Al-QasimiAt‑Tawbah · 9:74–80

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:74–80

9:74Page 199

يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٧٤

They swear by Allāh that they did not say [anything against the Prophet (ﷺ)] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islām and planned that which they were not to attain.1 And they were not resentful except [for the fact] that Allāh and His Messenger had enriched them of His bounty.2 So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allāh will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.

(p-٣٢٠٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٤ ] ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ .

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ أيْ: فِيكَ شَيْئًا يَسُوءُكَ ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وذَلِكَ أنَّهُ اقْتَتَلَ رَجُلانِ: جُهَنِيٌّ وأنْصارِيٌّ، فَعَلا الجُهَنِيُّ عَلى الأنْصارِيِّ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ لِلْأنْصارِ: ألا تَنْصُرُونَ أخاكم ! واللَّهِ، ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: (سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ) . وقالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيَخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَسَعى بِها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَسَألَهُ، فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ.

ورَوى الأُمَوِيُّ في " مَغازِيهِ " عَنِ ابْنِ إسْحاقَ «أنَّ الجُلاسَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ - وكانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ مِنَ المُنافِقِينَ - لَمّا سَمِعَ ما يَنْزِلُ فِيهِمْ قالَ: واللَّهِ لَئِنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ صادِقًا فِيما يَقُولُ، لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَسَمِعَها عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، وكانَ في حِجْرِهِ، فَقالَ: واللَّهِ يا جُلاسُ إنَّكَ لَأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ، وأحْسَنُهم عِنْدِي بَلاءً، وأعَزُّهم عَلَيَّ أنْ يَصِلَهُ شَيْئًا تَكْرَهُهُ، ولَقَدْ قُلْتَ مَقالَةً، فَإنْ ذَكَرَتْها لَتَفْضَحُنِي، ولَئِنْ كَتَمْتَها لَتُهْلِكُنِي، ولَإحْداهُما أهْوَنُ عَلَيَّ مِنَ الأُخْرى.

فَمَشى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ لَهُ ما قالَ الجُلاسُ، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ الجُلاسَ، أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قالَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، فَوَقَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْها، فَزَعَمُوا أنَّ الجُلاسَ تابَ فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ ونَزَعَ فَأحْسَنَ النُّزُوعَ» .

(p-٣٢٠٥)وهاتانِ الرِّوايَتانِ وغَيْرُهُما مِمّا رُوِيَ هُنا، كُلُّهُ مِمّا يُفِيدُ تَنَوُّعَ مَقالاتٍ وكَلِماتٍ مُكَفِّرَةٍ لَهم مِمّا هو مِن هَذا القَبِيلِ، وإنْ لَمْ يُمْكِنّا تَعْيِينُ شَيْءٍ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قِيلَ أُنْزِلَتْ في الجُلاسِ بْنِ سُوَيْدٍ، وذَلِكَ أنَّهُ هَمَّ بِقَتْلِ عُمَيْرٍ ابْنِ امْرَأتِهِ، لَمّا رَفَعَ كَلِمَتَهُ المُتَقَدِّمَةَ إلى النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ.

وقَدْ ورَدَ أنْ نَفَرًا مِنَ المُنافِقِينَ هَمُّوا بِالفَتْكِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وهو في غَزْوَةِ تَبُوكَ، في بَعْضِ تِلْكَ اللَّيالِي، في حالِ السَّيْرِ، وكانُوا بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.

قالَ الضَّحّاكُ: فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنا يَزِيدُ أخْبَرَنا الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: «لَمّا أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ، أمَرَ مُنادِيًا فَنادى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَ العَقَبَةَ، فَلا يَأْخُذْها أحَدٌ.

فَبَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُودُهُ حُذَيْفَةُ، ويَسُوقُ بِهِ عَمّارٌ، إذْ أقْبَلَ رَهْطٌ مُتَلَثِّمُونَ عَلى الرَّواحِلِ، غَشَوْا عَمّارًا، وهو يَسُوقُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأقْبَلَ عَمّارٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَضْرِبُ وُجُوهَ الرَّواحِلِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحُذَيْفَةَ: «قَدْ، قَدْ»، حَتّى هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

فَلَمّا هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ، ورَجَعَ عَمّارٌ ! فَقالَ: يا عَمّارُ ! هَلْ عَرَفْتَ القَوْمَ ؟ فَقالَ: قَدْ عَرَفْتُ عامَّةَ الرَّواحِلِ، والقَوْمُ مُتَلَثِّمُونَ.

قالَ: هَلْ تَدْرِي ما أرادُوا ؟ قالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: أرادُوا أنْ يَنْفِرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَطْرَحُوهُ. فَقُلْ: فَسارَّ عَمّارٌ رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ، كَمْ تَعْلَمُ كانَ أصْحابُ العَقَبَةِ» ؟ قالَ: أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. فَقُلْ: «إنْ كُنْتَ فِيهِمْ فَقَدْ كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ» .

قالَ فَعَدَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنهم ثَلاثَةً، قالُوا: واللَّهِ ما سَمِعْنا مُنادِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وما عَلِمْنا ما أرادَ القَوْمُ.

فَقالَ عَمّارٌ: أشْهَدُ أنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ الباقِينَ حَرْبٌ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ».

﴿وما نَقَمُوا﴾ أيْ: ما أنْكَرُوا وما عابُوا ﴿إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فَإنَّهم كانُوا قَبْلَ مَقْدَمِهِ ﷺ المَدِينَةَ في ظَنِّكَ مِنَ العَيْشِ، فَأثْرَوْا بِالغَنائِمِ، وقُتِلَ لِلْجُلاسِ (p-٣٢٠٦)مَوْلًى، فَأمَرَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِدِيَتِهِ فاسْتَغْنى.

والمَعْنى أنَّ المُنافِقِينَ عَمِلُوا بِضِدِّ الواجِبِ، فَجُعِلُوا مَوْضِعَ شُكْرِ النَّبِيِّ ﷺ ما هَمُّوا بِهِ، ولا ذَنْبَ إلّا تُفَضِّلُهُ عَلَيْهِمْ، فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: ما لِي عِنْدَكَ ذَنْبٌ إلّا أنِّي أحْسَنْتُ إلَيْكَ، وقَوْلِ ابْنِ قَيْسٍ الرُّقَيّاتِ:

؎ما نَقِمُ النّاسُ مِن أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْمِلُونَ إنْ غَضِبُوا

وقَوْلِ النّابِغَةِ:

؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

ويُقالُ: نَقِمَ مِن فُلانٍ الإحْسانَ، (كَعَلِمَ) إذا جَعَلَهُ مِمّا يُؤَدِّيهِ إلى كُفْرِ النِّعْمَةِ كَما في (" التّاجِ ") .

ثُمَّ دَعاهم تَعالى إلى التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ ﴿يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا﴾ أيْ: بِالقَتْلِ والهَمِّ والغَمِّ ﴿والآخِرَةِ﴾ أيْ: بِالنّارِ وغَيْرِها ﴿وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ﴾ أيْ: يَشْفَعُ لَهم في دَفْعِ العَذابِ.

﴿ولا نَصِيرٍ﴾ أيْ: فَيَدْفَعُهُ بِقُوَّتِهِ.

(p-٣٢٠٧)ثُمَّ يُبَيِّنُ تَعالى بَعْضَ مَن نُقِمْ لِإغْناءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِما آتاهُ مِن فَضْلِهِ، مِمَّنْ نَكَثَ في يَمِينِهِ، وتَوَلّى عَنِ التَّوْبَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

9:75Page 199

۞ وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥

And among them are those who made a covenant with Allāh, [saying], "If He should give us from His bounty, we will surely spend in charity, and we will surely be among the righteous."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٥ ] ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ .

﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ أيْ: حَلَفَ ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: بِإعْطاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.

9:76Page 199

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٧٦

But when He gave them from His bounty, they were stingy with it and turned away while they refused.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٦ ] ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ .

﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا﴾ أيْ: مِنَ العَهْدِ: ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾

9:77Page 199

فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ٧٧

So He penalized them with hypocrisy in their hearts until the Day they will meet Him - because they failed Allāh in what they promised Him and because they [habitually] used to lie.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٧ ] ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .

﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أيْ: فَجَعَلَ اللَّهُ عاقِبَةَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ، أوْ فَأوْرَثَهُمُ البُخْلَ ﴿نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾ أيْ: مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ في العَهْدِ.

9:78Page 199

أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٧٨

Did they not know that Allāh knows their secrets and their private conversations and that Allāh is the Knower of the unseen?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٨ ] ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ .

﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ أيْ: ما أسَرُّوهُ مِنَ النِّفاقِ والعَزْمِ عَلى إخْلافِ ما وعَدُوهُ وما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم مِنَ المُطاعِنِ في الدِّينِ ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ أيْ: ما غابَ عَنِ العِبادِ.

(p-٣٢٠٨)تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (" لُبابِ النُّقُولِ "): أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في (" الدَّلائِلِ ") بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ، «أنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا. قالَ: «ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ ! قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ، خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ» . قالَ: واللَّهِ لَئِنْ آتانِي اللَّهُ مالًا لَأُوتِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَدَعا لَهُ، فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ حَتّى ضاقَتْ عَلَيْهِ أزِقَّةُ المَدِينَةِ، فَتَنَحّى بِها، وكانَ يَشْهَدُ الصَّلاةَ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَيْها، ثُمَّ نَمَتْ حَتّى تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ مَراعِي المَدِينَةِ فَتَنَحّى بِها، وكانَ يَشْهَدُ الصَّلاةَ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَيْها، ثُمَّ نَمَتْ حَتّى تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ مَراعِي المَدِينَةِ، فَتَنَحّى بِها، فَكانَ يَشْهَدُ الجُمُعَةَ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَيْها، ثُمَّ نَمَتْ، فَتَنَحّى بِها، فَتَرَكَ الجُمْعَةَ والجَماعاتِ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] فاسْتَعْمَلَ عَلى الصَّدَقاتِ رَجُلَيْنِ، وكَتَبَ لَهُما كِتابًا، فَأتَيا ثَعْلَبَةَ، فَأقْرَآهُ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: انْطَلِقا إلى النّاسِ، فَإذا فَرَغْتُمْ فَمُرُّوا بِي فَفَعَلا، فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، فانْطَلَقا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧]» الحَدِيثَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ، وفِيهِ «أنَّهُ جاءَ بَعْدُ إلى النَّبِيِّ ﷺ بِصَدَقَتِهِ لَهُ: «إنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ»، فَجَعَلَ التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ. فَقالَ: «هَذا عَمَلُكَ، قَدْ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي»، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجاءَ بِها إلىأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَمْ يَقْبَلْها، وكَذا عُمَرُ وعُثْمانُ، ثُمَّ إنَّهُ هَلَكَ في أيّامِ عُثْمانَ».

قالَ الشِّهابُ: مَجِيءُ ثَعْلَبَةَ وحَثْوُهُ التُّرابَ، لَيْسَ لِلتَّوْبَةِ مِن نِفاقِهِ، بَلْ لِلْعارِ مِن عَدَمِ قَبُولِ زَكاتِهِ مَعَ المُسْلِمِينَ، وقَوْلُهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ««هَذا عَمَلُكَ»»، أيْ: جَزاءَ عَمَلِكَ، وهو عَدَمُ إعْطائِهِ المُصَّدِّقِينَ، مَعَ مَقالَتِهِ الشَّنْعاءِ.

(p-٣٢٠٩)قالَ الحاكِمُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ لَمْ تُقْبَلْ صَدَقَتُهُ وهو مُكَلَّفٌ بِالتَّصَدُّقِ ؟ أُجِيبُ: بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِذَلِكَ، كَيْلا يَجْتَرِئَ النّاسُ عَلى نَقْضِ العَهْدِ، ومُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، ورَدِّ سُعاةِ النَّبِيِّ ﷺ، ويَكُونُ لُطْفًا في تَرْكِ البُخْلِ والنِّفاقِ.

الثّانِي: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ وسَبَبُ نُزُولِها أحْكامٌ:

مِنها: أنَّ الوَفاءَ بِالوَعْدِ واجِبٌ، إذا تَعَلَّقَ العَهْدُ بِواجِبٍ، والعَهْدُ إنْ حُمِلَ عَلى اليَمِينِ بِاللَّهِ، فَذَلِكَ ظاهِرٌ، وإنْ حُمِلَ عَلى النَّذْرِ، فَفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِما أوْجَبَ اللَّهُ.

ومِنها: أنَّ لِلْإمامِ أنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ، أيْ: يَمْتَنِعُ مِن أخْذِ الواجِبِ إذا حَصَلَ لَهُ وجْهٌ شابَهَ الوَجْهَ الَّذِي حَصَلَ في قِصَّةِ ثَعْلَبَةَ. انْتَهى.

الثّالِثُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (" الإكْلِيلِ "): فِيها أنَّ إخْلافَ الوَعْدِ والكَذِبِ مِن خِصالِ النِّفاقِ، فَيَكُونُ الوَفاءُ والصِّدْقُ مِن شُعَبِ الإيمانِ.

وفِيها المُعاقَبَةُ عَلى الذَّنْبِ بِما هو أشَدُّ مِنهُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا﴾ [التوبة: ٧٧] واسْتَدَلَّ بِهِ قَوْمٌ عَلى أنَّ مَن حَلَفَ إنْ فَعَلَ كَذا فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذا، أنَّهُ يَلْزَمُهُ.

وآخَرُونَ عَلى أنَّ مانِعَ الزَّكاةِ يُعاقَبُ بِتَرْكِ أخْذِها مِنهُ، كَما فُعِلَ بِمَن نَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ. انْتَهى.

الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ نَقْضَ العَهْدِ، وخُلْفَ الوَعْدِ، يُورِثُ النِّفاقَ، فَيَجِبُ عَلى المُسْلِمِ أنْ يُبالِغَ في الِاحْتِرازِ عَنْهُ، فَإذا عاهَدَ اللَّهَ في أمْرٍ فَلْيَجْتَهِدْ في الوَفاءِ بِهِ.

ومَذْهَبُ الحَسَنِ البَصَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ يُوجِبُ النِّفاقَ لا مَحالَةَ، وتَمَسَّكَ فِيهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ««ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ، وإنْ صَلّى وصامَ وزَعَمَ أنَّهُ مُؤْمِنٌ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ»» .

(p-٣٢١٠)الخامِسُ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] عَلى أنَّ ذَلِكَ المُعاهِدَ ماتَ مُنافِقًا.

قالَ الرّازِيُّ: وهَذا الخَبَرُ وقَعَ مُخْبِرُهُ مُطابِقًا لَهُ، فَإنَّهُ رُوِيَ «أنَّ ثَعْلَبَةَ أتى النَّبِيَّ ﷺ بِصَدَقَتِهِ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ صَدَقَتَكَ»» . وبَقِيَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وما قَبِلَ أحَدٌ مِنَ الخُلَفاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم صَدَقَتَهُ حَتّى ماتَ، فَكانَ إخْبارًا عَنْ غَيْبٍ، فَكانَ مُعْجِزًا.

السّادِسُ: الضَّمِيرُ في (يُلْقُونَهُ) لِلَفْظِ الجَلالَةِ، والمُرادُ بِ (اليَوْمِ) يَوْمُ القِيامَةِ، ولَهُ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في التَّنْزِيلِ.

وأعْرَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ حَيْثُ قالَ: الضَّمِيرُ في (يَلْقَوْنَهُ) إمّا لِلَّهِ، والمُرادُ بِاليَوْمِ وقْتُ المَوْتِ، أوْ لِلْبُخْلِ والمُرادُ يَوْمُ القِيامَةِ والمُضافُ مَحْذُوفٌ، وهو الجَزاءُ. انْتَهى.

واللِّقاءُ إذا أُضِيفَ إلى الكُفّارِ كانَ لِقاءً مُناسِبًا لِحالِهِمْ مِن وُقُوفِهِمْ لِلْحِسابِ مَعَ حَجْبِهِمْ عَنْهُ تَعالى، لِأنَّهم لَيْسُوا أهْلًا لِرُؤْيَتِهِ، تَقَدَّسَ اسْمُهُ.

وإذا أُضِيفَ إلى المُؤْمِنِينَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] كانَ لَقْيًا مُناسِبًا لِمَقامِهِمْ مِن رُؤْيَتِهِ تَعالى، وذَلِكَ لِما أفْصَحَتْ عَنْهُ آياتٌ أُخَرُ مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ، مِمّا يَتَنَزَّلُ مِثْلُ ذَلِكَ عَلَيْها.

فَمَن وقَفَ في بَعْضِ الآياتِ عَلى لَفْظَةٍ، وأخَذَ يَسْتَنْبِطُ مِنها، ولَمْ يُراعِ مَنِ اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ، وأُطْلِقَتْ عَلَيْهِ، كانَ ذَلِكَ جُمُودًا وتَعَصُّبًا، لا أخْذًا بِيَدِ الحَقِّ.

نَقُولُ ذَلِكَ رَدًّا لِقَوْلِ الجُبّائِيِّ: إنَّ اللِّقاءَ في هَذِهِ الآيَةِ لا يُفِيدُ رُؤْيَتَهُ تَعالى، لِلْإجْماعِ عَلى أنَّ الكُفّارَ لا يَرَوْنَهُ تَعالى، فَلا يُفِيدُها أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]

ولِلرّازِيِّ مَعَهُ مُناقَشَةٌ مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وما ذَكَرْناهُ أمْتَنُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

السّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: (السِّرُّ) ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ صُدُورُهم، و(النَّجْوى) ما يُفاوِضُ فِيهِ بَعْضُهم بَعْضًا فِيما بَيْنَهم، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ النُّجُوِّ، وهو الكَلامُ الخَفِيُّ، كَأنَّ المُتَناجِيَيْنِ مُنِعا إدْخالَ غَيْرِهِما مَعَهُما، وتَباعَدا مِن غَيْرِهِما.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مِن مَساوِئِ المُنافِقِينَ نَوْعًا آخَرَ، وهو لَمْزُهُمُ المُتَصَدِّقِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

9:79Page 199

ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٩

Those who criticize the contributors among the believers concerning [their] charities and [criticize] the ones who find nothing [to spend] except their effort, so they ridicule them - Allāh will ridicule them, and they will have a painful punishment.

(p-٣٢١١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٩ ] ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهم فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ أيْ: يَعِيبُونَ ﴿المُطَّوِّعِينَ﴾ أيِ: المُتَبَرِّعِينَ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾ فَيَزْعُمُونَ أنَّهم تَصَدَّقُوا رِياءً ﴿والَّذِينَ﴾ أيْ: ويَلْمِزُونَ الَّذِينَ ﴿لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾ أيْ: لا يَجِدُونَ ما يَتَصَدَّقُونَ بِهِ إلّا قَلِيلًا، وهو مِقْدارُ طاقَتِهِمْ.

﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ أيْ: يَهْزَؤُونَ بِهِمْ، ويَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ صَدَقَتِهِمْ، ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ أيْ: جازاهم عَلى سَخَرِهِمْ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

رَوى البُخارِيُّ في " صَحِيحِهِ " عَنْ أبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ، كُنّا نُحامِلُ فَجاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقالُوا: مُرائِي. وجاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصاعٍ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذا، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ الآيَةَ، رَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي السَّلِيلِ، عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ عَنْ أبِيهِ أوْ عَمِّهِ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ أشْهَدُ لَهُ بِها يَوْمَ القِيامَةِ» ؟ فَجاءَ رَجُلٌ لَمْ أرَ رَجُلًا أشَدَّ مِنهُ سَوادًا، ولا أصْغَرَ مِنهُ ولا آدَمَ، بِناقَةٍ لَمْ أرَ أحْسَنَ مِنها، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، دُونَكَ هَذِهِ النّاقَةَ. قالَ: فَلَمَزَهُ رَجُلٌ فَقالَ: هَذا يَتَصَدَّقُ بِهَذِهِ، فَواللَّهِ لَهي خَيْرٌ مِنهُ، فَسَمِعَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «كَذَبْتَ ! بَلْ هو خَيْرٌ مِنكَ ومِنها ثَلاثَ مَرّاتٍ»، ثُمَّ قالَ: «ويْلٌ لِأصْحابِكِ إلّا مَن قالَ بِالمالِ هَكَذا وهَكَذا»، وجَمَعَ بَيْنَ كَفَّيْهِ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ».

(p-٣٢١٢)قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ المُطَّوِّعُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وعاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ أخا بَنِي عَجْلانَ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَغَّبَ في الصَّدَقَةِ، وحَضَّ عَلَيْها، فَقامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَتَصَدَّقَ بِأرْبَعَةِ آلافٍ، وقامَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ وتَصَدَّقَ بِمِائَةِ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، فَلَمَزُوها وقالُوا: ما هَذا إلّا رِياءٌ.

وكانَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِجُهْدِهِ أبا عُقَيْلٍ، أخا بَنِي أُنَيْفٍ، أتى بِصاعٍ مِن تَمْرٍ، فَأفْرَغَها في الصَّدَقَةِ فَتَضاحَكُوا بِهِ، وقالُوا: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صاعِ أبِي عُقَيْلٍ.

ورَوى الحافِظُ البَزّارُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««تَصَدَّقُوا فَإنِّي أُرِيدُ أنْ أبْعَثَ بَعْثًا»، فَجاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! عِنْدِي أرْبَعَةُ آلافٍ، ألْفَيْنِ أُقْرِضُهُما لِرَبِّي، وألْفَيْنِ لِعِيالِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما أعْطَيْتَ، وبارَكَ لَكَ فِيما أمْسَكْتَ» .

وباتَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَأصابَ صاعَيْنِ مِن تَمْرٍ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! أصَبْتُ صاعَيْنِ مِن تَمْرٍ، صاعٌ أُقْرِضُهُ لِرَبِّي، وصاعٌ لِعِيالِي. قالَ، فَلَمَزَهُ المُنافِقُونَ وقالُوا: ما أعْطى الَّذِي أعْطى ابْنُ عَوْفٍ إلّا رِياءً، وقالُوا ألَمْ يَكُنِ اللَّهُ ورَسُولُهُ غَنِيَّيْنِ عَنْ صاعِ هَذا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ».

وقَوْلُهُ ﷺ ««أُرِيدُ أنْ أبْعَثَ بَعْثًا»» أيْ: لِغَزْوِ الرُّومِ، وذَلِكَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (" الإكْلِيلِ "): في هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمُ اللَّمْزِ والسُّخْرِيَةِ بِالمُؤْمِنِينَ. انْتَهى.

الثّانِي: في: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ وُجُوهُ الإعْرابِ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ بِتَقْدِيرِ: (هُمُ الَّذِينَ) أوْ مَفْعُولُ أعْنِي أوْ أذُمُّ الَّذِينَ، أوْ مَجْرُورٌ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ: (سِرَّهم)، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (p-٣٢١٣)مُبْتَدَأً خَبَرُهُ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ وقِيلَ: ﴿فَيَسْخَرُونَ﴾ ودَخَلَتِ (الفاءُ) لِما في (الَّذِينَ) مِنَ الشَّبَهِ بِالشَّرْطِ. وأمّا: (الَّذِينَ لا يَجِدُونَ) إلَخْ فَقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ وقِيلَ: عَلى: (المُؤْمِنِينَ)، والأحْسَنُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿المُطَّوِّعِينَ﴾

قالَ في (" الفَتْحِ "): ويَكُونُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، والنُّكْتَةُ فِيهِ التَّنْوِيهُ بِالخاصِّ، لِأنَّ السُّخْرِيَةَ مِنَ المُقِلِّ أشَدُّ مِنَ المُكْثِرِ غالِبًا.

الثّالِثُ: قالَ في (" الفَتْحِ "): قِراءَةُ الجُمْهُورِ: ﴿المُطَّوِّعِينَ﴾ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ والواوِ. وأصْلُهُ المُتَطَوِّعِينَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ. انْتَهى.

أيْ: لِقُرْبِ المَخْرَجِ، والتَّطَوُّعُ التَّنَفُّلُ، وهو الطّاعَةُ لِلَّهِ تَعالى بِما لَيْسَ بِواجِبٍ.

و(الجُهْدُ)، قالَ اللَّيْثُ: هو شَيْءٌ قَلِيلٌ يَعِيشُ بِهِ المُقِلُّ، وبِضَمِّ الجِيمِ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وجَماعَةٌ بِالفَتْحِ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.

وقِيلَ: المَفْتُوحُ بِمَعْنى المَشَقَّةِ، والمَضْمُومُ بِمَعْنى الطّاقَةِ، وقِيلَ: المَضْمُومُ قَلِيلٌ يُعاشُ بِهِ، والمَفْتُوحُ: العَمَلُ.

والمُخْتارُ أنَّهُما بِمَعْنًى، وهو الطّاقَةُ وما تَبْلُغُهُ القُوَّةُ. قالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والفَتْحُ لِغَيْرِهِمْ. والهُزْءُ والسُّخْرِيَةُ بِمَعْنًى.

وقَوْلُهُ تَعالى:

9:80Page 200

ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٨٠

Ask forgiveness for them, [O Muḥammad], or do not ask forgiveness for them. If you should ask forgiveness for them seventy times - never will Allāh forgive them. That is because they disbelieved in Allāh and His Messenger, and Allāh does not guide the defiantly disobedient people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٠ ] ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ .

﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ المُنافِقِينَ ﴿أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيْ: فَإنَّهُما في حَقِّهِما سَواءٌ.

ثُمَّ بَيَّنَ اسْتِحالَةَ المَغْفِرَةِ لَهم وإنْ بُولِغَ في الِاسْتِغْفارِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ﴾ أيْ: عَدَمُ الغُفْرانِ لَهم ﴿بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: الخارِجِينَ عَنْ حُدُودِهِ.

(p-٣٢١٤)تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ إلَخْ، إنْشائِيَّةٌ لَفْظًا، خَبَرِيَّةٌ مَعْنًى.

والمُرادُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الِاسْتِغْفارِ لَهم، وتَرْكُهُ في اسْتِحالَةِ المَغْفِرَةِ.

وتَصْوِيرُهُ بِصُورَةِ الأمْرِ، لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ اسْتِوائِهِما، كَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَ بِامْتِحانِ الحالِ، بِأنْ يَسْتَغْفِرَ تارَةً، ويَتْرُكَ أُخْرى، لِيَظْهَرَ لَهُ جَلِيَّةُ الأمْرِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى:

﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: ٥٣] وقَدْ ورَدَتْ بِصِيغَةِ الخَبَرِ في سُورَةِ المُنافِقُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥] ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦]

الثّانِي: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (السَّبْعُونَ) جارٍ مَجْرى المَثَلِ في كَلامِهِمْ لِلتَّكْثِيرِ. قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ:

؎لَأصْبَحَنَّ العاصَ وابْنَ العاصِي سَبْعِينَ ألْفًا عاقِدِي النَّواصِي

أيْ: فَذِكْرُها لِلْمُبالَغَةِ في حَسْمِ مادَّةِ الِاسْتِغْفارِ لَهم، جَرْيًا عَلى أسالِيبِ العَرَبِ في ذِكْرِها لِلْمُبالَغَةِ لا لِلتَّحْدِيدِ، بِأنْ يَكُونَ ما زادَ عَلَيْها بِخِلافِها.

وقالَ أبُو السُّعُودِ: شاعَ اسْتِعْمالُ السَّبْعَةِ والسَّبْعِينَ والسَّبْعِمِائَةٍ في مُطْلَقِ التَّكْثِيرِ، لِاشْتِمالِ السَّبْعَةِ عَلى جُمْلَةِ أقْسامِ العَدَدِ، فَكَأنَّها العَدَدُ بِأسْرِهِ.

وقِيلَ: هي أكْمَلُ الأعْدادِ، لِجَمْعِها مَعانِيَها، ولِأنَّ السِّتَّةَ أوَّلُ عَدَدٍ تامٍّ، لِتَعادُلِ أجْزائِها الصَّحِيحَةِ، إذْ نَصِفُها ثَلاثَةٌ، وثُلُثُها (p-٣٢١٥)اثْنانِ، وسُدُسُها واحِدٌ، وجُمْلَتُها سَبْعَةٌ، وهي مَعَ الواحِدِ سَبْعَةٌ، فَكانَتْ كامِلَةً، إذْ لا مَرْتَبَةَ بَعْدَ التَّمامِ إلّا الكَمالُ، ثُمَّ السَّبْعُونَ غايَةُ الكَمالِ، إذِ الآحادُ غايَتُها العَشَراتُ، والسَّبْعُمِائَةٍ غايَةُ الغاياتِ - انْتَهى.

الثّالِثُ: رَوى البُخارِيُّ وغَيْرُهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمّا أرادَ أنْ يَصُدَّهُ عَنِ الصَّلاةِ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: إنَّما خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآيَةَ، وسَأزِيدُهُ عَلى السَّبْعِينَ».

فَظاهِرُ هَذا أنَّ (أوْ) لِلتَّخْيِيرِ، وأنَّ السَّبْعِينَ لَهُ حَدٌّ يُخالِفُهُ حُكْمُ ما وراءَهُ، وهو مِنَ الإشْكالِ بِمَكانٍ.

ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ خَفِيَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو أفْصَحُ العَرَبِ وأخْبَرُهم بِأسالِيبِ الكَلامِ وتَمْثِيلاتِهِ ؟ والَّذِي يُفْهَمُ مِن هَذا العَدَدِ كَثْرَةُ الِاسْتِغْفارِ، كَيْفَ وقَدْ تَلاهُ بِقَوْلِهِ:﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، فَبَيَّنَ الصّارِفَ عَنِ المَغْفِرَةِ لَهم، حَتّى قالَ: «قَدْ رَخَّصَ لِي رَبِّي فَسَأزِيدُ عَلى السَّبْعِينَ» .

ثُمَّ أجابَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: قُلْتُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ خُيِّلَ بِما قالَ إظْهارًا لِغايَةِ رَحْمَتِهِ ورَأْفَتِهِ عَلى مَن بُعِثَ إلَيْهِ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]

وفِي إظْهارِ النَّبِيِّ ﷺ الرَّأْفَةَ والرَّحْمَةَ لُطْفٌ لِأُمَّتِهِ، ودُعاءٌ لَهم إلى تَرَحُّمِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. انْتَهى.

قالَ الشُّرّاحُ: يَعْنِي أنَّهُ أوْقَعَ في خَيالِ السّامِعِ أنَّهُ فَهْمُ العَدَدِ المَخْصُوصِ دُونَ التَّكْثِيرِ، فَجَوَّزَ الإجابَةَ بِالزِّيادَةِ قَصْدًا إلى إظْهارِ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، كَما جَعَلَ إبْراهِيمُ ﷺ جَزاءَ مَن عَصانِي أيْ: لَمْ يَمْتَثِلْ أمْرَ تَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ.

قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] دُونَ أنْ يَقُولَ: شَدِيدُ العِقابِ، فَخُيِّلَ أنَّهُ يَرْحَمُهم ويَغْفِرَ لَهم رَأْفَةً بِهِمْ، وحَثًّا عَلى الِاتِّباعِ.

وفَهْمُ المَعْنى الحَقِيقِيِّ مِن (p-٣٢١٦)لَفْظٍ اشْتُهِرَ مَجازُهُ، لا يُنافِي فَصاحَتَهُ، ومَعْرِفَتَهُ بِاللِّسانِ فَإنَّهُ لا خَطَأ فِيهِ، ولا بُعْدَ، إذْ هو الأصْلُ، ورَجَّحَهُ عِنْدَهُ شَغَفُهُ بِهِدايَتِهِمْ، ورَأْفَتُهُ بِهِمْ، واسْتِعْطافُ مَن عَداهم.

قالَ النّاصِرُ: وقَدْ أنْكَرَ القاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدِيثَ الِاسْتِغْفارِ، ولَمْ يُصَحِّحْهُ وتَغالى قَوْمٌ في قَبُولِهِ، حَتّى إنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ عُمْدَةً في مَفْهُومِ المُخالَفَةِ، وبَنُوهُ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهِمَ مِن تَحْدِيدِ نَفْيِ الغُفْرانِ بِالسَّبْعِينَ، ثُبُوتُ الغُفْرانِ بِالزّائِدِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ سَبَبُ إنْكارِ القاضِي عَلَيْهِمْ وقِيلَ: لَمّا سَوّى اللَّهُ بَيْنَ الِاسْتِغْفارِ وعَدَمِهِ، ورَتَّبَ عَلَيْهِ عَدَمَ القَبُولِ، ولَمْ يَنْهَ عَنْهُ، فُهِمَ أنَّهُ خَيْرٌ ومُرَخَّصٌ فِيهِ، وهَذا مُرادُهُ ﷺ، لا أنَّهُ فُهِمَ التَّخْيِيرُ مِن (أوْ)، حَتّى يُنافِيَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُما، المُرَتَّبُ عَلَيْها عَدَمُ المَغْفِرَةِ، وذَلِكَ تَطْيِيبًا لِخاطِرِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَأْلُ جُهْدًا في الرَّأْفَةِ بِهِمْ.

قالَ الشِّهابُ: والتَّحْقِيقُ أنَّ المُرادَ التَّسْوِيَةُ في عَدَمِ الفائِدَةِ، وهي لا تُنافِي التَّخْيِيرَ، فَإنْ ثَبَتَ فَهو بِطِرِيقِ الِاقْتِضاءِ، لِوُقُوعِها بَيْنَ ضِدَّيْنِ لا يَجُوزُ تَرْكُهُما ولا فِعْلُهُما، فَلا بُدَّ مِن أحَدِهِما، فَقَدْ يَكُونُ في الإثْباتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّبْلِيغِ، وقَدْ يَكُونُ في النَّفْيِ كَما هُنا، وفي قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] الآيَةَ، فَهو مُحْتاجٌ إلى البَيانِ، ولِذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««إنَّهُ رُخِّصَ لِي»»، ولَعَلَّهُ رَخَّصَ لَهُ في ابْنِ أُبَيٍّ لِحِكْمَةٍ، وإنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فائِدَةَ القَبُولِ. انْتَهى.

وقالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (" الفَتْحِ "): رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]»

ثُمَّ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الأيَّتانِ مَعًا نَزَلَتا في ذَلِكَ. انْتَهى.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى نَوْعٍ آخَرَ مِن مَساوِئِ المُنافِقِينَ وهو جَعْلُهُمُ الفَرَحَ مَكانَ الحُزْنِ، والكَراهَةَ مَكانَ الرِّضا. بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском