As-Suyuti · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:44–48
17:44Page 286
تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا ٤٤
The seven heavens and the earth and whatever is in them exalt Him. And there is not a thing except that it exalts [Allāh] by His praise, but you do not understand their [way of] exalting. Indeed, He is ever Forbearing1 and Forgiving.
(p-٣٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ .
أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى كانَ جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ، ومِيكائِيلُ عَنْ يَسارِهِ، فَطارا بِهِ حَتّى بَلَغَ السَّماواتِ العُلا، فَلَمّا رَجَعَ قالَ: ”سَمِعْتُ تَسْبِيحًا في السَّماواتِ العُلا مَعَ تَسْبِيحٍ كَثِيرٍ؛ سَبَّحَتِ السَّماواتُ العُلى مِن ذِي المَهابَةِ مُشْفِقاتٍ لِذِي العُلُوِّ بِما عَلا، سُبْحانَ العَلِيِّ الأعْلى، سُبْحانَهُ وتَعالى“» .
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ لُوطِ بْنِ أبِي لُوطٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ تَسْبِيحَ سَماءِ الدُّنْيا: سُبْحانَ رَبِّنا الأعْلى. والثّانِيَةِ: سُبْحانَهُ وتَعالى. والثّالِثَةِ: سُبْحانَهُ وبِحَمْدِهِ. والرّابِعَةِ: سُبْحانَهُ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِهِ. والخامِسَةِ: سُبْحانَ مُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. والسّادِسَةِ: سُبْحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ. والسّابِعَةِ: سُبْحانَ الَّذِي مَلَأ السَّماواتِ السَّبْعَ والأرَضِينَ السَّبْعَ عِزَّةً ووَقارًا.
وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ وهو جالِسٌ مَعَ (p-٣٥١)أصْحابِهِ إذْ سَمِعَ هَدَّةً، فَقالَ: ”أطَّتِ السَّماءُ وبِحَقِّها أنْ تَئِطَّ“ . قالُوا: وما الأطِيطُ؟ قالَ: ”تَناقَضَتِ السَّماءُ وبِحَقِّها أنْ تَنْقَضَّ، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا فِيهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ ساجِدٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ بِحَمْدِهِ“» .
وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: ”﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ﴾ بِالتّاءِ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾
أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في“العَظَمَةِ”، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ألا أُخْبِرُكم بِشَيْءٍ أمَرَ بِهِ نُوحٌ اِبْنَهُ؟ إنَّ نُوحًا قالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ، آمُرُكَ أنْ تَقُولَ: سُبْحانَ اللَّهِ. فَإنَّها صَلاةُ الخَلْقِ، وتَسْبِيحُ الخَلْقِ، وبِها يُرْزَقُ الخَلْقُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ”» .
(p-٣٥٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَمْرٍو: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «“إنَّ نُوحًا لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ قالَ لِابْنَيْهِ: آمُرُكُما بِسُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، فَإنَّها صَلاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وبِها يُرْزَقُ كُلُّ شَيْءٍ”» .
وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في“فَضْلِ الدِّيكِ”، عَنْ عائِشَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“صَوْتُ الدِّيكِ صَلاتُهُ، وضَرْبُهُ بِجَناحَيْهِ سُجُودُهُ ورُكُوعُهُ”. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ:“ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ”» .
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُنادِي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: اُذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكم. فَلا يَسْمَعُها أوَّلُ مِنَ الدِّيكِ، فَيَصِيحُ، فَذَلِكَ تَسْبِيحُهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في“العَظَمَةِ”، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“لا تَضْرِبُوا وُجُوهَ الدَّوابِّ؛ فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ”» .
(p-٣٥٣)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عُمَرَ قالَ: لا تَلْطِمُوا وُجُوهَ الدَّوابِّ؛ فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ مَرَّ عَلى قَوْمٍ وهم وُقُوفٌ عَلى دَوابَّ لَهم ورَواحِلَ، فَقالَ لَهُمُ:“اِرْكَبُوها سالِمَةً ودَعُوها سالِمَةً، ولا تَتَّخِذُوها كَراسِيَّ لِأحادِيثِكم في الطُّرُقِ والأسْواقِ، فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ مِن راكِبِها وأكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ مِنهُ”» .
وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“ما تَسْتَقِلُّ الشَّمْسُ فَيَفِيئُ شَيْءٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى إلّا سَبَّحَ اللَّهَ بِحَمْدِهِ، إلّا ما كانَ مِنَ الشَّيْطانِ وأغْبِياءِ بَنِي آدَمَ”» .
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: ما مِن عَبْدٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ (p-٣٥٤)تَسْبِيحَةً إلّا سَبَّحَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ، قالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ .
وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“إنَّ النَّمْلَ يُسَبِّحْنَ”» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ، فَأمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: مِن أجْلِ نَمْلَةٍ واحِدَةٍ أحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسْبِّحُ”» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَمْرٍو قالَ: «نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدِعِ، وقالَ:“نَقِيقُها تَسْبِيحٌ”» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في“العَظَمَةِ”، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ . قالَ: الزَّرْعُ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وأجْرُهُ لِصاحِبِهِ، والثَّوْبُ يُسَبِّحُ، ويَقُولُ الوَسَخُ: إنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا فاغْسِلْنِي إذَنْ.
(p-٣٥٥)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي قَبِيلٍ قالَ: الزَّرْعُ يُسَبِّحُ وثَوابُهُ لِلَّذِي زَرَعَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ إلّا الحِمارَ والكَلْبَ.
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ . قالَ: الأُسْطُوانَةُ تُسَبِّحُ، والشَّجَرَةُ تُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لا يَعِيبَنَّ أحَدُكم دابَّتَهُ ولا ثَوْبَهُ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ.
وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والخَطِيبُ، عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: صَرِيرُ البابِ تَسْبِيحُهُ.
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي غالِبٍ الشَّيْبانِيِّ قالَ: صَوْتُ البَحْرِ تَسْبِيحُهُ، وأمْواجُهُ صَلاتُهُ.
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ النَّخَعِيِّ قالَ: الطَّعامُ يُسَبِّحُ.
(p-٣٥٦)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في“الزُّهْدِ”، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: أُتِيَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بِغُرابٍ وافِرِ الجَناحَيْنِ، فَجَعَلَ يَنْشُرُ جَناحَهُ ويَقُولُ: ما صِيدَ مِن صَيْدٍ، ولا عُضِدَتْ مِن شَجَرَةٍ، إلّا بِما ضَيَّعَتْ مِنَ التَّسْبِيحِ.
وأخْرَجَ اِبْنُ راهُوَيْهِ في“مُسْنَدِهِ”، مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «أُتِيَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بِغُرابٍ وافِرِ الجَناحَيْنِ، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ يَقُولُ:“ما صِيدَ صَيْدٌ، ولا عُضِدَتْ عِضاةٌ، ولا قُطِعَتْ وشِيجَةٌ، إلّا بِقِلَّةِ التَّسْبِيحِ”» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في“الحِلْيَةِ”، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ما صِيدَ مِن صَيْدٍ، ولا وُشِجَ مِن وشِيجٍ، إلّا بِتَضْيِيعِهِ التَّسْبِيحَ”» .
وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ما اُصْطِيدَ مِن طَيْرٍ في السَّماءِ، ولا سَمَكٍ في الماءِ، حَتّى يَدَعَ ما اِفْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ (p-٣٥٧)مِنَ التَّسْبِيحِ”» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ما أُخِذَ طائِرٌ ولا حُوتٌ إلّا بِتَضْيِيعِ التَّسْبِيحِ”» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“لا يُصْطادُ شَيْءٌ مِنَ الطَّيْرِ والحَيَّتانِ إلّا بِما يُضَيِّعُ مِن تَسْبِيحِ اللَّهِ”» .
وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ أبِي رُهْمٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «“ما اُصْطِيدَ صَيْدٌ في بَرٍّ ولا بَحْرٍ إلّا بِتَضْيِيعِهِ التَّسْبِيحَ”» .
وأخْرَجَ العَقِيلِيُّ في“الضُّعَفاءِ”، وأبُو الشَّيْخِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“آجالُ البَهائِمِ كُلِّها، وخِشاشِ الأرْضِ، والقَمْلِ، والبَراغِيثِ، والجَرادِ، والخَيْلِ، والبِغالِ، والدَّوابِّ (p-٣٥٨)كُلِّها، والبَقَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، آجالُها في التَّسْبِيحِ، فَإذا اِنْقَضى تَسْبِيحُها قَبَضَ اللَّهُ أرْواحَها، ولَيْسَ إلى مَلَكِ المَوْتِ مِنها شَيْءٌ”» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ . قالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ يُسَبِّحُ؛ مِن شَجَرَةٍ أوْ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ.
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ . قالَ: ما مِن شَيْءٍ في أصْلِهِ الأوَّلِ لَمْ يَمُتْ إلّا وهو يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ.
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ شَوْذَبٍ قالَ: جَلَسَ الحَسَنُ مَعَ أصْحابِهِ عَلى مائِدَةٍ، فَقالَ بَعْضُهم: هَذِهِ المائِدَةُ تُسَبِّحُ الآنَ. فَقالَ الحَسَنُ: كَلّا، إنَّما ذاكَ كُلُّ شَيْءٍ عَلى أصْلِهِ.
وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: الطَّعامُ يُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: لا (p-٣٥٩)تَقْتُلُوا الضَّفادِعَ؛ فَإنَّ أصْواتَها تَسْبِيحٌ.
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: ظَنَّ داوُدُ في نَفْسِهِ أنَّ أحَدًا لَمْ يَمْدَحْ خالِقَهُ أفْضَلَ مِمّا مَدَحَهُ، وإنَّ مَلَكًا نَزَلَ وهو قاعِدٌ في المِحْرابِ والبِرْكَةُ إلى جانِبِهِ فَقالَ: يا داوُدُ، اِفْهَمْ إلى ما تُصَوِّتُ بِهِ الضِّفْدِعُ. فَأنْصَتَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذا الضِّفْدِعُ تَمْدَحُهُ بِمِدْحَةٍ لَمْ يَمْدَحْهُ بِها داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ لَهُ المَلَكُ: كَيْفَ تَرى يا داوُدُ، أفْهِمْتَ ما قالَتْ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ماذا قالَتْ؟ قالَ: قالَتْ: سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ مُنْتَهى عِلْمِكَ يا رَبِّ. قالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا والَّذِي جَعَلَنِي نَبِيَّهُ، إنِّي لَمْ أمْدَحْهُ بِهَذا.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسارٍ قالَ: كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ في مِحْرابِهِ، فَأبْصَرَ دُودَةً صَغِيرَةً، فَفَكَّرَ في خَلْقِها وقالَ: ما يَعْبَأُ اللَّهُ بِخَلْقِ هَذِهِ؟ فَأنْطَقَها اللَّهُ فَقالَتْ: يا داوُدُ، أتُعْجِبُكَ نَفْسُكَ؟ لَأنا، عَلى قَدْرِ ما آتانِي اللَّهُ، أذْكَرُ لِلَّهِ وأشْكَرُ لَهُ مِنكَ، عَلى ما آتاكَ اللَّهُ. قالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ .
(p-٣٦٠)وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ في التَّوْراةِ كَقَدْرِ ألْفِ آيَةٍ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ . قالَ: في التَّوْراةِ: تُسَبِّحُ لَهُ الجِبالُ، وتُسَبِّحُ لَهُ الشَّجَرُ، ويُسَبِّحُ لَهُ كَذا، ويُسَبِّحُ لَهُ كَذا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في“الزُّهْدِ”، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُسَمّى النَّوّاحَ في كِتابِ اللَّهِ، وإنَّهُ اِنْطَلَقَ حَتّى أتى البَحْرَ فَقالَ: أيُّها البَحْرُ، إنِّي هارِبٌ فارٌّ مِنَ الطّالِبِ الَّذِي لا يَنْأى، طَلَبُهُ، فاجْعَلْنِي قَطْرَةً في [٢٦٠ظ] مائِكَ، أوْ دابَّةً مِمّا فِيكَ، أوْ تُرْبَةً مِن تُرْبِكَ، أوْ صَخْرَةً مِن صَخْرِكَ. قالَ: أيُّها العَبْدُ الهارِبُ الفارُّ مِنَ الطّالِبِ الَّذِي لا يَنْأى طَلَبُهُ، اِرْجِعْ مِن حَيْثُ جِئْتَ، فَإنَّهُ لَيْسَ مِنِّي شَيْءٌ إلّا بارِزٌ يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ، قَدْ أحْصاهُ وعَدَّهُ عَدًّا، فَلَسْتُ أسْتَطِيعُ ذَلِكَ. ثُمَّ اِنْطَلَقَ حَتّى أتى الجَبَلَ، فَقالَ: أيُّها الجَبَلُ، اِجْعَلْنِي حَجَرًا مِن حِجارَتِكَ، أوْ تُرْبَةً مِن تُرْبِكَ، أوْ صَخْرَةً مِن صَخْرِكَ، أوْ شَيْئًا مِمّا في جَوْفِكَ. فَقالَ: أيُّها العَبْدُ الهارِبُ الفارُّ مِنَ الطّالِبِ الَّذِي لا يَنْأى طَلَبُهُ، إنَّهُ لَيْسَ مِنِّي شَيْءٌ إلّا (p-٣٦١)يَراهُ ويَنْظُرُ إلَيْهِ، وقَدْ أحْصاهُ وعَدَّهُ عَدًّا، فَلَيْسَ أسْتَطِيعُ ذَلِكَ. ثُمَّ اِنْطَلَقَ حَتّى أتى الأرْضَ، يَعْنِي الرَّمْلَ، فَقالَ: أيُّها الرَّمْلُ، اِجْعَلْنِي تُرْبَةً مِن تُرْبِكَ، أوْ صَخْرَةً مِن صَخْرِكَ، أوْ شَيْئًا مِمّا في جَوْفِكَ. فَأوْحى اللَّهُ إلى الرَّمْلِ: أنْ أجِبْهُ. فَقالَ: أيُّها العَبْدُ الفارُّ مِنَ الطّالِبِ الَّذِي لا يَنْأى طَلَبُهُ، اِرْجِعْ مِن حَيْثُ جِئْتَ، فاجْعَلْ عَمَلَكَ لِقِسْمَيْنِ؛ لِرَغْبَةٍ أوْ لِرَهْبَةٍ، فَعَلى أيِّهِما أخَذَكَ رَبُّكَ لَمْ تُبالِ. وخَرَجَ فَأتى البَحْرَ في ساعَةٍ، فَصَلّى فِيها، فَنادَتْهُ ضِفْدِعَةٌ فَقالَتْ: يا داوُدُ، إنَّكَ حَدَّثْتَ نَفْسَكَ أنَّكَ قَدْ سَبَّحْتَ في ساعَةٍ لَيْسَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيها غَيْرُكَ، وإنِّي في سَبْعِينَ ألْفَ ضِفْدِعٍ كُلُّها قائِمَةٌ عَلى رِجْلٍ تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى وتُقَدِّسُهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: صَلّى داوُدُ لَيْلَةً حَتّى أصْبَحَ، فَلَمّا أنْ أصْبَحَ وجَدَ في نَفْسِهِ سُرُورًا، فَنادَتْهُ ضِفْدِعَةٌ: يا داوُدُ، (p-٣٦٢)كُنْتُ أدْأبَ مِنكَ قَدْ أغْفَيْتَ إغْفاءً.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في“العَظَمَةِ”عَنْ أبِي بُرْدَةَ بْنِ أبِي مُوسى قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أكْثَرَ تَسْبِيحًا مِن هَذِهِ الدُّودَةِ الحَمْراءِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: التُّرابُ يُسَبِّحُ، فَإذا بُنِيَ بِهِ الحائِطُ سَبَّحَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ قالَ: الزَّرْعُ يُسَبِّحُ، ويُكْتَبُ الأجْرُ لِصاحِبِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: إذا سَمِعْتَ نَقِيضًا مِنَ البَيْتِ أوْ مِنَ الخَشَبِ أوِ الجَدْرِ فَهو تَسْبِيحٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: كانَ أبُو الدَّرْداءِ يَطْبُخُ قِدْرًا، فَوَقَعَتْ عَلى (p-٣٦٣)وجْهِها فَجَعَلَتْ تُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: كانَ مُطَرِّفٌ إذا دَخَلَ بَيْتَهُ فَسَبَّحَ سَبَّحَتْ مَعَهُ آنِيَةُ بَيْتِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَوْلا ما غُمِّيَ عَلَيْكم مِن تَسْبِيحِ ما مَعَكم في البُيُوتِ ما تَقارَرْتُمْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مِسْعَرٍ قالَ: لَوْلا ما غَمَّ اللَّهُ عَلَيْكم مِن تَسْبِيحِ خَلْقِهِ ما تَقارَرْتُمْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ . قالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ يُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ . قالَ: صَلاةُ الخَلْقِ وتَسْبِيحُهم: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ.
(p-٣٦٤)وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَعُدُّ الآياتِ بَرَكَةً، وأنْتُمْ تَعُدُّونَها تَخْوِيفًا، بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ مَعَنا ماءٌ، فَقالَ لَنا:“اُطْلُبُوا مَن مَعَهُ فَضْلُ ماءٍ”. فَأُتِيَ بِماءٍ، فَوَضَعَهُ في إناءٍ، ثُمَّ وضَعَ يَدَهُ فِيهِ، فَجَعَلَ الماءُ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ، ثُمَّ قالَ:“حَيَّ عَلى الطَّهُورِ المُبارَكِ، والبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ”. فَشَرِبْنا مِنهُ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنّا نَسْمَعُ صَوْتَ الماءِ وتَسْبِيحَهُ وهو يَشْرَبُ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في“العَظَمَةِ”، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا نَأْكُلُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعامِ وهو يُؤْكَلُ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَعامِ ثَرِيدٍ، فَقالَ:“إنَّ هَذا الطَّعامَ يُسَبِّحُ”. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وتَفْقَهُ تَسْبِيحَهُ؟ قالَ:“نَعَمْ”. ثُمَّ قالَ لِرَجُلٍ:“أدْنِ هَذِهِ القَصْعَةَ مِن هَذا الرَّجُلِ”. فَأدْناها، فَقالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا الطَّعامُ يُسَبِّحُ. فَقالَ:“أدْنِها مِن آخَرَ”. فَأدْناها مِنهُ، (p-٣٦٥)فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا الطَّعامُ يُسَبِّحُ. ثُمَّ قالَ:“رُدَّها”. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أُمِرَّتْ عَلى القَوْمِ جَمِيعًا؟ فَقالَ:“لا، إنَّها لَوْ سَكَتَتْ عِنْدَ رَجُلٍ لَقالُوا: مِن ذَنْبٍ. رُدَّها”. فَرَدَّها» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في“الحِلْيَةِ”، عَنْ أبِي حَمْزَةَ الثُّمالِيِّ قالَ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وسَمِعَ عَصافِيرَ يَصِحْنَ فَقالَ: تَدْرِي ما يَقُلْنَ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: يُسَبِّحْنَ رَبَّهُنَّ عَزَّ وجَلَّ ويَسْألْنَ قُوتَ يَوْمِهِنَّ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ أبِي حَمْزَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، فَمَرَّ بِنا عَصافِيرُ يَصِحْنَ، فَقالَ: أتُدْرُونَ ما تَقُولُ هَذِهِ العَصافِيرُ؟ قُلْنا: لا. قالَ: أما إنِّي ما أقُولُ: إنّا نَعْلَمُ الغَيْبَ. ولَكِنِّي سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“إنَّ الطَّيْرَ إذا أصْبَحَتْ سَبَّحَتْ رَبَّها، وسَألَتْهُ قُوتَ يَوْمِها”. وإنَّ هَذِهِ تُسَبِّحُ رَبَّها، وتَسْألُهُ قُوتَ يَوْمِها» .
(p-٣٦٦)وأخْرَجَ الخَطِيبُ في“تارِيخِهِ”عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لِي:“يا عائِشَةُ، اِغْسِلِي هَذَيْنِ البُرْدَيْنِ”. فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِالأمْسِ غَسَلْتُهُما. فَقالَ لِي:“أما عَلِمْتِ أنَّ الثَّوْبَ يُسَبِّحُ، فَإذا اِتَّسَخَ اِنْقَطَعَ تَسْبِيحُهُ"» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾
أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ . قالَ: حَلِيمًا عَنْ خَلْقِهِ، فَلا يَعْجَلُ كَعَجَلَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، غَفُورًا لَهم إذا تابُوا.
17:45–48Page 286
وَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ جَعَلۡنَا بَيۡنَكَ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ حِجَابٗا مَّسۡتُورٗا ٤٥
And when you recite the Qur’ān, We put between you and those who do not believe in the Hereafter a concealed partition.1
وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا ٤٦
And We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And when you mention your Lord alone in the Qur’ān, they turn back in aversion.
نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَسۡتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذۡ يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰٓ إِذۡ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٤٧
We are most knowing of how they listen to it when they listen to you and [of] when they are in private conversation, when the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."
ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٤٨
Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، مَعًا في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] [المَسَدِ: ١] . أقْبَلَتِ العَوْراءُ أُمُّ جَمِيلٍ ولَها ولْوَلَةٌ، وفي يَدِها فِهْرٌ وهي تَقُولُ:
؎مُذَمَّمًا أبَيْنا ودِينَهُ قَلَيْنا ∗∗∗ وأمْرَهُ عَصَيْنا
(p-٣٦٧)ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ، وأبُو بَكْرٍ إلى جَنْبِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَقَدْ أقْبَلَتْ هَذِهِ وأنا أخافُ أنْ تَراكَ. فَقالَ: ”إنَّها لَنْ تَرانِي“ . وقَرَأ قُرْآنًا اِعْتَصَمَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ . فَجاءَتْ حَتّى قامَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ، فَلَمْ تَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ، بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ، ما هَجاكِ. فانْصَرَفَتْ وهي تَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي بِنْتُ سَيِّدِها» .
وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، «أنَّ أُمَّ جَمِيلٍ دَخَلَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ وعِنْدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا اِبْنَ أبِي قُحافَةَ، ما شَأْنُ صاحِبِكَ يُنْشِدُ فِيَّ الشِّعْرَ؟ فَقالَ: واللَّهِ ما صاحِبِي بِشاعِرٍ، وما يَدْرِي ما الشِّعْرُ. فَقالَتْ: ألَيْسَ قَدْ قالَ: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] [المَسَدِ: ٥] . فَما يُدْرِيهِ ما في جِيدِي؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”قُلْ لَها: هَلْ تَرَيِنَّ عِنْدِي أحَدًا؟ فَإنَّها لَنْ تَرانِي، جُعِلَ بَيْنِي وبَيْنَها حِجابٌ“ . فَسَألَها أبُو بَكْرٍ: فَقالَتْ: أتَهْزَأُ بِي؟ واللَّهِ ما أرى عِنْدَكَ أحَدًا» .
وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ «عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ المَقامِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ظِلِّ الكَعْبَةِ بَيْنَ يَدَيَّ، إذْ جاءَتْ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ زَوْجَةُ أبِي لَهَبٍ، ومَعَها فِهْرانِ، فَقالَتْ: أيْنَ الَّذِي هَجانِي وهَجا زَوْجِي؟ (p-٣٦٨)واللَّهِ لَئِنْ رَأيْتُهُ لَأرُضَّنَّ أُنْثَيَيْهِ بِهَذَيْنِ الفِهْرَيْنِ. وذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . قالَ أبُو بَكْرٍ: فَقُلْتُ لَها: يا أُمَّ جَمِيلٍ، واللَّهِ ما هَجاكِ ولا هَجا زَوْجَكِ. قالَتْ: واللَّهِ ما أنْتَ بِكَذّابٍ، وإنَّ النّاسَ لَيَقُولُونَ ذاكَ. ثُمَّ ولَّتْ ذاهِبَةً، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّها لَمْ تَرَكَ! فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”حالَ بَيْنِي وبَيْنَها جِبْرِيلُ» “ .
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والدّارَقُطْنِيُّ في ”الأفْرادِ“، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . جاءَتِ اِمْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ تَنَحَّيْتَ عَنْها، فَإنَّها اِمْرَأةٌ بَذِيَّةٌ. قالَ: ”سَيُحالُ بَيْنِي وبَيْنَها“ . فَلَمْ تَرَهُ. فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ، هَجانا صاحِبُكَ. قالَ: واللَّهِ ما يَنْطِقُ بِالشِّعْرِ ولا يَقُولُهُ. فَقالَتْ: إنَّكَ لَمُصَدَّقٌ. فانْدَفَعَتْ راجِعَةً، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما رَأتْكَ! قالَ: ”كانَ بَيْنِي وبَيْنَها (p-٣٦٩)مَلَكٌ يَسْتُرُنِي بِجَناحِهِ حَتّى ذَهَبَتْ“» .
وأخْرَجَ اِبْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ اِبْنِ شِهابٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا تَلا القُرْآنَ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ودَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا يَهْزَؤُونَ بِهِ: قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ، ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ الآياتِ» .
وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ، ووَلَدُهُ القاسِمُ في كِتابِ ”آياتِ الحِرْزِ“، عَنِ العَبّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ المِنقَرِيِّ قالَ: قَدِمَ حُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ المَدِينَةَ حاجًّا، فاحْتَجْنا إلى أنْ نُوَجِّهَ رَسُولًا، وكانَ في الخَوْفِ، فَأبى الرَّسُولُ أنْ يَخْرُجَ، وخافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الطَّرِيقِ، فَقالَ الحُسَيْنُ: أنا أكْتُبُ لَكَ رُقْعَةً فِيها حِرْزٌ، لَنْ يَضُرَّكَ شَيْءٌ إنْ شاءَ اللَّهُ. فَكَتَبَ لَهُ رُقْعَةً وجَعَلَها الرَّسُولُ في صُرَّتِهِ، فَذَهَبَ الرَّسُولُ فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جاءَ سالِمًا، فَقالَ: مَرَرْتُ بِالأعْرابِ يَمِينًا وشِمالًا فَما هَيَّجَنِي مِنهم أحَدٌ. والحِرْزُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وإنَّ هَذا الحِرْزَ كانَ الأنْبِياءُ يَتَحَرَّزُونَ بِهِ مِنَ الفَراعِنَةِ: (﷽) . ﴿قالَ اخسئوا فِيها ولا (p-٣٧٠)تُكَلِّمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] [المُؤْمِنُونَ: ١٠٨] . ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] [مَرْيَمَ: ١٨] . أخَذْتُ بِسَمْعِ اللَّهِ وبَصَرِهِ وقُوَّتِهِ عَلى أسْماعِكم وأبْصارِكم وقُوَّتِكم يا مَعْشَرَ الجِنِّ، والإنْسِ، والشَّياطِينِ، والأعْرابِ، والسِّباعِ، والهَوامِّ، واللُّصُوصِ - مِمّا يَخافُ ويَحْذَرُ فُلانُ بْنُ فُلانٍ، سَتَرْتُ بَيْنَهُ وبَيْنَكم بِسِتْرِ النُّبُوَّةِ [٢٦١و] الَّتِي اِسْتَتَرُوا بِها مِن سَطَواتِ الفَراعِنَةِ، جِبْرِيلُ عَنْ أيْمانِكُمْ، ومِيكائِيلُ عَنْ شَمائِلِكُمْ، ومُحَمَّدٌ ﷺ أمامَكُمْ، واللَّهُ تَعالى مِن فَوْقِكم يَمْنَعُكم مِن فُلانِ بْنِ فُلانٍ؛ في نَفْسِهِ، ووَلَدِهِ، وأهْلِهِ، وشَعَرِهِ، وبَشَرِهِ، ومالِهِ، وما عَلَيْهِ، وما مَعَهُ، وما تَحْتَهُ، وما فَوْقَهُ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿نُفُورًا﴾ . وصَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ . قالَ: الحِجابُ المَسْتُورُ أكِنَّةٌ عَلى قُلُوبِهِمْ أنْ يَفْقَهُوهُ وأنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ؛ أطاعُوا الشَّيْطانَ فاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ. قالَ: ذاكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إذا قَرَأ القُرْآنَ عَلى المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ سَمِعُوا قِراءَتَهُ ولا يَرَوْنَهُ.
(p-٣٧١)وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ . قالَ: بُغْضًا لِما تَكَلَّمَ بِهِ لِئَلّا يَسْمَعُوهُ، كَما كانَ قَوْمُ نُوحٍ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ لِئَلّا يَسْمَعُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ.
وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ . قالَ: الشَّياطِينُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“ «عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، أنَّهُ قالَ: لِمَ كَتَبْتُمْ: (﷽)؟ فَنِعْمَ الِاسْمُ واللَّهِ كَتَمُوا، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا دَخَلَ مُنْزِلَهُ، اِجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَيَجْهَرُ بِـ (بَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ويَرْفَعُ صَوْتَهُ بِها، فَتُوَلِّي قُرَيْشٌ فِرارًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء»: ٤٦] .
وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ . قالَ: عُتْبَةُ وشَيْبَةُ اِبْنا رَبِيعَةَ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ.
(p-٣٧٢)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ . قالَ: هي في مِثْلِ قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ومَن مَعَهُ في دارِ النَّدْوَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ . قالَ: مَخْرَجًا يُخْرِجُهم مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوا لَكَ؛ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأصْحابُهُ.
وأخْرَجَ اِبْنُ إسْحاقَ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «حُدِّثْتُ أنَّ أبا جَهْلٍ، وأبا سُفْيانَ، والأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي بِاللَّيْلِ في بَيْتِهِ، فَأخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم مَجْلِسًا يَسْتَمِعُ فِيهِ، وكُلٌّ لا يَعْلَمُ بِمَكانِ صاحِبِهِ، فَباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى إذا طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَتَلاوَمُوا، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَعُودُوا، فَلَوْ رَآكم بَعْضُ سُفَهائِكم لَأوْقَعْتُمْ في نَفْسِهِ شَيْئًا. ثُمَّ اِنْصَرَفُوا حَتّى إذا كانَتِ اللَّيْلَةُ الثّانِيَةُ، عادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم إلى مَجْلِسِهِ، فَباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ مِثْلَ ما قالُوا أوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ اِنْصَرَفُوا، حَتّى إذا كانَتِ اللَّيْلَةُ الثّالِثَةُ أخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَجْلِسَهُ، فَباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى إذا طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا نَبْرَحُ حَتّى نَتَعاهَدَ لا نَعُودُ. فَتَعاهَدُوا عَلى ذَلِكَ ثُمَّ تَفَرَّقُوا، فَلَمّا أصْبَحَ الأخْنَسُ أتى أبا سُفْيانَ في بَيْتِهِ فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ رَأْيِكَ فِيما سَمِعْتَ مِن مُحَمَّدٍ. قالَ: واللَّهِ لَقَدْ (p-٣٧٣)سَمِعْتُ أشْياءَ أعْرِفُها وأعْرِفُ ما يُرادُ بِها، وسَمِعْتُ أشْياءَ ما عَرَفْتُ مَعْناها، ولا ما يُرادُ بِها. قالَ الأخْنَسُ: وأنا والَّذِي حَلَفْتَ بِهِ. ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ حَتّى أتى أبا جَهْلٍ، فَقالَ: ما رَأْيُكَ فِيما سَمِعْتَ مِن مُحَمَّدٍ؟ قالَ: ماذا سَمِعْتُ؟ تَنازَعْنا نَحْنُ وبَنُو عَبْدِ مُنافٍ في الشَّرَفِ، أطْعَمُوا فَأطْعَمْنا، وحَمَلُوا فَحَمَلْنا، وأعْطَوْا فَأعْطَيْنا، حَتّى إذا تَجاثَيْنا عَلى الرُّكَبِ وكُنّا كَفَرَسَيْ رِهانٍ قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِنَ السَّماءِ. فَمَتى نُدْرِكُ هَذِهِ؟! واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، ولا نُصَدِّقُهُ. فَقامَ عَنْهُ الأخْنَسُ وتَرَكَهُ» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences