As-Suyuti · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:16–23
19:16Page 306
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا ١٦
And mention, [O Muḥammad], in the Book [the story of] Mary, when she withdrew from her family to a place toward the east.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذِ انْتَبَذَتْ﴾ أيِ انْفَرَدَتْ ﴿مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ قالَ: قِبَلَ المَشْرِقِ شاسِعًا مُنْتَحِيًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ قالَ: مَكانًا أظَلَّتْها الشَّمْسُ أنْ يَراها أحَدٌ مِنهم.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما اتَّخَذَتِ النَّصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً لِأنَّ مَرْيَمَ اتَّخَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا، فاتَّخَذا مِيلادَهُ قِبْلَةً، وإنَّما سَجَدَتِ اليَهُودُ عَلى حَرْفٍ، حِينَ نُتِقَ فَوْقَهُمُ الجَبَلُ، فَجَعَلُوا يَتَخَوَّفُونَ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، يَتَخَوَّفُونَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَسَجَدُوا سَجْدَةً رَضِيَها اللَّهُ، فاتَّخَذُوها سُنَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أهْلَ الكِتابِ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ إلى البَيْتِ والحَجُّ إلَيْهِ، وما صَرَفَهم عَنْهُ إلّا قِيلُ رَبِّكَ: ﴿إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ (p-٤٠)قالَ: خَرَجَتْ مِنهم مَكانًا شَرْقِيًّا، فَصَلُّوا قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا بَلَغَتْ مَرْيَمُ، فَبَيْنا هي في بَيْتِها مُنْفَصِلَةٌ، إذْ دَخَلَ عَلَيْها رَجُلٌ بِغَيْرِ إذْنٍ، فَخَشِيَتْ أنْ يَكُونَ دَخَلَ عَلَيْها لِيَغْتالَها، فَقالَتْ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] قالَ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] قالَتْ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠] قالَ: ﴿كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ﴾ [مريم: ٢١] فَجَعَلَ جِبْرِيلُ يُرَدِّدُ ذَلِكَ عَلَيْها، وتَقُولُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [مريم: ٢٠] وتَغَفَّلَها جِبْرِيلُ فَنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها ونَهَضَ عَنْها، واسْتَمَرَّ بِها حَمْلُها، فَقالَتْ: إنْ خَرَجْتُ نَحْوَ المَغْرِبِ فالقَوْمُ يُصَلُّونَ نَحْوَ المَغْرِبِ، ولَكِنْ أخْرُجُ نَحْوَ المَشْرِقِ حَيْثُ لا يَرانِي أحَدٌ. فَخَرَجَتْ نَحْوَ المَشْرِقِ، فَبَيْنا هي تَمْشِي إذْ فَجَأها المَخاضُ، فَنَظَرَتْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا تَسْتَتِرُ بِهِ، فَلَمْ تَرَ إلّا جِذْعَ النَّخْلَةِ، فَقالَتْ: أسْتَتِرُ بِهَذا الجِذْعِ مِنَ النّاسِ، وكانَ تَحْتَ الجِذْعِ نَهْرٌ يَجْرِي، فانْضَمَّتْ إلى النَّخْلَةِ، فَلَمّا وضَعَتْهُ خَرَّ كُلُّ شَيْءٍ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ في مَشارِقِ الأرْضِ، ومَغارِبِها ساجِدًا لِوَجْهِهِ، وفَزِعَ إبْلِيسُ، فَخَرَجَ، فَصَعِدَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يُنْكِرُهُ، وأتى المَشْرِقَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يُنْكِرُهُ، ودَخَلَ الأرْضَ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يُنْكِرُهُ، وجَعَلَ لا يَصْبِرُ، فَأتى المَغْرِبَ لِيَنْظُرَ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يُنْكِرُهُ، فَبَيْنا هو يَطُوفُ إذْ مَرَّ بِالنَّخْلَةِ، فَإذا هو بِامْرَأةٍ مَعَها غُلامٌ قَدْ ولَدَتْهُ، وإذا المَلائِكَةُ قَدْ أحْدَقُوا بِها وبِابْنِها، (p-٤١)وبِالنَّخْلَةِ، فَقالَ: هَهُنا حَدَثَ الأمْرُ. فَمالَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: أيُّ شَيْءٍ هَذا الَّذِي حَدَثَ ؟ فَكَلَّمَتْهُ المَلائِكَةُ، فَقالُوا: نَبِيٌّ وُلِدَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ، قالَ: أما واللَّهِ لَأُضِلَّنَّ بِهِ أكْثَرَ العالَمِينَ. أضَلَّ اليَهُودَ فَكَفَرُوا بِهِ، وأضَلَّ النَّصارى، فَقالُوا هو ابْنُ اللَّهِ. قالَ: وناداها مَلَكٌ مِن تَحْتِها ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] قالَ إبْلِيسُ: ما حَمَلَتْ أُنْثى إلّا بِعِلْمِي، ولا وضَعَتْهُ إلّا عَلى كَفِّي، لَيْسَ هَذا الغُلامَ، لَمْ أعْلَمْ بِهِ حِينَ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ، ولَمْ أعْلَمْ بِهِ حِينَ وضَعَتْهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ”، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُرَّةَ بْنِ مَسْعُودٍ قالا: خَرَجَتْ مَرْيَمُ إلى جانِبِ المِحْرابِ بِحَيْضٍ أصابَها، فَلَمّا طَهُرَتْ إذْ هي بِرَجُلٍ مَعَها ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا﴾ [مريم: ١٧] فَفَزِعَتْ، وقالَتْ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] فَخَرَجَتْ وعَلَيْها جِلْبابُها، فَأخَذَ بِكُمِّها، فَنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها، وكانَ مَشْقُوقًا مِن قُدّامِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ صَدْرَها فَحَمَلَتْ، فَأتَتْها أُخْتُها امْرَأةُ زَكَرِيّا لَيْلَةً تَزُورُها، فَلَمّا فَتَحَتْ لَها البابَ التَزَمَتْها، فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: يا مَرْيَمُ أُشْعِرْتُ أنِّي حُبْلى. قالَتْ مَرْيَمُ: أُشْعِرْتُ أيْضًا أنِّي حُبْلى، فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: فَإنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي يَسْجُدُ لِلَّذِي في بَطْنِكِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] فَوَلَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ولَمّا بَلَغَ أنْ تَضَعَ مَرْيَمُ خَرَجَتْ إلى جانِبِ المِحْرابِ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ [مريم: ٢٣] الآيَةَ ﴿فَناداها﴾ [مريم: ٢٤] جِبْرِيلُ ﴿مِن تَحْتِها ألا تَحْزَنِي﴾ [مريم: ٢٤] فَلَمّا (p-٤٢)ولَدَتْهُ ذَهَبَ الشَّيْطانُ فَأخْبَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ، فَلَمّا أرادُوها عَلى الكَلامِ أشارَتْ إلى عِيسى، فَتَكَلَّمَ فَقالَ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] الآياتِ، فَلَمّا وُلِدَ لَمْ يَبْقَ في الأرْضِ صَنَمٌ إلّا خَرَّ لِوَجْهِهِ.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ يَقُولُ: قُصَّ ذِكْرُها عَلى اليَهُودِ والنَّصارى ومُشْرِكِي العَرَبِ ﴿إذِ انْتَبَذَتْ﴾ يَعْنِي خَرَجَتْ ﴿مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ قالَ: كانَتْ خَرَجَتْ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ [مريم: ١٧] وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ لَمّا أرادَ أنْ يَبْتَدِئَها بِالكَرامَةِ ويُبَشِّرَها بِعِيسى، وكانَتِ اغْتَسَلَتْ مِنَ المَحِيضِ، فَتَشَرَّقَتْ وجَعَلَتْ بَيْنَها وبَيْنَ قَوْمِها ﴿حِجابًا﴾ [مريم: ١٧] يَعْنِي: جَبَلًا، فَكانَ الجَبَلُ بَيْنَ مَجْلِسِها وبَيْنَ بَيْتِ المَقْدِسِ ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ [مريم: ١٧] يَعْنِي جِبْرِيلَ ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا﴾ [مريم: ١٧] في صُورَةِ الآدَمِيِّينَ ﴿سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] يَعْنِي: مُعْتَدِلًا شابًّا، أبْيَضَ الوَجْهِ، جَعْدًا قَطَطًا، حِينَ اخْضَرَّ شارِبُهُ، فَلَمّا نَظَرَتْ إلَيْهِ قائِمًا بَيْنَ يَدَيْها، ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] وذَلِكَ أنَّها شَبَّهَتْهُ بِشابٍّ كانَ يَراها ونَشَأ مَعَها، يُقالُ (p-٤٣)لَهُ يُوسُفُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ مِن خَدَمِ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَخافَتْ أنْ يَكُونَ الشَّيْطانُ اسْتَزَلَّهُ، فَمِن ثَمَّ قالَتْ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] يَعْنِي: إنْ كُنْتَ تَخافُ اللَّهَ. قالَ جِبْرِيلُ، وتَبَسَّمَ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] يَعْنِي: لِلَّهِ مُطِيعًا مِن غَيْرِ بَشَرٍ، ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم: ٢٠] يَعْنِي زَوْجًا ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠] أيْ: مُومِسَةً، قالَ جِبْرِيلُ: ﴿كَذَلِكِ﴾ [مريم: ٢١] يَعْنِي: هَكَذا ﴿قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٢١] يَعْنِي خَلْقَهُ مِن غَيْرِ بَشَرٍ ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١] يَعْنِي: عِبْرَةً لِلنّاسِ - والنّاسُ هُنا لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً - ورَحْمَةً مِنّا لِمَن صَدَّقَ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] يَعْنِي كائِنًا أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ بَشَرٍ. فَدَنا جِبْرِيلُ فَنَفَخَ في جَيْبِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ جَوْفَها، فاحْتَمَلَتْ كَما تَحْمِلُ النِّساءُ في الرَّحِمِ والمَشِيمَةِ، ووَضَعَتْهُ كَما تَضَعُ النِّساءُ، فَأصابَها العَطَشُ، فَأجْرى اللَّهُ لَها جَدْوَلًا مِنَ الأُرْدُنِّ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] والسَّرِيُّ الجَدْوَلُ، وحَمَلَ الجِذْعُ مِن ساعَتِهِ ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] فَناداها مِن تَحْتِها جِبْرِيلُ ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] لَمْ يَكُنْ عَلى رَأْسِها سَعَفٌ، وكانَتْ قَدْ يَبِسَتْ مُنْذُ دَهْرٍ طَوِيلٍ، فَأحْياها اللَّهُ لَها وحَمَلَتْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] يَعْنِي طَرِيًّا بِغُبارِهِ ﴿فَكُلِي﴾ [مريم: ٢٦] مِنَ الرُّطَبِ ﴿واشْرَبِي﴾ [مريم: ٢٦] مِنَ الجَدْوَلِ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] بِوَلَدِكِ، فَقالَتْ: فَكَيْفَ بِي إذا سَألُونِي: مِن أيْنَ هَذا ؟ قالَ لَها جِبْرِيلُ: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ﴾ [مريم: ٢٦] يَعْنِي فَإذا رَأيْتِ ﴿مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] فَأعْنَتَكِ في أمْرِكِ ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] يَعْنِي صَمْتًا في أمْرِ عِيسى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] في أمْرِهِ، حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يُعَبِّرُ (p-٤٤)عَنِّي وعَنْ نَفْسِهِ، قالَ: فَفَقَدُوا مَرْيَمَ مِن مِحْرابِها، فَسَألُوا يُوسُفَ، فَقالَ: لا عِلْمَ لِي بِها، وإنَّ مِفْتاحَ بابِ مِحْرابِها مَعَ زَكَرِيّا، فَطَلَبُوا زَكَرِيّا وفَتَحُوا البابَ ولَيْسَتْ فِيهِ، فاتَّهَمُوهُ فَأخَذُوهُ ووَبَّخُوهُ، فَقالَ رَجُلٌ: إنِّي رَأيْتُها في مَوْضِعِ كَذا، فَخَرَجُوا في طَلَبِها، فَسَمِعُوا صَوْتَ عَقْعَقٍ في رَأْسِ الجِذْعِ الَّذِي مَرْيَمُ مِن تَحْتِهِ، فانْطَلَقُوا إلَيْهِ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا رَأتْ أنَّ قَوْمَها قَدْ أقْبَلُوا إلَيْها، احْتَمَلَتِ الوَلَدَ إلَيْهِمْ حَتّى تَلْقاهم بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧] أيْ لا تَخافُ رِيبَةً ولا تُهْمَةً، فَلَمّا نَظَرُوا إلَيْها شَقَّ أبُوها مِدْرَعَتَهُ، وجَعَلَ التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، وإخْوَتُها وآلُ زَكَرِيّا فَـ ﴿قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] يَعْنِي عَظِيمًا ( ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] ) كانَتْ مِن آلِ هارُونَ، ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] يَعْنِي زانِيَةً، فَأنّى أُتِيتِ هَذا هَذا الأخَ الصّالِحَ، والأبَ الصّالِحَ، والأُمَّ الصّالِحَةَ؟ ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] فَقالَتْ لَهم: أنْ كَلِّمُوهُ فَإنَّهُ سَيُخْبِرُكم فَـ ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] ألّا أُكَلِّمَكم في أمْرِهِ، فَإنَّهُ سَيُعَبِّرُ عَنِّي ويَكُونُ لَكم آيَةً وعِبْرَةً ( ﴿قالُوا﴾ [مريم: ٢٩] ) يا عَجَبًا ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] ؟ يَعْنِي مَن هو في الخِرَقِ طِفْلًا لا يَنْطِقُ، إذْ أنْطَقَهُ اللَّهُ فَعَبَّرَ عَنْ أُمِّهِ، (p-٤٥)وكانَ عِبْرَةً لَهم فَقالَ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] فَلَمّا أنْ قالَها ابْتَدَأ يَحْيى، وهو ابْنُ ثَلاثِ سِنِينَ، فَكانَ أوَّلَ مَن صَدَّقَ بِهِ فَقالَ: إنِّي أشْهَدُ أنَّكَ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، لِتَصْدِيقِ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] [ آلِ عِمْرانَ: ٣٩ ] فَقالَ عِيسى: ﴿آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] إلَيْكم ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «البَرَكَةُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لِعِيسى أنَّهُ كانَ مُعَلِّمًا مُؤَدِّبًا حَيْثُما تَوَجَّهَ» . ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مريم: ٣١] يَعْنِي وأمَرَنِي ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ [مريم: ٣٢] فَلا أعُقُّها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حِينَ قالَ: ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ [مريم: ٣٢] قالَ زَكَرِيّا: اللَّهُ أكْبَرُ. فَأخَذَهُ فَضَمَّهُ إلى صَدْرِهِ فَعَلِمُوا أنَّهُ خُلِقَ مِن غَيْرِ بَشَرٍ ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢] يَعْنِي مُتَعَظِّمًا سَفّاكًا لِلدَّمِ، ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] يَعْنِي يَشُكُّونَ بِقَوْلِهِ لِلْيَهُودِ ثُمَّ أمْسَكَ عِيسى عَنِ الكَلامِ حَتّى بَلَغَ ما يَبْلُغُ النّاسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَتْ مَرْيَمُ: كُنْتُ إذا خَلَوْتُ حَدَّثَنِي عِيسى وكَلَّمَنِي وهو في بَطْنِي، وإذا كُنْتُ مَعَ النّاسِ سَبَّحَ في بَطْنِي وكَبَّرَ وأنا أسْمَعُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَرْيَمَ قالَ: حِينَ حَمَلَتْ وضَعَتْ.
(p-٤٦)وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ مَرْيَمَ حَمَلَتْ لِسَبْعِ أوْ لِتِسْعِ ساعاتٍ، ووَضَعَتْهُ مِن يَوْمِها.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: وضَعَتْ مَرْيَمُ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ؛ ولِذَلِكَ لا يُولَدُ مَوْلُودٌ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ إلّا ماتَ، لِئَلّا تُسَبَّ مَرْيَمُ بِعِيسى.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ زَيْدٍ العَمِّيِّ قالَ: وُلِدَ عِيسى يَوْمَ عاشُوراءَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ“ الزُّهْدِ " عَنْ نَوْفٍ قالَ: كانَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ فَتاةً بَتُولًا، وكانَ زَكَرِيّا زَوْجَ أُخْتِها، كَفَلَها فَكانَتْ مَعَهُ، فَكانَ يَدْخُلُ عَلَيْها يُسَلِّمُ عَلَيْها، فَتُقَرِّبُ إلَيْهِ فاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ وفاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، فَدَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا مَرَّةً، فَقَرَّبَتْ إلَيْهِ بَعْضَ ما كانَتْ تُقَرِّبُ ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] [ آلِ عِمْرانَ: ٣٧ - ٤١ ] قالَ يُخْتَتَمُ عَلى لِسانِكَ فَلا تُكَلِّمُ النّاسَ ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] صَحِيحًا، ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ [مريم: ١١] كَتَبَ لَهم ﴿أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] قالَ: فَبَيْنا هي جالِسَةٌ في مَنزِلِها إذا رَجُلٌ قائِمٌ بَيْنَ يَدَيْها قَدْ هَتَكَ الحُجُبَ، فَلَمّا أنْ رَأتْهُ (p-٤٧)قالَتْ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] فَلَمّا ذَكَرَتِ الرَّحْمَنَ فَزِعَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] فَنَفَخَ في جَيْبِها جِبْرِيلُ فَحَمَلَتْ حَتّى إذا أثْقَلَتْ وجِعَتْ ما تَجِعُ النِّساءُ، وكانَتْ في بَيْتِ النُّبُوَّةِ فاسْتَحْيَتْ وهَرَبَتْ حَياءً مِن قَوْمِها، فَأخَذَتْ نَحْوَ المَشْرِقِ، وأخَذَ قَوْمُها في طَلَبِها، فَجَعَلُوا يَسْألُونَ: رَأيْتُمْ فَتاةً كَذا وكَذا؟ فَلا يُخْبِرُهم أحَدٌ، وأخَذَها ﴿المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٣] فَتَسانَدَتْ إلى النَّخْلَةِ، قالَتْ: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣] قالَ: حَيْضَةً بَعْدَ حَيْضَةٍ ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ [مريم: ٢٤] قالَ: جِبْرِيلُ مِن أقْصى الوادِي ﴿ألا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] قالَ: جَدْوَلا ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] فَلَمّا قالَ لَها جِبْرِيلُ، اشْتَدَّ ظَهْرُها وطابَتْ نَفْسُها، فَقَطَعَتْ سَرَرَهُ ولَفَّتْهُ في خِرْقَةٍ وحَمَلَتْهُ، فَلَقِيَ قَوْمُها راعِيَ بَقَرٍ وهم في طَلَبِها، قالُوا: يا راعِي، هَلْ رَأيْتَ فَتاةً كَذا وكَذا؟ قالَ: لا، ولَكِنْ رَأيْتُ اللَّيْلَةَ مِن بَقَرِي شَيْئًا لَمْ أرَهُ مِنها قَطُّ فِيما خَلا، قالَ: رَأيْتُها باتَتْ سُجَّدًا نَحْوَ هَذا (p-٤٨)الوادِي، فانْطَلَقُوا حَيْثُ وصَفَ لَهُمْ، فَلَمّا رَأتْهم مَرْيَمُ جَلَسَتْ وجَعَلَتْ تُرْضِعُ عِيسى، فَجاءُوا حَتّى وقَفُوا عَلَيْها ﴿قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] قالَ: أمْرًا عَظِيمًا: ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] أنْ كَلِّمُوهُ، فَعَجِبُوا مِنها: قالُوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] والمَهْدُ حِجْرُها، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ تَرَكَ عِيسى ثَدْيَها واتَّكَأ عَلى يَسارِهِ ثُمَّ تَكَلَّمَ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢] ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] قالَ: واخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ.
19:17Page 306
فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا ١٧
And she took, in seclusion from them, a screen. Then We sent to her Our Angel [i.e., Gabriel], and he represented himself to her as a well-proportioned man.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: بِمَ اسْتَحَبَّ النَّصارى الحُجُبَ عَلى مَذابِحِهِمْ؟ قالَ: إنَّما اسْتَحَبَّ النَّصارى الحُجُبَ عَلى مَذابِحِهِمْ ومَناسِكِهِمْ لِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ .
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ إلَيْها مَلَكًا فَنَفَخَ في جَيْبِها، فَدَخَلَ في الفَرْجِ.
(p-٤٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ قالَ: جِبْرِيلُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ الآيَةَ قالَ: نَفَخَ جِبْرِيلُ في دِرْعِها، فَبَلَغَتْ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ: أنَّ جِبْرِيلَ أتاها في صُورَةِ رَجُلٍ، فَكَشَفَ الحِجابَ، فَلَمّا رَأتْهُ تَعَوَّذَتْ مِنهُ، فَنَفَخَ في صَنْفَةِ دِرْعِها فَبَلَغَتْ، فَذُكِرَ ذَلِكَ في المَدِينَةِ، فَهُجِرَ زَكَرِيّا وتُرِكَ، وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُسْتَفْتى ويَأْتِيهِ النّاسُ حَتّى إنْ كانَ لَيُسَلِّمُ عَلى الرَّجُلِ فَما يُكَلِّمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في "الأسْماءِ والصِّفاتِ”، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ قالَ: تَمَثَّلَ لَها رُوحُ عِيسى في صُورَةِ بَشَرٍ ( ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ [مريم: ٢٢] )، قالَ: حَمَلَتِ الَّذِي خاطَبَها، دَخَلَ في فِيها.
19:18–23Page 306
قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا ١٨
She said, "Indeed, I seek refuge in the Most Merciful from you, [so leave me], if you should be fearing of Allāh."
قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا ١٩
He said, "I am only the messenger of your Lord to give you [news of] a pure boy [i.e., son]."
قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا ٢٠
She said, "How can I have a boy while no man has touched me and I have not been unchaste?"
قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا ٢١
He said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, and We will make him a sign to the people and a mercy from Us. And it is a matter [already] decreed.'"
۞ فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا ٢٢
So she conceived him, and she withdrew with him to a remote place.
فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا ٢٣
And the pains of childbirth drove her to the trunk of a palm tree. She said, "Oh, I wish I had died before this and was in oblivion, forgotten."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ﴾ الآياتِ.
(p-٥٠)أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي وائِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ قالَ: لَقَدْ عَلِمَتْ مَرْيَمُ أنَّ التَّقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ قالَ: إنَّما خَشِيَتْ أنْ يَكُونَ إنَّما يُرِيدُها عَنْ نَفْسِها، ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا﴾ زَعَمُوا أنَّهُ نَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها وكُمِّها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ ﴿لأهَبَ لَكِ﴾ مَهْمُوزَةً بِالألْفِ وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ( لِيَهَبَ لَكِ ) بِالياءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿غُلامًا زَكِيًّا﴾ قالَ: صالِحًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ قالَ: زانِيَةً.
(p-٥١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ قالَ نائِيًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ قالَ: قاصِيًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأجاءَها المَخاضُ﴾ قالَ: ألْجَأها.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأجاءَها المَخاضُ﴾ قالَ: ألْجَأها. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ وهو يَقُولُ:
؎إذا شَدَدْنا شَدَّةً صادِقَةً فَأجَأْناكم إلى سَفْحِ الجَبَلْ
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأجاءَها المَخاضُ﴾ قالَ: اضْطَرَّها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأجاءَها المَخاضُ﴾ قالَ فَأدّاها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قالَ: كانَ جِذْعًا يابِسًا.
(p-٥٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ هِلالِ بْنِ خَبّابٍ عَنْ أبِي عُبَيْدِ اللَّهِ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ﴾ قالَ إلى جِذْعِ نَخْلَةٍ يابِسٍ، قَدْ جِيءَ بِهِ لِيُبْنى بِهِ بَيْتٌ يُقالُ لَهُ: بَيْتُ لَحْمٍ، فَحَرَّكَتْهُ فَإذا هو نَخْلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي قُدامَةَ قالَ: أُنْبِتَتْ لِمَرْيَمَ نَخْلَةٌ تَعَلَّقُ بِها كَما تَعَلَّقُ المَرْأةُ بِالمَرْأةِ عِنْدَ الوِلادَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: لَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكُ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: حَيْضَةً مُلْقاةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: حَيْضَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ نَوْفٍ البِكالِيِّ، والضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالا: حَيْضَةً مُلْقاةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ (p-٥٣)قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: تَقُولُ: لا أُعْرَفُ ولا يُدْرى مَن أنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: هو السِّقْطُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences