As-SuyutiAl‑Baqarah · 2:102

As-Suyuti · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:102

2:102Page 16

وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٢

And they followed [instead] what the devils had recited during the reign of Solomon. It was not Solomon who disbelieved, but the devils disbelieved, teaching people magic and that which was revealed to the two angels at Babylon, Hārūt and Mārūt. But they [i.e., the two angels] do not teach anyone unless they say, "We are a trial, so do not disbelieve [by practicing magic]."1 And [yet] they learn from them that by which they cause separation between a man and his wife. But they do not harm anyone through it except by permission of Allāh. And they [i.e., people] learn what harms them and does not benefit them. But they [i.e., the Children of Israel] certainly knew that whoever purchased it [i.e., magic] would not have in the Hereafter any share. And wretched is that for which they sold themselves, if they only knew.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ الآيَةَ.

(p-٤٩٩)أخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ مِنَ السَّماءِ، فَإذا سَمِعَ أحَدُهم بِكَلِمَةِ حَقٍّ كَذَبَ مَعَها ألْفَ كَذْبَةٍ، فَأُشْرِبَتْها قُلُوبُ النّاسِ، واتَّخَذُوها دَواوِينَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ سُلَيْمانَ بْنَ داوُدَ، فَأخَذَها فَدَفَنَها تَحْتَ الكُرْسِيِّ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ قامَ شَيْطانٌ بِالطَّرِيقِ فَقالَ: ألا أدُلُّكم عَلى كَنْزِ سُلَيْمانَ الَّذِي لا كَنْزَ لِأحَدٍ مِثْلُ كَنْزِهِ المُمَنَّعِ؟ قالُوا: نَعَمْ. فَأخْرَجُوهُ، فَإذا هو سِحْرٌ فَتَناسَخَتْها الأُمَمُ وأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَ سُلَيْمانَ فِيما قالُوا مِنَ السِّحْرِ فَقالَ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ الآيَةَ.

وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ آصَفُ كاتِبَ سُلَيْمانَ، وكانَ يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ، وكانَ يَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ سُلَيْمانَ، ويَدْفِنُهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ أخْرَجَتْهُ الشَّياطِينُ، فَكَتَبُوا بَيْنَ كُلِّ سَطْرَيْنِ سِحْرًا وكُفْرًا، وقالُوا: هَذا الَّذِي كانَ سُلَيْمانُ يَعْمَلُ بِها. فَأكْفَرَهُ جُهّالُ النّاسِ، وسَبُّوهُ، ووَقَفَ عُلَماؤُهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ جُهّالُهم يَسُبُّونَهُ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا ذَهَبَ مُلْكُ سُلَيْمانَ ارْتَدَّ فِئامٌ مِنَ (p-٥٠٠)الجِنِّ والإنْسِ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ، فَلَمّا رَجَعَ إلى سُلَيْمانَ مُلْكُهُ، وقامَ النّاسُ عَلى الدِّينِ، ظَهَرَ عَلى كُتُبِهِمْ فَدَفَنَها تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، وتُوُفِّيَ حِدْثانَ ذَلِكَ، فَظَهَرَ الجِنُّ والإنْسُ عَلى الكُتُبِ بَعْدَ وفاةِ سُلَيْمانَ، وقالُوا: هَذا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ نَزَلَ عَلى سُلَيْمانَ أخْفاهُ مِنّا. فَأخَذُوهُ فَجَعَلُوهُ دِينًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ أيِ الشَّهَواتِ الَّتِي كانَتِ الشَّياطِينُ تَتْلُو، وهي المَعازِفُ واللَّعِبُ وكُلُّ شَيْءٍ يَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ سُلَيْمانُ إذا أرادَ أنْ يَدْخُلَ الخَلاءَ أوْ يَأْتِيَ شَيْئًا مِن شَأْنِهِ، أعْطى الجَرادَةَ- وهي امْرَأتُهُ- خاتَمَهُ فَلَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَبْتَلِيَ سُلَيْمانَ بِالَّذِي ابْتَلاهُ بِهِ أعْطى الجَرادَةَ ذاتَ يَوْمٍ خاتَمَهُ فَجاءَ الشَّيْطانُ في صُورَةِ سُلَيْمانَ فَقالَ لَها: هاتِي خاتَمِي. فَأخَذَهُ فَلَبِسَهُ، فَلَمّا لَبِسَهُ دانَتْ لَهُ الشَّياطِينُ والجِنُّ والإنْسُ فَجاءَها سُلَيْمانُ فَقالَ: هاتِي خاتَمِي. فَقالَتْ: كَذَبْتَ لَسْتَ سُلَيْمانَ. فَعَرَفَ أنَّهُ بَلاءٌ ابْتُلِيَ بِهِ، فانْطَلَقَتِ الشَّياطِينُ فَكَتَبَتْ في تِلْكَ الأيّامِ كُتُبًا فِيها سِحْرٌ وكُفْرٌ، ثُمَّ دَفَنُوها تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ، ثُمَّ أخْرَجُوها فَقَرَءُوها عَلى النّاسِ، وقالُوا: إنَّما كانَ سُلَيْمانُ يَغْلِبُ النّاسَ بِهَذِهِ الكُتُبِ، فَبَرِئَ النّاسُ مِن سُلَيْمانَ وأكْفَرُوهُ، حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ .

(p-٥٠١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: قالَ اليَهُودُ: انْظُرُوا إلى مُحَمَّدٍ، يَخْلِطُ الحَقَّ بِالباطِلِ، يَذْكُرُ سُلَيْمانَ مَعَ الأنْبِياءِ، إنَّما كانَ ساحِرًا يَرْكَبُ الرِّيحَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ زَمانًا عَنْ أُمُورٍ مِنَ التَّوْراةِ، لا يَسْألُونَهُ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ما سَألُوا عَنْهُ، فَيَخْصِمُهُمْ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ قالُوا: هَذا أعْلَمُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا مِنّا، وإنَّهم سَألُوهُ عَنِ السِّحْرِ وخاصَمُوهُ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ الآيَةَ، وأنَّ الشَّياطِينَ عَمَدُوا إلى كِتابٍ فَكَتَبُوا فِيهِ السِّحْرَ والكِهانَةَ وما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ، فَدَفَنُوهُ تَحْتَ مَجْلِسِ سُلَيْمانَ، وكانَ سُلَيْمانُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ، فَلَمّا فارَقَ سُلَيْمانُ الدُّنْيا اسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ السِّحْرَ، وخَدَعُوا بِهِ النّاسَ، وقالُوا: هَذا عِلْمٌ كانَ سُلَيْمانُ يَكْتُمُهُ، ويَحْسُدُ النّاسَ عَلَيْهِ فَأخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذا الحَدِيثِ، فَرَجَعُوا مِن عِنْدِهِ وقَدْ حَزِنُوا وأدْحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهم» .

(p-٥٠٢)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ خُصَيْفٍ قالَ: كانَ لِسُلَيْمانَ إذا نَبَتَتِ الشَّجَرَةُ قالَ: لِأيِّ داءٍ أنْتَ؟ فَتَقُولُ: لِكَذا وكَذا. فَلَمّا نَبَتَتِ شَجَرَةُ الخُرْنُوبَةِ قالَ: لِأيِّ شَيْءٍ أنْتَ؟ قالَتْ: لِمَسْجِدِكَ أُخَرِّبُهُ، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تُوُفِّيَ، فَكَتَبَ الشَّياطِينُ كِتابًا، فَجَعَلُوهُ في مُصَلًّى سُلَيْمانَ، فَقالُوا: نَحْنُ نَدُلُّكم عَلى ما كانَ سُلَيْمانُ يُداوِي بِهِ، فانْطَلَقُوا فاسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ الكِتابَ، فَإذا فِيهِ سِحْرٌ ورُقًى فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ وذُكِرَ أنَّها في قِراءَةِ أُبَيٍّ (وما يُتْلى عَلى المَلَكَيْنِ) ﴿بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ سَبْعَ مِرارٍ فَإنْ أبى إلّا أنْ يَكْفُرَ عَلَّماهُ، فَيَخْرُجُ مِنهُ نُورٌ حَتّى يَسْطَعَ في السَّماءِ، قالَ: المَعْرِفَةُ الَّتِي كانَ يَعْرِفُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: أخَذَ سُلَيْمانُ مِن كُلِّ دابَّةٍ عَهْدًا، فَإذا أُصِيبَ رَجُلٌ فَسَألَ بِذَلِكَ العَهْدِ، خُلِّيَ عَنْهُ، فَزادَ النّاسُ السَّجْعَ والسِّحْرَ، وقالُوا: هَذا كانَ يَعْمَلُ بِهِ سُلَيْمانُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ الآيَةَ.

(p-٥٠٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما تَتْلُو﴾ [يونس: ٦١] قالَ: ما تَتَّبِعُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ قالَ: نُراهُ ما تُحَدِّثُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ يَقُولُ: في مُلْكِ سُلَيْمانَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ يَقُولُ: ما كانَ عَنْ مَشُورَتِهِ ولا رِضًا مِنهُ، ولَكِنَّهُ شَيْءٌ افْتَعَلَتْهُ الشَّياطِينُ دُونَهُ ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ فالسِّحْرُ سِحْرانِ، سِحْرٌ تُعَلِّمُهُ الشَّياطِينُ وسِحْرٌ يُعَلِّمُهُ هارُوتُ ومارُوتُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ قالَ: هَذا سِحْرٌ خاصَمُوهُ بِهِ؛ فَإنَّ كَلامَ المَلائِكَةِ فِيما بَيْنَهم إذا عَلِمَتْهُ الإنْسُ فَصُنِعَ وعُمِلَ بِهِ كانَ سِحْرًا.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أمّا السِّحْرُ فَإنَّما تُعَلِّمُهُ الشَّياطِينُ، وأمّا الَّذِي يُعَلِّمُهُ المَلَكانِ فالتَّفْرِيقُ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ.

(p-٥٠٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ قالَ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ قالَ: لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ السِّحْرَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: هُما مَلَكانِ مِن مَلائِكَةِ السَّماءِ.

وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ مَرْفُوعًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزى، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها (وما أُنْزِلَ عَلى المَلِكَيْنِ داوُدَ وسُلَيْمانَ) .

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ، أنَّهُ قَرَأ (وما أُنْزِلَ عَلى المَلِكَيْنِ) وقالَ: هُما عِلْجانِ مِن أهْلِ بابِلَ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ (p-٥٠٥)يَعْنِي جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ ﴿بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ﴾ يَعْلَمانِ النّاسَ السِّحْرَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ قالَ: ما أُنْزِلَ عَلى جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ السِّحْرُ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِبابِلَ﴾ .

أخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «إنَّ حَبِيبِي ﷺ نَهانِي أنْ أُصَلِّيَ بِأرْضِ بابِلَ فَإنَّها مَلْعُونَةٌ» .

وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في ”المُجالَسَةِ“، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ سالِمٍ - وهو مُتَّهَمٌ - عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: لَمّا حَشَرَ اللَّهُ الخَلائِقَ إلى بابِلَ بَعَثَ إلَيْهِمْ رِيحًا شَرْقِيَّةً وغَرْبِيَّةً وقِبْلِيَّةً وبَحْرِيَّةً، فَجَمَعَتْهم إلى بابِلَ، فاجْتَمَعُوا يَوْمَئِذٍ يَنْظُرُونَ لِما حُشِرُوا لَهُ، إذْ نادى مُنادٍ: مَن جَعَلَ المَغْرِبَ عَنْ يَمِينِهِ والمَشْرِقَ عَنْ يَسارِهِ، واقْتَصَدَ إلى البَيْتِ الحَرامِ بِوَجْهِهِ، فَلَهُ كَلامُ أهْلِ السَّماءِ، فَقامَ يَعْرُبُ بْنُ قَحْطانَ فَقِيلَ لَهُ: يا يَعْرُبُ بْنَ قَحْطانَ بْنِ هُودٍ، أنْتَ هو. فَكانَ أوَّلَ مَن تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ، فَلَمْ يَزَلِ المُنادِي يُنادِي: مَن فَعَلَ كَذا وكَذا فَلَهُ كَذا وكَذا، حَتّى افْتَرَقُوا عَلى اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ لِسانًا، وانْقَطَعَ الصَّوْتُ، وتَبَلْبَلَتِ الألْسُنُ فَسُمِّيَتْ بابِلَ، وكانَ اللِّسانُ يَوْمَئِذٍ بابِلِيًّا، وهَبَطَتْ مَلائِكَةُ الخَيْرِ والشَّرِّ، ومَلائِكَةُ الحَياءِ والإيمانِ (p-٥٠٦)ومَلائِكَةُ الصِّحَّةِ والشِّفاءِ، ومَلائِكَةُ الغِنى، ومَلائِكَةُ الشَّرَفِ، ومَلائِكَةُ المُرُوءَةِ، ومَلائِكَةُ الجَفاءِ، ومَلائِكَةُ الجَهْلِ، ومَلائِكَةُ السَّيْفِ، ومَلائِكَةُ البَأْسِ، حَتّى انْتَهَوْا إلى العِراقِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: افْتَرِقُوا، فَقالَ مَلَكُ الإيمانِ: أنا أسْكُنُ المَدِينَةَ ومَكَّةَ، فَقالَ مَلَكُ الحَياءِ: أنا مَعَكَ، وقالَ مَلَكُ الشِّفاءِ: أنا أسْكُنُ البادِيَةَ، فَقالَ مَلَكُ الصِّحَّةِ: وأنا مَعَكَ، وقالَ مَلَكُ الجَفاءِ: وأنا أسْكُنُ المَغْرِبَ، فَقالَ مَلَكُ الجَهْلِ: وأنا مَعَكَ، وقالَ مَلَكُ السَّيْفِ: أنا أسْكُنُ الشّامَ، فَقالَ مَلَكُ البَأْسِ: وأنا مَعَكَ، وقالَ مَلَكُ الغِنى: أنا أُقِيمُ هَهُنا، فَقالَ مَلَكُ المُرُوءَةِ: أنا مَعَكَ، فَقالَ مَلَكُ الشَّرَفِ: وأنا مَعَكُما، فاجْتَمَعَ مَلَكُ الغِنى والمُرُوءَةِ والشَّرَفِ بِالعِراقِ.

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجاهِيلُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ أرْبَعَةَ أشْياءَ، وأرْدَفَها أرْبَعَةَ أشْياءَ؛ خَلَقَ الجَدْبَ وأرْدَفَهُ الزُّهْدَ وأسْكَنَهُ الحِجازَ، وخَلَقَ العِفَّةَ وأرْدَفَها الغَفْلَةَ وأسْكَنَها اليَمَنَ، وخَلَقَ الرِّزْقَ وأرْدَفَهُ الطّاعُونَ وأسْكَنَهُ الشّامَ، وخَلَقَ الفُجُورَ وأرْدَفَهُ الدِّرْهَمَ وأسْكَنَهُ العِراقَ» .

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارَ قالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إلى كَعْبِ الأحْبارِ: أنِ اخْتَرْ لِي المَنازِلَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّهُ بَلَغَنا أنَّ (p-٥٠٧)الأشْياءَ اجْتَمَعَتْ، فَقالَ السَّخاءُ: أُرِيدُ اليَمَنَ، فَقالَ حُسْنُ الخُلُقِ: أنا مَعَكَ، وقالَ الجَفاءُ: أُرِيدُ الحِجازَ، فَقالَ الفَقْرُ: أنا مَعَكَ، قالَ البَأْسُ: أُرِيدُ الشّامَ، فَقالَ السَّيْفُ: أنا مَعَكَ، وقالَ العِلْمُ: أُرِيدُ العِراقَ، فَقالَ العَقْلُ: أنا مَعَكَ، وقالَ الغِنى: أُرِيدُ مِصْرَ، فَقالَ الذُّلُّ: أنا مَعَكَ، فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ. فَلَمّا ورَدَ الكِتابُ عَلى عُمَرَ قالَ: العِراقُ إذَنْ، فالعِراقُ إذَنْ.

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جابِرٍ قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ الإسْلامَ قالَ: أنا لاحِقٌ بِأرْضِ الشّامِ، قالَ المَوْتُ: وأنا مَعَكَ، قالَ المُلْكُ: وأنا لاحِقٌ بِأرْضِ العِراقِ، قالَ القَتْلُ: وأنا مَعَكَ، قالَ الجُوعُ: وأنا لاحِقٌ بِأرْضِ المَغْرِبِ، قالَتِ الصِّحَّةُ: وأنا مَعَكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ دَغْفَلٍ قالَ: قالَ المالُ: أنا أسْكُنُ العِراقَ، فَقالَ الغَدْرُ: أنا أسْكُنُ مَعَكَ، وقالَتِ الطّاعَةَ: أنا أسْكُنُ الشّامَ، فَقالَ الجَفاءُ: أنا أُسْكِنُ مَعَكَ، وقالَتِ المُرُوءَةُ: أنا أسْكُنُ الحِجازَ، فَقالَ: وأنا أسْكُنُ مَعَكَ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هارُوتَ ومارُوتَ﴾ .

قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ في قِصَّةِ آدَمَ وبَقِيَتْ آثارٌ أُخَرُ.

(p-٥٠٨)أخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ والخَطِيبُ في ”تارِيخِهِ“ عَنْ نافِعٍ قالَ: «سافَرْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَلَمّا كانَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ قالَ: يا نافِعُ انْظُرْ هَلْ طَلَعَتِ الحَمْراءُ؟ قُلْتُ: لا. مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، ثُمَّ قُلْتُ: قَدْ طَلَعَتْ، قالَ: لا مَرْحَبًا بِها ولا أهْلًا، قُلْتُ: سُبْحانَ اللَّهِ، نَجْمٌ مُسَخَّرٌ سامِعٌ مُطِيعٌ. قالَ: ما قُلْتُ لَكَ إلّا ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ: يا رَبِّ كَيْفَ صَبْرُكَ عَلى بَنِي آدَمَ في الخَطايا والذُّنُوبِ! قالَ: إنِّي ابْتَلَيْتُهم وعافَيْتُكم. قالُوا: لَوْ كُنّا مَكانَهم ما عَصَيْناكَ، قالَ: فاخْتارُوا مَلَكَيْنِ مِنكُمْ، فَلَمْ يَأْلُوا جُهْدًا أنْ يَخْتارُوا، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ، فَنَزَلا فَألْقى اللَّهُ عَلَيْهِمُ الشَّبَقَ، قُلْتُ: وما الشَّبَقُ؟ قالَ: الشَّهْوَةُ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ يُقالُ لَها: الزُّهْرَةُ فَوَقَعَتْ في قُلُوبِهِما، فَجَعَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُخْفِي عَنْ صاحِبِهِ ما في نَفْسِهِ، ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: هَلْ وقَعَ في نَفْسِكَ ما وقَعَ في قَلْبِي؟ قالَ: نَعَمْ، فَطَلَباها لِأنْفُسِهِما فَقالَتْ: لا أُمَكِّنُكُما حَتّى تُعَلِّمانِي الِاسْمَ الَّذِي تَعْرُجانِ بِهِ إلى السَّماءِ وتَهْبِطانِ. فَأبَيا ثُمَّ سَألاها أيْضًا فَأبَتْ فَفَعَلا، فَلَمّا اسْتُطِيرَتْ طَمَسَها اللَّهُ كَوْكَبًا وقَطَعَ أجْنِحَتَها ثُمَّ سَألا التَّوْبَةَ مِن رَبِّهِما، فَخَيَّرَهُما فَقالَ: إنْ شِئْتُما رَدَدْتُكُما إلى ما (p-٥٠٩)كُنْتُما عَلَيْهِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ عَذَّبْتُكُما، وإنْ شِئْتُما عَذَّبْتُكُما في الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ رَدَدْتُكُما إلى ما كُنْتُما عَلَيْهِ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: إنَّ عَذابَ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ ويَزُولُ. فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا عَلى عَذابِ الآخِرَةِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِما: أنِ ائْتِيا بابِلَ، فانْطَلَقا إلى بابِلَ، فَخُسِفَ بِهِما فَهُما مَنكُوسانِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، مُعَذَّبانِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ في سَفَرٍ فَقالَ لِي: ارْمُقِ الكَوْكَبَةَ، فَإذا طَلَعَتْ أيْقِظْنِي، فَلَمّا طَلَعَتْ أيْقَظْتُهُ فاسْتَوى جالِسًا، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَيْها ويَسُبُّها سَبًّا شَدِيدًا، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نَجْمٌ ساطِعٌ مُطِيعٌ ما لَهُ تَسُبُّهُ! فَقالَ: ها إنَّ هَذِهِ كانَتْ بَغِيًّا في بَنِي إسْرائِيلَ فَلَقِيَ المَلِكانِ مِنها ما لَقِيا.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أشْرَفَتِ المَلائِكَةُ (p-٥١٠)عَلى الدُّنْيا فَرَأتْ بَنِي آدَمَ يَعْصُونَ فَقالَتْ: يا رَبِّ ما أجْهَلَ هَؤُلاءِ، ما أقَلَّ مَعْرِفَةَ هَؤُلاءِ بِعَظَمَتِكَ! فَقالَ اللَّهُ: لَوْ كُنْتُمْ في مِسْلاخِهِمْ لَعَصَيْتُمُونِي. قالُوا: كَيْفَ يَكُونُ هَذا، ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ! قالَ: فاخْتارُوا مِنكم مَلَكَيْنِ. فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ، ثُمَّ أُهْبِطا إلى الأرْضِ، ورُكِّبَتْ فِيهِما شَهَواتُ بَنِي آدَمَ، ومُثِّلَتْ لَهُما امْرَأةٌ، فَما عُصِما حَتّى واقَعا المَعْصِيَةَ، فَقالَ اللَّهُ: اخْتارا عَذابَ الدُّنْيا أوْ عَذابَ الآخِرَةِ. فَنَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ قالَ: ما تَقُولُ؟ فاخْتَرْ. قالَ: أقُولُ: إنَّ عَذابَ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ وإنَّ عَذابَ الآخِرَةِ لا يَنْقَطِعُ، فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا، فَهُما اللَّذانِ ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ الآيَةَ» .

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ (العُقُوباتِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ مِن طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: ذَكَرَتِ المَلائِكَةُ أعْمالَ بَنِي آدَمَ وما يَأْتُونَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَقِيلَ: لَوْ كُنْتُمْ مَكانَهم لَأتَيْتُمْ مِثْلَ ما يَأْتُونَ، فاخْتارُوا مِنكُمُ اثْنَيْنِ، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ، فَقِيلَ لَهُما: إنِّي أُرْسِلُ إلى بَنِي آدَمَ رُسُلًا، فَلَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَكُما رَسُولٌ، انْزِلا لا تُشْرِكا بِي شَيْئًا، ولا تَزْنِيا ولا تَشْرَبا الخَمْرَ. قالَ (p-٥١١)كَعْبٌ: فَواللَّهِ ما أمْسَيا مِن يَوْمِهِما الَّذِي أُهْبِطا فِيهِ حَتّى اسْتَكْمَلا جَمِيعَ ما نُهِيا عَنْهُ.

وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أطَلَعَتِ الحَمْراءُ بَعْدُ؟ فَإذا رَآها قالَ: لا مَرْحَبًا، ثُمَّ قالَ: إنَّ مَلَكَيْنِ مِنَ المَلائِكَةِ هارُوتَ ومارُوتَ سَألا اللَّهَ أنْ يَهْبِطا إلى الأرْضِ، فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ، فَكانا يَقْضِيانِ بَيْنَ النّاسِ، فَإذا أمْسَيا تَكَلَّمًا بِكَلِماتٍ، فَعَرَجا بِها إلى السَّماءِ، فَقُيِّضَ لَهُما امْرَأةٌ مِن أحْسَنِ النّاسِ، وألْقَيَتْ عَلَيْهِما الشَّهْوَةُ، فَجَعَلا يُؤَخِّرانِها، وأُلْقِيَتْ في أنْفُسِهِما فَلَمْ يَزالا يَفْعَلانِ، حَتّى وعَدَتْهُما مِيعادًا فَأتَتْهُما لِلْمِيعادِ، فَقالَتْ: كَلِّمانِي الكَلِمَةَ الَّتِي تَعْرُجانِ بِها. فَعَلَّماها الكَلِمَةَ، فَتَكَلَّمَتْ بِها، فَعَرَجَتْ إلى السَّماءِ، فَمُسِخَتْ فَجُعِلَتْ كَما تَرَوْنَ، فَلَمّا أمْسَيا تَكَلَّما بِالكَلِمَةِ، فَلَمْ يَعْرُجا فَبُعِثَ إلَيْهِما: إنْ شِئْتُما فَعَذابُ الآخِرَةِ وإنْ شِئْتُما فَعَذابُ الدُّنْيا إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، عَلى أنْ تَلْقَيا اللَّهَ، فَإنْ شاءَ عَذَّبَكُما، وإنْ شاءَ رَحِمَكُما. فَنَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: بَلْ نَخْتارُ عَذابَ الدُّنْيا ألْفَ ألْفِ ضِعْفٍ. فَهُما يُعَذَّبانِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

(p-٥١٢)وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (العُقُوباتِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ هَذِهِ الزُّهْرَةَ تُسَمِّيها العَرَبُ الزُّهْرَةَ والعَجَمُ أناهِيذَ، وكانَ المَلَكانِ يَحْكُمانِ بَيْنَ النّاسِ، فَأتَتْهُما، فَأرادَها كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ غَيْرِ عِلْمِ صاحِبِهِ، فَقالَ أحَدُهُما: يا أخِي، إنَّ في نَفْسِي بَعْضَ الأمْرِ أُرِيدُ أنْ أذْكُرَهُ لَكَ. قالَ: اذْكُرْهُ لَعَلَّ الَّذِي في نَفَسِي مِثْلُ الَّذِي في نَفْسِكَ. فاتَّفَقا عَلى أمْرٍ في ذَلِكَ، فَقالَتْ لَهُما المَرْأةُ: ألا تُخْبِرانِي بِما تَصْعَدانِ بِهِ إلى السَّماءِ، وبِما تَهْبِطانِ بِهِ إلى الأرْضِ؟ فَقالا: بِاسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ. قالَتْ: ما أنا بِمُؤاتِيَتِكُما حَتّى تُعَلِّمانِيهِ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: عَلِّمْها إيّاهُ، فَقالَ: كَيْفَ لَنا بِشِدَّةِ عَذابِ اللَّهِ؟ قالَ الآخَرُ: إنّا نَرْجُو سِعَةَ رَحْمَةِ اللَّهِ. فَعَلَّمَها إيّاهُ، فَتَكَلَّمَتْ بِهِ فَطارَتْ إلى السَّماءِ، فَفَزِعَ مَلَكٌ في السَّماءِ لِصُعُودِها فَطَأْطَأ رَأْسَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ بَعْدُ ومَسَخَها اللَّهُ فَكانَتْ كَوْكَبًا.

(p-٥١٣)وأخْرَجَ ابْنُ رَهْوَيْهِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ الزُّهْرَةَ فَإنَّها هي الَّتِي فَتَنَتِ المَلَكَيْنِ هارُوتَ ومارُوتَ» .

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الزُّهْرَةُ امْرَأةً يُقالُ لَها في قَوْمِها: بِيذُخْتْ. .

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ المَرْأةَ الَّتِي فُتِنَ بِها المَلَكانِ مُسِخَتْ فَهي هَذِهِ الكَواكِبُ الحَمْراءُ. يَعْنِي الزُّهْرَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُنْتُ نازِلًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في سَفَرٍ، فَلَمّا كانَ ذاتَ لَيْلَةٍ قالَ لِغُلامِهِ: انْظُرْ طَلَعَتِ الحَمْراءُ؟ لا مَرْحَبًا بِها ولا أهْلًا، ولا حَيّاها اللَّهُ، هي صاحِبَةُ المَلَكَيْنِ، قالَتِ المَلائِكَةُ: رَبِّ كَيْفَ تَدَعُ عُصاةَ بَنِي آدَمَ وهم يَسْفِكُونَ الدَّمَ الحَرامَ، ويَنْتَهِكُونَ مَحارِمَكَ، ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ. قالَ: إنِّي قَدِ ابْتَلَيْتُهم فَلَعَلَّ إنِ ابْتَلَيْتُكم بِمِثْلِ الَّذِي ابْتَلَيْتُهم بِهِ، (p-٥١٤)فَعَلْتُمْ كالَّذِي يَفْعَلُونَ، قالُوا: لا، قالَ: فاخْتارُوا مِن خِيارِكُمُ اثْنَيْنِ. فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ، فَقالَ لَهُما: إنِّي مُهْبِطُكُما إلى الأرْضِ، وعاهِدٌ إلَيْكُما: ألّا تُشْرِكا، ولا تَزْنِيا، ولا تَخُونا، فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ، وأُلْقِيَ عَلَيْهِما الشَّبَقُ، وأُهْبِطَتْ لَهُما الزُّهْرَةُ في أحْسَنِ صُورَةِ امْرَأةٍ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُما؛ فَأراداها عَنْ نَفْسِها، فَقالَتْ: إنِّي عَلى دِينٍ لا يَصْلُحُ لِأحَدٍ أنْ يَأْتِيَنِي إلّا مَن كانَ عَلى مِثْلِهِ، قالا: وما دِينُكَ؟ قالَتِ: المَجُوسِيَّةُ. قالا: الشِّرْكُ! هَذا شَيْءٌ لا نَقْرَبُهُ. فَمَكَثَتْ عَنْهُما ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ تَعَرَّضَتْ لَهُما، فَأراداها عَنْ نَفْسِها، فَقالَتْ: ما شِئْتُما، غَيْرَ أنَّ لِي زَوْجًا، وأنا أكْرَهُ أنْ يَطَّلِعَ عَلى هَذا مِنِّي فَأفْتَضِحَ، فَإنْ أقْرَرْتُما لِي بِدِينِي، وشَرَطْتُما أنْ تَصْعَدا بِي إلى السَّماءِ فَعَلْتُ. فَأقَرّا لَها بِدِينِها وأتَياها فِيما يَرَيانِ، ثُمَّ صَعِدا بِها إلى السَّماءِ فَلَمّا انْتَهَيا إلى السَّماءِ اخْتُطِفَتْ مِنهُما، وقُطِعَتْ أجْنِحَتُهُما، فَوَقَعا خائِفَيْنِ نادِمَيْنِ يَبْكِيانِ، وفي الأرْضِ نَبِيٌّ يَدْعُو بَيْنَ الجُمْعَتَيْنِ، فَإذا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ أُجِيبَ، فَقالا: لَوْ أتَيْنا فُلانًا فَسَألْناهُ يَطْلُبُ لَنا التَّوْبَةَ، فَأتَياهُ فَقالَ: رَحِمَكُما اللَّهُ، كَيْفَ يَطْلُبُ أهْلُ الأرْضِ لِأهْلِ السَّماءِ. قالا: إنّا ابْتُلِينا. قالَ: ائْتِيانِي يَوْمَ الجُمُعَةِ. فَأتَياهُ فَقالَ: ما أجَبْتُ فِيكُما بِشَيْءٍ، ائْتِيانِي في الجُمْعَةِ الثّانِيَةِ. فَأتَياهُ، فَقالَ: اخْتارا، فَقَدْ خُيِّرْتُما؛ إنْ أحْبَبْتُما مُعافاةَ الدُّنْيا وعَذابَ الآخِرَةِ، وإنْ أحْبَبْتُما فَعَذابُ الدُّنْيا وأنْتُما يَوْمَ القِيامَةِ عَلى حُكْمِ اللَّهِ. فَقالَ أحَدُهُما: الدُّنْيا لَمْ يَمْضِ مِنها إلّا القَلِيلُ. (p-٥١٥)وقالَ الآخَرُ: ويْحَكَ، إنِّي قَدْ أطَعْتُكَ في الأوَّلِ فَأطِعْنِي الآنَ، إنَّ عَذابًا يَفْنى لَيْسَ كَعَذابٍ يَبْقى، قالَ: إنَّنا يَوْمَ القِيامَةِ عَلى حُكْمِ اللَّهِ، فَأخافُ أنْ يُعَذِّبَنا. قالَ: لا إنِّي أرْجُو إنْ عَلِمَ اللَّهُ أنّا قَدِ اخْتَرْنا عَذابَ الدُّنْيا مَخافَةَ عَذابِ الآخِرَةِ؛ لا يَجْمَعُهُما عَلَيْنا، قالَ فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا فَجَعَلا في بَكَراتٍ مِن حَدِيدٍ في قَلِيبٍ مَمْلُوءَةٍ مِن نارٍ، أعالِيهِما أسافِلُهُما. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ جَيِّدٌ، وهو أثْبَتُ وأصَحُّ إسْنادًا مِن رِوايَةِ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ، عَنْ نافِعٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا وقَعَ النّاسُ مِن بَنِي آدَمَ فِيما وقَعُوا فِيهِ مِنَ المَعاصِي والكُفْرِ بِاللَّهِ- قالَتِ المَلائِكَةُ في السَّماءِ: رَبِّ، هَذا العالَمُ الَّذِي إنَّما خَلَقْتَهم لِعِبادَتِكَ وطاعَتِكَ، وقَدْ وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ ورَكِبُوا الكُفْرَ وقَتْلَ النَّفْسِ وأكْلَ مالِ الحَرامِ، والزِّنا، والسَّرِقَةَ، وشُرْبَ الخَمْرِ، فَجَعَلُوا يَدْعُونَ عَلَيْهِمْ ولا يَعْذُرْنَهُمْ، فَقِيلَ: إنَّهم في غَيْبٍ. فَلَمْ يَعْذِرُوهُمْ، فَقِيلَ لَهُمُ: اخْتارُوا مِنكُمْ، مِن أفْضَلِكم مَلَكَيْنِ آمُرُهُما وأنْهاهُما. فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ، وجَعَلَ لَهُما شَهَواتِ بَنِي آدَمَ، وأمَرَهُما أنْ يَعْبُداهُ (p-٥١٦)ولا يُشْرِكا بِهِ شَيْئًا، ونَهاهُما عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ الحَرامِ، وأكْلِ مالِ الحَرامِ، وعَنِ الزِّنا وشُرْبِ الخَمْرِ، فَلَبِثا في الأرْضِ زَمانًا يَحْكُمانِ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ، وذَلِكَ في زَمانِ إدْرِيسَ، وفي ذَلِكَ الزَّمانِ امْرَأةٌ حُسْنُها في النِّساءِ كَحُسْنِ الزُّهْرَةِ في سائِرِ الكَواكِبِ، وأنَّهُما أتَيا عَلَيْها، فَخَضَعا لَها في القَوْلِ، وأراداها عَنْ نَفْسِها، فَأبَتْ إلّا أنْ يَكُونا عَلى أمْرِها ودِينِها فَسَألاها عَنْ دِينِها، فَأخْرَجَتْ لَهُما صَنَمًا، فَقالَتْ: هَذا أعْبُدُهُ، فَقالا: لا حاجَةَ لَنا في عِبادَةِ هَذا.

فَذَهَبا فَغَبَرا ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أتَيا عَلَيْها، فَأراداها عَنْ نَفْسِها، فَفَعَلَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، فَذَهَبا، ثُمَّ أتَيا فَأراداها عَنْ نَفْسِها، فَلَمّا رَأتْ أنَّهُما أبَيا أنْ يَعْبُدا الصَّنَمَ، قالَتْ لَهُما: اخْتارا أحَدَ الخِلالِ الثَّلاثِ، إمّا أنْ تَعْبُدا هَذا الصَّنَمَ وإمّا أنْ تَقْتُلا هَذا النَّفْسَ، وإمّا أنْ تَشْرَبا هَذا الخَمْرَ. فَقالا: كُلُّ هَذا لا يَنْبَغِي وأهْوَنُ الثَّلاثَةِ شُرْبُ الخَمْرِ، فَشَرِبا الخَمْرَ، فَأخَذَتْ مِنهُما فَواقَعا المَرْأةَ، فَخَشِيا أنْ يُخْبِرَ الإنْسانُ عَنْهُما فَقَتَلاهُ. فَلَمّا ذَهَبَ عَنْهُما السُّكْرُ، وعَلِما ما وقَعا فِيهِ مِنَ الخَطِيئَةِ، أرادا أنْ يَصْعَدا إلى السَّماءِ فَلَمْ يَسْتَطِيعا، وحِيلَ بَيْنَهُما وبَيْنَ ذَلِكَ، وكُشِفَ الغِطاءُ فِيما بَيْنَهُما وبَيْنَ أهْلِ السَّماءِ، فَنَظَرَتِ المَلائِكَةُ إلى ما وقَعا فِيهِ، فَعَجِبُوا كُلَّ العَجَبِ، وعَرَفُوا أنَّهُ مَن كانَ في غَيْبٍ فَهو أقَلُّ خَشْيَةً، فَجَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ، فَنَزَلَ في ذَلِكَ: (p-٥١٧)﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] [ الشُّورى: ٥]، فَقِيلَ لَهُما: اخْتارا عَذابَ الدُّنْيا أوْ عَذابَ الآخِرَةِ فَقالا: أمّا عَذابُ الدُّنْيا فَإنَّهُ يَنْقَطِعُ ويَذْهَبُ وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَلا انْقِطاعَ لَهُ. فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا، فَجَعَلا بِبابِلَ فَهُما يُعَذَّبانِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أهْلَ سَماءِ الدُّنْيا أشْرَفُوا عَلى أهْلِ الأرْضِ، فَرَأوْهم يَعْمَلُونَ بِالمَعاصِي فَقالُوا: يا رَبِّ، أهْلُ الأرْضِ يَعْمَلُونَ بِالمَعاصِي. فَقالَ اللَّهُ: أنْتُمْ مَعِي، وهم غَيْبٌ عَنِّي. فَقِيلَ لَهُمُ: اخْتارُوا مِنكم ثَلاثَةً: فاخْتارُوا مِنهم ثَلاثَةً عَلى أنْ يَهْبِطُوا إلى الأرْضِ يَحْكُمُوا بَيْنَ أهْلِ الأرْضِ، وجُعِلَ فِيهِمْ شَهْوَةُ الآدَمِيِّينَ، فَأُمِرُوا ألّا يَشْرَبُوا خَمْرًا، ولا يَقْتُلُونَ نَفْسًا، ولا يَزْنُوا ولا يَسْجُدُوا لِوَثَنٍ، فاسْتَقالَ مِنهم واحِدٌ، فَأُقِيلَ، فَأُهْبِطَ اثْنانِ إلى الأرْضِ، فَأتَتْهُما امْرَأةٌ مِن أحْسَنِ النّاسِ يُقالُ لَها: أناهِيذْ. فَهَوِياها جَمِيعًا، ثُمَّ أتَيا مَنزِلَها، فاجْتَمَعا عِنْدَها فَأراداها، فَقالَتْ لَهُما: لا حَتّى تَشْرَبا خَمْرِي، وتَقْتُلا ابْنَ جارِي، وتَسْجُدا لِوَثَنِي. فَقالا: لا نَسْجُدُ. ثُمَّ شَرِبا مِنَ الخَمْرِ، ثُمَّ قَتَلا، ثُمَّ سَجَدا. فَأشْرَفَ أهْلُ السَّماءِ عَلَيْهِما، وقالَتْ لَهُما: أخْبَرانِي بِالكَلِمَةِ الَّتِي إذا قُلْتُماها طِرْتُما. فَأخْبَراها فَطارَتْ فَمُسِخَتْ جَمْرَةً وهي هَذِهِ (p-٥١٨)الزُّهْرَةُ وأمّا هُما، فَأرْسَلَ إلَيْهِما سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ فَخَيَّرَهُما بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا فَهُما مَناطانِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ قالا: لَمّا كَثُرَ بَنُو آدَمَ وعَصَوْا، دَعَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ والأرْضُ والجِبالُ: رَبَّنا لا تُمْهِلْهُمْ، فَأوْحى اللَّهُ إلى المَلائِكَةِ: أنِّي أزَلْتُ الشَّهْوَةَ والشَّيْطانَ مِن قُلُوبِكُمْ، ولَوْ تَرَكْتُكم لَفَعَلْتُمْ أيْضًا، قالَ: فَحَدَّثُوا أنْفُسَهم أنْ لَوِ ابْتُلُوا اعْتَصَمُوا. فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ: أنِ اخْتارُوا مَلَكَيْنِ مِن أفْضَلِكُمْ، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ، وأُنْزِلَتِ الزُّهْرَةُ إلَيْهِما في صُورَةِ امْرَأةٍ مِن أهْلِ فارِسَ، يُسَمُّونَها بِيذُخْتْ، قالَ: فَوَقَعا بِالخَطِيئَةِ، فَكانَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا، فَلَمّا وقَعا بِالخَطِيئَةِ اسْتَغْفِرُوا لِمَن في الأرْضِ، فَخُيِّرا بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ، كانا مَلَكَيْنِ مِنَ المَلائِكَةِ فَأُهْبِطا لِيَحْكُما بَيْنَ النّاسِ، وذَلِكَ أنَّ المَلائِكَةَ سَخِرُوا مِن أحْكامِ بَنِيآدَمَ فَحاكَمَتْ إلَيْهِما امْرَأةٌ، فَخافا لَها، ثُمَّ ذَهَبا يَصْعَدانِ، فَحِيلَ بَيْنَهُما وبَيْنَ (p-٥١٩)ذَلِكَ، وخُيِّرا بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском