Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:101–103
9:101Page 203
وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ ١٠١
And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madīnah. They have persisted in hypocrisy. You, [O Muḥammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠١ ] ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهم سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ .
﴿ومِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ يَعْنِي حَوْلَ بَلْدَتِكم، وهي المَدِينَةُ ﴿مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾
أيْ: مَرَنُوا ومَهَرُوا فِيهِ وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ دَلِيلٌ لِمَرانَتِهِمْ عَلَيْهِ، ومَهارَتِهِمْ فِيهِ، أيْ: يُخْفُونَ عَلَيْكَ، مَعَ عُلُوِّ كَعْبِكَ في الفِطْنَةِ وصِدْقِ الفِراسَةِ، لِفَرْطِ تَأنُّقِهِمْ وتَصَنُّعِهِمْ في مُراعاةِ التَّقِيَّةِ، والتِحامِي عَنْ مَواقِعِ التُّهَمِ.
قالَ في (" الِانْتِصافِ ") وكَأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ تَوْطِئَةٌ لِتَقْرِيرِ خَفاءِ حالِهِمْ عَنْهُ ﷺ، لِما لَهم مِنَ الخِبْرَةِ في النِّفاقِ والضَّراوَةِ بِهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن مَهارَتِهِمْ في النِّفاقِ، أيْ: لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ، ولا يَطَّلِعُ عَلى سِرِّهِمْ غَيْرُهُ، لِما هم عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِإبْطانِ الكُفْرِ، وإظْهارِ الإخْلاصِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ لِلْمُفَسِّرِينَ في المَرَّتَيْنِ (p-٣٢٤٥)وُجُوهٌ: إظْهارُ نِفاقِهِمْ وإحْراقُ مَسْجِدِ الضِّرارِ، أوِ الفَضِيحَةُ وعَذابُ القَبْرِ، أوْ أخْذُ الزَّكاةِ لِما أنَّهم يُعِدُّونَها مَغْرَمًا بَحْتًا، ونَهْكَ الأبْدانِ، وإتْعابَها بِالطّاعاتِ الفارِغَةِ عَنِ الثَّوابِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: هو - فِيما بَلَغَنِي عَنْهم - ما هم مِن أمْرِ الإسْلامِ، وما يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِن غَيْظِ ذَلِكَ عَلى غَيْرِ حِسْبَةٍ، ثُمَّ عَذابُهم في القُبُورِ إذا صارُوا إلَيْها، ثُمَّ العَذابُ العَظِيمُ الَّذِي يُرَدُّونَ إلَيْهِ، عَذابُ الآخِرَةِ، ويَخْلُدُونَ فِيهِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: ولَعَلَّ تَكْرِيرَ عَذابِهِمْ لِما فِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ المَشْفُوعِ بِالنِّفاقِ، أوِ النِّفاقُ المُؤَكَّدُ بِالتَّمَرُّدِ فِيهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمَرَّتَيْنِ مُجَرَّدَ التَّكْثِيرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (فارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ) أيْ: كَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ﴾ [التوبة: ١٢٦]
تَنْبِيهٌ:
لا يُنافِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهم ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] لِأنَّ هَذا مِن بابِ التَّوَسُّمِ فِيهِمْ بِصِفاتٍ يُعْرَفُونَ بِها، لا أنَّهُ يَعْرِفُ جَمِيعَ مَن عِنْدَهُ مِن أهْلِ النِّفاقِ والرَّيْبِ عَلى التَّعْيِينِ، وقَدْ كانَ يَعْلَمُ أنَّ في بَعْضِ مَن يُخالِطُهُ مِن أهْلِ المَدِينَةِ نِفاقًا، وإنْ كانَ يَراهُ صَباحًا ومَساءً، وشاهِدُ هَذا بِالصِّحَّةِ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ لَيْسَ لَنا أجْرٌ بِمَكَّةَ، فَقالَ: «لَتَأْتِيَنَّكم أُجُورُكم، ولَوْ كُنْتُمْ (p-٣٢٤٦)فِي جُحْرِ ثَعْلَبٍ» .
وأصْغى إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِهِ فَقالَ: «إنَّ في أصْحابِي مُنافِقِينَ، أيْ: يَرْجُفُونَ ويَتَكَلَّمُونَ بِما لا صِحَّةَ لَهُ»» .
ورَوى ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، «أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ حَرْمَلَةُ أتى النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ: الإيمانُ هاهُنا، وأشارَ بِيَدِهِ إلى لِسانِهِ والنِّفاقُ هاهُنا، وأشارَ بِيَدِهِ إلى قَلْبِهِ، ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ لِسانًا ذاكِرًا، وقَلْبًا شاكِرًا، ارْزُقْهُ حُبِّي وحُبَّ مَن يُحِبُّنِي، وصَيِّرْ أمْرَهُ إلى خَيْرٍ» . فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّهُ كانَ لِي أصْحابٌ مَنِ المُنافِقِينَ، وكُنْتُ رَأْسًا فِيهِمْ، أفَلا آتِيكَ بِهِمْ ؟ قالَ: «مَن أتانا اسْتَغْفِرْنا لَهُ، ومَن أصَرَّ عَلى دِينِهِ، فاللَّهُ أوْلى بِهِ، ولا تَخْرِقَنَّ عَلى أحَدٍ سِتْرًا»» - ورَواهُ الحاكِمُ أيْضًا - .
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: ما بالُ أقْوامٍ يَتَكَلَّفُونَ عِلْمَ النّاسِ، فُلانٌ في الجَنَّةِ وفُلانٌ في النّارِ، فَإذا سَألْتَ أحَدَهم عَنْ نَفْسِهِ قالَ: لا أدْرِي ! لَعَمْرِي أنْتَ بِنَصِيبِكَ أعْلَمُ مِنكَ بِأحْوالِ النّاسِ، ولَقَدْ تَكَلَّفْتَ شَيْئًا ما تَكَلَّفَهُ الأنْبِياءُ قَبْلَكَ ! قالَ نَبِيُّ اللَّهِ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١٢] وقالَ نَبِيُّ اللَّهِ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ [هود: ٨٦] وقالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾
لَطِيفَةٌ:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ عُطِفَ عَلى: (مِمَّنْ حَوْلَكم) عَطْفُ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، مَسُوقَةٌ لِبَيانِ عُلُوِّهِمْ في النِّفاقِ إثْرَ بَيانِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، وإمّا صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ المَذْكُورِ فُصِلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ بِهِ عُطِفَ عَلى خَبَرِهِ، وإمّا صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أُقِيمَتْ هي مَقامَهُ، وهو مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ (مِن أهْلِ المَدِينَةِ) والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، أيْ: ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - .
(p-٣٢٤٧)ولَمّا بَيَّنَ تَعالى حالَ المُنافِقِينَ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الغُزاةِ، رَغْبَةً عَنْها وتَكْذِيبًا وشَكًّا، بَيَّنَ حالَ المُذْنِبِينَ الَّذِينَ تَأخَّرُوا عَنِ الجِهادِ كَسَلًا ومَيْلًا إلى الرّاحَةِ، مَعَ إيمانِهِمْ وتَصْدِيقِهِمْ بِالحَقِّ، فَقالَ عَزَّ شَأْنُهُ:
9:102Page 203
وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٠٢
And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed [i.e., polluted] a righteous deed with another that was bad.1 Perhaps Allāh will turn to them in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٢ ] ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: أقَرُّوا بِها، وهي تَخَلُّفُهم عَنِ الغَزْوِ، وإيثارُ الدَّعَةِ عَلَيْهِ، والرِّضا بِسُوءِ جِوارِ المُنافِقِينَ، أيْ: لَمْ يَعْتَذِرُوا مِن تَخَلُّفِهِمْ بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ كَغَيْرِهِمْ ﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا﴾ كالنَّدَمِ وما سَبَقَ مِن طاعَتِهِمْ ﴿وآخَرَ سَيِّئًا﴾ كالتَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: يَقْبَلَ تَوْبَتَهم ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَتَجاوَزُ عَنِ التّائِبِ ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «غَزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَتَخَلَّفَ أبُو لُبابَةَ وخَمْسَةٌ مَعَهُ، ثُمَّ إنَّ أبا لُبابَةَ ورَجُلَيْنِ مَعَهُ تَفَكَّرُوا ونَدِمُوا وأيْقَنُوا بِالهَلاكِ وقالُوا: نَحْنُ في الظِّلالِ والطُّمَأْنِينَةِ مَعَ النِّساءِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ في الجِهادِ ! واللَّهِ لَنُوثِقَنَّ أنْفُسَنا بِالسَّوارِي، فَلا نُطْلِقُها حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، هو الَّذِي يُطْلِقُها، فَفَعَلُوا وبَقِيَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَزْوَتِهِ فَقالَ: «مَن هَؤُلاءِ المُوَثَّقُونَ بِالسَّوارِي» ؟ فَقالَ رَجُلٌ: هَذا أبُو لُبابَةَ وأصْحابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا، فَعاهَدُوا اللَّهَ ألّا يُطْلِقُوا أنْفُسَهم حَتّى تَكُونَ أنْتَ الَّذِي تُطْلِقُهم. فَقالَ: «لا أُطْلِقُهم، حَتّى أُومَرَ بِإطْلاقِهِمْ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ فَلَمّا نَزَلَتْ أطْلَقَهم وعَذَرَهم، (p-٣٢٤٨)وبَقِيَ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم، لَمْ يُذْكَرُوا بِشَيْءٍ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] الآيَةَ، فَجَعَلَ أُناسٌ يَقُولُونَ: هَلَكُوا، إذْ لَمْ يَنْزِلْ عُذْرُهم، وآخَرُونَ يَقُولُونَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]»
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ، وزادَ: «فَجاءَ أبُو لُبابَةَ وأصْحابُهُ بِأمْوالِهِمْ حِينَ أُطْلِقُوا، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ! هَذِهِ أمْوالُنا، فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا، واسْتَغْفِرْ لَنا فَقالَ: «ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا»، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] الآيَةَ».
وأُخْرِجَ هَذا القَدْرُ وحْدَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وغَيْرِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ في سَبْعَةٍ: أرْبَعَةٍ مِنهم رَبَطُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، وهم أبُو لُبابَةَ ومِرْداسٌ، وأوْسُ بْنُ خُذامٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ ودِيعَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَندَهْ في (" الصَّحابَةِ ") مِن طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي سُفْيانَ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في تَبُوكَ سِتَّةٌ: أبُو لُبابَةَ، وأوْسُ بْنُ خِذامٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ ودِيعَةَ، ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ.
فَجاءَ أبُو لُبابَةَ وأوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، فَرَبَطُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، وجاءُوا بِأمْوالِهِمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ! خُذْ هَذا الَّذِي حَبَسَنا عَنْكَ، فَقالَ: لا أحُلُّهم حَتّى يَكُونَ قِتالٌ، فَنَزَلَ القُرْآنُ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآيَةَ»، إسْنادُهُ قَوِيٌّ، كَذا في (" اللُّبابِ ") .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ، وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في أُناسٍ مُعَيَّنِينَ، إلّا أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ المُذْنِبِينَ الخاطِئِينَ المُخْلِصِينَ.
وقَدْ قالَ مُجاهِدٌ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ لَمّا قالَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ إنَّهُ الذَّبْحُ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى حَلْقِهِ، ثُمَّ نَقَلَ ما تَقَدَّمَ.
(p-٣٢٤٩)الثّانِي: رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَنا: ««أتانِي اللَّيْلَةَ آتِيانِ، فابْتَعَثانِي، فانْتَهَيا إلى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ، ولَبِنِ فِضَّةٍ، فَتَلَقّانا رَجُلٌ، شَطْرٌ مِن خَلْفِهِمْ كَأحْسَنِ ما أنْتَ راءٍ، وشَطْرٌ كَأقْبَحِ ما أنْتَ راءٍ قالا لَهُمُ: اذْهَبُوا فَقَعُوا في ذَلِكَ النَّهْرِ، فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْنا، قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهم، فَصارُوا في أحْسَنِ صُورَةٍ، قالا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وهَذا مَنزِلُكَ. قالا: أمّا القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا شَطْرٌ مِنهم حَسَنٌ وشَطْرٌ مِنهم قَبِيحٌ، فَإنَّهم خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، وتَجاوَزَ اللَّهُ عَنْهم»» .
الثّالِثُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: قَدْ جُعِلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَخْلُوطًا، فَما المَخْلُوطُ بِهِ ؟ قُلْتُ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ، لِأنَّ المَعْنى خُلِطَ كُلُّ وِاحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ، كَقَوْلِكَ: خَلَطْتُ الماءَ واللَّبَنَ، تُرِيدُ خَلَطْتُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِصاحِبِهِ، فِيهِ ما لَيْسَ في قَوْلِكَ: خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ، لِأنَّكَ جَعَلْتَ الماءَ مَخْلُوطًا، واللَّبَنَ مَخْلُوطًا بِهِ ؟ وإذا قُلْتَهُ بِالواوِ جَعَلْتَ الماءَ واللَّبَنَ مَخْلُوطَيْنِ ومَخْلُوطًا بِهِما، كَأنَّكَ قُلْتَ: خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ واللَّبَنَ بِالماءِ.
وناقَشَهُ النّاصِرُ في (" الِانْتِصافِ ") فَقالَ: التَّحْقِيقُ في هَذا أنَّكَ إذا قُلْتَ: (خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ)، فالمُصَرَّحُ بِهِ في هَذا الكَلامِ أنَّ الماءَ مَخْلُوطٌ، واللَّبَنَ مَخْلُوطٌ بِهِ، والمُدَوَّلُ عَلَيْهِ لُزُومًا لا تَصْرِيحًا كَوْنُ الماءِ مَخْلُوطًا بِهِ، واللَّبَنُ مَخْلُوطًا.
وإذا قُلْتَ: خَلَطْتُ الماءَ واللَّبَنَ، فالمُصَرَّحُ بِهِ جَعْلُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَخْلُوطًا، وأمّا ما خُلِطَ بِهِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، فَغَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ، بَلْ مِنَ اللّازِمِ أنِّ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لَهُ مَخْلُوطٌ بِهِ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَرِينَهُ أوْ غَيْرَهُ.
فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: (p-٣٢٥٠)إنَّ قَوْلَكَ: - (خَلَطْتُ الماءَ واللَّبَنَ)، يُفِيدُ ما يُفِيدُ مَعَ الباءِ، وزِيادَةً - لَيْسَ كَذَلِكَ.
فالظّاهِرُ في الآيَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ العُدُولَ عَنِ الباءِ إنَّما كانَ لِتَضْمِينِ الخَلْطِ مَعْنى العَمَلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَمِلُوا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، ثُمَّ انْضافَ إلى العَمَلِ مَعْنى الخَلْطِ، فَعَبَّرَ عَنْهُما مَعًا بِهِ. انْتَهى.
قالَ النِّحْرِيرُ: يُرِيدُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ (الواوَ) كالصَّرِيحِ في خَلْطِ كُلٍّ بِالآخَرِ، بِمَنزِلَةِ ما إذا قُلْتَ: (خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ)، و(خَلَطْتُ اللَّبَنَ بِالماءِ)، بِخِلافِ الباءِ، فَإنَّ مَدْلُولَها لَفْظًا إلّا خَلْطَ الماءِ مَثَلًا بِاللَّبَنِ، وأمّا خَلْطُ اللَّبَنِ بِالماءِ، فَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَثْبُتْ إلّا بِطَرِيقِ الِالتِزامِ ودَلالَةِ العَقْلِ. انْتَهى.
وهُوَ مُتَّجِهٌ ولا حاجَةَ لِلتَّضْمِينِ المَذْكُورِ.
ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: (بِعْتُ الشّاءَ شاةَ ودِرْهَمًا)، بِمَعْنى شاةَ بِدِرْهَمٍ، أيْ: فَ (الواوُ) بِمَعْنى الباءِ، ونَقَلَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ.
وقالُوا: إنَّهُ اسْتِعارَةٌ، لِأنَّ (الباءَ) لِلْإلْصاقِ، و(الواوَ) لِلْجَمْعِ، وهُما مِن وادٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ الحاجِبِ في قَوْلِهِمُ المَذْكُورِ: أصْلُهُ شاةٌ بِدِرْهَمٍ، أيْ: كُلُّ شاةٍ بِدِرْهَمٍ، وهو بَدَلٌ مِنَ الشّاةِ، أيْ: مَعَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ كَثُرَ فَأبْدَلُوا مِن (باءِ المُصاحَبَةِ) (واوًا)، فَوَجَبَ نَصْبُهُ وإعْرابُهُ بِإعْرابِ ما قَبْلَهُ، كَقَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ.
قالَ الشِّهابُ: وهو تَكَلُّفٌ، ولِذا قالُوا: إنَّهُ تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا إعْرابٍ. انْتَهى.
قالَ الواحِدِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ: خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ، وخَلَطْتُ الماءَ واللَّبَنَ، كَما تَقُولُ: جَمَعْتُ زَيْدًا وعَمْرًا. و(الواوُ) في الآيَةِ أحْسَنُ مِنَ (الباءِ)، لِأنَّهُ أُرِيدَ مَعْنى الجَمْعِ، لا حَقِيقَةَ الخَلْطِ، ألا تَرى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ لا يَخْتَلِطُ بِالسَّيِّئِ، كَما يَخْتَلِطُ الماءُ بِاللَّبَنِ، لَكِنْ قَدْ يُجْمَعُ بَيْنَهُما. انْتَهى.
وفِي الآيَةِ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى (الِاحْتِباكَ)، هو مَشْهُورٌ، لِأنَّ المَعْنى: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا بِسَيِّئٍ وآخَرَ سَيِّئًا بِصالِحٍ.
(p-٣٢٥١)الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: هَهُنا سُؤالٌ، وهو أنَّ كَلِمَةَ (عَسى) شَكٌّ، هو في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كَلِمَةُ عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ [المائدة: ٥٢] وفُعِلَ ذَلِكَ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ عَلى عُرْفِ النّاسِ في الكَلامِ، والسُّلْطانُ العَظِيمُ إذا التَمَسَ المُحْتاجُ مِنهُ شَيْئًا، فَإنَّهُ لا يُجِيبُ إلَيْهِ إلّا عَلى سَبِيلِ التَّرَجِّي مَعَ كَلِمَةِ (عَسى)، أوْ (لَعَلَّ) تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُلْزِمَنِي شَيْئًا، وأنْ يُكَلِّفَنِي بِشَيْءٍ، بَلْ كُلُّ ما أفْعَلُهُ فَإنَّما أفْعَلُهُ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ والتَّطَوُّلِ، فَذِكْرُ كَلِمَةِ عَسى، الفائِدَةُ فِيهِ هَذا المَعْنى، مَعَ أنَّهُ يُفِيدُ القَطْعَ بِالإجابَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُكَلَّفُ عَلى الطَّمَعِ والإشْفاقِ، لِأنَّهُ أبْعَدُ مِنَ الِاتِّكالِ والإهْمالِ.
الخامِسُ: قالَ القاشانِيُّ: الِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ هو إبْقاءُ نُورِ الِاسْتِعْدادِ، ولِينُ الشَّكِيمَةِ، وعَدَمُ رُسُوخِ مَلَكَةِ الذَّنْبِ فِيهِ، لِأنَّهُ مَلَكَ الرُّجُوعَ والتَّوْبَةَ، ودَلِيلُ رُؤْيَةِ قُبْحِ الذَّنْبِ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا بِنُورِ البَصِيرَةِ، وانْفِتاحِ عَيْنِ القَلْبِ، إذْ لَوِ ارْتَكَمَتِ الظُّلْمَةُ ورَسَخَتِ الرَّذِيلَةُ، ما اسْتَقْبَحَهُ، ولَمْ يَرَهُ ذَنْبًا، بَلْ رَآهُ فِعْلًا حَسَنًا، لِمُناسَبَتِهِ لِحالِهِ، فَإذا عُرِفَ أنَّهُ ذَنْبٌ فَفِيهِ خَيْرٌ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى رَسُولَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أنْ يَأْخُذَ مِن أمْوالِهِمُ الَّتِي تَقَدَّمُوا إلَيْهِ، أنْ يَتَصَدَّقَ بِها عَنْهم كَفّارَةً لِذُنُوبِهِمْ، كَما تَقَدَّمَ في الرِّواياتِ قَبْلُ، بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ:
9:103Page 203
خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٠٣
Take, [O Muḥammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allāh's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allāh is Hearing and Knowing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٣ ] ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ﴾ أيْ: بَعْضَها ﴿صَدَقَةً﴾
قالَ المَهايِمِيُّ: لِتَصْدُقَ تَوْبَتُهم إذْ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ (p-٣٢٥٢)أيْ: عَمّا تَلَطَّخُوا بِهِ مِن أوَضارِ التَّخَلُّفِ. وعَنْ حُبِّ المالِ الَّذِي كانَ التَّخَلُّفُ بِسَبَبِهِ ﴿وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ أيْ: عَنْ سائِرِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ الَّتِي حَصَلَتْ عَنِ المالِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّزْكِيَةُ مُبالَغَةٌ في التَّطْهِيرِ وزِيادَةٌ فِيهِ، أوْ بِمَعْنى الإنْماءِ والبَرَكَةِ في المالِ ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: واعْطِفْ عَلَيْهِمْ بِالدُّعاءِ لَهم وتَرَحَّمْ ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أيْ: تُسَكِّنُ نُفُوسَهم إلَيْها، وتُطَمْئِنُ قُلُوبَهم بِها، ويَثِقُونَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَبِلَ تَوْبَتَهم.
وقالَ قَتادَةُ: سَكَنٌ، أيْ: وقارٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَحْمَةٌ لَهم. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ حُذَيْفَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا دَعا لِلرَّجُلِ، أصابَتْهُ وأصابَتْ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ» . وفي رِوايَةٍ: «إنَّ صَلاةَ النَّبِيِّ ﷺ لَتُدْرِكُ الرَّجُلَ ووَلَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ».
والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِمْ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ أيْ: يَسْمَعُ اعْتِرافَهم بِذُنُوبِهِمْ ودُعاءَهم ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِما في ضَمائِرِهِمْ مِنَ النَّدَمِ والغَمِّ، لِما فَرَطَ مِنهم.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ قُرِئَ مَجْزُومًا عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلْأمْرِ، وأمّا بِالرَّفْعِ فَعَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ في ﴿خُذْ﴾ أوْ صِفَةٌ لِ (صَدَقَةٍ)، والتّاءُ لِلْخِطابِ أوْ لِلصَّدَقَةِ.
والعائِدُ عَلى الأوَّلِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِما بَعْدَهُ، أيْ: بِها.
وقُرِئَ تُطْهِرُهم، مِن أطْهَرَهُ بِمَعْنى طَهَّرَهُ، ولَمْ يُقْرَأْ: وتُزَكِّيهِمْ، إلّا بِإثْباتِ الياءِ وهو خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الأمْرِ أوْ في جَوابِهِ، أيْ: وأنْتَ تُزَكِّيهِمْ بِها، هَذا عَلى قِراءَةِ "تُطَهِّرْهُمْ" بِالجَزْمِ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَـ (تُزَكِّيهِمْ) عَطْفٌ عَلى (تُطَهِّرُهم) حالًا أوْ صِفَةً.
الثّانِي: قُرِئَ ﴿صَلاتَكَ﴾ بِالتَّوْحِيدِ، و(صَلَواتَكَ) بِالجَمْعِ، مُراعاةً لِتَعَدُّدِ المَدْعُوِّ لَهم.
وقالَ الشِّهابُ: جَمَعَ (صَلاةً)، لِأنَّها اسْمُ جِنْسٍ، والتَّوْحِيدُ لِذَلِكَ، أوْ لِأنَّها مَصْدَرٌ في الأصْلِ.
(p-٣٢٥٣)الثّالِثُ: قالَ الشِّهابُ: السَّكَنُ السُّكُونُ، وما يُسْكَنُ إلَيْهِ مِنَ الأهْلِ والوَطَنِ، فَإنْ كانَ المُرادُ الأوَّلَ، فَجَعْلُها نَفْسَ السَّكَنِ والِاطْمِئْنانِ مُبالَغَةٌ، وهو الظّاهِرُ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو مَجازٌ بِتَشْبِيهِ دُعائِهِ، في الِالتِجاءِ إلَيْهِ بِالسَّكَنِ، انْتَهى.
قالَ أبُو البَقاءِ: سَكَنٌ بِمَعْنى مَسْكُونٍ إلَيْها، فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤَنِّثْهُ، وهو مِثْلُ القَبْضِ بِمَعْنى المَقْبُوضِ.
الرّابِعُ: قِيلَ: المَأْمُورُ بِهِ في الآيَةِ الزَّكاةُ. و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وكانُوا أرادُوا التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ مالِهِمْ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَأْخُذَ بَعْضَها لِتَوْبَتِهِمْ، لِأنَّ الزَّكاةَ لَمْ تُقْبَلْ مِن بَعْضِ المُنافِقِينَ، فَتَرْتَبِطُ الآيَةُ بِما قَبْلَها.
وقِيلَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةَ المَفْرُوضَةَ، بَلْ هم لَمّا تابُوا، بَذَلُوا جَمِيعَ مالِهِمْ كَفّارَةً لِلذَّنْبِ الصّادِرِ مِنهم، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأخْذِ بَعْضِها وهو الثُّلُثُ، وهَذا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وهو المُخْتارُ عِنْدَهم. ونَقَلَ الرّازِيُّ أنَّ أكْثَرَ الفُقَهاءِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ قُصِدَ بِهِ إيجابُ أخْذِ الزَّكَواتِ مِنَ الأغْنِياءِ، إذْ هي حُجَّتُهم في إيجابِ الزَّكاةِ، ثُمَّ نُظِرَ فِيهِ بِأنَّ حَمْلَها عَلى ما ذَكَرُوهُ يُوجِبُ ألّا تَنْتَظِمَ الآيَةُ مَعَ سابِقِها ولاحِقِها.
وأقُولُ: لا رَيْبَ في ارْتِباطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، كَما أفْصَحَتْ عَنْهُ الرِّوايَةُ السّابِقَةُ. وخُصُوصُ سَبَبِها لا يَمْنَعُ عُمُومَ لَفْظِها، كَما هو القاعِدَةُ في مِثْلِ ذَلِكَ، ولِذا رَدَّ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى مَن تَأوَّلَ مِن بَعْضِ العَرَبِ هَذِهِ الآيَةَ أنَّ دَفْعَ الزَّكاةِ لا يَكُونُ إلّا لِلرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ المَأْمُورُ بِالأخْذِ، وبِالصَّلاةِ عَلى المُتَصَدِّقِينَ، فَغَيْرُهُ لا يَقُومُ مَقامَهُ وأمَرَ بِقِتالِهِمْ، فَوافَقَتْهُ الصَّحابَةُ، وقاتَلُوهم حَتّى أدَّوُا الزَّكاةَ إلى الخَلِيفَةِ، كَما كانُوا يُؤَدُّونَها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فاسْتُدِلَّ مِن ذَلِكَ عَلى وُجُوبِ دَفْعِ الزَّكاةِ إلى الإمامِ، ومِثْلُهُ نائِبُهُ، وهَؤُلاءِ المُتَأوِّلُونَ المُرْتَدُّونَ غابَ عَنْهم أنَّ الزَّكاةَ إنَّما أوْجَبَها اللَّهُ تَعالى سَدًّا لِحاجَةِ المُعْدَمِ، وتَفْرِيجًا لِكُرْبَةِ الغارِمِ، وتَحْرِيرًا لِرِقابِ المُسْتَعْبَدِينَ، وتَيْسِيرًا لِأبْناءِ السَّبِيلِ، فاسْتَلَّ بِذَلِكَ ضَغائِنُ أهْلِ الفاقَةِ، عَلى مَن فُضِّلُوا عَلَيْهِمْ في الرِّزْقِ، وأشْعَرَ قُلُوبَ أُولَئِكَ مَحَبَّةَ هَؤُلاءِ، وساقَ الرَّحْمَةَ في نُفُوسِ (p-٣٢٥٤)هَؤُلاءِ عَلى أُولَئِكَ البائِسِينَ، فالإمامُ لا خُصُوصِيَّةَ لِذاتِهِ فِيها، بَلْ لِأنَّهُ يَجْمَعُ ما يَرِدُ مِنها لَدَيْهِ، فَيُنْفِقُها في سُبُلِها المَذْكُورَةِ.
الخامِسُ: اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى نَدْبِ الدُّعاءِ لِلْمُتَصَدِّقِ.
قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: السُّنَّةُ لِلْإمامِ إذا أخَذَ الصَّدَقَةَ أنْ يَدْعُوَ لِلْمُتَصَدِّقِ، ويَقُولَ: آجَرَكَ اللَّهُ فِيما أعْطَيْتَ وجَعَلَهُ طَهُورًا، وبارَكَ لَكَ فِيما أبْقَيْتَ، وقالَ آخَرُونَ: يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى فُلانٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى، وكانَ مِن أصْحابِ الشَّجَرَةِ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا أتاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَةٍ قالَ:
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ»، فَأتاهُ أبِي بِصَدَقَتِهِ فَقالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى»» . أخْرَجاهُ في الصَّحِيحَيْنِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفي الحَدِيثِ الآخَرِ «أنَّ امْرَأةً قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! صَلِّ عَلَيَّ وعَلى زَوْجِي، فَقالَ: «صَلّى اللَّهُ عَلَيْكِ وعَلى زَوْجِكِ»» .
أقُولُ: وبِهَذَيْنَ الحَدِيثَيْنِ يُرَدُّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ بِـ: (صَلِّ عَلَيْهِمْ) الصَّلاةُ عَلى المَوْتى حَكاهُ السُّيُوطِيُّ في (" الإكْلِيلِ ") .
السّادِسُ: دَلَّتِ الآيَةُ كالحَدِيثَيْنِ، عَلى جَوازِ الصَّلاةِ عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ اسْتِقْلالًا.
قالَ الرّازِيُّ: رَوى الكَعْبِيُّ في " تَفْسِيرِهِ " أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو مُسَجًّى: عَلَيْكَ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ومِنَ النّاسِ مَن أنْكَرَ ذَلِكَ.
ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لا تَنْبُغِي الصَّلاةُ مِن أحَدٍ عَلى أحَدٍ، إلّا في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ .
ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: إنَّ أصْحابَنا يَمْنَعُونَ مِن ذِكْرِ صَلَواتِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إلّا في حَقِّ الرَّسُولِ، والشِّيعَةُ يَذْكُرُونَهُ في عَلِيٍّ وأوْلادِهِ، (p-٣٢٥٥)واحْتَجُّوا بِأنَّ نَصَّ القُرْآنِ دَلَّ عَلى جَوازِهِ فِيمَن يُؤَدِّي الزَّكاةَ، فَكَيْفَ يُمْنَعُ في حَقِّ عَلِيٍّ والحَسَنِ والحُسَيْنِ عَلَيْهِمْ رِضْوانُ اللَّهِ ؟ قالَ: ورَأيْتُ بَعْضَهم قالَ: ألَيْسَ أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ: سَلامٌ عَلَيْكم، يُقالُ لَهُ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذِكْرَ هَذا اللَّفْظِ جائِزٌ في حَقِّ جُمْهُورِ المُسْلِمِينَ، فَأوْلى آلُ البَيْتِ. انْتَهى.
وأقُولُ: إنَّ المَنعَ مِن ذَلِكَ أدَبِيٌّ لا شَرْعِيٌّ، لِأنَّهُ صارَ - في العُرْفِ - دُعاءً خاصًّا بِهِ ﷺ، وشِعارًا لَهُ، كالعِلْمِ بِالغَلَبَةِ، فَغَيْرُهُ لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ، إلّا تَبَعِيَّةً لَهُ، أدَبًا لَفْظِيًّا.
السّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: في سِرِّ كَوْنِ صَلاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ سَكَنًا لَهم: أنَّ رُوحَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ رُوحًا قَوِيَّةً مُشْرِقَةً صافِيَةً باهِرَةً، فَإذا دَعا لَهم وذَكَرَهم بِالخَيْرِ، فاضَتْ آثارٌ مِن قُوَّتِهِ الرُّوحانِيَّةِ عَلى أرْواحِهِمْ، فَأشْرَقَتْ بِهَذا السَّبَبِ أرْواحُهم، وصَفَتْ أسْرارُهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences