Al-QasimiAt‑Tawbah · 9:118–121

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:118–121

9:118Page 206

وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١١٨

And [He also forgave] the three who were left alone [i.e., boycotted, regretting their error] to the point that the earth closed in on them in spite of its vastness1 and their souls confined [i.e., anguished] them and they were certain that there is no refuge from Allāh except in Him. Then He turned to them so they could repent. Indeed, Allāh is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٨ ] ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ .

﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ أيْ: تُرِكُوا وأُخِّرُوا عَنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ في الحالِ، كَما قُبِلَتْ تَوْبَةُ أُولَئِكَ المُتَخَلِّفِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، والثَّلاثَةُ هم كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وكُلُّهم مِنَ الأنْصارِ، لَمْ يَقْبَلِ النَّبِيُّ ﷺ تَوْبَتَهم حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ بِتَوْبَتِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ: مَعَ سِعَتِها، وهو مِثْلُ الحَيْرَةِ في أمْرِهِمْ، كَأنَّهم لا يَجِدُونَ فِيها مَكانًا يَقَرُّونَ فِيهِ، قَلَقًا وجَزَعًا مِمّا هم فِيهِ، إذْ لَمْ يُمْكِنْهُمُ (p-٣٢٨٨)الذَّهابُ لِأحَدٍ، لِمَنعِ النَّبِيِّ ﷺ مِن مُجالَسَتِهِمْ ومُحادَثَتِهِمْ. و(إذا)، يَجُوزُ كَوْنُها شَرْطِيَّةً جَوابُها مُقَدَّرٌ، وأنْ تَكُونَ ظَرْفِيَّةً غايَةً لِما قَبْلَها.

﴿وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: قُلُوبُهم مِن فَرْطِ الوَحْشَةِ والجَفْوَةِ والغَمِّ، بِحَيْثُ لا يَسَعُها أُنْسٌ ولا سُرُورٌ، وذَلِكَ لِأنَّهم لازَمُوا بُيُوتَهم، وهَجَرُوا نَحْوًا مِن خَمْسِينَ لَيْلَةً، وفِيهِ تَرَقٍّ مِن ضِيقِ الأرْضِ إلى ضِيقِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وهو في غايَةِ البَلاغَةِ ﴿وظَنُّوا﴾ أيْ: عَلِمُوا ﴿أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا مَفَرَّ مِن غَضَبِ اللَّهِ ﴿إلا إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى اسْتِغْفارِهِ ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ أيْ: لِيَسْتَقِيمُوا عَلى تَوْبَتِهِمْ، ويَسْتَمِرُّوا عَلَيْها، أوْ لِيُعَدُّوا مِن جُمْلَةِ التّائِبِينَ، أوِ المَعْنى: قَبْلَ تَوْبَتِهِمْ لِيَتُوبُوا في المُسْتَقْبَلِ، إذا صَدَرَتْ مِنهم هَفْوَةٌ، ولا يَقْنَطُوا مِن كَرَمِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

9:119Page 206

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩

O you who have believed, fear Allāh and be with those who are true.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٩ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: في إيمانِهِمْ ومُعاهِدَتِهِمْ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ عَلى الطّاعَةِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] أوْ هُمُ الثَّلاثَةُ، أيْ: كُونُوا مِثْلَهم في صِدْقِهِمْ وخُلُوصِ نِيَّتِهِمْ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: رَوى الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ حَدِيثَ كَعْبٍ وصاحِبَيْهِ مَبْسُوطًا بِما يُوَضِّحُ هَذِهِ الآيَةَ:

قالَ الزُّهْرِيُّ: أخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ عَنْ أبِيهِ - وكانَ قائِدَ كَعْبٍ مِن بَنِيهِ، حِينَ عَمِيَ - قالَ: سَمِعْتُ كَعْبًا يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-٣٢٨٩)فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ.

«قالَ كَعْبٌ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزاةٍ غَزاها قَطُّ، إلّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ في غَزاةِ بَدْرٍ، ولَمْ يُعاتَبْ أحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْها، وإنَّما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتّى جَمَعُ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ.

ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، حِينَ تَوافَقْنا عَلى الإسْلامِ، وما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كانَتْ بَدْرٌ أذْكَرَ في النّاسِ مِنها وأشْهَرَ.

وكانَ مِن خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، أنِّي لَمْ أكُنْ قَطُّ أقْوى ولا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ في تِلْكَ الغَزاةِ، واللَّهِ ما جَمَعْتُ قَبْلَها راحِلَتَيْنِ قَطُّ، حَتّى جَمَعْتُهُما في تِلْكَ الغَزاةِ.

وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَلَّما يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوها، إلّا ورّى بِغَيْرِها، حَتّى كانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ، فَغَزاها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حَرٍّ شَدِيدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا ومَفاوِزَ، واسْتَقْبَلَ عَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلّى لِلْمُسْلِمِينَ أمْرَهم، لِيَتَأهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ، فَأخْبَرَهم وجْهَهُ الَّذِي يُرِيدُ، والمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ، لا يَجْمَعُهم كِتابٌ حافِظٌ - يُرِيدُ الدِّيوانَ ـ.

قالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَتَغَيَّبَ إلّا ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ سَيَخْفى عَلَيْهِ، ما لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وغَزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الغَزاةَ، حِينَ طابَتِ الثِّمارُ والظِّلالُ وأنا إلَيْها أصْعَرُ - أيْ: أمِيلُ - فَتَجَهَّزَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ أغْدُو لِكَيْ أتَجَهَّزَ مَعَهم، فَأرْجِعَ ولَمْ أقْضِ مِن جِهازِي شَيْئًا، فَأقُولُ لِنَفْسِي: أنا قادِرٌ عَلى ذَلِكَ إذا أرَدْتُ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمادى بِي حَتّى اسْتَمَرَّ بِالنّاسِ الجِدُّ، فَأصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غادِيًا، والمُسْلِمُونَ مَعَهُ، ولَمْ أقْضِ مِن جِهازِي شَيْئًا، وقُلْتُ: أتَجَهَّزُ بَعْدَ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ ألْحَقُهُ، فَغَدَوْتُ بَعْدُ لِأتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ ولَمْ أقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمادى بِي حَتّى أسْرَعُوا وتَفارَطَ الغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أنْ أرْتَحِلَ فَألْحَقَهم - ولَيْتَنِي فَعَلْتُ - ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي.

فَكُنْتُ إذا خَرَجْتُ في النّاسِ، بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يُحْزِنُنِي أنِّي لا أرى إلّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ في النِّفاقِ، أوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. ولَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى بَلَغَ تَبُوكَ. فَقالَ وهو جالِسٌ في القَوْمِ بِتَبُوكَ: «ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ ؟» فَقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَلِمَةَ: حَبَسَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ بُرْداهُ، والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ ! فَقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَما قُلْتَ. واللَّهِ ! يا رَسُولَ اللَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا ! فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

(p-٣٢٩٠)قالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: فَلَمّا بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَوَجَّهَ قافِلًا مِن تَبُوكَ، حَضَرَنِي بَثِّي أتَذَكَّرُ الكَذِبَ، وأقُولُ: بِمَ أخْرُجُ مِن سَخْطَتِهِ غَدًا ؟ وأسْتَعِينُ عَلى ذَلِكَ بِكَ ذِي رَأْيٍ مِن أهْلِي.

فَلَمّا قِيلَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أظَلَّ قادِمًا، زاحَ عَنِ الباطِلِ، وعَرَفْتُ أنِّي لَمْ أنْجُ مِنهُ بِشَيْءٍ أبَدًا، فَأجْمَعْتُ صِدْقَهُ، فَأصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ - وكانَ إذا قَدِمَ مِن سَفَرٍ بَدَأ بِالمَسْجِدِ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنّاسِ - فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ، جاءَهُ المُتَخَلِّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ، ويَحْلِفُونَ لَهُ، وكانُوا بِضْعَةً وثَمانِينَ رَجُلًا، فَيَقْبَلُ مِنهم رَسُولُ اللَّهِ عَلانِيَتَهم، ويَسْتَغْفِرُ لَهم، ويَكِلُ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ تَعالى، حَتّى جِئْتُ، فَلَمّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثُمَّ قالَ لِي: «تَعالَ !» فَجِئْتُ أمْشِي حَتّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لِي: «ما خَلَّفَكَ ؟ ألَمْ تَكُنْ قَدِ اشْتَرَيْتَ ظَهْرًا ؟» فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنِّي لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِن أهْلِ الدُّنْيا لَرَأيْتُ أنْ أخْرُجَ مِن سَخَطِهِ بِعُذْرٍ. لَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، ولَكِنِّي، واللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ، لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ بِحَدِيثِ كَذِبٍ تَرْضى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أنْ يُسْخِطُكَ عَلَيَّ، ولَئِنْ حَدَّثْتُكَ بِصِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إنِّي لَأرْجُو عُقْبى ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. واللَّهِ ما كانَ لِي عُذْرٌ، واللَّهِ ! ما كُنْتُ قَطُّ أفْزَعَ ولا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ.

قالَ: فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «أمّا هَذا فَقَدَ صَدَقَ، فَقُمْ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ !» فَقُمْتُ، وقامَ إلَيَّ رِجالٌ مِن بَنِي سَلِمَةَ، واتَّبَعُونِي، فَقالُوا لِي: واللَّهِ ! ما عَلِمْناكَ كُنْتَ أذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذا، ولَقَدْ عَجَزْتُ ألّا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِما اعْتَذَرَ بِهِ المُتَخَلِّفُونَ، فَقَدْ كانَ كافِيَكَ مِن ذَنْبِكَ اسْتِغْفارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَ.

قالَ: فَواللَّهِ ! ما زالُوا حَتّى أرَدْتُ أنْ أرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي.

قالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهم: هَلْ لَقِيَ مَعِي هَذا أحَدٌ ؟ قالُوا: نَعَمْ لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلانِ قالا مِثْلَ ما قُلْتَ، وقِيلَ لَهُما مِثْلُ ما قِيلَ لَكَ. قُلْتُ: فَمَن هُما ؟ قالُوا: مُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ العامِرِيُّ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ قَدْ شَهِدا بَدْرًا، لِي فِيهِما أُسْوَةٌ.

(p-٣٢٩١)قالَ: فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي.

فَقالَ: ونَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلامِنا، أيُّها الثَّلاثَةُ، مِن بَيْنِ مَن تَخَلَّفَ. فاجْتَنَبَنا النّاسُ، وتَغَيَّرُوا لَنا، حَتّى تَنَكَّرَتْ لِي في نَفْسِي الأرْضُ، فَما هي بِالأرْضِ الَّتِي كُنْتُ أعْرِفُ، فَلَبِثْنا عَلى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً.

فَأمّا صاحِبايَ فاسْتَكانا وقَعَدا في بُيُوتِهِما يَبْكِيانِ، وأمّا أنا فَكُنْتُ أشَدَّ القَوْمِ وأجْلَدَهم، فَكُنْتُ أشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وأطُوفُ بِالأسْواقِ، فَلا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ، وآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَأُسَلِّمُ وأقُولُ في نَفْسِي: أحَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلامِ عَلَيَّ أمْ لا ؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنهُ وأُسارِقُهُ النَّظَرَ، فَإذا أقْبَلْتُ عَلى صَلاتِي نَظَرَ إلَيَّ، فَإذا التَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ عَنِّي.

حَتّى إذا طالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِن هَجْرِ المُسْلِمِينَ، مَشَيْتُ حَتّى تَسَوَّرْتُ حائِطَ أبِي قَتادَةَ، وهو ابْنُ عَمِّي، وأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ، فَإذا التَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ عَنِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَواللَّهِ ! ما رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ. فَقُلْتُ لَهُ: يا أبا قَتادَةَ ! أنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُ أنِّي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ؟ قالَ فَسَكَتَ.

قالَ: فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ فَفاضَتْ عَيْنايَ، وتَوَلَّيْتُ حَتّى تَسَوَّرْتُ الجِدارَ. فَبَيْنَما أنا أمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ، إذا أنا بِنَبَطِيٍّ مِن أنْباطِ الشّامِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِطَعامِهِ يَبِيعُهُ بِالمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَن يَدُلُّ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ ؟ قالَ فَطَفِقَ النّاسُ يُشِيرُونَ إلَيَّ، حَتّى جاءَ فَدَفَعَ إلَيَّ كِتابًا مِن مَلِكِ غَسّانَ، وكُنْتُ كاتِبًا، فَإذا فِيهِ:

أمّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنا أنَّ صاحِبَكَ قَدْ جَفاكَ، وإنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْكَ بِدارِ هَوانٍ ولا مَضْيَعَةٍ، فالحَقْ بِنا نُواسِكَ.

قالَ - فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهُ -: وهَذا أيْضًا مِنَ البَلاءِ.

قالَ: فَتَيَمَّمْتُ بِهِ التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهِ. حَتّى إذا مَضَتْ أرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الخَمْسِينَ، إذا بِرَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِينِي يَقُولُ: (p-٣٢٩٢)يَأْمُرُكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ تَعْتَزِلَ امْرَأتَكَ. قالَ: فَقُلْتُ: أُطَلِّقُها أمْ ماذا أفْعَلُ ؟ فَقالَ: بَلِ اعْتَزِلْها ولا تَقْرَبْها.

قالَ: وأرْسَلَ إلى صاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ. قالَ: فَقُلْتُ لِامْرَأتِي: الحَقِي بِأهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهم حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ في هَذا الأمْرِ ما يَشاءُ ! قالَ: فَجاءَتِ امْرَأةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّ هِلالًا شَيْخٌ ضَعِيفٌ، لَيْسَ لَهُ خادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ لا يَقْرَبْكِ ! قالَتْ: وإنَّهُ واللَّهِ ! ما بِهِ مِن حَرَكَةٍ إلى شَيْءٍ، وإنَّهُ واللَّهِ مازالَ يَبْكِي مُنْذُ كانَ مِن أمْرِهِ ما كانَ إلى يَوْمِهِ هَذا.

قالَ: فَقالَ لِي بَعْضُ أهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في امْرَأتِكَ، فَقَدْ أذِنَ لِامْرَأةِ هِلالٍ أنْ تَخْدُمَهُ. قالَ: فَقُلْتُ: واللَّهِ لا أسْتَأْذِنُ فِيها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وما أدْرِي ما يَقُولُهُ فِيها إذا اسْتَأْذَنْتُهُ، وأنا رَجُلٌ شابٌّ.

قالَ: فَلَبَثْنا عَشْرَ لَيالٍ، فَكَمُلَ لَنا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِن حِينِ انْتَهى عَنْ كَلامِنا.

قالَ: ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاةَ الصُّبْحِ، صَباحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلى ظَهْرِ بَيْتٍ مِن بُيُوتِنا، فَبَيْنَما أنا جالِسٌ عَلى الحالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مِنّا، قَدْ ضاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وضاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صارِخًا أوْفى عَلى جَبَلِ سَلْعٍ، يَقُولُ بِأعْلى صَوْتِهِ: أبْشِرْ يا كَعْبُ بْنَ مالِكٍ ! قالَ: فَخَرَرْتُ ساجِدًا، وعَرَفْتُ أنْ قَدْ جاءَ الفَرَجُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْنا، فَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنا حِينَ صَلّى الفَجْرَ، فَذَهَبَ النّاسُ يُبَشِّرُونَنا، وذَهَبَ قِبَلَ صاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، ورَكَضَ إلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وسَعى ساعٍ مِن أسْلَمَ وأوْفى عَلى الجَبَلِ، فَكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمّا جاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُ إيّاهُما بِبُشْراهُ.

واللَّهِ - ما أمْلِكُ يَوْمَئِذٍ غَيْرَهُما - واسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُما، وانْطَلَقْتُ أؤُمُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وتَلَقّانِي النّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنِّئُونَنِي بِتَوْبَةِ اللَّهِ، يَقُولُونَ: لِيَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ ! حَتّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ في المَسْجِدِ، والنّاسُ حَوْلَهُ، فَقامَ إلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ، حَتّى صافَحَنِي وهَنَّأنِي - واللَّهِ ! ما قامَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ غَيْرُهُ - قالَ: (p-٣٢٩٣)فَكانَ كَعْبٌ لا يَنْساها لِطَلْحَةَ.

قالَ كَعْبٌ: فَلَمّا سَلَّمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ - وهو يَبْرُقُ وجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ ـ: «أبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولَدَتْكَ أُمُّكَ !» قالَ، قُلْتُ: أمِن عِنْدِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ ؟ قالَ: «لا، بَلْ مِن عِنْدِ اللَّهِ» . قالَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا سُرَّ اسْتَنارَ وجْهُهُ، حَتّى كَأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، حَتّى يُعْرَفَ ذَلِكَ مِنهُ، فَلَمّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي، صَدَقَةً إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ. قالَ: «امْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ، فَهو خَيْرٌ لَكَ» . قالَ، فَقُلْتُ: فَإنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما نَجّانِي اللَّهُ بِالصِّدْقِ، وإنَّ مِن تَوْبَتِي ألّا أُحَدِّثَ إلّا صِدْقًا ما بَقِيتُ. قالَ، فَواللَّهِ ! ما أعْلَمُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ أبْلاهُ اللَّهُ مِنَ الصِّدْقِ في الحَدِيثِ، مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أحْسَنَ مِمّا أبْلانِي اللَّهُ تَعالى. واللَّهِ ! ما تَعَمَّدْتُ كِذْبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى يَوْمِي هَذا، وإنِّي لَأرْجُو أنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيما بَقِيَ.

قالَ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى آخِرِ الآياتِ.

قالَ كَعْبٌ: فَواللَّهِ ! ما أنْعَمَ عَلَيَّ مِن نِعْمَةٍ قَطُّ، بَعْدَ أنْ هَدانِي لِلْإسْلامِ، أعْظَمَ في نَفْسِي مِن صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ ألّا أكُونَ كَذَبْتُهُ فَأهَلَكَ كَما هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوهُ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِلَّذِينِ كَذَبُوهُ حِينَ أنْزَلَ الوَحْيَ، شَرَّ ما قالَ لِأحَدٍ. فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥] ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]

قالَ: وكُنّا أيُّها الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفْنا عَنْ أمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ خُلِّفُوا، فَبايَعَهم واسْتَغْفَرَ لَهم، وأرْجَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أمْرَنا حَتّى قَضى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] ولَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ مِمّا خَلَّفَنا عَنِ الغَزْوِ، وإنَّما هو تَخْلِيفُهُ إيّانا، وإرْجاؤُهُ أمْرَنا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ، واعْتَذَرَ إلَيْهِ، فَقَبَلَ مِنهُ».

(p-٣٢٩٤)وفِي رِوايَةٍ: «ونَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَلامِي، وكَلامِ صاحِبَيَّ، ولَمْ يَنْهَ عَنْ كَلامِ أحَدٍ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ غَيْرَنا، فاجْتَنَبَ النّاسُ كَلامَنا، فَلَبِثَ كَذَلِكَ حَتّى طالَ عَلَيَّ الأمْرُ، فَما مِن شَيْءٍ أهَمُّ إلَيَّ مِن أنْ أمُوتَ، فَلا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ، أوْ يَمُوتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأكُونُ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ، فَلا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ مِنهم، ولا يُصَلِّي عَلَيَّ، ولا يُسَلِّمُ عَلَيَّ.

قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ تَوْبَتَنا عَلى نَبِيِّهِ ﷺ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الأخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، وكانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً في شَأْنِي، مُعْتَنِيَةً بِأمْرِي. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا أُمَّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ» . قالَتْ: أفَلا أُرْسِلُ إلَيْهِ فَأُبَشِّرُهُ ؟ قالَ: «إذًا فَيَحْطِمَكُمُ النّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ سائِرَ اللَّيْلِ» .

حَتّى إذا صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الفَجْرِ، آذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنا» - أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ - .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلى صِحَّتِهِ، وقَدْ تَضَمَّنَ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِأحْسَنِ الوُجُوهِ وأبْسَطِها.

الثّانِي: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى الشِّدَّةِ عَلى مَن فَعَلَ الخَطِيئَةَ وعَلى قَطْعِ ما يُلْهِي عَنِ الطّاعَةِ.

الثّالِثُ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى التَّحْرِيضِ عَلى الصِّدْقِ.

قالَ القاشانِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في جَمِيعِ الرَّذائِلِ بالِاجْتِنابِ عَنْها، خاصَّةً رَذِيلَةَ الكَذِبِ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ فَإنَّ الكَذِبَ أسُوءُ الرَّذائِلِ وأقْبَحُها، لِكَوْنِهِ يُنافِي المُرُوءَةَ، وقَدْ قِيلَ: لا مُرُوءَةَ لِكَذُوبٍ، إذِ المُرادُ مِنَ الكَلامِ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ الإنْسانُ عَنْ سائِرِ الحَيَوانِ إخْبارُ الغَيْرِ عَمّا لا يَعْلَمُ، فَإذا كانَ الخَبَرُ غَيْرَ مُطابِقٍ ولَمْ تَحْصُلْ فائِدَةُ النُّطْقِ، وحَصَلَ مِنهُ اعْتِقادٌ غَيْرُ مُطابِقٍ، وذَلِكَ مِن خَواصِّ الشَّيْطَنَةِ فالكَذّابُ شَيْطانٌ. وكَما أنَّ الكَذِبَ أقْبَحُ الرَّذائِلِ، فالصِّدْقُ أحْسَنُ الفَضائِلِ، وأصْلُ كُلِّ حَسَنَةٍ، ومادَّةُ كُلِّ خَصْلَةٍ مَحْمُودَةٍ، ومِلاكُ كُلِّ خَيْرٍ وسَعادَةٍ، وبِهِ يَحْصُلُ كُلُّ كَمالٍ، (p-٣٢٩٥)وأصْلُهُ الصِّدْقُ في عَهْدِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو نَتِيجَةُ الوَفاءِ بِمِيثاقِ الفِطْرَةِ أوْ نَفْسِهِ، كَما قالَ: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] في عَقْدِ العَزِيمَةِ، ووَعْدِ الخَلِيقَةِ. كَما قالَ في إسْماعِيلَ:

﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]

وإذا رُوعِيَ في المَواطِنِ كُلِّها، حَتّى الخاطِرِ والفِكْرِ والنِّيَّةِ والقَوْلِ والعَمَلِ، صَدَقَتِ المَناماتُ والوارِداتُ، والأحْوالُ والمَقاماتُ والمَواهِبُ والمُشاهَداتُ، كَأنَّهُ أصْلُ شَجَرَةِ الكَمالِ، وبَذْرَةُ ثَمَرَةِ الأحْوالِ. انْتَهى.

ولَمّا أوْجَبَ تَعالى الكَوْنَ مَعَ الصّادِقِينَ، أشارَ تَعالى إلى أنَّ النَّفْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واجِبُ كِفايَةٍ، فَلا يَجُوزُ تَخَلُّفُ الجَمِيعِ، ولا يَلْزَمُ النَّفْرُ لِلنّاسِ كافَّةً، فَقالَ سُبْحانَهُ:

9:120Page 206

مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢٠

It was not [proper] for the people of Madīnah and those surrounding them of the bedouins that they remain behind after [the departure of] the Messenger of Allāh or that they prefer themselves over his self.1 That is because they are not afflicted by thirst or fatigue or hunger in the cause of Allāh, nor do they tread on any ground that enrages the disbelievers, nor do they inflict upon an enemy any infliction but that it is registered for them as a righteous deed. Indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of the doers of good.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢٠ ] ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلا إلا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ .

﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ﴾ أيِ: المُتَيَسَّرُ لَهم مُلازِمَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وصَحابَتِهِ ﴿ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أيْ: عِنْدَ تَوَجُّهِهِ إلى الغَزْوِ ﴿ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ: لا يَضَنُّوا بِأنْفُسِهِمْ عَمّا يُصِيبُ نَفْسَهُ، أيْ: لا يَخْتارُوا إبْقاءَ أنْفُسِهِمْ عَلى نَفْسِهِ في الشَّدائِدِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُمِرُوا بِأنْ يَصْحَبُوهُ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ، وأنْ يُكابِدُوا مَعَهُ الأهْوالَ (p-٣٢٩٦)بِرَغْبَةٍ ونَشاطٍ واغْتِباطٍ، وأنْ يُلْقُوا أنْفُسَهم مِنَ الشَّدائِدِ ما تَلْقاهُ نَفْسُهُ، عِلْمًا بِأنَّها أعْوَزُ النَّفْسِ عِنْدَ اللَّهِ وأكْرَمُها عَلَيْهِ، فَإذا تَعَرَّضَتْ، مَعَ كَرامَتِها وعِزَّتِها لِلْخَوْضِ في شِدَّةٍ وهَوْلٍ، وجَبَ عَلى سائِرِ الأنْفُسِ أنْ تَتَهافَتَ فِيما تَعَرَّضَتْ لَهُ، ولا يَكْتَرِثَ لَها أصْحابُها، ولا يُقِيمُوا لَها وزْنًا، وتَكُونَ أخَفَّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ وأهْوَنَهُ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَرْبَأُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ مُتابَعَتِها ومُصاحَبَتِها، ويَضِنُّوا بِها عَلى ما سَمَحَ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ.

وهَذا نَهْيٌ بَلِيغٌ مَعَ تَقْبِيحٍ لِأمْرِهِمْ، وتَوْبِيخٍ لَهم عَلَيْهِ، وتَهْيِيجٍ لِمُتابَعَتِهِ بِأنَفَةٍ وحَمِيَّةٍ. انْتَهى.

رُوِيَ «أنَّ أبا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أبْطَأ بِهِ بَعِيرُهُ، فَحَمَلَ مَتاعَهُ عَلى ظَهْرِهِ، واتَّبَعَ أثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ماشِيًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَأى سَوادَهُ: «كُنْ أبا ذَرٍّ !» فَقالَ النّاسُ: هو ذاكَ ! فَقالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أبا ذَرٍّ، يَمْشِي وحْدَهُ، ويَمُوتُ وحْدَهُ، ويُبْعَثُ وحْدَهُ»» .

ورُوِيَ «أنَّ أبا خَيْثَمَةَ الأنْصارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَلَغَ بُسْتانَهُ، وكانَتْ لَهُ امْرَأةٌ حَسْناءُ فَرَشَتْ لَهُ في الظِّلِّ، وبَسَطَتْ لَهُ الحَصِيرَ، وقَرَّبَتْ إلَيْهِ الرُّطَبَ، والماءَ البارِدَ.

فَنَظَرَ فَقالَ: ظِلٌّ ظَلِيلٌ، ورُطَبٌ يانِعٌ، وماءٌ بارِدٌ، وامْرَأةٌ حَسْناءُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الضِّحِّ والرِّيحِ، ما هَذا بِخَيْرٍ ! فَقامَ فَرَحَلَ ناقَتَهُ، وأخَذَ سَيْفَهُ ورُمْحَهُ، ومَرَّ كالرِّيحِ. فَمَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرْفَهُ إلى الطَّرِيقِ، فَإذا بِراكِبٍ يَزْهاهُ السَّرابُ، فَقالَ: «كُنْ أبا خَيْثَمَةَ !» فَكانَهُ، فَفَرِحَ بِهِ رُسُولُ اللَّهِ ﷺ، واسْتَغْفَرَ لَهُ».

قالَ السُّهَيْلِيُّ في (" الرَّوْضِ "): «كُنْ أبا ذَرٍّ، كُنْ أبا خَيْثَمَةَ»، لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ كَما تَقُولُ: أسْلِمْ، أيْ: سَلَّمَكَ اللَّهُ. انْتَهى.

(p-٣٢٩٧)وكَذا قالَ غَيْرُهُ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ كالفارِسِيِّ، وذَكَرَهُ المُطَرِّزِيُّ في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ: «كُنْ أبا زَيْدٍ» .

وفِي شِعْرِ ابْنِ هِلالٍ:

؎ومُعَذِّرٌ قالَ الإلَهُ لِحُسْنِهِ: كُنْ فَتْنَةً لِلْعالَمِينَ فَكانَها

ولَمْ يَزِيدُوا في بَيانِهِ عَلى هَذا، وهو تَرْكِيبٌ بَدِيعٌ غَرِيبٌ، ومَعْناهُ ساقَهُ اللَّهُ إلَيْنا. وجَعَلَهُ إيّاهُ، لِيَكُونَ هو القادِمَ عَلَيْنا، فَأُقِيمَ فِيهِ العِلَّةُ مَقامَ المَعْلُولِ في الجُمْلَةِ الدِّعائِيَّةِ الإنْشائِيَّةِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الحَدِيثِ: ««أبْلِ وأخْلِقْ»» . أيْ: عَمَّرَكَ اللَّهُ، ومَتَّعَكَ اللَّهُ بِلِباسِكَ لِتَبْلى وتَخْلِقَ.

وقَوْلُهم: أسْلِمْ. أيْ: سَلَّمَكَ اللَّهُ لِتَسْلَمَ، ثُمَّ لَمّا أُقِيمَ مَقامَهُ أُبْقِيَ مُسْنَدًا إلى فاعِلِهِ، وإنْ كانَ المَطْلُوبُ مِنهُ هو اللَّهَ، وهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِمْ: (أرَيَنَّكَ هَهُنا)، أيْ: لا تَجْلِسْ حَتّى أراكَ، وهو تَمْثِيلٌ أوْ كِنايَةٌ. كَذا في (" العِنايَةِ ") .

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (ما كانَ) مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّخَلُّفِ أوْ وُجُوبِ المُشابَهَةِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم: ﴿لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ أيْ: شَيْءٌ مِنَ العَطَشِ: ﴿ولا نَصَبٌ﴾ أيْ: تَعَبٌ مِنَ السَّيْرِ لا سِيَّما مَعَ العَطَشِ ﴿ولا مَخْمَصَةٌ﴾ أيْ: مَجاعَةٌ تُضْعِفُهم عَنِ السَّيْرِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ أيْ: لا يَدُوسُونَ مَكانًا ﴿يَغِيظُ الكُفّارَ﴾ أيِ: الَّذِينَ هم أعْداءُ اللَّهِ، وإغْضابُ العَدُوِّ يُفِيدُ رِضا عَدُوِّهِ ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلا﴾ أيْ: قَتْلًا أوْ هَزِيمَةً أوْ سِرًّا ﴿إلا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: عَلى إحْسانِهِمْ. وهو تَعْلِيلٌ لِـ: (كُتِبَ)، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَحَمُّلَ المَشاقِّ إحْسانٌ، لِأنَّ القَصْدَ بِهِ إعْلاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى.

9:121Page 206

وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢١

Nor do they spend an expenditure, small or large, or cross a valley but that it is registered for them that Allāh may reward them for the best of what they were doing.

(p-٣٢٩٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢١ ] ﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلا كُتِبَ لَهم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ أيْ: لا يَشُقُّ مِثْلُها ﴿ولا كَبِيرَةً﴾ مِثْلَ ما أنْفَقَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهو ألْفُ دِينارٍ وثَلاثُمِائَةِ بَعِيرٍ بِأحْلاسِها وأقْتابِها ﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾ في مَسِيرِهِمْ، وهو كُلُّ مُنْفَرَجٍ يَنْفُذُ فِيهِ السَّيْلُ، اسْمُ فاعِلٍ مِن (ودِيَ)، إذا سالَ، فَهو السَّيْلُ نَفْسُهُ، ثُمَّ شاعَ في مَحَلِّهِ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في مُطْلَقِ الأرْضِ، وجَمْعُهُ (أوْدِيَةٌ) كَنادٍ بِمَجْلِسٍ، جَمْعُهُ (أنْدِيَةٌ) وناجٍ جَمْعُهُ (أنْجِيَةٌ)، ولا رابِعَ لَها في كَلامِ العَرَبِ ﴿إلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ أيْ: أُثْبِتَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: لِيَجْزِيَهم عَلى كُلِّ عَمَلٍ لَهم، كامِلٍ أوْ قاصِرٍ، جَزاءَ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ. أيْ: فَإذا مالُوا بِأنْفُسِهِمْ فاتَهُمَ ذَلِكَ، وكانَتِ المُؤاخَذَةُ عَلَيْهِمْ أشَدَّ.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى، فِيما تَقَدَّمَ، خَطَرَ التَّخَلُّفِ عَنِ الرَّسُولِ في الجِهادِ، وشَدَّدَ الوَعِيدَ عَلى المُتَخَلِّفِينَ التّارِكِينَ لِلنَّفِيرِ، دَفَعَ ما يَتَوَهَّمُ مِن وُجُوبِ النَّفْرِ عَلى الجَمِيعِ، وفِيهِ ما فِيهِ مِنَ الحَرَجِ، والإخْلالِ بِأمْرِ المَعاشِ، بِأنَّ وُجُوبَهُ كَفائِيٌّ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском