Al-QasimiAl‑Fajr · 89:1–20

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

الفجر

Al-Fajr

The Dawn · Meccan · 30 ayahs

89:1–5Page 593

وَٱلۡفَجۡرِ ١

By the dawn

وَلَيَالٍ عَشۡرٖ ٢

And [by] ten nights1

وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ ٣

And [by] the even [number] and the odd

وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ ٤

And [by] the night when it passes,

هَلۡ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٞ لِّذِي حِجۡرٍ ٥

Is there [not] in [all] that an oath [sufficient] for one of perception?1

(p-٦١٤٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الفَجْرِ

مَكِّيَّةٌ. وآيُها تِسْعَ عَشْرَةَ

رَوى النَّسائِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: «صَلّى مُعاذٌ صَلاةً. فَجاءَ رَجُلٌ فَصَلّى مَعَهُ، فَطَوَّلَ. فَصَلّى في ناحِيَةِ المَسْجِدِ ثُمَّ انْصَرَفَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعاذًا، فَقالَ: مُنافِقٌ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ الفَتى فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! حَيْثُ أُصَلِّي مَعَهُ يُطَوِّلُ عَلَيَّ. فانْصَرَفْتُ وصَلَّيْتُ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ فَعَلَفْتُ ناقَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أفَتّانًا يا مُعاذُ ؟ أيْنَ أنْتَ مِن (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى) (والشَّمْسِ وضُحاها) (والفَجْرِ) (واللَّيْلِ إذا يَغْشى)؟»

(p-٦١٤٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١ - ٥ ] ﴿والفَجْرِ﴾ ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥]

﴿والفَجْرِ﴾ أيِ: الصُّبْحِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] أقْسَمَ تَعالى بِآياتِهِ، لِما يَحْصُلُ بِهِ مِنِ انْقِضاءِ اللَّيْلِ وظُهُورِ الضَّوْءِ وانْتِشارِ النّاسِ وسائِرِ الحَيَواناتِ، لِطَلَبِ الأرْزاقِ؛ وذَلِكَ مُشاكِلٌ لِنُشُورِ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ. وفِيهِ عِبْرَةٌ لِمَن تَأمَّلَ.

﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢] هي -عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ - عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ؛ لِأنَّها أيّامُ الِاهْتِمامِ بِنُسُكِ الحَجِّ. وفي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««ما مِن أيّامٍ العَمَلُ الصّالِحُ أحَبُّ إلى اللَّهِ فِيهِنَّ مِن هَذِهِ الأيّامِ»» يَعْنِي عَشْرَ ذِي الحِجَّةِ.

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ: أنَّهُ قِيلَ: عُنِيَ بِها عَشْرُ المُحَرَّمِ. والرّازِيُّ قَوْلًا أنَّها العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، لِما فِيهِ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، ولِما صَحَّ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ««كانَ إذا دَخَلَ العَشْرُ الأخِيرُ (p-٦١٤٥)مِن رَمَضانَ شَدَّ مِئْزَرَهُ وأحْيى لَيْلَهُ وأيْقَظَ أهْلَهُ»» . وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ في العَشْرِ. وهو أنَّها اللَّيالِي الَّتِي يَحْلَكُ فِيها اللَّيْلُ ويَشْتَدُّ ظَلامُهُ ويَغْشى الأُفُقَ سَوادُهُ، وتِلْكَ خَمْسٌ مِن أوائِلِهِ وخَمْسٌ مِن أواخِرِهِ. وإنَّ لَفْظَةَ "عَشْرٍ" بِمَثابَةِ قَوْلِهِ في السُّوَرِ الآتِيَةِ ﴿إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] ﴿إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] مِمّا يُبَيِّنُ وجْهَ العِبْرَةِ ويُجَلِّيها أتَمَّ الجَلاءِ، ولا بُعْدَ في هَذا المَعْنى، بَلْ فِيهِ تَوافُقٌ لِبَقِيَّةِ الآياتِ. وبِالجُمْلَةِ فَأوْضَحُ المُخَصَّصاتِ ما عَضَّدَهُ دَلِيلٌ أوْ أيَّدَتْهُ قَرِينَةٌ أوْ حاكى نَظائِرَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] يَعْنِي الخَلْقَ والخالِقَ. فالشَّفْعُ بِمَعْنى جَمِيعِ الخَلْقِ، لِلِازْدِواجِ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] قالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ خَلْقِ اللَّهِ شَفْعٌ: السَّماءُ والأرْضُ، والبَرُّ والبَحْرُ، والجِنُّ والإنْسُ، والشَّمْسُ والقَمَرُ، والكُفْرُ والإيمانُ، والسَّعادَةُ والشَّقاوَةُ، والهُدى والضَّلالَةُ، واللَّيْلُ والنَّهارُ.

﴿والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] هو اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ مِن أسْمائِهِ وهو بِمَعْنى الواحِدُ الأحَدُ. فَأقْسَمَ اللَّهُ بِذاتِهِ وخَلْقِهِ. وقِيلَ: المَعْنى بِالشَّفْعِ والوَتْرِ، جَمِيعُ المَوْجُوداتِ مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي؛ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن شَفْعٍ ووَتْرٍ.

قالَ القاضِي: ومَن فَسَّرَهُما بِالبُرُوجِ والسَّيّاراتِ أوْ شَفْعِ الصَّلَواتِ ووَتْرِها أوْ بِيَوْمَيِ النَّحْرِ وعَرَفَةَ، فَلَعَلَّهُ أفْرَدَ بِالذِّكْرِ مِن أنْواعِ المَدْلُولِ ما رَآهُ أظْهَرَ دَلالَةً عَلى التَّوْحِيدِ، أوْ مَدْخَلًا في الدِّينِ، أوْ مُناسَبَةً لِما قَبْلَهُما.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والصَّوابُ مِنَ القَوْلِ في ذَلِكَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ أقْسَمَ بِالشَّفْعِ والوَتْرِ، ولَمْ يُخَصِّصْ نَوْعًا مِنَ الشَّفْعِ ولا مِنَ الوَتْرِ، دُونَ نَوْعٍ، بِخَبَرٍ ولا عَقْلٍ، وكُلُّ شَفْعٍ ووَتْرٍ، فَهو مِمّا أقْسَمَ بِهِ. مِمّا قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ أنَّهُ داخِلٌ في قَسَمِهِ هَذا، لِعُمُومِ قَسَمِهِ بِذَلِكَ.

وقَدْ قُرِئَ: "الوَتْرِ" بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ.

(p-٦١٤٦)﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] أيْ: إذا يَمْضِي، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِما في التَّعاقُبِ مِن قُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ووُفُورِ النِّعْمَةِ؛ فَفي اللَّيْلِ الرّاحَةُ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، وفي النَّهارِ المَكاسِبُ وغَيْرُها. وحَذْفُ الياءِ لِلتَّخْفِيفِ ولِتَتَوافَقَ رُؤُوسُ الآيِ. ومِنَ القُرّاءِ مَن حَذَفَها، أصْلًا ووَقْفًا. ومِنهم مَن خَصَّهُ بِأحَدِهِما، كَما فُصِّلَ في كُتُبِ الأداءِ.

﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: هَلْ فِيما أقْسَمْتُ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمُورِ مُقْنِعٌ لِذِي حِجْرٍ، وإنَّما عُنِيَ بِذَلِكَ: أنَّ في هَذا القَسَمِ مُكْتَفًى لِمَن عَقِلَ عَنْ رَبِّهِ، مِمّا هو أغْلَظُ مِنهُ في الإقْسامِ.

وقالَ الرّازِيُّ: المُرادُ مِن الِاسْتِفْهامِ التَّأْكِيدُ، كَمَن ذَكَرَ حُجَّةً باهِرَةً ثُمَّ قالَ: هَلْ فِيما ذَكَرْتُهُ حُجَّةٌ؟ والمَعْنى أنَّ مَن كانَ ذا لُبٍّ عَلِمَ أنَّ ما أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ فِيهِ عَجائِبُ ودَلائِلُ عَلى التَّوْحِيدِ والرُّبُوبِيَّةِ. فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يُقْسِمَ بِهِ لِدَلالَتِهِ عَلى خالِقِهِ، أيْ: عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] وإنَّما أُوثِرَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ هَضْمًا لِلْخَلْقِ، وإيذانًا بِظُهُورِ الأمْرِ. و(الحِجْرُ) العَقْلُ؛ لِأنَّهُ يَحْجُرُ صاحِبَهُ، أيْ: يَمْنَعُهُ مِنِ ارْتِكابِ ما لا يَنْبَغِي، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ وهُوَ: (لَيُعَذَّبَنَّ) كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:

89:6–8Page 593

أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦

Have you not considered how your Lord dealt with ʿAad -

إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ ٧

[With] Iram1 - who had lofty pillars,2

ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٨

The likes of whom had never been created in the land?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦ - ٨ ] ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ [الفجر: ٨]

﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ عِلْمًا يَقِينِيًّا كَيْفَ عَذَّبَ رَبُّكَ عادًا، (p-٦١٤٧)فَيُعَذِّبُ هَؤُلاءِ أيْضًا، لِاشْتِراكِهِمْ فِيما يُوجِبُهُ مِن جُحُودِ الحَقِّ والمَعاصِي. و(عادٌ): قَبِيلَةٌ مِنَ العَرَبِ البائِدَةِ، وتُلَقَّبُ بِإرَمَ أيْضًا، وهُمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولَهُ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكَهم بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إرَمَ﴾ [الفجر: ٧] عَطْفُ بَيانٍ لِعادٍ ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] أيْ: ذاتِ الخِيامِ المُعَمَّدَةِ، لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عُمُدٍ يَنْتَجِعُونَ الغُيُوثَ ويَنْتَقِلُونَ إلى الكَلَأِ حَيْثُ كانَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مَنازِلِهِمْ في الأحْقافِ في حَضْرَمَوْتَ. وقِيلَ: كُنِّيَ بِالعِمادِ عَنِ العُلُوِّ والشَّرَفِ والقُوَّةِ، إلّا أنَّهُ الأشْبَهُ -كَما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ - بِظاهِرِ التَّنْزِيلِ هو الأوَّلُ، وهو أنَّهم كانُوا عُمُدَ سَيّارَةٍ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ في كَلامِ العَرَبِ مِنَ العِمادِ، ما عُمِّدَ بِهِ الخِيامُ مِنَ الخَشَبِ والسَّوارِي الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْها البِناءُ. ثُمَّ قالَ: وتَأْوِيلُ القُرْآنِ إنَّما يُوَجَّهُ إلى الأغْلَبِ الأشْهَرِ مِن مَعانِيهِ، ما وُجِدَ إلى ذَلِكَ سَبِيلٌ، دُونَ الأنْكَرِ.

﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ [الفجر: ٨] أيْ: في العِظَمِ والبَطْشِ والأيْدِي.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانُوا أشَدَّ النّاسِ في زَمانِهِمْ خِلْقَةً وأقْواهم بَطْشًا؛ ولِهَذا ذَكَّرَهم هُودٌ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ وأرْشَدَهم إلى أنْ يَسْتَعْمِلُوها في طاعَةِ رَبِّهِمُ الَّذِي خَلَقَهم. فَقالَ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩] وقالَ تَعالى: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]

تَنْبِيهٌ:

قالَ الإمامُ الدَّرّاكَةُ ابْنُ خَلْدُونَ في (مُقَدِّمَةِ) تارِيخِهِ في سِياقِ الأخْبارِ الواهِيَةِ لِلْمُؤَرِّخِينَ ما مِثالُهُ: وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ وأعْرَقُ في الوَهْمِ ما يَتَناقَلُهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ (والفَجْرِ) في (p-٦١٤٨)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] فَيَجْعَلُونَ لَفْظَهُ "إرَمَ" اسْمًا لِمَدِينَةٍ وُصِفَتْ بِأنَّها ذاتُ عِمادٍ، أيْ: أساطِينُ، ويَنْقُلُونَ أنَّهُ كانَ لِعادِ بْنِ عُوِّصَ بْنِ إرَمَ ابْنانِ، هُما شَدِيدٌ وشَدّادٌ، مَلَكا مِن بَعْدِهِ، وهَلَكَ شَدِيدٌ فَخَلَصَ المُلْكُ لِشَدّادٍ، ودانَتْ لَهُ مُلُوكُهم وسَمِعَ وصْفَ الجَنَّةِ فَقالَ لَأبْنِيَنَّ مِثْلَها، فَبَنى مَدِينَةَ إرَمَ في صَحارى عَدَنَ في مُدَّةِ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَ عُمْرُهُ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ، وأنَّها مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ قُصُورُها مِنَ الذَّهَبِ وأساطِينُها مِنَ الزَّبَرْجَدِ والياقُوتِ، وفِيها أصْنافُ الشَّجَرِ والأنْهارِ المُطَّرِدَةِ، ولَمّا تَمَّ بِناؤُها سارَ إلَيْها بِأهْلِ مَمْلَكَتِهِ، حَتّى إذا كانَ مِنها عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً مِنَ السَّماءِ فَهَلَكُوا كُلُّهم. ذَكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ والثَّعالِبِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ. ويَنْقُلُونَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلابَةَ -مِنَ الصَّحابَةِ- أنَّهُ خَرَجَ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ فَوَقَعَ عَلَيْها وحَمَلَ مِنها ما قَدَرَ عَلَيْهِ، وبَلَغَ خَبَرُهُ إلى مُعاوِيَةَ فَأحْضَرَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ، فَبَحَثَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ وسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هي "إرَمَ ذاتِ العِمادِ" وسَيَدْخُلُها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في زَمانِكَ أحْمَرُ أشْقَرُ قَصِيرٌ عَلى حاجِبِهِ خالٌ وعَلى عُنُقِهِ خالٌ يَخْرُجُ في طَلَبِ إبِلٍ لَهُ، ثُمَّ التَفَتَ فَأبْصَرَ ابْنَ قِلابَةَ فَقالَ: هَذا واللَّهِ ذاكَ الرَّجُلُ.

قالَ ابْنُ خَلْدُونَ: وهَذِهِ المَدِينَةُ لَمْ يُسْمَعْ لَها خَبَرٌ مِن يَوْمِئِذٍ في شَيْءٍ مِن بِقاعِ الأرْضِ، وصَحارى عَدَنَ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها بُنِيَتْ فِيها هي في وسَطِ اليَمَنِ وما زالَ عُمْرانُهُ مُتَعاقِبًا والأدِلّاءُ تَقُصُّ طُرُقَهُ مِن كُلِّ وجْهٍ. ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ هَذِهِ المَدِينَةِ خَبَرٌ ولا ذَكَرَها أحَدٌ مِنَ الأخْبارِيِّينَ ولا مِنَ الأُمَمِ، ولَوْ قالُوا: إنَّها دَرَسَتْ فِيما دَرَسَ مِنَ الآثارِ لَكانَ أشْبَهَ، إلّا أنَّ ظاهِرَ كَلامِهِمْ أنَّها مَوْجُودَةٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّها دِمَشْقُ، بِناءً عَلى أنَّ قَوْمَ عادٍ مَلَكُوها. وقَدِ انْتَهى الهَذَيانُ بِبَعْضِهِمْ إلى أنَّها غائِبَةٌ، وإنَّما يَعْثُرُ عَلَيْها أهْلُ الرِّياضَةِ والسِّحْرِ. مَزاعِمُ كُلُّها أشْبَهُ بِالخُرافاتِ. والَّذِي حَمَلَ المُفَسِّرِينَ عَلى ذَلِكَ ما اقْتَضَتْهُ صِناعَةُ الإعْرابِ في لَفْظِهِ: "ذاتِ العِمادِ" أنَّها صِفَةُ "إرَمَ" وحَمَلُوا العِمادَ عَلى الأساطِينِ؛ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ بِناءً، ورَشَّحَ لَهم ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ: (عادِ إرَمَ) عَلى الإضافَةِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ. ثُمَّ وقَفُوا عَلى تِلْكَ الحِكاياتِ الَّتِي هي أشْبَهُ (p-٦١٤٩)بِالأقاصِيصِ المَوْضُوعَةِ الَّتِي هي أقْرَبُ إلى الكَذِبِ المَنقُولَةِ في عِدادِ المُضْحِكاتِ، وإلّا فالعِمادُ هي عِمادُ الأخْبِيَةِ بَلِ الخِيامِ. وإنْ أُرِيدَ بِها الأساطِينُ، فَلا بِدَعَ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم أهْلُ بِناءٍ وأساطِينَ عَلى العُمُومِ، بِما اشْتُهِرَ مِن قُوَّتِهِمْ، لا أنَّهُ بِناءٌ خاصٌّ في مَدِينَةٍ مُعَيَّنَةٍ أوْ غَيْرِها. وإنْ أُضِيفَتْ، كَما في قِراءَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَلى إضافَةِ الفَصِيلَةِ إلى القَبِيلَةِ، كَما تَقُولُ: قُرَيْشُ كِنانَةَ وإلْياسُ مُضَرَ، ورَبِيعَةُ نِزارٍ. وأيُّ ضَرُورَةٍ إلى هَذا المَحْمَلِ البَعِيدِ الَّذِي تَمَحَّلَتْ لِتَوْجِيهِهِ لِأمْثالِ هَذِهِ الحِكاياتِ الواهِيَةِ الَّتِي يُنَزَّهُ كِتابُ اللَّهِ عَنْ مِثْلِها لِبُعْدِها عَنِ الصِّحَّةِ؟ انْتَهى. وسَبَقَهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ حَيْثُ قالَ: ومَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ:

﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] مَدِينَةٌ إمّا دِمَشْقُ أوِ إسْكَنْدَرِيَّةُ، فَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإنَّهُ كَيْفَ يَلْتَئِمُ الكَلامُ عَلى هَذا إنَّ جُعِلَ "إرَمَ" بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ؟ فَإنَّهُ لا يَتَّسِقُ الكَلامُ حِينَئِذٍ. ثُمَّ المُرادُ إنَّما هو الإخْبارُ عَنْ إهْلاكِ القَبِيلَةِ المُسَمّاةِ بِعادٍ، وما أحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ مِن بَأْسِهِ الَّذِي لا يُرَدُّ، لا أنَّ المُرادَ الإخْبارُ عَنْ مَدِينَةٍ أوْ إقْلِيمٍ.

قالَ: وإنَّما نَبَّهْتُ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا يَغْتَرَّ بِكَثِيرٍ مِمّا ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ، مِن ذِكْرِ مَدِينَةٍ يُقالُ لَها: "إرَمَ ذاتِ العِمادِ" مَبْنِيَّةٌ بِلَبِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إلَخْ؛ فَإنَّ هَذا كُلَّهُ مِن خُرافاتِ الإسْرائِيلِيِّينَ، مِن وضْعِ بَعْضِ زَنادِقَتِهِمْ لِيَخْتَبِرُوا بِذَلِكَ عُقُولَ الجَهَلَةِ مِنَ النّاسِ إنْ صَدَّقَهم في جَمِيعِ ذَلِكَ. وحِكايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلابَةَ الأعْرابِيِّ لَيْسَ يَصِحُّ إسْنادُها، ولَوْ صَحَّ إلى ذَلِكَ الأعْرابِيِّ، فَقَدْ يَكُونُ اخْتَلَقَ ذَلِكَ، أوْ أنَّهُ أصابَهُ نَوْعٌ مِنَ الهَوَسِ والخَبالِ، فاعْتَقَدَ أنَّ ذَلِكَ لَهُ حَقِيقَةٌ في الخارِجِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وهَذا مِمّا يُقْطَعُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا يُخْبِرُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ والطّامِعِينَ والمُتَخَيِّلِينَ، ومِن وُجُودِ مَطالِبَ تَحْتَ الأرْضِ فِيها قَناطِيرُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وألْوانُ الجَواهِرِ واليَواقِيتِ واللَّآلِئِ والإكْسِيرِ الكَبِيرِ، لَكِنْ عَلَيْها مَوانِعُ تَمْنَعُ مِنَ الوُصُولِ إلَيْها والأخْذِ مِنها، فَيَحْتالُونَ عَلى أمْوالِ الأغْنِياءِ والضَّعْفَةِ والسُّفَهاءِ، فَيَأْكُلُونَها بِالباطِلِ في صَرْفِها في بَخاخِيرَ وعَقاقِيرَ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الهَذَياناتِ، ويَطْنِزُونَ بِهِمْ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الهادِي لِلصَّوابِ. انْتَهى.

(p-٦١٥٠)

89:9–14Page 593

وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ ٩

And [with] Thamūd, who carved out the rocks in the valley?

وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ ١٠

And [with] Pharaoh, owner of the stakes?1

ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١١

[All of] whom oppressed within the lands

فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ ١٢

And increased therein the corruption.

فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ ١٣

So your Lord poured upon them a scourge of punishment.

إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ ١٤

Indeed, your Lord is in observation.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩ - ١٤ ] ﴿وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ١٠] ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ [الفجر: ١٢] ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤]

﴿وثَمُودَ﴾ وهم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ أيْ: قَطَعُوا صَخْرَ الجِبالِ، واتَّخَذُوا فِيها بُيُوتًا. كَما في قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢] والباءُ ظَرْفِيَّةٌ. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ "جابُوا" أوْ هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ. وقُرِئَ بِالياءِ وبِإسْقاطِها، كَما في "يَسْرِ" والوادِي هو وادِي القُرى كانَتْ مَنازِلُهم فِيهِ، كَما قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ١٠] أيِ: الجُنُودِ الَّذِينَ يَشُدُّونَ لَهُ أمْرَهُ. أوْ هي أوْتادٌ يَشُدُّ بِها مَن يُعَذِّبُهُ. أوِ القُوى والعَدَدُ والعُدَدُ الَّتِي تَمَّ لَهُ بِها مُلْكُهُ، ورَسَخَ بَطْشُهُ وسُلْطانُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم لِمَن تَمَكَّنَ في أرْضٍ ما: ضَرَبَ بِها أوْتادًا.

﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ: عادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ، أيْ: تَجاوَزُوا ما وجَبَ عَلَيْهِمْ إلى ما حَظَرَ مِنَ الكُفْرِ بِالحَقِّ والعُتُوِّ والتَّمَرُّدِ والبَغْيِ في بِلادِهِمُ، اغْتِرارًا بِالقُوَّةِ وعِظَمِ السُّلْطانِ.

﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ [الفجر: ١٢] أيِ: الضَّرَرَ والإيذاءَ وهَضْمَ الحُقُوقِ.

﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] أيْ: أنْزَلَ بِهِمْ عَذابَهُ، وأحَلَّ بِهِمْ نِقْمَتَهُ، بِما طَغَوْا في البِلادِ وأفْسَدُوا فِيها. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى إهْلاكَهم مُفَصَّلًا (p-٦١٥١)فِي غَيْرِ ما سُورَةٍ وآيَةٍ. و(السَّوْطُ) إمّا مَصْدَرُ: (ساطَهُ)، أيْ: خَلَطَهُ كَما في قَوْلِ كَعْبٍ:

؎لَكِنَّها خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِن دَمِها فَجْعٌ ووَلْعٌ وإخْلافٌ وتَبْدِيلُ

أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ هُنا أيْ: أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ما خَلَطَ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ. قِيلَ: وبِما ذُكِرَ سُمِّيَتِ الآلَةُ المَعْرُوفَةُ، وهو الجِلْدُ المَضْفُورُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ، لِكَوْنِهِ مَخْلُوطَ الطّاقاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ. وإمّا أنْ يَكُونَ السَّوْطُ الآلَةَ المَعْرُوفَةَ، اسْتُعِيرَتْ لِعَذابٍ أدْوَنَ مِن غَيْرِهِ، وهو ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ حَيْثُ قالَ: وذُكِرَ السَّوْطُ إشارَةً إلى أنَّ ما أحَلَّهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ بِالقِياسِ إلى ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، كالسَّوْطِ إذا قِيسَ إلى سائِرِ ما يُعَذِّبُ بِهِ.

وقِيلَ: هو مِن قَبِيلِ: (لُجَيْنِ الماءِ)، أيْ: عَذابًا كالسَّوْطِ في شِدَّتِهِ، وهو ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الطَّبَرِيِّ، حَيْثُ زَعَمَ أنَّ السَّوْطَ مَثَلٌ لِشِدَّةِ العَذابِ.

قالَ الشِّهابُ: وأمّا اسْتِعارَةُ الصَّبِّ لِلْعَذابِ فَشائِعَةٌ، كالإذاقَةِ. يُقالُ: صَبَّ عَلَيْهِ السَّوْطَ، وقَنَّعَهُ بِهِ وغَشّاهُ. وهو تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِحُلُولِهِ أوْ تَتابُعِهِ عَلَيْهِ وتَكَرُّرِهِ.

﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَّ نَبَأ هَلاكِهِمْ، ولِضُرَبائِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ بِالحَقِّ والعاثِينَ بِالفَسادِ.

و(المِرْصادُ) اسْمُ مَكانٍ لِلَّذِي يَتَرَقَّبُ فِيهِ الرَّصَدُ -جَمْعُ راصِدٍ- أوْ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ. كَمِطْعامٍ ومِطْعانٍ. فالياءُ تَجْرِيدِيَّةٌ وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ كَوْنَهُ تَعالى حافِظًا لِأعْمالِ العِبادِ، مُتَرَقِّبًا لَها ومُجازِيًا عَلى نَقِيرِها وقِطْمِيرِها بِحَيْثُ لا يَنْجُو مِنهُ أحَدٌ بِحالِ مَن قَعَدَ عَلى الطَّرِيقِ مُتَرَصِّدًا لِمَن يَسْلُكُها، لِيَأْخُذَ فَيُوقِعَ بِهِ ما يُرِيدُ. ثُمَّ أطْلَقَ لَفْظَ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ.

(p-٦١٥٢)

89:15–16Page 593

فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ ١٥

And as for man, when his Lord tries him and [thus] is generous to him and favors him, he says, "My Lord has honored me."1

وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ ١٦

But when He tries him and restricts his provision, he says, "My Lord has humiliated me."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥- ١٦ ] ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ [الفجر: ١٦]

ثُمَّ أشارَ إلى غَفْلَةِ الإنْسانِ في حالَيْ غِناهُ وفَقْرِهِ، ونَعى عَلَيْهِ شَأْنَهُ فِيهِما، بِما يُقَرِّرُ ما تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِحْقاقِهِ صَبَّ العَذابِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ﴾ أيْ: بِالغِنى واليَسارِ ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ أيْ: فَضَّلَنِي، لِما لِي عِنْدَهُ مِنَ الكَرامَةِ.

﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] أيْ ضَيَّقَهُ عَلَيْهِ وقَتَّرَهُ، فَلَمْ يُكَثِّرْ مالَهُ ولَمْ يُوَسِّعْ عَلَيْهِ ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] أيْ: أذَلَّنِي بِالفَقْرِ؛ وذَلِكَ لِسُوءِ فِكْرِهِ وقُصُورِ نَظَرِهِ في الحالَيْنِ، فَإنَّهُ إنَّما ابْتَلاهُ بِالغِنى لِيَقُومَ بِواجِبِهِ ويَعْرِفَ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وبِالفَقْرِ لِيَظْهَرَ بِمَظْهَرِ العَفافِ ويَتَخَلَّقَ بِخُلُقِ الصَّبْرِ عَلى الكَفافِ. فَفي كُلِّ ابْتِلاءٍ وامْتِحانٍ لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ، ونَظِيرُ الآيَةِ، آيَةُ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] وآيَةُ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] وآيَةُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] ﴿إلا المُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ٢٢]

89:17–20Page 593

كـَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ ١٧

No!1 But you do not honor the orphan

وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ١٨

And you do not encourage one another to feed the poor.

وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا ١٩

And you consume inheritance, devouring [it] altogether,1

وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا ٢٠

And you love wealth with immense love.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٧ - ٢٠ ] ﴿كَلا بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ قَوْلَيْهِ في حالَيْهِ، أعْنِي اعْتِقادَ الإكْرامِ في الإعْطاءِ، والإهانَةِ في المَنعِ، (p-٦١٥٣)بَلْ لِطَلَبِ الشُّكْرِ، وهو صَرْفُ النِّعَمِ إلى ما خُلِقَتْ لَهُ، وإعْطاءُ المالِ لِذَوِيهِ، وأحَقُّهُمُ الأيْتامُ وهم لا يَفْعَلُونَهُ، كَما قالَ: ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ وهو مَن فَقَدَ كافِلَهُ ومُرَبِّيَهُ، فَإنَّ مِن آكَدِ الواجِباتِ القِيامَ عَلى تَأْدِيبِهِ وكَفالَتِهِ، صَوْنًا إذا أهْمَلَ مِن فَسادِ طَبِيعَتِهِ وعَيْثِهِ بِالضَّرَرِ في أهْلِ جِبِلَّتِهِ. ومِثْلُهُ التَّحاضُّ عَلى مُواساةِ البُؤَساءِ، وهَؤُلاءِ المَنعِيُّ عَلَيْهِمْ ضَلالُهم في غَفْلَةٍ عَنْهُ، كَما قالَ:

﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] أيْ: لا يَحُضُّ بَعْضُكم بَعْضًا عَلَيْهِ ولا يَتَواصى بِهِ.

قالَ الإمامُ: وإنَّما ذَكَرَ التَّحاضَّ عَلى الطَّعامِ، ولَمْ يَكْتَفِ بِالإطْعامِ فَيَقُولُ: (لَمْ تُطْعِمُوا المِسْكِينَ)؛ لِيُصَرِّحَ لَكَ بِالبَيانِ الجَلِيِّ أنَّ أفْرادَ الأُمَّةِ مُتَكافِلُونَ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِبَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ عَطْفٌ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، مَعَ التِزامِ كُلٍّ لِما يَأْمُرْ بِهِ، وابْتِعادِهِ عَمّا يَنْهى عَنْهُ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ القاشانِيُّ: في دَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَأمّا الإنْسانُ﴾ [الفجر: ١٥] أيِ: الإنْسانُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مَقامِ الشُّكْرِ أوِ الصَّبْرِ بِحُكْمِ الإيمانِ، لِحَدِيثِ: ««الإيمانُ نِصْفانِ نِصْفٌ: صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ»» لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إمّا يَبْتَلِيهِ بِالنِّعَمِ والرَّخاءِ، فَعَلَيْهِ أنْ يَشْكُرَهُ بِاسْتِعْمالِ نِعْمَتِهِ فِيما يَنْبَغِي مِن إكْرامِ اليَتِيمِ وإطْعامِ المِسْكِينِ وسائِرِ مُراضِيهِ. ولا يَكْفُرُ نِعْمَتَهُ بِالبَطَرِ والِافْتِخارِ فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أكْرَمَنِي لِاسْتِحْقاقِي وكَرامَتِي عِنْدَهُ، ويُتْرِفُهُ في الأكْلِ ويَحْتَجِبُ بِمَحَبَّةِ المالِ وبِمَنعِ المُسْتَحِقِّينَ، أوْ بِالفَقْرِ وضِيقِ الرِّزْقِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَصْبِرَ ولا يَجْزَعَ ولا يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ أهانَنِي، فَرُبَّما كانَ ذَلِكَ إكْرامًا لَهُ بِأنْ لا يَشْغَلَهُ بِالنِّعْمَةِ عَنِ المُنْعِمِ، ويَجْعَلُ ذَلِكَ وسِيلَةً لَهُ في التَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ والسُّلُوكِ في طَرِيقِهِ لِعَدَمِ التَّعَلُّقِ، كَما أنَّ الأوَّلَ رُبَّما كانَ اسْتِدْراجًا مِنهُ. انْتَهى.

﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: تَأْكُلُونَ المِيراثَ أكْلًا شَدِيدًا، لا تَتْرُكُونَ مِنهُ شَيْئًا. مِن قَوْلِهِمْ: لَمَمْتُ ما عَلى الخُوانِ أجْمَعَ فَأنا ألُمُّهُ لَمًّا)، إذا: أكَلْتَ ما عَلَيْهِ فَأتَيْتَ عَلى جَمِيعِهِ.

(p-٦١٥٤)قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ، وقَرَأ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ [النساء: ١٢٧] أيْ: لا تُورِثُوهُنَّ أيْضًا. وقالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: اللَّمُّ: الِاعْتِداءُ في المِيراثِ، يَأْكُلُ مِيراثَهُ وغَيْرَهُ.

﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] أيْ: جَمْعَهُ وكَنْزَهُ، حُبًّا كَثِيرًا شَدِيدًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском