Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
الأعلى
Al-A'la
The Most High · Meccan · 19 ayahs
87:1–5Page 591
سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى ١
Exalt the name of your Lord, the Most High,
ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ٢
Who created and proportioned
وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ٣
And who destined and [then] guided
وَٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ ٤
And who brings out the pasture
فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحۡوَىٰ ٥
And [then] makes it black stubble.
(p-٦١٢٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأعْلى
مَكِّيَّةٌ وآيُها تِسْعَ عَشْرَةَ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَجَعَلا يُقْرِئانِنا القُرْآنَ. ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ وبِلالٌ وسَعْدٌ.
ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في عِشْرِينَ. ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ ﷺ. فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ. حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جاءَ. فَما جاءَ حَتّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُوَرٍ مِثْلِها».
وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» تَفَرَّدَ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ.
وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى».
وعَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ. ورُبَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فَقَرَأهُما». رَواهُ مُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ.
وعَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الوِتْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ».
(p-٦١٢٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤] ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعلى: ٥]
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الوَلَدِ والشَّرِيكِ ونَحْوِهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] فالِاسْمُ صِلَةٌ. وسِرُّ إيرادِهِ أنَّ المُنَوَّهَ بِهِ إذا كانَ في غايَةِ العَظَمَةِ، كَثِيرًا ما تُضافُ ألْفاظُ التَّفْخِيمِ إلى اسْمِهِ، فَيُقالُ: سَبِّحِ اسْمَهُ ومَجِّدْ ذِكْرَهُ، كَما يُقالُ: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي. هَذا ما ذَكَرُوهُ. وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الحَقَّ تَعالى إنَّما يُعْرَفُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ ذاتِهِ العَلِيَّةِ، فَأُقْحِمَ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ. ومِمّا يُؤَيِّدُهُ ما ذُكِرَ مِنَ الأخْبارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَنِ الصَّحابَةِ أنَّهم ««كانُوا إذا قَرَؤُوا ذَلِكَ قالُوا: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى»»، كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ تَنْزِيهُ اسْمِ اللَّهِ وتَقْدِيسُهُ أنْ يُسَمّى بِهِ شَيْءٌ سِواهُ، كَما كانَ يَفْعَلُ المُشْرِكُونَ مِن تَسْمِيَتِهِمْ آلِهَتَهُمْ، بَعْضَها اللّاتِ وبَعْضَها العُزّى، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ؛ فالإسْنادُ عَلى ظاهِرِهِ، وهَذا ما اعْتَمَدَهُ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (الفَصْلِ) حَيْثُ رَدَّ عَلى مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ (p-٦١٢٩)فِي أنَّ الِاسْمَ عُيِّنَ المُسَمّى، ذَهابًا إلى أنَّ مِنَ المُمْتَنِعِ أنْ يَأْمُرَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِأنْ يُسَبَّحَ غَيْرُهُ. فَقالَ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَهو عَلى ظاهِرِهِ دُونَ تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ في اللُّغَةِ الَّتِي بِها نَزَلَ القُرْآنُ وبِها خاطَبَنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، هو تَنْزِيهُ الشَّيْءِ عَنِ السُّوءِ، وبِلا شَكٍّ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا أنْ نُنَزِّهَ اسْمَهُ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مَجْمُوعَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، عَنْ كُلِّ سُوءٍ حَيْثُ كانَ مِن كِتابٍ أوْ مَنطُوقًا بِهِ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] مَعْنًى واحِدٌ، وهو أنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ تَعالى بِاسْمِهِ. ولا سَبِيلَ إلى تَسْبِيحِهِ تَعالى ولا إلى دُعائِهِ ولا إلى ذِكْرِهِ إلّا بِتَوَسُّطِ اسْمِهِ؛ فَكِلا الوَجْهَيْنِ صَحِيحٌ. وتَسْبِيحُ اللَّهِ تَعالى وتَسْبِيحُ اسْمِهِ كُلُّ ذَلِكَ واجِبٌ بِالنَّصِّ. ولا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]
والحَمْدُ بِلا شَكٍّ هو غَيْرُ اللَّهِ، وهو تَعالى يُسَبَّحُ بِحَمْدِهِ كَما يُسَبَّحُ بِاسْمِهِ، ولا فَرْقَ؛ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِهَذِهِ الآيَةِ. انْتَهى كَلامُهُ.
وقَدْ يُقالُ: فَرْقٌ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، فَإنَّ الباءَ في "بِحَمْدِ رَبِّكَ" لِلْمُلابَسَةِ، ولا كَذَلِكَ هي في "بِاسْمِ رَبِّكَ" ومَعَ اتِّساعِ اللَّفْظِ الكَرِيمِ لِلْأوْجُهِ كُلِّها، فالأظْهَرُ هو الأوَّلُ لِما أيَّدَهُ مِنَ الأخْبارِ ولِآيَةِ "فَسَبِّحْهُ" وآيَةِ "سُبْحانَ رَبِّكَ" واللَّهُ أعْلَمُ.
و"الأعْلى" هو الأرْفَعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قُدْرَةً ومُلْكًا وسُلْطانًا. واسْتَدَلَّ السَّلَفُ بِظاهِرِهِ في إثْباتِ العُلُوِّ بِلا تَكْيِيفٍ. والمَسْألَةُ مَعْرُوفَةٌ.
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَسَوّى خَلْقَهُ تَسْوِيَةً، ولَمْ يَأْتِ بِهِ مُتَفاوِتًا غَيْرَ مُلْتَئِمٍ، ولَكِنْ عَلى إحْكامٍ واتِّساقٍ، ودَلالَةٍ عَلى أنَّهُ صادِرٌ عَنْ عالِمٍ، وأنَّهُ (p-٦١٣٠)صَنْعَةُ حَكِيمٍ.
﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] أيْ: قَدَّرَ لِكُلِّ حَيَوانٍ ما يُصْلِحُهُ، فَهَداهُ إلَيْهِ وعَرَّفَهُ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِهِ.
﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤] أيْ: أخْرَجَ مِنَ الأرْضِ مَرْعى الأنْعامِ مِن صُنُوفِ النَّباتِ.
﴿فَجَعَلَهُ﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضْرَتِهِ ﴿غُثاءً﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: جافًّا يابِسًا تَطِيرُ بِهِ الرِّيحُ ﴿أحْوى﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: أسْوَدَ، صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ: "غُثاءً"؛ لِأنَّ النَّباتَ إذا يَبِسَ تَغَيَّرَ إلى (الحُوَّةِ)، وهي السَّوادُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِكَلامِ لُغَةِ العَرَبِ يَرى أنَّ ذَلِكَ مِنَ المُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْناهُ التَّقْدِيمُ، وأنَّ مَعْنى الكَلامِ: والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى أحَوى، أيْ: أخْضَرُ إلى السَّوادِ فَجَعَلَهُ غُثاءً بَعْدَ ذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ وإنْ كانَ غَيْرَ مَدْفُوعٍ، أنْ يَكُونَ ما اشْتَدَّتْ خُضْرَتُهُ مِنَ النَّباتِ، قَدْ تُسَمِّيهِ العَرَبُ أسْوَدَ، غَيْرُ صَوابٍ عِنْدِي بِخِلافِ تَأْوِيلِ أهْلِ التَّأْوِيلِ في أنَّ الحَرْفَ إنَّما يَحْتالُ لِمَعْناهُ المَخْرَجَ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وجْهٌ مَفْهُومٌ إلّا بِتَقْدِيمِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ أوْ تَأْخِيرِهِ، فَأمّا ولَهُ في مَوْضِعِهِ وجْهٌ صَحِيحٌ، فَلا وجْهَ لِطَلَبِ الِاحْتِيالِ لِمَعْناهُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. انْتَهى. والقَوْلُ المَذْكُورُ هو لِلْفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ.
87:6–13Page 591
سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ ٦
We will make you recite, [O Muḥammad], and you will not forget,
إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ ٧
Except what Allāh should will. Indeed, He knows what is declared and what is hidden.
وَنُيَسِّرُكَ لِلۡيُسۡرَىٰ ٨
And We will ease you toward ease.1
فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ ٩
So remind, if the reminder should benefit;1
سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشَىٰ ١٠
He who fears [Allāh] will be reminded.
وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى ١١
But the wretched one will avoid it –
ٱلَّذِي يَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ١٢
[He] who will [enter and] burn in the greatest Fire,
ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ١٣
Neither dying therein nor living.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ١٣ ] ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] (p-٦١٣١)﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣]
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ: سَنَجْعَلُكَ قارِئًا، بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والمَعْنى: نَجْعَلُكَ قارِئًا لِلْقُرْآنِ فَلا تَنْساهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَشَّرَهُ اللَّهُ بِإعْطاءِ آيَةٍ بَيِّنَةٍ، وهي أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ما يَقْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ، وهو أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، فَيَحْفَظُهُ ولا يَنْساهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: هَذِهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى المُعْجِزَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: إنَّهُ كانَ رَجُلًا أُمِّيًّا، فَحِفْظُهُ لِهَذا الكِتابِ المُطَوَّلِ عَنْ غَيْرِ دِراسَةٍ ولا تَكْرارٍ ولا كَتَبَةٍ، خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
وثانِيهُما: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ. فَهَذا إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ عَجِيبٍ غَرِيبٍ مُخالِفٍ لِلْعادَةِ سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ وقَعَ، فَكانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
الثّانِي: قِيلَ: (لا تَنْسى) نَهْيٌ، والألِفُ لِلْإطْلاقِ في الفاصِلَةِ وهو جائِزٌ مِثْلَ "السَّبِيلا"، والمَعْنى لا تَغْفَلْ قِراءَتَهُ وتَكْرِيرَهُ فَتَنْساهُ. فالنَّهْيُ عَنْهُ مَجازٌ عَنْ تَرْكِ أسْبابِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ.
قالَ الرّازِيُّ: والقَوْلُ المَشْهُورُ أنَّ هَذا خَبَرٌ، والمَعْنى: سَنُقْرِئُكَ إلى أنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ لا تَنْسى وتَأْمَنُ النِّسْيانَ، كَقَوْلِكَ: سَأكْسُوكَ فَلا تَعْرى، أيْ: فَتَأْمَنُ العُرْيَ، قالَ: واحْتَجَّ أصْحابُ هَذا القَوْلِ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ لا يَتِمُّ إلّا عِنْدَ التِزامِ مَجازاتٍ في هَذِهِ الآيَةِ:
مِنها: أنَّ النِّسْيانَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى فَلا يَصِحُّ وُرُودُ الأمْرِ والنَّهْيِ بِهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الأشْياءِ الَّتِي تُنافِي النِّسْيانَ مِثْلَ الدِّراسَةِ وكَثْرَةِ التَّذَكُّرِ، وكُلُّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ.
(p-٦١٣٢)ومِنها: أنْ نَجْعَلَ الألِفَ مَزِيدَةً لِلْفاصِلَةِ، وهو أيْضًا خِلافُ الأصْلِ.
ومِنها: أنّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا كانَ مَعْنى الآيَةِ بِشارَةَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنِّي أجْعَلُكَ بِحَيْثُ لا تَنْساهُ. وإذا جَعَلْناهُ نَهْيًا كانَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِأنْ يُواظِبَ عَلى الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ النِّسْيانِ وهي الدِّراسَةُ والقِراءَةُ. وهَذا لَيْسَ في البِشارَةِ وتَعْظِيمِ حالِهِ مِثْلَ الأوَّلِ. ولِأنَّهُ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ البُرْهانُ الشّافِعِيُّ في كِتابِ (تَفْضِيلُ السَّلَفِ عَلى الخَلَفِ): إنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] وتَحْقِيقُ مَعْنى النَّسْخِ هُنا في غايَةِ الإشْكالِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ [طه: ١١٤] نَهْيٌ عَنِ العَجَلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ لَيْسَ بِأمْرٍ بِها لِيَكُونَ ناسِخًا لِلنَّهْيِ عَنْها، بَلْ هو خَبَرٌ عَنْ بَقاءِ الحِفْظِ بَعْدَ إقْرائِهِ.
وفَحْواهُ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى الخِطابِ الآخَرِ؛ لِأنَّ تَأْوِيلَهُ: إنّا نُحَفِّظُكَ تَحْفِيظًا لا تَخافُ مَعَهُ النِّسْيانَ؛ فَلا حاجَةَ لَكَ إلى أنْ تَعْجَلَ بِالقُرْآنِ وتُحَرِّكَ بِهِ لِسانَكَ. ولَكِنَّهم سَمَّوْهُ نَسْخًا، لُغَةً لا حَقِيقَةً، عَلى مَعْنى تَبَدُّلِ الحالِ عَنْهُ، فَإنَّهُ ظَهَرَ لَهُ الأمْنُ عَنِ النِّسْيانِ بَعْدَ خَوْفِهِ أنْ يَنْساهُ لِما كانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، أيْ: لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ، مِمّا تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ البَشَرِيَّةُ أحْيانًا.
قالَ الزَّجّاجُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسى فَإنَّهُ يَنْسى، ثُمَّ يَتَذَكَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ ولا يَنْسى نِسْيانًا كُلِّيًّا دائِمًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما بِالجِبِلَّةِ لا يَتَغَيَّرُ، وإلّا لَكانَ الإنْسانُ عالَمًا آخَرَ.
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««رَحِمَ اللَّهُ فُلانًا، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا آيَةً، كُنْتُ أسْقَطْتُهُنَّ» . ويُرْوى: «أُنْسِيتُهُنَّ»» .
(p-٦١٣٣)وقالَ ﷺ: ««إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي»» . رَواهُ الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مَجازِيٌّ بِمَعْنى القِلَّةِ المُرادِ بِها النَّفْيُ، وذَلِكَ أنَّ المُخْرَجَ في الِاسْتِثْناءِ أقَلُّ مِنَ الباقِي؛ ولِأنَّ: (ما شاءَ اللَّهُ)، في العُرْفِ يُسْتَعْمَلُ لِلْمَجْهُولِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا أمْرًا نادِرًا لا يُعْلَمُ؛ فَإذا دَلَّ مِثْلُهُ عَلى القِلَّةِ عُرْفًا، والقِلَّةُ قَدْ يُرادُ بِها النَّفْيُ في نَحْوِ: (قَلَّ مَن يَقُولُ كَذا مَجازًا)، أُرِيدَ بِالِاسْتِثْناءِ هُنا ذَلِكَ. وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: أوْ قالَ: (إلّا ما شاءَ اللَّهُ)، والغَرَضُ نَفْيُ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: (أنْتَ سَهْمِي فِيما أمْلِكُ إلّا فِيما شاءَ اللَّهُ)، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ، وهو مِنِ اسْتِعْمالِ القِلَّةِ في مَعْنى النَّفْيِ.
وقالَ الفَرّاءُ -فِيما نَقَلَهُ الرّازِيُّ- إنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يُنْسِيَ مُحَمَّدًا ﷺ شَيْئًا، إلّا المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ أنْ يَصِيرَ ناسِيًا لَقَدَرَ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ثُمَّ إنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى ما شاءَ ذَلِكَ. وبِالجُمْلَةِ فَفائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَرِّفُهُ قُدْرَةَ رَبِّهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ عَدَمَ النِّسْيانِ مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، لا مِن قُوَّتِهِ. انْتَهى.
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] أيْ: ما يَجْهَرُ بِهِ عِبادُهُ وما يُخْفُونَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ. وهو تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ مُبَيِّنٌ لِحِكْمَتِهِ، وهو سَبْقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحاجَةِ البَشَرِ إلى إقْرائِهِ الوَحْيَ وإخْراجِهِمْ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ هَذا المُقْرَأ المُوحى بِهِ لِلْعَمَلِ، لَيْسَ فِيهِ حَرَجٌ وعُسْرٌ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] أيْ: نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى، أيِ: الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ، الَّتِي هي أيْسَرُ (p-٦١٣٤)الشَّرائِعِ وأوْفَقُها بِحاجَةِ البَشَرِ مَدى الدَّهْرِ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ [الأعلى: ٩] أيْ: عِبادَ اللَّهِ عَظَمَتَهُ، وعِظْهم وحَذِّرْهم عُقُوبَتَهُ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] أيِ: المَوْعِظَةُ، و(إنَّ) إمّا بِمَعْنى (إذْ)، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أوْ بِمَعْنى (قَدْ)، عَلى ما قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وقِيلَ: (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، والمَعْنى ذَمُّ المُذَكَّرِينَ واسْتِبْعادُ تَأْثِيرِ الذِّكْرى فِيهِمْ، تَسْجِيلًا بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ لِلْواعِظِ: (عِظِ المَكّاسِينَ إنْ سَمِعُوا مِنكَ)، قاصِدًا بِهَذا الشَّرْطِ اسْتِبْعادَ ذَلِكَ، وأنَّهُ لَنْ يَكُونَ.
﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَقْبَلُ التَّذْكِرَةَ ويَنْتَفِعُ بِها ﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَخافُ العِقابَ عَلى الجُحُودِ والعِنادِ، بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ.
﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] أيِ: العُظْمى ألَمًا وعَذابًا.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] أيْ: لا يَهْلَكُ فَيَسْتَرِيحُ، ولا يَحْيى حَياةً تَنْفَعُهُ. قِيلَ: إنَّ العَرَبَ كانَتْ إذا وصَفَتِ الرَّجُلَ بِوُقُوعٍ في شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ قالُوا: (لا هو حَيٌّ ولا مَيِّتٌ)، فَجاءَ عَلى مَأْلُوفِهِمْ في كَلامِهِمْ. و"ثُمَّ" هُنا لِلتَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ، إشارَةً إلى أنَّ خُلُودَهُ أفْظَعُ مِن دُخُولِهِ النّارَ وصِلِيِّهِ.
87:14–19Page 591
قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ١٤
He has certainly succeeded who purifies himself
وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ١٥
And mentions the name of his Lord and prays.
بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ١٦
But you prefer the worldly life,
وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ١٧
While the Hereafter is better and more enduring.
إِنَّ هَٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ١٨
Indeed, this is in the former scriptures,
صُحُفِ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ ١٩
The scriptures of Abraham and Moses.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ - ١٩ ] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ أيْ: فازَ وظَفِرَ مَن تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وعَمِلَ (p-٦١٣٥)بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] أيْ: تَذَكَّرَ جَلالَ رَبِّهِ وعَظَمَتَهُ، فَخَشَعَ وأشْفَقَ وقامَ بِما لَهُ وعَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] وجُوِّزَ أنْ يُحْمَلَ "تَزَكّى" عَلى إيتاءِ الزَّكاةِ، و(صَلّى) عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ كَآيَةِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] لِما عُهِدَ في كَلامِهِ تَعالى مِنَ الجَمْعِ بَيْنَهُما في عِدَّةِ آياتٍ، لِأنَّهُما مَبْدَأُ كُلِّ خَيْرٍ وعُنْوانُ السَّعادَةِ. لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ، بِأنَّ المَعْهُودَ في التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ تَقْدِيمُ الصَّلاةِ. وأُجِيبَ بِفِعْلٍ مَأْخُوذٍ مِنها، "فَلا" كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ أشْمَلُ وأعَمُّ. وهو أكْثَرُ فائِدَةً.
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] قالَ أبُو السُّعُودِ: إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ إثْرَ بَيانِ ما يُؤَدِّي إلى الفَلاحِ: لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ تُؤْثِرُونَ اللَّذّاتِ العاجِلَةَ الفانِيَةَ فَتَسْعَوْنَ لِتَحْصِيلِها. والخِطابُ إمّا لِلْكَفَرَةِ، فالمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضا والِاطْمِئْنانُ بِها، والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها﴾ [يونس: ٧] الآيَةَ، أوْ لِلْكُلِّ، فالمُرادُ بِإيثارِها ما هو أهَمُّ مِمّا ذُكِرَ، وما لا يَخْلُو عَنْهُ الإنْسانُ غالِبًا مِن تَرْجِيحِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ في السَّعْيِ وتَرْتِيبِ المَبادِئِ. والِالتِفاتُ عَلى الأوَّلِ لِشَدِيدِ التَّوْبِيخِ، وعَلى الثّانِي كَذَلِكَ في حَقِّ الكَفَرَةِ، وتَشْدِيدِ العِتابِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ. وقُرِئَ: "يُؤْثِرُونَ" بِالياءِ.
﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] أيْ: أفْضَلُ، لِخُلُوصِها عَمّا يُكَدِّرُ. وأدْوَمُ لِعَدَمِ انْصِرامِ نَعِيمِها. والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ "تُؤْثِرُونَ" مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْبِيخِ والعِتابِ ﴿إنَّ هَذا﴾ [الأعلى: ١٨] أيْ: ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ أوْ ما في السُّورَةِ كُلِّها، ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] أيْ: ثابِتٌ فِيها مَعْناهُ.
﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] بَدَلٌ مِنَ "الصُّحُفِ الأُولى"، وفي إبْهامِها ووَصْفِها بِالقِدَمِ، ثُمَّ بَيانِها وتَفْسِيرِها، مِن تَفْخِيمِ شَأْنِها، ما لا يَخْفى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences