Al-QasimiAt‑Tawbah · 9:47–59

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:47–59

9:47Page 194

لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧

Had they gone forth with you, they would not have increased you except in confusion, and they would have been active among you, seeking [to cause] you fitnah [i.e., chaos and dissension]. And among you are avid listeners to them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

(p-٣١٦٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٧ ] ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا ولأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ .

﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا﴾ أيْ: فَسادًا وشَرًّا ﴿ولأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ أيْ: ولَأسْرَعُوا السَّيْرَ والمَشْيَ بَيْنَكم بِالفَسادِ.

قالَ الشِّهابُ: الإيضاعُ: إسْراعُ سَيْرِ الإبِلِ. يُقالُ: وضَعَتِ النّاقَةُ، تَضَعُ إذا أسْرَعَتْ، وأوْضَعْتُها أنا.

والمُرادُ: الإسْراعُ بِالنَّمائِمِ، لِأنَّ الرّاكِبَ أسْرَعُ مِنَ الماشِي. فَقِيلَ: المَفْعُولُ مُقَدَّرٌ، وهو النَّمائِمُ، فَشَبَّهَ النَّمائِمَ بِالرَّكائِبِ في جَرَيانِها وانْتِقالِها، وأثْبَتَ لَها الإيضاعَ. فَفِيهِ تَخْيِيلِيَّةٌ ومَكْنِيَّةٌ.

وقِيلَ: إنَّهُ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، شَبَّهَ سُرْعَةَ إفْسادِهِمْ لِذاتِ البَيْنِ بِالنَّمِيمَةِ، بِسُرْعَةِ سَيْرِ الرَّكائِبِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لَها الإيضاعُ، وهو لِلْإبِلِ.

و(خِلالَ) جَمْعُ خَلَلٍ، وهو الفُرْجَةُ، اسْتَعْمَلَ ظَرْفًا بِمَعْنى (بَيْنَ) .

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولأوْضَعُوا﴾ مَرْسُومٌ في الإمامِ بِألْفَيْنِ، لِأنَّ الفَتْحَةَ كانَتْ تُكْتَبُ ألْفًا قَبْلَ الخَطِّ العَرَبِيِّ، والخَطُّ العَرَبِيُّ اخْتِراعٌ قَرِيبًا مِن نُزُولِ القُرْآنِ، وقَدْ بَقِيَ مِن تِلْكَ الألِفِ أثَرٌ في الطِّباعِ، فَكَتَبُوا صُورَةِ الهَمْزَةُ ألِفًا وفَتَحَها ألِفًا أُخْرى ونَحْوَهُ: ﴿أوْ لأذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١]

﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ لَكم ما تُفْتَنُونَ، بِإيقاعِ الخِلافِ فِيما بَيْنَكم، وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِكم، وإفْسادِ نِيّاتِكم ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِقَوْلِهِمْ مُسْتَحْسِنُونَ لِحَدِيثِهِمْ، وإنْ كانُوا لا يَعْلَمُونَ حالَهم، لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ، فَيَتَوَهَّمُونَ مِنهُمُ النُّصْحَ والإعانَةَ، وهم يُرِيدُونَ التَّخْذِيلَ والفِتْنَةَ، فَيُؤَدِّي إلى وُقُوعِ شَرٍّ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وفَسادٍ كَبِيرٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُ جَرِيرٍ، أيْ: فِيكم عُيُونٌ يَسْمَعُونَ لَهُمُ الأخْبارَ ويَنْقُلُونَها إلَيْهِمْ.

(p-٣١٧٠)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا لا يَبْقى لَهُ اخْتِصاصٌ بِخُرُوجِهِمْ مَعَهم، بَلْ هَذا عامٌّ في جَمِيعِ الأحْوالِ. والمَعْنى الأوَّلُ أظْهَرُ في المُناسَبَةِ بِالسِّياقِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَ اسْتَأْذَنَ، فِيما بَلَغَنِي، مِن ذَوِي الشَّرَفِ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وكانُوا أشْرافًا في قَوْمِهِمْ، فَثَبَّطَهُمُ اللَّهُ، لِعِلْمِهِ بِهِمْ أنْ يَخْرُجُوا فَيُفْسِدُوا عَلَيْهِ جُنْدَهُ.

وكانَ في جُنْدِهِ قَوْمٌ أهْلُ مُحِبَّةٍ لَهم وطاعَةٍ فِيها يَدْعُونَهم إلَيْهِ، لِشَرَفِهِمْ فِيهِمْ، فَقالَ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ انْتَهى.

﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ ولا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أمْرِهِمْ، وفِيهِ شُمُولٌ لِلْفَرِيقَيْنِ: القاعِدِينَ والسَّمّاعِينَ.

ثُمَّ بَرْهَنَ تَعالى عَلى ابْتِغائِهِمُ الفِتْنَةَ في كُلِّ مَرَّةٍ بِقَوْلِهِ:

9:48Page 195

لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٤٨

They had already desired dissension before and had upset matters for you1 until the truth came and the ordinance [i.e., victory] of Allāh appeared, while they were averse.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٨ ] ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ .

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ طَلَبُوا الشَّرَّ بِتَشْتِيتِ شَمْلِكَ، وتَفْرِيقِ صَحْبِكَ عَنْكَ، مِن قَبْلِ غَزْوَةِ تَبُوكَ، كَما فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ حِينَ انْصَرَفَ بِأصْحابِهِ يَوْمَ أُحُدٍ عَنِ المُسْلِمِينَ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ أيْ دَبَّرُوا لَكَ الحِيَلَ والمَكايِدَ ودَوَّرُوا الآراءَ في إبْطالِ أمْرِكَ.

قالَ الشِّهابُ: المُرادُ مِنَ ﴿الأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٤] المَكايِدُ، فَتَقْلِيبُها مَجازٌ عَنْ تَدْبِيرِها، أوِ (الآراءِ)، فَتَقْلِيبُها تَفْتِيشُها وإحالَتُها.

﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ﴾ وهو تَأْيِيدُكَ ونَصْرُكَ وظَفَرُكَ ﴿وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: عَلا دِينُهُ ﴿وهم كارِهُونَ﴾ أيْ: عَلى رَغْمٍ مِنهم.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ، رَمَتْهُ العَرَبُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، وحارَبَتْهُ يَهُودُ المَدِينَةِ ومُنافِقُوها. فَلَمّا نَصَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وأعْلى كَلِمَتَهُ. قالَ ابْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ: هَذا أمْرٌ (p-٣١٧١)قَدْ تَوَجَّهَ، (أيْ: أقْبَلَ)، فَدَخَلُوا في الإسْلامِ ظاهِرًا. ثُمَّ كُلَّما أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وأهْلَهُ، أغاظَهم ذَلِكَ وساءَهم.

9:49Page 195

وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٩

And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen.1 And indeed, Hell will encompass the disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٩ ] ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ .

﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ أيْ: في القُعُودِ ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ.

رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، أخِي بَنِي سَلَمَةَ، وذَلِكَ فِيما رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ ذاتَ يَوْمٍ وهو في جِهازِهِ: «هَلْ لَكَ يا جَدُّ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ ؟» فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! أوَتَأْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ؟ فَواللَّهِ ! لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي ما رَجُلٌ أشَدَّ عَجَبًا بِالنِّساءِ مِنِّي، وإنِّي أخْشى، إنْ رَأيْتُ نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ، ألّا أصْبِرَ عَنْهُنَّ، فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: «أذِنْتُ لَكَ !»» .

قالَ الشِّهابُ يَعْنِي أنَّهُ يَخْشى العِشْقَ لَهُنَّ، أوْ مُواقَعَتَهُنَّ مِن غَيْرِ حِلٍّ.

وبَناتُ الأصْفَرِ: لِلرُّومِ، كَبَنِي الأصْفَرِ. وقِيلَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ وُجُوهٌ: مِنها أنَّهم مَلَكَهم بَعْضُ الحَبَشَةِ، فَتَوَلَّدَ بَيْنَهم نِساءٌ وأوْلادٌ ذَهَبِيَّةُ الألْوانِ. انْتَهى.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ هَذا مِن أشْرَفِ بَنِي سَلَمَةَ.

وفِي الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهم: «مَن سَيِّدُكم يا بَنِي سَلَمَةَ ؟» قالُوا: الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ ؟ (p-٣١٧٢)عَلى أنّا نُبَخِّلُهُ.

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وأيُّ داءٍ أدْوَأُ مِنَ البُخْلِ ؟ ولَكِنَّ سَيِّدَكُمُ الفَتى الجَعْدُ الأبْيَضُ، بِشْرُ بْنُ البَراءِ بْنِ مَعْرُورٍ»» .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: في عَيْنِها ونَفْسِها، وأكْمَلُ أفْرادِها الغَنِيُّ عَنِ الوَصْفِ بِالكَمالِ، الحَقِيقُ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الجِنْسِ بِهِ، سَقَطُوا لا في شَيْءٍ مُغايِرٍ لَها، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مَهْرَبًا ومَخْلَصًا عَنْها. وذَلِكَ بِمَ فَعَلُوا مِنَ العَزِيمَةِ عَلى التَّخَلُّفِ والجُرْأةِ عَلى الِاسْتِئْذانِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الشَّنِيعَةِ، ومِنَ القُعُودِ بِالإذْنِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ، وعَلى الِاعْتِذاراتِ الكاذِبَةِ، وقُرِئَ بِإفْرادِ الفِعْلِ، مُحافَظَةً عَلى لَفْظِ (مِن) . وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، مَعَ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ، إيذانٌ بِأنَّهم وقَعُوا فِيها، وهم يَحْسَبُونَ أنَّها مَنجًى مِنَ الفِتْنَةِ، زَعْمًا مِنهم أنَّ الفِتْنَةَ إنَّما هي التَّخَلُّفُ بِغَيْرِ إذْنٍ. وفي التَّعْبِيرِ عَنِ (الِافْتِتانِ) بِالسُّقُوطِ في الفِتْنَةِ، تَنْزِيلٌ لَها مَنزِلَةَ المَهْواةِ المُهْلِكَةِ، المُفْصِحَةِ عَنْ تَرَدِّيهِمْ في دَرَجاتِ الرَّدى أسْفَلَ سافِلِينَ. انْتَهى.

﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: سَتُحِيطُ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا مَحِيدَ لَهم عَنْها ولا مَهْرَبَ، وهَذا وعِيدٌ لَهم عَلى ما فَعَلُوا.

ثُمَّ بَيَّنَ عَداوَتَهم، زِيادَةً في تَشْهِيرِ مَساوِئِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

9:50Page 195

إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡۖ وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ ٥٠

If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before,"1 and turn away while they are rejoicing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٠ ] ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ .

﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ أيْ: مِن فَتْحٍ وظَفَرٍ وغَنِيمَةٍ ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ أيْ: تُورِثُهم مَساءَةً لِفَرْطِ عَداوَتِهِمْ ﴿وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ أيْ: مِن نَوْعِ شِدَّةٍ ﴿يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا﴾ أيْ: بِالحَزْمِ في القُعُودِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ إصابَةِ المُصِيبَةِ، فَيَتَبَجَّحُوا بِما صَنَعُوا حامِدِينَ (p-٣١٧٣)لِآرائِهِمْ ﴿ويَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: عَنْ مُجْتَمَعِهِمُ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ الفَرَحَ بِرَأْيِهِمْ، ﴿وهم فَرِحُونَ﴾ أيْ: بِرَأْيِهِمْ وبِما أصابَكم وبِما سَلِمُوا.

ثُمَّ أرْشَدَ تَعالى إلى جَوابِهِمْ بِبُطْلانِ ما بَنَوْا عَلَيْهِ مَسَرَّتَهم، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

9:51Page 195

قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٥١

Say, "Never will we be struck except by what Allāh has decreed for us; He is our protector." And upon Allāh let the believers rely.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥١ ] ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ .

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ أيْ: ما أثْبَتَهُ لِمَصْلَحَتِنا الدُّنْيَوِيَّةِ أوِ الأُخْرَوِيَّةِ، فَلا وجْهَ لِهَذا الفَرَحِ، لِرِضانا بِقَضائِهِ في تِلْكَ المُصِيبَةِ، فَلَمْ يَسُؤْنا بِالحَقِيقَةِ كَيْفَ ؟

ولَمْ يَكْتُبْها عَلَيْنا لِيَضُرَّنا بِها، إذْ: ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ أيْ: يَتَوَلّى أُمُورَنا، فَإنَّما كَتَبَها عَلَيْنا لِيُوَفِّقَنا لِلصَّبْرِ والرِّضا بِها، فَيُعْطِينا مِنَ الأجْرِ ما هو خَيْرٌ مِنها ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لا ناصِرَ ولا مُتَوَلِّيَ لِأمْرِهِمْ غَيْرُهُ.

9:52Page 195

قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ٥٢

Say, "Do you await for us except one of the two best things [i.e., martyrdom or victory] while we await for you that Allāh will afflict you with punishment from Himself or at our hands? So wait; indeed we, along with you, are waiting."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٢ ] ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ .

﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ أيْ: تَنْتَظِرُونَ ﴿بِنا إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ أيِ: العاقِبَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَلُّ واحِدَةٍ مِنهُما هي حُسْنى العَواقِبِ، وهُما النَّصْرُ والشَّهادَةُ ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ أيْ: إحْدى السُّوئَيْنِ مِنَ العَواقِبِ إمّا: ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ أيْ: كَما أصابَ مَن قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ ﴿أوْ﴾ بِعَذابٍ: ﴿بِأيْدِينا﴾ وهو القَتْلُ عَلى الكُفْرِ.

﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أيْ: بِنا ما ذُكِرَ مِن عَواقِبِنا ﴿إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ أيْ: مُنْتَظِرُونَ ما هو عاقِبَتُكم (p-٣١٧٤)فَلا بُدَّ أنْ يَلْقى كُلُّنا ما يَتَرَبَّصُهُ، لا يَتَجاوَزُهُ، فَلا تُشاهِدُونَ إلّا ما يَسُرُّنا، ولا نُشاهِدُ إلّا ما يَسُوؤُكم.

وقَوْلُهُ تَعالى:

9:53Page 195

قُلۡ أَنفِقُواْ طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمۡ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٣

Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٣ ] ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ .

﴿قُلْ أنْفِقُوا﴾ يَعْنِي أمْوالَكم في سَبِيلِ اللَّهِ ووُجُوهِ البِرِّ ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ وقَعا مَوْقِعَ الفاعِلِ، أيْ: طائِعِينَ مِن قِبَلِ أنْفُسِكم، أوْ كارِهِينَ مَخافَةَ القَتْلِ ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الإنْفاقُ. ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ أيْ: عاتِينَ، مُتَمَرِّدِينَ.

لَطائِفُ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ أمَرَهم بِالإنْفاقِ ثُمَّ قالَ: ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ ! قُلْتُ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ومَعْناهُ: لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]

وقَوْلُهُ:

؎أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً

أيْ: لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمُ، اسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم، ولا نَلُومُكَ، أسَأْتَ إلَيْنا أمْ أحْسَنْتَ.

(p-٣١٧٥)فَإنْ قُلْتَ: مَتى يَجُوزُ هَذا ؟ قُلْتُ: إذا دَلَّ الكَلامُ عَلَيْهِ، كَما جازَ عَكْسُهُ في قَوْلِكَ: رَحِمَ اللَّهُ زَيْدًا وغَفَرَ لَهُ.

فَإنْ قُلْتَ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ: لِنُكْتَةٍ فِيهِ، وهي أنْ كُثَيِّرًا كَأنَّهُ يَقُولُ لِعَزَّةَ: امْتَحِنِي لُطْفَ مَحَلِّكِ عِنْدِي، وقُوَّةَ مَحَبَّتِي لَكِ، وعامِلِينِي بِالإساءَةِ والإحْسانِ، وانْظُرِي: هَلْ يَتَفاوَتُ حالِي مَعَكِ، مُسِيئَةً كُنْتِ أوْ مُحْسِنَةً ! وفي مَعْناهُ قَوْلُ القائِلِ:

؎أخُوَكَ الَّذِي إنْ قُمْتَ بِالسَّيْفِ عامِدًا ∗∗∗ لِتَضْرِبَهُ لَمْ يَسْتَغِشَّكَ في الوُدِّ

وكَذَلِكَ المَعْنى: أنْفَقُوا وانْظُرُوا، هَلْ يُتَقَبَّلُ مِنكم ؟ واسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم، وانْظُرْ هَلْ تَرى اخْتِلافًا بَيْنَ حالِ الِاسْتِغْفارِ وتَرْكِهِ ؟

فَإنْ قُلْتَ: ما الغَرَضُ في نَفْيِ التَّقَبُّلِ، أهْوَ تَرْكُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَقَبُّلَهُ مِنهم، ورَدُّهُ عَلَيْهِمْ ما يَبْذُلُونَ مِنهُ، أمْ هو كَوْنُهُ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ذاهِبًا هَباءً لا ثَوابَ لَهُ ؟ قُلْتُ: يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا.

وقَدْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ مِن تَتِمَّةِ جَوابِ الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ حَيْثُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: هَذا مالِي أُعِينُكَ بِهِ، فاتْرُكْنِي ولا تَفْتِنِّي. واللَّهُ أعْلَمُ.

9:54Page 195

وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٥٤

And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allāh and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.

(p-٣١٧٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٤ ] ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلا وهم كارِهُونَ﴾ .

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى قَبائِحَ أفْعالِ المُنافِقِينَ، وما لَهم في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ المُهِينِ، وعَدَمِ قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ، تَأثَّرَهُ بِبَيانِ أنَّ ما يَظُنُّونَهُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا هو في الحَقِيقَةِ سَبَبٌ لِعَذابِهِمْ وبَلائِهِمْ، فَيَنْجَلِي تَمامَ الِانْجِلاءِ أنَّ النِّفاقَ مَهْواةُ الخَسارِ، لِجَلْبِهِ آفاتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

9:55Page 196

فَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٥٥

So let not their wealth or their children impress you. Allāh only intends to punish them through them in worldly life and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٥ ] ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ .

﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ أيْ: لِأنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم، كَما قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما يُكابِدُونَ لِجَمْعِها وحِفْظِها مِنَ المَتاعِبِ، وما يَرَوْنَ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ والمَصائِبِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ قِيلَ: اللّامُ زائِدَةٌ.

وقِيلَ: المَفْعُولُ (p-٣١٧٧)مَحْذُوفٌ، وهَذِهِ تَعْلِيلِيَّةٌ، أيْ: يُرِيدُ إعْطاءَهم لِتَعْذِيبِهِمْ، ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ أيْ: فَيَمُوتُوا كافِرِينَ، لاهِينَ بِالتَّمَتُّعِ عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْتِدْراجًا لَهم.

وأصْلُ (الزَّهُوقِ) الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ - أفادَهُ القاضِي - .

9:56Page 196

وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ ٥٦

And they swear by Allāh that they are from among you while they are not from among you; but they are a people who are afraid.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٦ ] ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ .

﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ ﴿إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ في الدِّينِ لِيَدْفَعُوا، بِدَلالَةِ اليَمِينِ، دَلائِلَ النِّفاقِ ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ في ذَلِكَ يَعْنِي أنَّهم كاذِبُونَ ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أيْ: يَخافُونَ القَتْلَ، وما يُفْعَلُ بِالمُشْرِكِينَ، فَيَتَظاهَرُونَ بِالإسْلامِ تَقِيَّةً، ويُؤَيِّدُونَهُ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ.

ثُمَّ أشارَ إلى سَبَبِ الخَوْفِ، وهو اضْطِرارُهم إلى مَساكِنِهِمْ مَعَ ضَعْفِهِمْ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

9:57Page 196

لَوۡ يَجِدُونَ مَلۡجَـًٔا أَوۡ مَغَٰرَٰتٍ أَوۡ مُدَّخَلٗا لَّوَلَّوۡاْ إِلَيۡهِ وَهُمۡ يَجۡمَحُونَ ٥٧

If they could find a refuge or some caves or any place to enter [and hide], they would turn to it while they run heedlessly.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٧ ] ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾ .

﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ أيْ: حِصْنًا يَلْتَجِئُونَ إلَيْهِ ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ يَعْنِي غِيرانًا في الجِبالِ يَسْكُنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم غارًا ﴿أوْ مُدَّخَلا﴾ يَعْنِي مَوْضِعَ دُخُولٍ يَدْخُلُونَ فِيهِ، والسِّرْبَ في الأرْضِ ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ: لَأقْبَلُوا نَحْوَهُ ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ إسْراعًا، لا يَرُدُّهم شَيْءٌ، كالفَرَسِ الجَمُوحِ، أيِ: النَّفُورُ الَّذِي لا يَرُدُّهُ لِجامٌ، أيْ: لَوْ وجَدُوا شَيْئًا مِن هَذِهِ الأمْكِنَةِ الَّتِي هي مَنفُورٌ عَنْها، مُسْتَنْكِرَةٌ، لَأتَوْهَ لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ، وكَراهَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وغَمِّهِمْ بِعِزِّ الإسْلامِ، ونَصْرِ أهْلِهِ.

9:58Page 196

وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ ٥٨

And among them are some who criticize you concerning the [distribution of] charities. If they are given from them, they approve; but if they are not given from them, at once they become angry.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٨ ] ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ .

﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ أيْ: يُعِيبُكَ ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ أيْ: في قِسْمَتِها.

ثُمَّ بَيَّنَ فَسادَ (p-٣١٧٨)لَمْزِهِمْ، وأنَّهُ لا مَنشَأ لَهُ سِوى حِرْصِهِمْ عَلى حُطامِ الدُّنْيا بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أُعْطُوا مِنها﴾ أيْ: قَدْرَ ما يُرِيدُونَ ﴿رَضُوا﴾ فَجَعَلُوهُ عَدْلًا ﴿وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ فَيَجْعَلُونَهُ غَيْرَ عَدْلٍ.

9:59Page 196

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ ٥٩

If only they had been satisfied with what Allāh and His Messenger gave them and said, "Sufficient for us is Allāh; Allāh will give us of His bounty, and [so will] His Messenger; indeed, we are desirous toward Allāh,"1 [it would have been better for them].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٩ ] ﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ .

﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ أيْ: كَفانا فَضْلُهُ، وما قَسَمَهُ لَنا ﴿سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا، حَسْبَما نَرْجُو ونُؤَمِّلُ.

﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ أيْ: في أنْ يُغْنِمَنا ويُخَوِّلَنا فَضْلَهُ.

والجَوابُ مَحْذُوفٌ بِناءً عَلى ظُهُورِهِ. أيْ: لَكانَ خَيْرًا لَهم.

رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يُقْسِمُ فَيْئًا، أتاهُ ذُو الخُوَيْصِرَةِ: رَجُلٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! اعْدِلْ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ويْلَكَ مَن يَعْدِلُ إذا لَمْ أعْدِلْ ؟» فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ايذَنْ لِي فِيهِ فَأضْرِبَ عُنُقَهُ ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعْهُ فَإنَّ لَهُ أصْحابًا يَحْقِرُ أحَدُكم صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ، وصِيامَهُ مَعَ صِيامِهِمْ، يَقْرَءُونَ القُرْآنَ، لا يُجاوِزُ تَراقِيَهم، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском