Al-QasimiAt‑Tawbah · 9:60–62

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:60–62

9:60Page 196

۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٦٠

Zakāh expenditures are only for the poor and for the needy and for those employed for it1 and for bringing hearts together [for Islām] and for freeing captives [or slaves] and for those in debt and for the cause of Allāh and for the [stranded] traveler - an obligation [imposed] by Allāh. And Allāh is Knowing and Wise.

(p-٣١٧٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٠ ] ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم وفي الرِّقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللَّهِ وابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم وفي الرِّقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللَّهِ وابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

لَمّا ذَكَرَ تَعالى لَمْزَهم في الصَّدَقاتِ تَأثَّرَهُ بِبَيانِ حَقِّيَّةِ ما فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ القِسْمَةِ، إذْ لَمْ يَتَجاوَزْ فِيها مَصارِفَها المَشْرُوعَةَ لَهُ، وهو عَيْنُ العَدْلِ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى شَرَعَ قَسْمَها لِهَؤُلاءِ، ولَمْ يَكِلْهُ إلى أحَدٍ غَيْرَهُ، ولَمْ يَأْخُذْ ﷺ مِنها لِنَفْسِهِ شَيْئًا، فَفِيمَ اللَّمْزُ لَقاسِمِها، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ؟

رَوى البُخارِيُّ عَنْ مُعاوِيَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ، وإنَّما أنا قاسِمٌ، واللَّهُ يُعْطِي»» .

ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ زِيادِ بْنِ الحارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَبايَعْتُهُ، فَأتى رَجُلٌ فَقالَ: أعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقالَ لَهُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ ولا غَيْرِهِ في الصَّدَقاتِ، حَتّى حَكَمَ فِيها هو، فَجَزَّأها ثَمانِيَةَ أجْزاءٍ، فَإنْ كُنْتَ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ أعْطَيْتُكَ حَقَّكَ»» .

فالآيَةُ رَدٌّ لِمَقالَةِ أُولَئِكَ اللَّمَزَةِ، وحَسْمٌ لِأطْماعِهِمْ، بِبَيانِ أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ. وإعْلامٌ بِمَن إعْطاؤُهم عَدْلٌ، ومَنعُهم ظُلْمٌ.

(p-٣١٨٠)والفُقَراءُ، جَمْعُ فَقِيرٍ، فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، يُقالُ فَقِرَ يَفْقَرُ مِن بابِ تَعِبَ، إذا قَلَّ مالُهُ.

والمَساكِينُ: جَمْعُ مِسْكِينٍ، مِن (سَكَنَ سُكُونًا)، ذَهَبَتْ حَرَكَتُهُ، لِسُكُونِهِ إلى النّاسِ، وهو بِفَتْحِ المِيمِ في لُغَةِ بَنِي أسَدٍ، وبِكَسْرِها عِنْدَ غَيْرِهِمْ.

قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: المِسْكِينُ: الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ، والفَقِيرُ: الَّذِي لَهُ بُلْغَةٌ مِنَ العَيْشِ. وكَذَلِكَ قالَ يُونُسُ، وجُعِلَ الفَقِيرُ أحْسَنَ حالًا مِنَ المِسْكِينِ.

قالَ: وسَألْتُ أعْرابِيًّا: أفَقِيرٌ أنْتَ ؟ فَقالَ: لا، واللَّهِ بَلْ مِسْكِينٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: المِسْكِينُ أحْسَنُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ، وهو الوَجْهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] وكانَتْ تُساوِي جُمْلَةً، وقالَ في حَقِّ الفُقَراءِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: المِسْكِينُ هو الفَقِيرُ، وهو الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ، فَجَعَلَهُما سَواءً. كَذا في (" المِصْباحِ ") .

قالَ البَدْرُ القَرافِيُّ: وإذا اجْتَمَعا افْتَرَقا، كَما إذا أُوصِيَ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ، فَلا بُدَّ مِنَ الصَّرْفِ لِلنَّوْعَيْنِ، وإنِ افْتَرَقا اجْتَمَعا، كَما إذا أُوصِيَ لِأحَدِ النَّوْعَيْنِ، جازَ الصَّرْفُ لِلْآخَرِ.

قالَ المَهايِمِيُّ: ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَن يَحْتاجُ إلَيْهِمُ المُحْتاجُونَ إلى الصَّدَقاتِ، فَقالَ: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ أيِ: السّاعِينَ في تَحْصِيلِها: القابِضُ والوازِنُ والكَيّالُ والكاتِبُ، ويُعْطُونَ أُجُورَهم مِنها.

ثُمَّ ذَكَرَ مَن يَحْتاجُ إلَيْهِمُ الإمامُ فَقالَ: ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم قَوْمٌ ضَعُفَتْ نِيَّتُهم في الإسْلامِ، فَيَحْتاجُ الإمامُ إلى تَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ بِالعَطاءِ، تَقْوِيَةً لِإسْلامِهِمْ، لِئَلّا يَسْرِيَ ضَعْفُهم إلى غَيْرِهِمْ، أوْ أشْرافٌ يُتَرَقَّبُ بِإعْطائِهِمْ إسْلامُ نُظَرائِهِمْ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَن يُعانَ بِها في دَفْعِ الرِّقِّ بِقَوْلِهِ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ أيْ: ولِلْإعانَةِ في فَكِّ الرِّقابِ، فَيُعْطِي المُكاتَبُونَ مِنها ما يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلى (p-٣١٨١)أداءِ نُجُومِ الكِتابَةِ، وإنْ كانُوا كاسِبِينَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ واللَّيْثِ، أوْ: ولِلصَّرْفِ في عِتْقِ الرِّقابِ، بِأنْ يُبْتاعَ مِنها الرِّقابُ فَتُعْتَقُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: لا بَأْسَ أنْ تُعْتَقَ الرَّقَبَةُ مِنَ الزَّكاةِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وأحْمَدَ وإسْحاقَ.

ولا يَخْفى أنَّ (الرِّقابَ) يَعُمُّ الوَجْهَيْنِ، وقَدْ ورَدَ في ثَوابِ الإعْتاقِ وفَكِّ الرَّقَبَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَن تُفَكُّ ذِمَّتُهُ في الدُّيُونِ بِقَوْلِهِ: ﴿والغارِمِينَ﴾

وهُمُ الَّذِينَ رَكِبَتْهُمُ الدُّيُونُ لِأنْفُسِهِمْ في غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ولَمْ يَجِدُوا وفاءً، أوْ لِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ ولَوْ أغْنِياءَ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الإعانَةَ عَلى الجِهادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

فَيُصْرَفُ عَلى المُتَطَوِّعَةِ في الجِهادِ، ويُشْتَرى لَهُمُ الكُراعُ والسِّلاحُ.

قالَ الرّازِيُّ: لا يُوجِبُ قَوْلُهُ: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ القَصْرَ عَلى الغُزاةِ، ولِذا نَقَلَ القَفّالُ في (" تَفْسِيرِهِ ") عَنْ بَعْضِ الفُقَهاءِ جَوازَ صَرْفِ الصَّدَقاتِ إلى جَمِيعِ وُجُوهِ الخَيْرِ مِن تَكْفِينِ المَوْتى، وبِناءِ الحُصُونِ، وعِمارَةِ المَساجِدِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عامٌّ في الكُلِّ. انْتَهى.

ولِذا ذَهَبَ الحَسَنُ وأحْمَدُ وإسْحاقُ إلى أنَّ الحَجَّ مِن: (سَبِيلِ اللَّهِ) فَيُصْرَفُ لِلْحُجّاجِ مِنهُ.

قالَ في (الإقْناعِ) و(شَرْحِهِ): والحَجُّ مِن (سَبِيلِ اللَّهِ) نَصًّا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، لِما رَوى أبُو داوُدَ، «أنَّ رَجُلًا جَعَلَ ناقَةً في سَبِيلِ اللَّهِ، فَأرادَتِ امْرَأتُهُ الحَجَّ، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: ارْكَبِيها، فَإنَّ الحَجَّ مِن (سَبِيلِ اللَّهِ)»، فَيَأْخُذُ إنْ كانَ فَقِيرًا مِنَ الزَّكاةِ ما يُؤَدِّي بِهِ فَرْضَ حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، أوْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِيهِ، وكَذا في نافِلَتِهِما، لِأنَّ كُلًّا مِن (سَبِيلِ اللَّهِ) . انْتَهى.

قالَ ابْنُ الأثِيرِ: و(سَبِيلُ اللَّهِ) عامٌّ، يَقَعُ عَلى كُلِّ عَمَلٍ خالِصٍ سُلِكَ بِهِ طَرِيقُ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، بِأداءِ الفَرائِضِ والنَّوافِلِ، وأنْواعِ التَّطَوُّعاتِ، وإذا أُطْلِقَ فَهو في الغالِبِ واقِعٌ عَلى الجِهادِ، حَتّى صارَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَأنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ. انْتَهى.

وقالَ في (" التّاجِ "): كُلُّ سَبِيلٍ أُرِيدَ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وهو بِرٌّ، داخِلٌ في سَبِيلِ اللَّهِ.

(p-٣١٨٢)ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الإعانَةَ لِأبْناءِ الطَّرِيقِ بِقَوْلِهِ:

﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ فَيُعْطِي المُجْتازَ في بَلَدٍ ما يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى بُلُوغِهِ لِبَلَدِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ ناصِبُهُ مُقَدَّرٌ، أيْ: فَرَضَ اللَّهُ ذَلِكَ فَرِيضَةً، وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِأحْوالِ النّاسِ ومَراتِبِ اسْتِحْقاقِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ الأُمُورِ الحَسَنَةِ الَّتِي مِنها سَوْقُ الحُقُوقِ إلى مُسْتَحِقِّيها.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْضِي بِالقِسْمَةِ بَيْنَ الثَّمانِيَةِ الأصْنافِ، ويُؤَيِّدُ هَذا وجْهانِ:

الأوَّلُ: ما يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ اللُّغَوِيُّ، إنْ قُلْنا: الواوُ لِلْجَمْعِ والتَّشْرِيكِ.

والثّانِي: ما رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ ولا غَيْرِهِ في الصَّدَقاتِ، حَتّى حَكَمَ فِيها، فَجَزَّأها ثَمانِيَةَ أجْزاءٍ»» الحَدِيثَ.

وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا الشّافِعِيُّ وعِكْرِمَةُ والزُّهْرِيُّ، إلّا إنِ اسْتَغْنى أحَدُها فَتُدْفَعُ إلى الآخَرِينَ، بِلا خِلافٍ.

وذَهَبَتْ طَوائِفُ إلى جَوازِ الصَّرْفِ في صِنْفٍ واحِدٍ مِنهم عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ وعَطاءٌ وابْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ ومالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ، والهادِي والقاسِمُ وأسْباطُهُما، وزَيْدٌ. قالَ في (" التَّهْذِيبِ "): وخَرَجُوا عَنِ الظّاهِرِ في دَلالَةِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ والخَبَرِ، بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] فَدَلَّ عَلى أنَّ ذِكْرَ العَدَدِ هُنا لِبَيانِ جِنْسِ مَن يَسْتَحِقُّها.

الثّانِي: الخَبَرُ وهو «قَوْلُهُ ﷺ لِمُعاذٍ: أعْلِمْهم أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً في أمْوالِهِمْ تُؤْخَذُ مِن أغْنِيائِهِمْ وتُرَدُّ في فُقَرائِهِمْ».

الثّالِثُ: حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَعَلَ لَهُ صَدَقَةَ بَنِي زُرَيْقٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ في ذَلِكَ خِلافٌ مِن جِهَةِ الصَّحابَةِ فَجَرى كالمُجْمَعِ عَلَيْهِ.

الخامِسُ: المُعارَضَةُ (p-٣١٨٣)لِلَّفْظِ بِالمَعْنى، فَإنَّ المَقْصُودَ سَدُّ الخَلَّةِ.

وقالَ صاحِبُ (" النِّهايَةِ "): وهَذا أقْرَبُ إلى المَعْنى، والأوَّلُ أقْرَبُ إلى اللَّفْظِ، ويُؤَيِّدُ أنَّها مُسْتَحَقَّةٌ بِالمَعْنى لا بِالِاسْمِ، أنّا لَوْ قُلْنا تُسْتَحَقُّ بِالِاسْمِ لَزِمَ أنَّ مَن كانَ فَقِيرًا غازِيًا غارِمًا مُسافِرًا، أنْ يَسْتَحِقَّ سِهامًا لِهَذِهِ الأسْبابِ جَمِيعًا - كَذا في تَفْسِيرِ بَعْضِ الزَّيْدِيَّةِ - .

وقالَ النّاصِرُ في (" الِانْتِصافِ "): القَوْلُ بِوُجُوبِ صَرْفِها إلى جَمِيعِ الأصْنافِ، حَتّى لا يَجُوزَ تَرْكُ صِنْفٍ واحِدٍ مِنها أخْذًا مِن إشْعارِ (اللّامِ) بِالتَّمْلِيكِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ: لا يُسْعِدُهُ السِّياقُ، فَإنَّ الآيَةَ مُصَدَّرَةٌ بِكَلِمَةِ الحَصْرِ الدّالَّةِ عَلى قَصْرِ جِنْسِ الصَّدَقاتِ عَلى الأصْنافِ المَعْدُودَةِ، وأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ، وأنَّ غَيْرَهم لا يَسْتَحِقُّ فِيها نَصِيبًا، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما هي لَهم لا لِغَيْرِهِمْ، فَهَذا هو الغَرَضُ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ الآيَةُ، فَلا اقْتِضاءَ فِيها لِما سِواهُ. انْتَهى.

الثّانِي: قالَ بَعْضُهم: لَفْظُ (الصَّدَقاتُ) بِعُمُومِهِ يَجْمَعُ الصَّدَقَةَ الواجِبَةَ والنّافِلَةَ، ثُمَّ إنَّ الصَّدَقَةَ الواجِبَةَ تَتَنَوَّعُ أنْواعًا، مِنها الزَّكَواتُ لِما هو العُشْرُ أوْ نِصْفُ العُشْرِ، أوْ رُبْعُ العُشْرِ، وزَكاةُ المَواشِي والفِطْرَةِ والكَفّاراتِ، نَحْوَ كَفّارَةِ اليَمِينِ والظِّهارِ والصَّوْمِ، وكَذَلِكَ الهَدْيُ في الحَجِّ، ومِنها ما يُؤْخَذُ مِن أمْوالِ الكُفّارِ ورُؤُوسِهِمْ، ولِهَذا سَمّى اللَّهُ الغَنائِمَ صَدَقَةً في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، وذَلِكَ في قِسْمَةِ غَنائِمِ (حُنَيْنٍ)، فَإذا كانَ اللَّفْظُ يَعُمُّ ما ذُكِرَ، فَهَلْ تُحْمَلُ الآيَةُ عَلى عُمُومِها في قِسْمَتِها عَلى ما ذُكِرَ، أوْ يُخَصَّصُ البَعْضُ ؟

ثُمَّ قالَ: والعُلَماءُ قَسَّمُوا الصَّدَقاتِ، وجَعَلُوا مَصارِفَها مُخْتَلِفَةً، والكَفّارَةُ لَمْ يُذْكَرْ أنَّها تُصْرَفُ في الثَّمانِيَةِ المَصارِفِ.

وقَدْ ورَدَ قَوْلُهُ تَعالى: (فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) وفي الحَدِيثِ: ««أطْعِمْ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا»»، ووَرَدَ في الفِطْرَةِ: ««أغْنُوهم هَذا اليَوْمَ»» .

ووَرَدَ الأدِلَّةُ مُخَصَّصَةً لِعُمُومِ لَفْظِ الصَّدَقاتِ ؟ فَإنَّ الزَّكَواتِ مُجْمَعٌ عَلَيْها في أنَّ مَصْرِفَها الثَّمانِيَةُ الأصْنافِ، أمْ كَيْفَ تَنْزِلُ الآيَةُ عَلى القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ ؟ . انْتَهى كَلامُهُ.

(p-٣١٨٤)ولا يَخْفى كَوْنُها مُخَصَّصَةً لِعُمُومِ لَفْظِ الصَّدَقاتِ، لِأنَّ الخاصَّ يَقْضِي عَلى العامِّ عَلى أنَّ المُرادَ قَصْرُها عَلى هَذِهِ الأصْنافِ، فَكُلُّ ما ذُكِرَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْها لِشُمُولِها لَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الثّالِثُ: (المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم) حُكْمُهم باقٍ، لِأنَّهُ ﷺ أعْطى المُؤَلَّفَةَ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، فَيُعْطَوْنَ عِنْدَ الحاجَةِ.

ويُحْمَلُ تَرْكُ عُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ إعْطاءَهم، عَلى عَدَمِ الحاجَةِ إلى إعْطائِهِمْ في خِلافَتِهِمْ، لا لِسُقُوطِ سَهْمِهِمْ، فَإنَّ الآيَةَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ، وأعْطى أبُو بَكْرٍ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ والزِّبْرِقانَ بْنَ بَدْرٍ.

ومَنعُ وُجُودِ الحاجَةِ عَلى مَمَرِّ الزَّمانِ، واخْتِلافِ أحْوالِ النُّفُوسِ في القُوَّةِ والضَّعْفِ لا يَخْفى فَسادُهُ. كَذا في (" الإقْناعِ ") و(" شَرْحِهِ ") .

والمُؤَلَّفَةُ كَما في (" الإقْناعِ ") هم رُؤَساءُ قَوْمِهِمْ: مِن كافِرٍ يُرْجى إسْلامُهُ، أوْ كَفُّ شَرِّهِ، ومُسْلِمٌ يُرْجى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إيمانِهِ، أوْ إسْلامُ نَظِيرِهِ، أوْ نُصْحُهُ في الجِهادِ، أوْ في الدَّفْعِ عَنِ المُسْلِمِينَ، أوْ كَفُّ شَرِّهِ كالخَوارِجِ ونَحْوِهِمْ، أوْ قُوَّةٌ عَلى جِبايَةِ الزَّكاةِ مِمَّنْ لا يُعْطِيها. انْتَهى.

الرّابِعُ: قالَ في (" الإكْلِيلِ "): اسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مَن أجازَ الدَّفْعَ لِلْفَقِيرِ القادِرِ عَلى الِاكْتِسابِ.

ولِلذِّمِّيِّ، ولِمَن تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِسائِرِ القَرابَةِ، لِلزَّوْجِ، ولِآلِهِ ﷺ، حَيْثُ حُرِمُوا حَظَّهم مِنَ الخُمْسِ، ولِمُوالِيهِمْ، ولِمَن جَوَّزَ نَقْلَها.

وقالَ ابْنُ الفَرَسِ: يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعامِلِينَ﴾ جَوازُ أخْذِ الأُجْرَةِ لِكُلِّ مَنِ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ مِن أعْمالٍ لِلْمُسْلِمِينَ.

قالَ: وقَدِ احْتَجَّ بِهِ أبُو عُبَيْدٍ عَلى جَوازِ أحَدِ القُضاةِ الرِّزْقَ فَقالَ: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لِلْعامِلِينَ عَلى الصَّدَقَةِ، وجَعَلَ لَهم مِنها حَقًّا بِقِيامِهِمْ فِيهِ وسَعْيِهِمْ، فَكَذَلِكَ القُضاةُ يَجُوزُ لَهم أخْذُ الأُجْرَةِ عَلى عَمَلِهِمْ، وكَذا كُلُّ مَن شُغِلِ بِشَيْءٍ مِن أعْمالِ المُسْلِمِينَ.

الخامِسُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَدَلَ عَنِ اللّامِ إلى (في)، في الأرْبَعَةِ الأخِيرَةِ ؟ قُلْتُ: لِلْإيذانِ بِأنَّهم أرْسَخُ في اسْتِحْقاقِ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ مِمَّنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، لِأنَّ (في) لِلْوِعاءِ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ تُوضَعَ فِيهِمُ الصَّدَقاتُ، ويَجْعَلُوا مَظِنَّةً لَها ومَصَبًّا، وذَلِكَ لِما في فَكِّ الرِّقابِ مِنَ الكِتابَةِ أوِ الرِّقِّ أوِ الأسْرِ، وفي فَكِّ الغارِمِينَ مِنَ الغُرْمِ، مِنَ التَّخْلِيصِ والإنْقاذِ.

(p-٣١٨٥)ولِجَمْعِ الغازِي الفَقِيرِ أوِ المُنْقَطِعِ في الحَجِّ بَيْنَ الفَقْرِ والعِبادَةِ، وكَذَلِكَ ابْنُ السَّبِيلِ جامِعٌ بَيْنَ الفَقْرِ والغُرْبَةِ عَنِ الأهْلِ والمالِ، وتَكْرِيرُ (في)، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي سَبِيلِ اللَّهِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ فِيهِ فَضْلُ تَرْجِيحٍ لِهَذَيْنَ، عَلى الرِّقابِ والغارِمِينَ. انْتَهى.

قالَ النّاصِرُ: وثَمَّ سِرٌّ آخَرُ هو أظْهَرُ وأقْرَبُ، وذَلِكَ أنَّ الأصْنافَ الأرْبَعَةَ الأوائِلَ مُلّاكٌ لِما عَساهُ يُدْفَعُ إلَيْهِمْ، وإنَّما يَأْخُذُونَهُ مِلْكًا، فَكانَ دُخُولُ اللّامِ لائِقًا بِهِمْ، وأمّا الأرْبَعَةُ الأواخِرُ فَلا يَمْلِكُونَ ما يُصْرَفُ نَحْوَهم، بَلْ ولا يُصْرَفُ إلَيْهِمْ، ولَكِنْ في مَصالِحَ تَتَعَلَّقُ بِهِمْ.

فالمالُ الَّذِي يُصْرَفُ في الرِّقابِ إنَّما يَتَناوَلُهُ السّادَةُ المُكاتِبُونَ والبائِعُونَ، فَلَيْسَ نَصِيبُهم مَصْرُوفًا إلى أيْدِيهِمْ حَتّى يُعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ (بِاللّامِ) المُشْعِرَةِ بِتَمَلُّكِهِمْ لِما يُصْرَفُ نَحْوَهم، وإنَّما هم مُحالٌ لِهَذا الصَّرْفِ، والمَصْلَحَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِ.

وكَذَلِكَ (الغارِمُونَ)، إنَّما يُصْرَفُ نَصِيبُهم لِأرْبابِ دُيُونِهِمْ، تَخْلِيصًا لِذِمَمِهِمْ، لا لَهم وأمّا: (سَبِيلِ اللَّهِ) فَواضِحٌ فِيهِ ذَلِكَ.

وأمّا: (ابْنِ السَّبِيلِ) فَكَأنَّهُ كانَ مُنْدَرِجًا في سَبِيلِ اللَّهِ، وإنَّما أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى خُصُوصِيَّتِهِ، مَعَ أنَّهُ مُجَرَّدٌ مِنَ الحَرْفَيْنِ جَمِيعًا، وعَطْفُهُ عَلى المَجْرُورِ (بِاللّامِ) مُمْكِنٌ، ولَكِنَّهُ عَلى القَرِيبِ مِنهُ أقْرَبُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

ثُمَّ قالَ: وكانَ جَدِّي أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ فارِسٍ الفَقِيهُ، اسْتَنْبَطَ مِن تَغايُرِ الحَرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ وجْهًا في الِاسْتِدْلالِ لِمالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَلى أنَّ الغَرَضَ بَيانُ المَصْرِفِ و(اللّامُ) لِذَلِكَ لامُ المِلْكِ، فَيَقُولُ: مُتَعَلِّقُ الجارِّ الواقِعِ خَبَرًا عَنِ الصَّدَقاتِ مَحْذُوفٌ، فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُهُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إنَّما الصَّدَقاتُ مَصْرُوفَةٌ لِلْفُقَراءِ، كَقَوْلِ مالِكٍ، أوْ مَمْلُوكَةٍ لِلْفُقَراءِ، كَقَوْلِ الشّافِعِيِّ، لَكِنَّ الأوَّلَ مُتَعَيِّنٌ لِأنَّهُ تَقْدِيرٌ، يُكْتَفى بِهِ في الحَرْفَيْنِ جَمِيعًا، يَصِحُّ تَعَلُّقُ (اللّامُ) بِهِ و(في) مَعًا، فَيَصِحُّ أنْ نَقُولَ: هَذا الشَّيْءُ مَصْرُوفٌ في كَذا ولِكَذا، بِخِلافِ تَقْدِيرِهِ مَمْلُوكَةً، فَإنَّهُ إنَّما يَلْتَئِمُ مَعَ اللّامِ، وعِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى (في) يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ: مَصْرُوفَةٍ لِيَلْتَئِمَ بِها.

فَتَقْدِيرُهُ مِنَ (اللّامِ) عامُّ التَّعَلُّقِ، شامِلُ الصِّحَّةِ، مُتَعَيِّنٌ، واللَّهُ المُوَفِّقُ. انْتَهى.

(p-٣١٨٦)السّادِسُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ وقَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ في تَضاعِيفِ ذِكْرِ المُنافِقِينَ ومَكايِدِهِمْ ؟

قُلْتُ: دَلَّ بِكَوْنِ هَذِهِ الأصْنافِ مَصارِفَ الصَّدَقاتِ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ عَلى أنَّهم لَيْسُوا مِنهم حَسْمًا لِأطْماعِهِمْ، وإشْعارًا بِاسْتِيجابِهِمُ الحِرْمانَ، وأنَّهم بُعَداءُ عَنْها وعَنْ مَصارِفِها، فَما لَهم وما لَها، وما سَلَّطَهم عَلى التَّكَلُّمِ فِيها ولَمْزِ قاسِمِها صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ. انْتَهى.

وتَقَدَّمَ بَيانُهُ أيْضًا.

وقَوْلُهُ تَعالى:

9:61Page 196

وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦١

And among them are those who abuse the Prophet and say, "He is an ear."1 Say, "[It is] an ear of goodness for you that believes in Allāh and believes the believers and [is] a mercy to those who believe among you." And those who abuse the Messenger of Allāh - for them is a painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦١ ] ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

﴿ومِنهُمُ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم، ومَن أشَدُّ مِنَ اللّامِزِ في الصَّدَقاتِ إذْ هم ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ﴾ أيْ: يَسْمَعُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ ويَصَدِّقُهُ، ويَعْنُونَ إنَّهُ لَيْسَ بَعِيدَ الغَوْرِ، بَلْ سَرِيعَ الِاغْتِرارِ بِكُلِّ ما يَسْمَعُ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما قالُوهُ لِأنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ لا يُواجِهُهم بِسُوءِ ما صَنَعُوا، ويَصْفَحُ عَنْهم حِلْمًا وكَرَمًا، فَحَمَلُوهُ عَلى سَلامَةِ القَلْبِ، وقالُوا ما قالُوا.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: (الأُذُنُ) الرَّجُلُ المُسْتَمِعُ القابِلُ لِما يُقالُ لَهُ، وصَفُوا بِهِ الواحِدَ والجَمْعَ، فَيُقالُ: رَجُلٌ أُذُنٌ، ورِجالٌ أُذُنٌ، فَلا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وإنَّما سُمَّوْهُ باسِمِ العُضْوِ تَهْوِيلًا وتَشْنِيعًا، فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ، أُطْلِقَ فِيهِ الجُزْءُ عَلى الكُلِّ مُبالَغَةً بِجَعْلِ جُمْلَتِهِ، لِفَرْطِ اسْتِماعِهِ، آلَةَ السَّماعِ، كَما سُمِّيَ الجاسُوسُ عَيْنًا لِذَلِكَ، ونَحْوُهُ:

؎إذا ما بَدَتْ لَيْلى فَكُلِّيَ أعْيُنٌ وإنْ حَدَّثُوا عَنْها فَكُلِّي مَسامِعُ

(p-٣١٨٧)وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ: بِـ (الأُذُنِ) في أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ وراءَ الِاسْتِماعِ تَمْيِيزُ حَقٍّ عَنْ باطِلٍ.

قالَ الشِّهابُ: ولَيْسَ بِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ. وقِيلَ إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ذُو أُذُنٍ.

قالَ الشِّهابُ: وهو مُذْهِبٌ لِرَوْنَقِهِ. وقِيلَ: هو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن (أذِنَ إلَيْهِ ولَهُ)، كَفَرِحَ: اسْتَمَعَ. قالَ عَمْرُو بْنُ الأهْيَمِ:

؎فَلَمّا أنْ تَسايَرْنا قَلِيلًا ∗∗∗ أذِنَّ إلى الحَدِيثِ فَهُنَّ صُورُ

ولِقَعْنَبِ بْنِ أُمِّ صاحِبٍ:

؎إنْ يَسْمَعُوا رِيبَةً طارُوا بِها فَرَحًا ∗∗∗ مِنِّي، وما سَمِعُوا مِن صالِحٍ دَفَنُوا

؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ ∗∗∗ وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهم أذِنُوا

وفِي الحَدِيثِ: ««ما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ ما أذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ»» .

قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي ما اسْتَمَعَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كاسْتِماعِهِ لِمَن يَتْلُوهُ، يَجْهَرُ بِهِ.

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٢] أيِ: اسْتَمَعَتْ. كَذا في (" تاجِ العَرُوسِ ") .

وعَلى هَذا فَـ (أُذُنٌ) صِفَةٌ بِمَعْنى سَمِيعٍ ولا تَجُوزَ فِيهِ، فَفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ.

وعَطْفُ قَوْلِهِ تَعالى: (ويَقُولُونَ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ: لِأنَّهُ نَفْسُ الإيذاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ لِلْمُبالَغَةِ، كَرَجُلِ صِدْقٍ، تُرِيدُ المُبالَغَةَ في الجَوْدَةِ والصَّلاحِ، كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هو أُذُنٌ، ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ أوْ إضافَتُهُ عَلى مَعْنى (في)، أيْ: هو أُذُنٌ في الخَيْرِ والحَقِّ، وفِيما يَجِبُ سَماعُهُ وقَبُولُهُ، ولَيْسَ (p-٣١٨٨)بِأُذُنٍ في غَيْرِ ذَلِكَ.

ودَلَّ عَلَيْهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ (ورَحْمَةٍ) بِالجَرِّ عَطْفًا عَلَيْهِ، أيْ: هو أُذُنُ خَيْرٍ لَكم ورَحْمَةٍ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُما ولا يَقْبَلُهُ.

ثُمَّ فَسَّرَ كَوْنَهُ أُذُنَ خَيْرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ قالَ القاشانِيُّ: هو بَيانُ لِينِهِ ﷺ وقابِلِيَّتِهِ، لِأنَّ الإيمانَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ سَلامَةِ القَلْبِ ولَطافَةِ النَّفْسِ ولِينِها ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: يُصَدِّقُ قَوْلَهم في الخَيْراتِ، ويَسْمَعُ كَلامَهم فِيها ويَقْبَلُهُ، ﴿ورَحْمَةٌ﴾ أيْ: وهو رَحْمَةٌ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ أيْ: يَعْطِفُ عَلَيْهِمْ، ويَرِقُّ لَهم، فَيُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ بِالتَّزْكِيَةِ والتَّعْلِيمِ، ويُصْلِحُ أمْرَ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، بِالبِرِّ والصِّلَةِ، وتَعْلِيمِ الأخْلاقِ مِنَ الحِلْمِ والشَّفَقَةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، بِاتِّباعِهِمْ إيّاهُ فِيها، ووَضْعِ الشَّرائِعِ المُوجِبَةِ لِنِظامِ أمْرِهِمْ في الدّارَيْنِ، والتَّحْرِيضِ عَلى أبْوابِ البِرِّ بِالقَوْلِ والفِعْلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ. قالَهُ القاشانِيُّ.

وقالَ غَيْرُهُ: أيْ: هو رَحْمَةٌ لِلَّذِينِ أظْهَرُوا الإيمانَ مِنكم، مَعْشَرَ المُنافِقِينَ، حَيْثُ يَقْبَلُهُ، لا تَصْدِيقًا لَكم، بَلْ رِفْقًا بِكم، وتَرَحُّمًا عَلَيْكم، ولا يَكْشِفُ أسْرارَكم، ولا يَفْضَحُكم، ولا يَفْعَلُ بِكم ما يُفْعَلُ بِالمُشْرِكِينَ، مُراعاةً لِما رَأى تَعالى مِنَ الحِكْمَةِ في الإبْقاءِ عَلَيْكم.

قالَ الشِّهابُ: والمَعْنى هو أُذُنُ خَيْرٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ ودَلائِلَهُ فَيُصَدِّقُها ويَسْتَمِعُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيُسَلِّمُ لَهم ما يَقُولُونَ، ويُصَدِّقُهم، وهو تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُنافِقِينَ أُذُنُ شَرٍّ، يَسْمَعُونَ آياتِ اللَّهِ ولا يَثِقُونَ بِها، ويَسْمَعُونَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ، ولا يَقْبَلُونَهُ وأنَّهُ ﷺ لا يَسْمَعُ أقْوالَهم إلّا شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، لا أنَّهُ يَقْبَلُها لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ، كَما زَعَمُوا.

وقالَ القاشانِيُّ في (" تَفْسِيرِهِ "): كانُوا يُؤْذُونَهُ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ويَغْتابُونَهُ بِسَلامَةِ القَلْبِ، وسُرْعَةِ القَبُولِ والتَّصْدِيقِ لِما يَسْمَعُ، فَصَدَّقَهم في ذَلِكَ وسَلَّمَ وقالَ: هو كَذَلِكَ، ولَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَيْرِ، فَإنَّ النَّفْسَ الأبِيَّةَ والغَلِيظَةَ الجافِيَةَ، والكَزَّةَ القاسِيَةَ الَّتِي تَتَصَلَّبُ في الأُمُورِ، ولا تَتَأثَّرُ، غَيْرُ مُسْتَعِدَّةٍ لِلْكَمالِ، إذِ الكَمالُ الإنْسانِيُّ لا يَكُونُ إلّا بِالقَبُولِ والتَّأثُّرِ، فَكُلَّما كانَتِ النَّفْسُ ألْيَنَ عَرِيكَةً، وأسْلَمَ قَلْبًا، وأسْهَلَ قَبُولًا، كانَتْ أقْبَلَ لِلْكَمالِ، وأشَدَّ اسْتِعْدادًا لَهُ.

ولَيْسَ هَذا اللِّينُ هو مِن بابِ الضَّعْفِ والبَلاهَةِ الَّذِي يَقْتَضِي الِانْفِعالَ مِن كُلِّ (p-٣١٨٩)ما يَسْمَعُ، حَتّى المُحالَ، والتَّأثُّرَ مِن كُلِّ ما يَرِدُ عَلَيْهِ ويَراهُ، حَتّى الكَذِبَ والشُّرُورَ والضَّلالَ، بَلْ هو مِن بابِ اللَّطافَةِ، وسُرْعَةِ القَبُولِ لِما يُناسِبُهُ مِنَ الخَيْرِ والصِّدْقِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ﴾ إذْ صَفاءُ الِاسْتِعْدادِ، ولُطْفُ النَّفْسِ، يُوجِبُ قَبُولَ ما يُناسِبُهُ مِن بابِ الخَيْراتِ، لا ما يُنافِيهِ مِن بابِ الشُّرُورِ، فَإنَّ الِاسْتِعْدادَ الخَيْرِيَّ لا يَقْبَلُ الشَّرَّ، ولا يَتَأثَّرُ بِهِ، ولا يَنْطَبِعُ فِيهِ، لِمُنافاتِهِ إيّاهُ، وبُعْدِهِ عَنْهُ. انْتَهى.

لَطائِفُ:

الأُولى: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ﴾ أبْلَغُ أُسْلُوبٍ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ صَدَّقَهم في كَوْنِهِ أُذُنًا، إلّا أنَّهُ فَسَّرَهُ بِما هو مَدْحٌ لَهُ، وثَناءٌ عَلَيْهِ.

قالَ النّاصِرُ: لا شَيْءَ أبْلَغُ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِهَذا الوَجْهِ، لِأنَّهُ في الأوَّلِ إطْماعٌ لَهم بِالمُوافَقَةِ، ثُمَّ كَرَّ عَلى طَمَعِهِمْ بِالحَسْمِ، وأعْقَبَهم في تَنَقُّصِهِ بِاليَأْسِ مِنهُ.

ويُضاهِي هَذا مِن مُسْتَعْمَلاتِ الفُقَهاءِ، القَوْلُ بِالمُوجِبِ، لِأنَّ في أوَّلِهِ إطْماعًا لِلْخَصْمِ بِالتَّسْلِيمِ، ثُمَّ بَتًّا لِلطَّمَعِ عَلى قُرْبٍ، ولا شَيْءَ أقْطَعُ مِنَ الإطْماعِ ثُمَّ اليَأْسِ يَتْلُوهُ ويَعْقُبُهُ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.

الثّانِيَةُ: (اللّامُ) في قَوْلِهِ تَعالى: (لِلْمُؤْمِنِينَ) مَزِيدَةٌ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الإيمانِ المَشْهُورِ، وهو الِاعْتِرافُ، وبَيْنَ الإيمانِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ والتَّصْدِيقِ - قالَهُ أبُو السُّعُودِ تَبَعًا لِلْقاضِي ـ.

قالَ الشِّهابُ: يَعْنِي أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ بِمَعْنى الِاعْتِرافِ والتَّصْدِيقِ، يَتَعَدّى بِالباءِ، فَلِذا قالَ (بِاللَّهِ)، والإيمانُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَعْنى جَعْلِهِمْ في أمانٍ مِنَ التَّكْذِيبِ بِتَصْدِيقِهِ لَهم، لِما عُلِمَ مِن خُلُوصِهِمْ، مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، فاللّامُ فِيهِ مَزِيدَةٌ لِلتَّقْوِيَةِ.

الثّالِثَةُ: قالَ أبُو السُّعُودِ: إسْنادُ الإيمانِ إلَيْهِمْ بِصِيغَةِ الفِعْلِ، بَعْدَ نِسْبَتِهِ إلى المُؤْمِنِينَ بِصِيغَةِ الفاعِلِ المُنْبِئَةِ عَنِ الرُّسُوخِ والِاسْتِمْرارِ، لِلْإيذانِ بِأنَّ إيمانَهم أمْرٌ حادِثٌ ما لَهُ مِن قَرارٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أيْ: بِما نُقِلَ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ ونَحْوِهِ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: بِما يَجْتَرِئُونَ عَلَيْهِ مِن إيذانِهِ.

(p-٣١٩٠)قالَ أبُو السُّعُودِ: وهَذا اعْتِراضٌ مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى نَهْجِ الوَعِيدِ، غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الخِطابِ.

وإيرادُهُ ﷺ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ مُضافًا إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، لِغايَةِ التَّعْظِيمِ، التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ أذِيَّتَهُ راجِعَةٌ إلى جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ، مُوجِبَةَ لِكَمالِ السُّخْطِ والغَضَبِ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى:

9:62Page 197

يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٦٢

They swear by Allāh to you [Muslims] to satisfy you. But Allāh and His Messenger are more worthy for them to satisfy,1 if they were to be believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٢ ] ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ، وكانَ المُنافِقُونَ يَتَكَلَّمُونَ بِالمَطاعِنِ، أوْ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الجِهادِ، ثُمَّ يَأْتُونَهم فَيَعْتَذِرُونَ إلَيْهِمْ، ويُؤَكِّدُونَ مَعاذِيرَهم بِالحَلِفِ لِيَعْذُرَهم، ويَرْضَوْا عَنْهم، فَقِيلَ لَهم: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ كَما تَزْعُمُونَ، فَأحَقُّ مَن أرْضَيْتُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ بِالطّاعَةِ والوِفاقِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ الظّاهِرُ بَعْدَ العَطْفِ بِالواوِ التَّثْنِيَةَ، وقَدْ أُفْرِدَ، وجَّهُوهُ:

بِأنَّ إرْضاءَ الرَّسُولِ إرْضاءٌ لِلَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فَلِتَلازُمِهِما جُعِلا كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَعادَ عَلَيْهِما الضَّمِيرُ المُفْرَدُ، و: (أحَقُّ)، عَلى هَذا، خَبَرٌ عَنْهُما مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ.

أوْ بِأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى، و: (أحَقُّ) خَبَرُهُ، لِسَبْقِهِ.

والكَلامُ جُمْلَتانِ، حُذِفَ خَبَرُ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، لِدَلالَةِ الأُولى عَلَيْهِ، أيْ: واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ.

(p-٣١٩١)وسِيبَوَيْهِ جَعَلَهُ لِلثّانِي، لِأنَّهُ أقْرَبُ، مَعَ السَّلامَةِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ كَقَوْلِهِ:

؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْ دَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

أوْ بِأنَّ الضَّمِيرَ لَهُما بِتَأيُّلِ ما ذُكِرَ، أوْ كُلٌّ مِنهُما، وأنَّهُ لَمْ يُثَنَّ تَأدُّبًا لِئَلّا يُجْمَعَ بَيْنَ اللَّهِ وغَيْرِهِ في ضَمِيرِ تَثْنِيَةٍ، وقَدْ نَهى عَنْهُ، عَلى كَلامٍ فِيهِ.

أوْ بِأنَّ الكَلامَ في إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ وإرْضائِهِ، فَيَكُونُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعْظِيمًا لَهُ وتَمْهِيدًا، فَلِذا لَمْ يُخْبِرْ عَنْهُ، وخَصَّ الخَبَرَ بِالرَّسُولِ. قالَ الشِّهابُ: وفِيهِ تَأمُّلٌ. انْتَهى.

وقَدْ عُهِدَ لَهُمُ القَوْلُ بِمِثْلِهِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وقِراءَةُ التّاءِ عَلى الِالتِفاتِ، لِلتَّوْبِيخِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском