Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
البروج
Al-Buruj
The Mansions of the Stars · Meccan · 22 ayahs
85:1–9Page 590
وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ ١
By the sky containing great stars
وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡمَوۡعُودِ ٢
And [by] the promised Day
وَشَاهِدٖ وَمَشۡهُودٖ ٣
And [by] the witness and what is witnessed,
قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ ٤
Destroyed [i.e., cursed] were the companions of the trench1
ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ ٥
[Containing] the fire full of fuel,
إِذۡ هُمۡ عَلَيۡهَا قُعُودٞ ٦
When they were sitting near it.
وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ ٧
And they, to what they were doing against the believers, were witnesses. 1
وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٨
And they resented them not except because they believed in Allāh, the Exalted in Might, the Praiseworthy,
ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٩
To whom belongs the dominion of the heavens and the earth. And Allāh, over all things, is Witness.1
(p-٦١١٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ البُرُوجِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِشاءِ الآخِرَةِ بِالسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ والسَّماءِ والطّارِقِ».
(p-٦١١٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٩ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩]
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ أيِ: الكَواكِبِ والنُّجُومِ، شُبِّهَتْ بِالبُرُوجِ -وهِيَ القُصُورُ- لِعُلُوِّها. أوِ البُرُوجُ مَنازِلُ عالِيَةٌ في السَّماءِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهو اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، فَمَسِيرُ القَمَرِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها يَوْمانِ وثُلُثٌ، فَذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ. ومَسِيرُ الشَّمْسِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها شَهْرٌ. وأصْلُ مَعْنى البُرُوجِ -كَما قالَهُ الشِّهابُ- الأمْرُ الظّاهِرُ مِنَ التَّبَرُّجِ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في العُرْفِ لِلْقُصُورِ العالِيَةِ؛ لِأنَّها ظاهِرَةٌ لِلنّاظِرِينَ. ويُقالُ لِما ارْتَفَعَ مِن سُورِ المَدِينَةِ: بُرْجٌ أيْضًا. (p-٦١١٤)فَشَبَّهَ -عَلى هَذا- الفَلَكَ بِسُورِ المَدِينَةِ وأثْبَتَ لَهُ البُرُوجَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] أيِ: الَّذِي وُعِدَ فِيهِ العِبادُ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُمْ، وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ.
﴿وشاهِدٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ ما لَهُ حِسٌّ يَشْهَدُ بِهِ ﴿ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ مُحَسٍّ يُشْهَدُ بِالحِسِّ. فَيَدْخُلُ فِيهِ العَوالِمُ المَشْهُودَةُ كُلُّها. وتَخْصِيصُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ بَعْضًا مِمّا يَتَناوَلُهُ لَفْظُهُما، لَعَلَّهُ لِأنَّهُ الأهَمُّ، أوِ الأوْلى أوِ الأعْرَفُ والأظْهَرُ، لِقَرِينَةٍ عِنْدَهُ، وإلّا فاللَّفْظُ عَلى عُمُومِهِ، حَتّى يَقُومَ بُرْهانٌ عَلى تَخْصِيصِهِ.
﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] أيْ: قَتَلَهُمُ اللَّهُ وأهْلَكَهم وانْتَقَمَ مِنهم. عَلى أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرِيَّةٌ هي جَوابُ القَسَمِ. أوْ دَلِيلُ جَوابِهِ أنْ كانَتْ دُعائِيَّةً، والتَّقْدِيرُ: لَتُبْلَوُنَّ كَما ابْتُلِيَ مَن قَبْلَكُمْ، ولَيَنْتَقِمَنَّ مِمَّنْ فَتَنَكم كَما انْتَقَمَ مِنَ الَّذِينَ ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في الأُخْدُودِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ في تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذى أهْلِ مَكَّةَ، وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمَهم مِنَ التَّعْذِيبِ عَلى الإيمانِ، وإلْحاقِ أنْواعِ الأذى وصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ، حَتّى يَأْنَسُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى ما كانُوا يَلْقَوْنَ مِن قَوْمِهِمْ، ويَعْلَمُوا أنَّ كُفّارَهم عِنْدَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ أُولَئِكَ المُعَذِّبِينَ المُحْرِقِينَ بِالنّارِ، مَلْعُونُونَ أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ فِيهِمْ: قُتِلَتْ قُرَيْشٌ، كَما قِيلَ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] والأُخْدُودُ: الحُفْرَةُ في الأرْضِ مُسْتَطِيلَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بَدَلٌ مِنَ (الأُخْدُودِ)، و(الوَقُودُ) بِالفَتْحِ الحَطَبُ الجَزْلُ المُوقَدُ بِهِ، وأمّا الوُقُودُ بِالضَّمِّ فَهو الإيقادُ.
﴿إذْ هم عَلَيْها﴾ [البروج: ٦] أيْ: عَلى حافّاتِ أُخْدُودِها ﴿قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] أيْ: قاعِدُونَ يَتَشَفَّوْنَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] أيْ: حُضُورٌ يُشاهِدُونَ احْتِراقَ الأجْسادِ الحَيَّةِ، وما تَفْعَلُ بِها النِّيرانُ. ولا يَرِقُّونَ لَهم لِغايَةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ.
﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج: ٨] أيْ: وما أنْكَرُوا مِنهُمْ، ولا كانَ لَهم ذَنْبٌ، إلّا الإيمانُ بِاللَّهِ وحْدَهُ.
قالَ الرّاغِبُ: نَقَمْتُ مِنَ الشَّيْءِ ونَقَمْتُهُ إذا أنْكَرْتَهُ، إمّا بِاللِّسانِ وإمّا بِالعُقُوبَةِ. ومِنهُ الِانْتِقامُ ﴿العَزِيزِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: الغالِبِ أعْداءَهُ بِالقَهْرِ والِانْتِقامِ ﴿الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: المَحْمُودِ عَلى إنْعامِهِ (p-٦١١٥)وإحْسانِهِ.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفاعِيلِ هَؤُلاءِ الفَجَرَةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ وغَيْرِهِمْ، شاهِدٌ شُهُودًا لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وفي تَوْصِيفِهِ تَعالى بِما ذَكَرَ مِنَ النُّعُوتِ الحُسْنى إشْعارٌ بِمَناطِ إيمانِهِمْ؛ فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى قاهِرًا ومُنْعِمًا، لَهُ ذَلِكَ المُلْكُ الباهِرُ وهو عَلِيمٌ بِأفْعالِ عَبِيدِهِ، مِمّا يُوجِبُ أنْ يَخْشاهُ مَن عَرَفَ المَصائِرَ. وفي الآيَةِ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى تَأْكِيدَ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وهو مَعْرُوفٌ في كُتُبِ المَعانِي.
تَنْبِيهٌ:
رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في أصْحابِ الأُخْدُودِ قالَ: هم ناسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيها نارًا، ثُمَّ أقامُوا عَلى ذَلِكَ الأُخْدُودِ رِجالًا ونِساءً، فَعُرِضُوا عَلَيْها. وهَكَذا قالَ الضَّحّاكُ: هم مِن بَنِي إسْرائِيلَ أُخِذُوا رِجالًا ونِساءً فَخَدُّوا لَهم أُخْدُودًا، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيهِ النِّيرانَ، فَأقامُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها. فَقالُوا: تَكْفُرُونَ أوْ نَقْذِفُكم في النّارِ؟
وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الأُخْدُودُ شُقُوقًا بِنَجْرانَ، كانُوا يُعَذِّبُونَ فِيها النّاسَ -وتَفْصِيلُ النَّبَأِ- عَلى ما في كِتابِ (الكَنْزِ الثَّمِينِ)- أنَّ دَعْوَةَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ الأُولى العَرِيَّةُ عَنْ شَوائِبِ الإلْحادِ، لَمّا دَخَلَتْ بِلادَ اليَمَنِ وآمَنَ كَثِيرٌ مِن أهْلِها، كانَ في مُقَدِّمَةِ تِلْكَ البِلادِ بَلْدَةُ نَجْرانَ، وكانَ أقامَ عَلَيْها مَلِكُ الحَبَشَةِ أمِيرًا مِن قِبَلِهِ نَصْرانِيًّا مِثْلَهُ، وكانَ بِها راهِبٌ كَبِيرٌ لَهُ الكَلِمَةُ النّافِذَةُ والأمْرُ المُطاعُ، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في تِلْكَ البِلادِ تَآمَرُوا عَلى طَرْحِ نَيِّرِ السُّلْطَةِ المَسِيحِيَّةِ مِنَ اليَمَنِ، والإيقاعِ بِمَن تَنَصَّرَ؛ بُغْضًا في المَسِيحِيَّةِ وكَراهَةً لِسُلْطانٍ مَسِيحِيٍّ يَمْلِكُهُمْ، فَأقامُوا رَجُلًا يَهُودِيًّا مِنهم عِنْدَ مَوْتِ ذَلِكَ السُّلْطانِ أوْ قَتْلِهِ، فَأشْهَرَ ذَلِكَ اليَهُودِيُّ نَفْسَهُ مَلِكًا عَلى بِلادِ سَبَأٍ، وجاءَ لِمُحارَبَةِ مَدِينَةِ نَجْرانَ، واسْتَوْلى عَلَيْها بِالتَّغَلُّبِ والقُوَّةِ (p-٦١١٦)والخِيانَةِ، ولَمّا دَخَلَها قَتَلَ عَدَدًا عَظِيمًا مِن سُكّانِها رِجالًا ونِساءً. كانَتْ عِدَّتُهم -فِيما يُقالُ- ثَلاثُمِائَةٍ وأرْبَعِينَ شَهِيدًا، وأتى بِذاكَ الرّاهِبُ مَحْمُولًا يَحُفُّ بِهِ الجُنُودُ، وكانَ هَرَمًا لا يَقْوى عَلى المَشْيِ، فَسُئِلَ عَنْ عَقِيدَتِهِ فَأقَرَّ بِالإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وبِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَأمَرَ بِسَفْكِ دَمِهِ فَقُتِلَ، وكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الشُّهَداءِ اعْتَرَفُوا بِما اعْتَرَفَ بِهِ دُونَ جُبْنٍ ولا تَهَيُّبٍ، بَلْ بِشَجاعَةٍ وصَبْرٍ عَلى ما يُشاهِدُونَهُ مِن أفانِينِ العَذابِ وأخادِيدِ النِّيرانِ، ثُمَّ ألْقَتِ امْرَأةٌ بِنَفْسِها في النّارِ وتَبِعَها طِفْلٌ لَها في الخامِسَةِ مِن عُمْرِهِ. وكُلُّ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ أظْهَرُوا مِنَ السُّرُورِ بِالتَّألُّمِ مِن أجْلِهِ تَعالى والفَرَحِ بِالشَّهادَةِ، ما أضْحَوْا مِثالًا وعِبْرَةً لِكُلِّ مَفْتُونٍ مِن أجْلِ إيمانِهِ ومُدافَعَتِهِ عَنْ يَقِينِهِ، سَواءٌ افْتُتِنَ بِمالِهِ أوْ نَفْسِهِ أوْ بِسَلْبِ حَقٍّ لَهُ. لا جَرَمَ أنَّ مَن تَلا ما ورَدَ في الوَعْدِ الصّادِقِ لِكُلِّ مَفْتُونٍ في الدِّينِ، اسْتَبْشَرَ بِما أُعِدَّ لِلْمُخْلِصِينَ الصّابِرِينَ. وتُسَمّى هَذِهِ القِصَّةُ عِنْدَ النَّصارى شَهادَةَ الحَبْرِ أراثا ورُفْقَتِهِ. ويُؤَرِّخُونَها بِعامِ: (٥٢٤) مِنَ التّارِيخِ المَسِيحِيِّ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ في كَلامِ مُجاهِدٍ ومَن قَبْلَهُ إشارَةً إلَيْها. واللَّهُ أعْلَمُ.
85:10Page 590
إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ ١٠
Indeed, those who have tortured1 the believing men and believing women and then have not repented will have the punishment of Hell, and they will have the punishment of the Burning Fire.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ: بَلَوْهم بِالأذى لِيَرْجِعُوا عَنْ إيمانِهِمْ. قالَ أبُو السُّعُودِ: والمُرادُ بِهِمْ إمّا أصْحابُ الأُخْدُودِ خاصَّةً، وبِالمَفْتُونِينَ المَطْرُوحِينَ في الأُخْدُودِ، وإمّا الَّذِينَ بَلَوْهم في ذَلِكَ بِالأذِيَّةِ والتَّعْذِيبِ عَلى الإطْلاقِ وهم داخِلُونَ في جُمْلَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أيْ: عَنْ كُفْرِهِمْ وفِتْنَتِهِمْ ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ أيْ: عَذابانِ مُنَوَّعانِ عَلى الكُفْرِ وعَلى الفِتْنَةِ، أوْ هُما واحِدٌ، أوْ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ بِالزَّمْهَرِيرِ والإحْراقِ وغَيْرِهِما. والأظْهَرُ أنَّهُما واحِدٌ وأنَّهُ مِن عَطْفِ التَّفْسِيرِ والتَّوْضِيحِ.
(p-٦١١٧)
85:11Page 590
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِيرُ ١١
Indeed, those who have believed and done righteous deeds will have gardens beneath which rivers flow. That is the great attainment.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: مِن هَؤُلاءِ المَفْتُونِينَ وغَيْرِهِمْ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ: في نَشْأتِهِمُ الأُخْرى ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ أيِ: التّامُّ الَّذِي لا فَوْزَ مِثْلُهُ.
85:12–16Page 590
إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢
Indeed, the assault [i.e., vengeance] of your Lord is severe.
إِنَّهُۥ هُوَ يُبۡدِئُ وَيُعِيدُ ١٣
Indeed, it is He who originates [creation] and repeats.
وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ ١٤
And He is the Forgiving, the Affectionate,
ذُو ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡمَجِيدُ ١٥
Honorable Owner of the Throne,
فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ١٦
Effecter of what He intends.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢ - ١٦ ] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]
﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، إيذانًا بِأنَّ لِكُفّارِ قَوْمِهِ نَصِيبًا مَوْفُورًا مِن مَضْمُونِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ، مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والبَطْشُ: الأخْذُ بِعُنْفٍ، وحَيْثُ وُصِفَ بِالشِّدَّةِ فَقَدْ تَضاعَفَ وتَفاقَمَ. وهو بَطْشُهُ بِالجَبابِرَةِ والظَّلَمَةِ، وأخْذُهُ إيّاهم بِالعَذابِ والِانْتِقامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]
﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] أيْ: يُبْدِئُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ. قالَ الإمامُ: وهو في كُلِّ يَوْمٍ (p-٦١١٨)يُبْدِئُ خَلْقًا مِن نَباتٍ وحَيَوانٍ وغَيْرِهِما، ثُمَّ إذا هَلَكَ أعادَ اللَّهُ خَلْقَهُ مَرَّةً أُخْرى، ثُمَّ هو يُعِيدُ النّاسَ في اليَوْمِ الآخِرِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي يَعْلَمُهُ.
﴿وهُوَ الغَفُورُ﴾ [البروج: ١٤] أيْ: لِمَن يَرْجِعُ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ ﴿الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] أيِ: المُحِبُّ لِمَن أطاعَهُ وأخْلَصَ لَهُ.
﴿ذُو العَرْشِ﴾ [البروج: ١٥] أيِ: المُلْكِ والسُّلْطانِ أوِ السَّماءِ، ﴿المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] أيِ: العَظِيمُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ. وقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلْعَرْشِ. ومَجْدُهُ: عُلُوُّهُ وعَظَمَتُهُ.
﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] أيْ: لا يُرِيدُ شَيْئًا إلّا فَعَلَهُ، فَلا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُرادِهِ شَيْءٌ، فَمَتى أرادَ إهْلاكَ الجاحِدِينَ ونَصْرَ المُخْلِصِينَ فَعَلَ؛ لِأنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ؛ ولِذا تَأثُّرُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
85:17–22Page 590
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡجُنُودِ ١٧
Has there reached you the story of the soldiers -
فِرۡعَوۡنَ وَثَمُودَ ١٨
[Those of] Pharaoh and Thamūd?
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكۡذِيبٖ ١٩
But they who disbelieve are in [persistent] denial,
وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُۢ ٢٠
While Allāh encompasses them from behind.1
بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ ٢١
But this is an honored Qur’ān
فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ ٢٢
[Inscribed] in a Preserved Slate.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧ - ٢٢ ] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَجَنَّدُوا عَلى الرُّسُلِ بِأذاهم.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: قَدْ أتاكَ ذَلِكَ وعَلِمْتَهُ، فاصْبِرْ لِأذى قَوْمِكَ وإيّاكَ لِما نالُوكَ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ، كَما صَبَرَ الَّذِينَ تَجَنَّدَ هَؤُلاءِ الجُنُودُ عَلَيْهِمْ مِن رُسُلِي، ولا يُثْنِيَنَّكَ عَنْ تَبْلِيغِهِمْ رِسالَتِي كَما لَمْ يُثْنِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى هَؤُلاءِ؛ فَإنَّ عاقِبَةَ مَن لَمْ يَصْدُقْكَ ويُؤْمِن بِكَ مِنهم إلى عَطَبٍ وهَلاكٍ، كالَّذِي كانَ مِن هَؤُلاءِ الجُنُودِ، فالجُمْلَةُ -كَما قالَ أبُو السُّعُودِ- اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ تَعالى (p-٦١١٩)بِالظَّلَمَةِ العُصاةِ، والكَفَرَةِ العُتاةِ وكَوْنُهُ (فَعّالًا لِما يُرِيدُ) مُتَضَمِّنٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ بِالإشْعارِ بِأنَّهُ سَيُصِيبُ قَوْمَهُ ما أصابَ الجُنُودَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] بَدَلٌ مِنَ "الجُنُودِ" لِأنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ هو وقَوْمُهُ، واكْتَفى بِذِكْرِهِ عَنْهم لِأنَّهم أتْباعُهُ. والمُرادُ بِحَدِيثِهِمْ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّمادِي في الكُفْرِ والضَّلالِ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والنَّكالِ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] أيْ: لِلْحَقِّ والوَحْيِ، مَعَ وُضُوحِ آياتِهِ وظُهُورِ بَيِّناتِهِ؛ عِنادًا وبَغْيًا. والإضْرابُ انْتِقالِيٌّ لِلْأشَدِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ حالُ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ بِأعْجَبِ مِن حالِ قَوْمِكَ، فَإنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِما حَلَّ بِهِمْ، لَمْ يَنْزَجِرُوا، وفي جَعْلِهِمْ ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] إشارَةٌ إلى تَمَكُّنِهِ مِن أنْفُسِهِمْ، وأنَّهُ لِشِدَّتِهِ أحاطَ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِمَظْرُوفِهِ أوِ البَحْرِ بِالغَرِيقِ فِيهِ، مَعَ ما في تَنْكِيرِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ.
﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] أيْ: مُحْصٍ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، وهو مُجازِيهِمْ عَلى جَمِيعِها. فاللَّفْظُ كِنايَةٌ عَمّا ذَكَرَ. أوِ المُرادُ وصْفُ اقْتِدارِهِ عَلَيْهِمْ وأنَّهم في قَبْضَتِهِ وحَوْزَتِهِ، كالمُحاطِ إذا أُحِيطَ بِهِ مِن ورائِهِ، فَسَدَّ عَلَيْهِ مَسْلَكَهُ فَلا يَجِدُ مَهْرَبًا. فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
قالَ الشِّهابُ: وفِيهِ تَعْرِيضٌ تَوْبِيخِيٌّ لَهم بِأنَّهم نَبَذُوا اللَّهَ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وأقْبَلُوا عَلى الهَوى والشَّهَواتِ بِوُجُوهِ انْهِماكِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] أيْ: سامٍ شَرِيفٌ لا يُماثَلُ في أُسْلُوبِهِ وهِدايَتِهِ.
﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] قُرِئَ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِـ "قُرْآنٌ"، والجَرِّ صِفَةُ اللَّوْحِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والمَعْنى عَلى الأُولى مَحْفُوظٌ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ في لَوْحٍ، وعَلى الثّانِيَةِ مَحْفُوظٌ مِنَ الزِّيادَةِ فِيهِ والنُّقْصانِ مِنهُ، عَمّا أثْبَتَهُ اللَّهُ فِيهِ. و"بَلْ" إضْرابٌ عَنْ شِدَّةِ تَكْذِيبِهِمْ وعَدَمِ كَفِّهِمْ عَنْهُ، إلى وصْفِ القُرْآنِ بِما ذُكِرَ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا رَيْبَ فِيهِ ولا يَضُرُّهُ تَكْذِيبُ هَؤُلاءِ؛ فَإنَّهُ تَعالى تَوَلّى حِفْظَهُ وظُهُورَهُ أبَدَ الآبِدِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences