَرْجُوهُ، ولا يَسْتَطِيعُ الجَهْرَ بِها لِمَن يَخافُهُ. ومِن شَأْنِ القَوِيِّ المُسْتَعِزِّ بِالقُدْرَةِ والكَثْرَةِ أنْ يَضْحَكَ مِمَّنْ يُخالِفُهُ في المَنزَعِ ويَدْعُوهُ إلى غَيْرِ ما يَعْرِفُهُ، وهو أضْعَفُ مِنهُ قُوَّةً وأقَلُّ عَدَدًا، كَذَلِكَ كانَ شَأْنُ جَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ، كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والعاصِ بْنِ وائِلٍ وأشْياعِهِمْ، وهَكَذا يَكُونُ شَأْنُ أمْثالِهِمْ في كُلِّ زَمانٍ مَتى عَمَّتِ البِدَعُ، وتَفَرَّقَتِ الشِّيَعُ وخَفِيَ طَرِيقُ الحَقِّ بَيْنَ طُرُقِ الباطِلِ، وجُهِلَ مَعْنى الدِّينِ، وأُزْهِقَتْ رُوحُهُ مِن عِباراتِهِ وأسالِيبِهِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا ظَواهِرُ (p-٦١٠٣)لا تَطابِقُها البَواطِنُ، وحَرَكاتُ أرْكانٍ لا تُشايِعُها السَّرائِرُ، وتَحَكَّمَتِ الشَّهَواتُ فَلَمْ تَبْقَ رَغْبَةٌ تَحْدُو بِالنّاسِ إلى العَمَلِ، إلّا ما تَعَلَّقَ بِالطَّعامِ والشَّرابِ والزِّينَةِ والرِّياشِ والمَناصِبِ والألْقابِ، وتَشَبَّثَتِ الهِمَمُ بِالمَجْدِ الكاذِبِ، وأحَبَّ كُلُّ واحِدٍ أنْ يُحْمَدَ بِما لَمْ يَفْعَلْ، وذَهَبَ النّاقِصُ يَسْتَكْمِلُ ما نَقَصَ مِنهُ بِتَنْقِيصِ الكامِلِ، واسْتَوى في ذَلِكَ الكَبِيرُ والصَّغِيرُ، والأمِيرُ والمَأْمُورُ، والجاهِلُ والمُلَقَّبُ بِلَقَبِ العالِمِ. إذا صارَ النّاسُ إلى هَذِهِ الحالِ، ضَعُفَ صَوْتُ الحَقِّ وازْدَرى السّامِعُونَ مِنهم بِالدّاعِي إلَيْهِ، وانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ نَصُّ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. انْتَهى.

﴿وإذا مَرُّوا﴾ [المطففين: ٣٠] أيِ: الَّذِينَ آمَنُوا ﴿بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] أيْ: يَغْمِزُ بَعْضُهم بَعْضًا اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً. والغَمْزُ: الإشارَةُ بِالجَفْنِ والحاجِبِ.

قالَ السُّيُوطِيُّ: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى تَحْرِيمِ السُّخْرِيَةِ بِالمُؤْمِنِينَ، والضَّحِكِ مِنهُمْ، والتَّغامُزِ عَلَيْهِمْ ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ [المطففين: ٣١] أيْ: هَؤُلاءِ المُجْرِمُونَ مِن مَجالِسِهِمْ ﴿إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] أيْ: مُتَلَذِّذِينَ بِالسُّخْرِيَةِ وحِكايَةِ ما يَعِيبُونَ بِهِ أهْلَ الإيمانِ، أوْ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والطُّغْيانِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا.

83:32–36Page 588

وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ ٣٢

And when they saw them, they would say, "Indeed, those are truly lost."

وَمَآ أُرۡسِلُواْ عَلَيۡهِمۡ حَٰفِظِينَ ٣٣

But they had not been sent as guardians over them.

فَٱلۡيَوۡمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ ٱلۡكُفَّارِ يَضۡحَكُونَ ٣٤

So Today1 those who believed are laughing at the disbelievers,

عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ٣٥

On adorned couches, observing.

هَلۡ ثُوِّبَ ٱلۡكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦

Have the disbelievers [not] been rewarded [this Day] for what they used to do?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٢- ٣٦ ] ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٣] ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦]

﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾ أيْ: رَأوُا المُؤْمِنِينَ ﴿قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أيْ: لِتَرْكِهِمْ ما عَلَيْهِ العامَّةُ، والِاعْتِصامِ بِغَيْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

﴿وما أُرْسِلُوا﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: هَؤُلاءِ المُجْرِمُونَ القائِلُونَ ما ذُكِرَ (p-٦١٠٤)﴿عَلَيْهِمْ﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: عَلى المُسْلِمِينَ ﴿حافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: لِأعْمالِهِمْ. جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن: واوِ "قالُوا" أيْ: قالُوا ذَلِكَ، والحالُ أنَّهم ما أُرْسِلُوا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى مُوَكَّلِينَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهُمْ، ويُهَيْمِنُونَ عَلى أعْمالِهِمْ، ويَشْهَدُونَ بِرُشْدِهِمْ وضَلالِهِمْ. وهَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وإشْعارٌ بِأنَّ ما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، مِن وظائِفِ مَن أُرْسِلَ مِن جِهَتِهِ تَعالى.

وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ المُجْرِمِينَ، كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ وما أُرْسِلُوا عَلَيْنا حافِظِينَ. إنْكارًا لِصَدِّهِمْ عَنِ الشِّرْكِ ودُعائِهِمْ إلى الإسْلامِ، وإنَّما قِيلَ: "عَلَيْهِمْ" نَقْلًا لَهُ بِالمَعْنى كَما في قَوْلِكَ: (حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ)، لا بِالعِبارَةِ، كَما في قَوْلِكَ: (حَلَفَ لَأفْعَلَنَّ)، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] تَفْرِيعٌ عَلى ما قَبْلَهُ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ جَزاءُ سُخْرِيَتِهِمْ في الدُّنْيا، و(اليَوْمَ): يَوْمُ الدِّينِ والجَزاءِ. وضَحِكُهم مِنَ الكُفّارِ ضَحِكُ السُّرُورِ بِما نَزَلَ بِعَدُوِّهِ مِنَ الهَوانِ والصِّغارِ، بَعْدَ العِزَّةِ والكِبْرِ.

﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] إلى ما أُوتُوا مِنَ النَّعِيمِ، وما حَلَّ بِالمُجْرِمِينَ مِن عَذابِ الجَحِيمِ.

﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] أيْ: جُوزُوا ثَوابَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا.

والجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (يَنْظُرُونَ) في مَحَلِّ نَصْبٍ بَعْدَ إسْقاطِ الجارِّ، أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ كَأنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، تَعْظِيمًا لَهم وتَكْرِيمًا وزِيادَةً في مَسَرَّتِهِمْ، أيْ: هَلْ رَأيْتُمْ كَيْفَ جازى اللَّهُ الكافِرِينَ بِأعْمالِهِمْ، أيْ: أنَّهُ فَعَلَ. و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ. وثَوَّبَهُ وأثابَهُ بِمَعْنى جازاهُ، وهو مِن (ثابَ)، بِمَعْنى رَجَعَ. فالثَّوابُ ما يَرْجِعُ عَلى العَبْدِ في مُقابَلَةِ عَمَلِهِ، ويُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ.

ونَظِيرُ هَذِهِ الآياتِ قَوْلُهُ تَعالى:

﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском