As-Suyuti · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:192–214
26:192–207Page 375
وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢
And indeed, it [i.e., the Qur’ān] is the revelation of the Lord of the worlds.
نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣
The Trustworthy Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down
عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤
Upon your heart, [O Muḥammad] - that you may be of the warners
بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ ١٩٥
In a clear Arabic language.
وَإِنَّهُۥ لَفِي زُبُرِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٩٦
And indeed, it is [mentioned] in the scriptures of former peoples.
أَوَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ ءَايَةً أَن يَعۡلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٩٧
And has it not been a sign to them that it is recognized by the scholars of the Children of Israel?
وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ ١٩٨
And even if We had revealed it to one among the foreigners1
فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١٩٩
And he had recited it to them [perfectly],1 they would [still] not have been believers in it.
كَذَٰلِكَ سَلَكۡنَٰهُ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٠٠
Thus have We inserted it [i.e., disbelief] into the hearts of the criminals.
لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٢٠١
They will not believe in it until they see the painful punishment.
فَيَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٠٢
And it will come to them suddenly while they perceive [it] not.
فَيَقُولُواْ هَلۡ نَحۡنُ مُنظَرُونَ ٢٠٣
And they will say, "May we be reprieved?"
أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ٢٠٤
So for Our punishment are they impatient?
أَفَرَءَيۡتَ إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ ٢٠٥
Then have you considered if We gave them enjoyment for years
ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ٢٠٦
And then there came to them that which they were promised?
مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧
They would not be availed by the enjoyment with which they were provided.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: هَذا القُرْآنُ، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ قالَ: جِبْرِيلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ قالَ: جِبْرِيلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: الرُّوحُ الأمِينُ جِبْرِيلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ قَرَأ: (نَزَّلَ بِهِ) يُثَقِّلُها: (الرُّوحَ الأمِينَ) يَقُولُ: نَزَّلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: (نَزَّلَ بِهِ) مُثَقَّلَةً، (الرُّوحَ الأمِينَ) مَنصُوبَتانِ. (p-٢٩٧)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ قالَ: «الرُّوحُ الأمِينُ جِبْرِيلُ، رَأيْتُ لَهُ سِتَّمِائَةِ جَناحٍ مِن لُؤْلُؤٍ قَدْ نَشَرَها، فِيها مِثْلُ رِيشِ الطَّواوِيسِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ، أظُنُّهُ عَنْ سَعْدٍ، قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««ألا وإنَّ الرُّوحَ الأمِينَ نَفَثَ في رُوعِي أنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها وإنْ أبْطا عَنْها»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أيُّها النّاسُ، إنَّهُ لَيْسَ مِن شَيْءٍ يُقَرِّبُكم مِنَ الجَنَّةِ ويُبْعِدُكم مِنَ النّارِ إلّا قَدْ أمَرْتُكم بِهِ، ولَيْسَ شَيْءٌ يُقَرِّبُكم مِنَ النّارِ ويُبْعِدُكم مِنَ الجَنَّةِ إلّا قَدْ نَهَيْتُكم عَنْهُ، وإنَّ الرُّوحَ الأمِينَ نَفَثَ في رُوعِي أنَّهُ لَيْسَ مِن نَفْسٍ تَمُوتُ حَتّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَها، فاتَّقُوا اللَّهَ وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطاءُ الرِّزْقِ عَلى أنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعاصِي اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يُنالُ ما عِنْدَ اللَّهِ إلّا بِطاعَتِهِ»» .
(p-٢٩٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ قالَ: بِلِسانِ قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في ”تارِيخِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ قالَ: بِلِسانِ قُرَيْشٍ، ولَوْ كانَ غَيْرَ عَرَبِيٍّ ما فَهِمُوهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ بُرَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ قالَ: بِلِسانِ جُرْهُمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: كانَ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَدِمُوا عَلى قَوْمٍ مِن يَهُودَ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ لِبَعْضِ حَوائِجِهِمْ، فَسَمِعُوهم يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ، فَقالَ القُرَشِيُّونَ: ماذا نَلْقى مِمَّنْ يَقْرَأُ تَوْراتَكم هَذِهِ؟ لَهَؤُلاءِ أشُدُّ عَلَيْنا مِن مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ. فَقالَ اليَهُودُ: نَحْنُ مِن أُولَئِكَ بُرَآءُ، وأُولَئِكَ يَكْذِبُونَ عَلى التَّوْراةِ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكُتُبِ، إنَّما أرادُوا عَرَضَ (p-٢٩٩)الدُّنْيا. فَقالَ القُرَشِيُّونَ: فَإذا لَقِيتُمُوهم فَسَوِّدُوا وُجُوهَهم. وقالَ المُنافِقُونَ: لا يُعَلِّمُهُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُهُ. وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وصِفَتَهُ ونَعْتَهُ وأمْرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ يَقُولُ: في الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى الأوَّلِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: كُتُبِ الأوَّلِينَ، ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ اليَهُودَ والنَّصارى، كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهم يَجِدُونَ مُحَمَّدًا ﷺ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً﴾ بِالياءِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ مِن عُلَمائِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ (p-٣٠٠)عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ مِن خِيارِهِمْ، فَآمَنَ بِكِتابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُبَشِّرِ بْنِ عُبَيْدٍ القُرَشِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً﴾ . يَقُولُ: أوَلَمْ يَكُنْ لَهُمُ القُرْآنُ آيَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: كانُوا خَمْسَةً؛ أسَدٌ، وأسِيدٌ، وابْنُ يامِينَ، وثَعْلَبَةُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ قالَ: يَقُولُ: لَوْ نَزَّلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ، لَكانَتِ العَرَبُ أشَرَّ النّاسِ فِيهِ، لا يَفْهَمُونَهُ ولا يَدْرُونَ ما هو.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ قالَ: لَوْ أنْزَلَهُ اللَّهُ أعْجَمِيًّا لَكانُوا أخَسَّ النّاسِ بِهِ؛ لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ العَجَمِيَّةَ.
(p-٣٠١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ قالَ: الفُرْسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ﴾ قالَ: الشِّرْكَ جَعَلْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي جَهْضَمٍ قالَ: «رُئِيَ النَّبِيُّ ﷺ كَأنَّهُ مُتَحَيِّرٌ، فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: «ولِمَ ورَأيْتُ عَدُوِّي يَلُونَ أمْرَ أُمَّتِي مِن بَعْدِي» . فَنَزَلَتْ: ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ فَطابَتْ نَفْسُهُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، أنَّهُ كانَ لا يَدَعُ أنْ يَقُولَ في خُطْبَتِهِ كُلَّ جُمُعَةٍ: إنَّما أهْلُ الدُّنْيا فِيها عَلى وجِلٍ، لَمْ تَمْضِ لَهم نِيَّةٌ، ولَمْ تَطْمَئِنَّ لَهم دارٌ، حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ وهم عَلى ذَلِكَ، لا يَدُومُ نَعِيمُها، ولا تُؤْمَنُ فَجَعاتُها، ولا يَبْقى فِيها شَيْءٌ. ثُمَّ يَتْلُو: ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ .
(p-٣٠٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ قالَ: الرُّسُلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ قالَ: ما أهْلَكَ اللَّهُ مِن قَرْيَةٍ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ والحُجَّةُ والبَيانُ مِنَ اللَّهِ، ولِلَّهِ الحُجَّةُ عَلى خَلْقِهِ، ﴿ذِكْرى﴾ قالَ: تَذْكِرَةً لَهُمْ، ومَوْعِظَةً وحُجَّةً لِلَّهِ، ﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ يَقُولُ: ما كُنّا لِنُعَذِّبَهم إلّا مِن بَعْدِ البَيِّنَةِ والحُجَّةِ والعُذْرِ، حَتّى نُرْسِلَ الرُّسُلَ ونُنَزِّلَ الكُتُبَ. وفي قَوْلِهِ:﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، ﴿وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أنْ يَنْزِلُوا بِهِ، ﴿وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ . يَقُولُ: لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ ولا يَسْتَطِيعُونَهُ، ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ قالَ: عَنْ سَمْعِ السَّماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ الآيَةَ. قالَ: زَعَمُوا أنَّ الشَّياطِينَ تَنَزَّلَتْ بِهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ أنَّها لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ولا تَسْتَطِيعُهُ، وما يَنْبَغِي لَهُمُ أنْ يَنْزِلُوا بِهَذا، وهو مَحْجُورٌ عَلَيْهِمْ.
(p-٣٠٣)
26:208Page 376
وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨
And We did not destroy any city except that it had warners
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
26:210Page 376
وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠
And the devils have not brought it [i.e., the revelation] down.1
No commentary for this ayah
26:211Page 376
وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١
It is not allowable for them, nor would they be able.
No commentary for this ayah
26:212Page 376
إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢
Indeed they, from [its] hearing, are removed.1
No commentary for this ayah
26:213Page 376
فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ ٢١٣
So do not invoke1 with Allāh another deity and [thus] be among the punished.
No commentary for this ayah
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ .
أخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، وفي ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا، وعَمَّ وخَصَّ، فَقالَ: «يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا مَعْشَرَ بَنِي قُصَيٍّ، أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النّارِ، فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكِ ضَرًّا ولا نَفْعًا، إلّا أنَّ لَكم رَحِمًا وسَأبُلُّها بِبَلالِها»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ (p-٣٠٤)قالَتْ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «يا فاطِمَةُ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ، يا صَفِيَّةُ ابْنَةَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِن مالِي ما شِئْتُمْ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَغَوِيُّ في ”مُعْجَمِهِ“، والباوَرْدِيُّ، والطَّحاوِيُّ، وأبُو عَوانَةَ، وابْنُ قانِعٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخارِقٍ، وزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قالا: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى رَضْمَةٍ مِن جَبَلٍ، فَعَلا أعْلاها حَجَرًا، ثُمَّ قالَ: «يا بَنِي عَبْدِ مَنافاهْ، إنِّي نَذِيرٌ، إنَّما مَثَلِي ومَثَلُكم كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأى العَدُوَّ فانْطَلَقَ يَرْبَأُ أهْلَهُ، فَخَشِيَ أنْ يَسْبِقُوهُ إلى أهْلِهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ: يا صَباحاهْ، (p-٣٠٥)يا صَباحاهْ، أُتِيتُمْ، أُتِيتُمْ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى، الأشْعَرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ وضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، ورَفَعَ صَوْتَهُ وقالَ: «يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، يا صَباحاهْ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ . بَكى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ جَمَعَ أهْلَهُ فَقالَ: «يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، يا بَنِي هاشِمٍ، أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ» . ثُمَّ التَفَتَ إلى فاطِمَةَ فَقالَ: «يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا غَيْرَ أنَّ لَكم رَحِمًا سَأبُلُّها بِبَلالِها»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ البَراءِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ رَضْمَةً مِن جَبَلٍ، فَنادى: «يا صَباحاهْ» . فاجْتَمَعُوا فَحَذَّرَهم وأنْذَرَهُمْ، ثُمَّ قالَ: «لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النّارِ، فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»» .
(p-٣٠٦)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ صاحَ عَلى أبِي قُبَيْسٍ: «يا آلَ عَبْدِ مَنافٍ، إنِّي نَذِيرٌ» . فَجاءَتْهُ قُرَيْشٌ فَحَذَّرَهم وأنْذَرَهم» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ قُرَيْشًا فَقالَ: «﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ يَعْنِي: قَوْمِي»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ جَعَلَ يَدْعُوهم قَبائِلَ قَبائِلَ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: (وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ورَهْطَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ) . خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى صَعِدَ عَلى الصَّفا، فَنادى: «يا صَباحاهْ» . فَقالُوا: مَن هَذا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قالُوا: مُحَمَّدٌ. فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَخْرُجَ أرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ ما هُوَ، فَجاءَ أبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ، فَقالَ: «أرَأيْتُكم لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِالوادِي تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ»؟ . قالُوا: نَعَمْ، ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ إلّا صِدْقًا. قالَ: «فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم (p-٣٠٧)بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» . فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ، ألِهَذا جَمَعْتَنا! فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد: ١] [المَسَدِ»: ١] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: «﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نادى عَلى الصَّفا بِأفْخاذِ عَشِيرَتِهِ، فَخِذًا فَخِذًا، يَدْعُوهم إلى اللَّهِ، فَقالَ في ذَلِكَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ باتَ هَذا الرَّجُلُ يُهَوِّتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ. قالَ: وقالَ الحَسَنُ: جَمَعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أهْلَ بَيْتِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَقالَ: «ألا إنَّ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ، ألا إنِّي لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ألا إنَّ أوْلِيائِي مِنكُمُ المُتَّقُونَ، ألا لا أعْرِفَنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تَأْتُونَ بِالدُّنْيا تَحْمِلُونَها عَلى رِقابِكُمْ، ويَأْتِي النّاسُ يَحْمِلُونَ الآخِرَةَ، يا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، اعْمَلا؛ فَإنِّي لا أُغْنِي عَنْكُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««يا بَنِي هاشِمٍ، ويا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، إنِّي لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، إيّاكُمُ أنْ يَأْتِيَنَّ النّاسُ يَحْمِلُونَ الآخِرَةَ، وتَأْتُونَ أنْتُمْ تَحْمِلُونَ الدُّنْيا، وإنَّكم تُرَدُّونَ عَلى الحَوْضِ ذاتَ الشِّمالِ وذاتَ اليَمِينِ، فَيَقُولُ القائِلُ مِنكم: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنا فُلانُ بْنُ فُلانٍ. فَأعْرِفُ الحَسَبَ وأُنْكِرُ الوَصْفَ، فَإيّاكُمُ أنْ يَأْتِيَ أحَدُكم يَوْمَ القِيامَةِ وهو (p-٣٠٨)يَحْمِلُ عَلى ظَهْرِهِ فَرَسًا ذاتَ حَمْحَمَةٍ، أبُو بَعِيرًا لَهُ رُغاءٌ، أوْ شاةً لَها ثُغاءٌ، أوْ يَحْمِلُ قِشْعًا مِن أدَمٍ، فَتَخْتَلِجُونَ مِن دُونِي، ويُقالُ لِي: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ. فاطَّيَّبُوا نَفْسِي، وإيّاكُمُ أنْ تَرْجِعُوا القَهْقَرى مِن بَعْدِي» . قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّما قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذا القَوْلَ حَيْثُ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء»: ٢١٤] .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي هاشِمٍ فَأجْلَسَهم عَلى البابِ، وجَمَعَ نِساءَهُ وأهْلَهُ فَأجْلَسَهم في البَيْتِ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: «يا بَنِي هاشِمٍ، اشْتَرُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ، واسْعَوْا في فِكاكِ رِقابِكُمْ، أوِ افْتَكُّوا أنْفُسَكم مِنَ اللَّهِ، فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» . ثُمَّ أقْبَلَ عَلى أهْلِ بَيْتِهِ، فَقالَ: «يا عائِشَةُ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ، ويا حَفْصَةُ بِنْتَ عُمَرَ، ويا أُمَّ سَلَمَةَ، ويا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، ويا أُمَّ الزُّبَيْرِ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، اشْتَرُوا أنْفُسَكم مِنَ اللَّهِ، واسْعَوْا في فِكاكِ رِقابِكُمْ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ولا أُغْنِي» . فَبَكَتْ عائِشَةُ وقالَتْ: وهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ، يَوْمٌ لا تُغْنِي عَنّا شُئِيا؟ قالَ: «نَعَمْ، في ثَلاثَةِ مَواطِنَ؛ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآيَتَيْنِ [الأنْبِياءِ: ٤٧] . فَعِنْدَ ذَلِكَ لا أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ولا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وعِنْدَ النُّورِ، مَن شاءَ (p-٣٠٩)اللَّهُ أتَمَّ لَهُ نُورَهُ، ومَن شاءَ أكَبَّهُ في الظُّلُماتِ يَغُمُّهُ فِيها، فَلا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ولا أُغْنِي عَنْكُمْ، مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وعِنْدَ الصِّراطِ، مَن شاءَ اللَّهُ سَلَّمَهُ، ومَن شاءَ أجازَهُ، ومَن شاءَ كَبْكَبَهُ في النّارِ» . قالَتْ عائِشَةُ: قَدْ عَلِمْنا المَوازِينَ، هي الكِفَّتانِ، فَيُوضَعُ في هَذِهِ اليُسْرى، فَتَرْجَحُ إحْداهُما وتَخِفُّ الأُخْرى، وقَدْ عَلِمْنا ما النُّورُ وما الظُّلْمَةُ، فَما الصِّراطُ؟ قالَ: «طَرِيقٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، يَجُوزُ النّاسُ عَلَيْها، وهو مِثْلُ حَدِّ المُوسى، والمَلائِكَةُ صافَّةٌ يَمِينًا وشِمالًا، يَخْطَفُونَهم بِالكَلالِيبِ مِثْلَ شَوْكِ السَّعْدانِ وهم يَقُولُونَ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وأفْئِدَتُهم هَواءٌ، فَمَن شاءَ اللَّهُ سَلَّمَهُ، ومَن شاءَ كَبْكَبَهُ فِيها»» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، مَعًا في ”الدَّلائِلِ“، مِن طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ دَعانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «يا عَلِيُّ، إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِي الأقْرَبِينَ، فَضِقْتُ بِذَلِكَ ذَرْعًا، وعَرَفْتُ أنِّي مَهْما أُبادِئْهم بِهَذا الأمْرِ أرى مِنهم ما أكْرَهُ، فَصَمَتُّ عَلَيْها حَتّى جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّكَ إنْ لَمْ تَفْعَلْ ما تُؤْمَرُ بِهِ يُعَذِّبُكَ رَبُّكَ فاصْنَعْ (p-٣١٠)لِي صاعًا مِن طَعامٍ، واجْعَلْ عَلَيْهِ رِجْلَ شاةٍ، واجْعَلْ لَنا عُسًّا مِن لَبَنٍ، ثُمَّ اجْمَعْ لِي بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ حَتّى أُكَلِّمَهم وأُبَلِّغَ ما أُمِرْتُ بِهِ» . فَفَعَلْتُ ما أمَرَنِي بِهِ، ثُمَّ دَعَوْتُهم لَهُ، وهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ رَجُلًا، يَزِيدُونَ رَجُلًا أوْ يَنْقُصُونَهُ، فِيهِمْ أعْمامُهُ أبُو طالِبٍ، وحَمْزَةُ، والعَبّاسُ وأبُو لَهَبٍ. فَلَمّا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ دَعانِي بِالطَّعامِ الَّذِي صَنَعْتُ لَهُمْ، فَجِئْتُ بِهِ، فَلَمّا وضَعْتُهُ تَناوَلَ النَّبِيُّ ﷺ حِذْيَةً مِنَ اللَّحْمِ فَشَقَّها بِأسْنانِهِ ثُمَّ ألْقاها في نَواحِي الصَّحْفَةِ، ثُمَّ قالَ: «كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ» . فَأكَلَ القَوْمُ حَتّى نَهِلُوا عَنْهُ، ما نَرى إلّا آثارَ أصابِعِهِمْ، واللَّهِ إنْ كانَ الرَّجُلُ الواحِدُ لَيَأْكُلُ ما قَدَّمْتُ لِجَمِيعِهِمْ، ثُمَّ قالَ: «اسْقِ القَوْمَ يا عَلِيُّ» . فَجِئْتُهم بِذَلِكَ العُسِّ، فَشَرِبُوا مِنهُ حَتّى رَوُوا جَمِيعًا. وايْمُ اللَّهِ، إنْ كانَ الرَّجُلُ مِنهم لَيَشْرَبُ مِثْلَهُ، فَلَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُكَلِّمَهم بَدَرَهُ أبُو لَهَبٍ إلى الكَلامِ، فَقالَ: لَقَدْ سَحَرَكم صاحِبُكم. فَتَفَرَّقَ القَوْمُ ولَمْ يُكَلِّمْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ . فَلَمّا كانَ الغَدُ، قالَ: «يا عَلِيُّ، إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ سَبَقَنِي إلى ما سَمِعْتَ مِنَ القَوْلِ، فَتَفَرَّقَ القَوْمُ قَبْلَ أنْ أُكَلِّمَهُمْ، فَعُدْ لَنا بِمِثْلِ الَّذِي صَنَعْتَ بِالأمْسِ مِنَ (p-٣١١)الطَّعامِ والشَّرابِ، ثُمَّ اجْمَعْهم لِي» . فَفَعَلْتُ، ثُمَّ جَمَعْتُهُمْ، ثُمَّ دَعانِي بِالطَّعامِ فَقَرَّبْتُهُ، فَفَعَلَ كَما فَعَلَ بِالأمْسِ، فَأكَلُوا وشَرِبُوا حَتّى نَهِلُوا، ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: «يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، إنِّي واللَّهِ ما أعْلَمُ شابًّا في العَرَبِ جاءَ قَوْمَهُ بِأفْضَلَ مِمّا جِئْتُكم بِهِ، إنِّي قَدْ جِئْتُكم بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَدْ أمَرَنِي اللَّهُ أنْ أدْعُوَكم إلَيْهِ، فَأيُّكم يُؤازِرُنِي عَلى أمْرِي هَذا»؟ . فَقُلْتُ وأنا أحْدَثُهم سِنًّا: أنا. فَقامَ القَوْمُ يَضْحَكُونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ وهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ رَجُلًا، مِنهُمُ العَشَرَةُ يَأْكُلُونَ المُسِنَّةَ ويَشْرَبُونَ العُسَّ، فَأمَرَ عَلِيًّا بِرِجْلِ شاةٍ فَصَنَعَها لَهُمْ، ثُمَّ قَرَّبَها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأخَذَ مِنها بِضْعَةً فَأكَلَ مِنها، ثُمَّ تَتَبَّعَ بِها جَوانِبَ القَصْعَةِ، ثُمَّ قالَ: «ادْنُوا بِاسْمِ اللَّهِ» . فَدَنا القَوْمُ عَشَرَةً عَشَرَةً، فَأكَلُوا حَتّى صَدَرُوا، ثُمَّ دَعا بِقَعْبٍ مِن لَبَنٍ فَجَرَعَ مِنها جَرْعَةً فَناوَلَهم (p-٣١٢)فَقالَ: «اشْرَبُوا بِاسْمِ اللَّهِ» . فَشَرِبُوا حَتّى رَوُوا عَنْ آخِرِهِمْ، فَقَطَعَ كَلامَهم رَجُلٌ، فَقالَ: لَهَدَّ ما سَحَرَكم مِثْلُ هَذا الرَّجُلِ! فَأُسْكِتَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ. ثُمَّ دَعاهم مِنَ الغَدِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ، ثُمَّ بَدَرَهم بِالكَلامِ فَقالَ: «يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، إنِّي أنا النَّذِيرُ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ والبَشِيرُ، قَدْ جِئْتُكم بِما لَمْ يَجِئْ بِهِ أحَدٌ، جِئْتُكم بِالدُّنْيا والآخِرَةِ، فَأسْلِمُوا تَسْلَمُوا، وأطِيعُوا تَهْتَدُوا»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُنْذِرَ قَوْمَهُ، ويَبْدَأ بِأهْلِ بَيْتِهِ وفَصِيلَتِهِ، قالَ: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦] [الأنْعامِ: ٦٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ورَهْطَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ) .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَبْدِ الواحِدِ الدِّمَشْقِيِّ قالَ: «رَأيْتُ أبا الدَّرْداءِ يُحَدِّثُ النّاسَ ويُفْتِيهِمْ، ووَلَدُهُ وأهْلُ بَيْتِهِ جُلُوسٌ في جانِبٍ يَتَحَدَّثُونَ، فَقِيلَ لَهُ: يا أبا الدَّرْداءِ، ما بالُ النّاسِ يَرْغَبُونَ فِيما عِنْدَكَ مِن (p-٣١٣)العِلْمِ، وأهْلُ بَيْتِكَ جُلُوسٌ لاهِينَ؟ فَقالَ: إنِّي سَمِعْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أزْهَدَ النّاسِ في الأنْبِياءِ، وأشَدَّهم عَلَيْهِمْ، الأقْرَبُونَ، وذَلِكَ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء»: ٢١٤] . إلى آخِرِ الآيَةِ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أزْهَدَ النّاسِ في العالِمِ أهْلُهُ حَتّى يُفارِقَهُمْ، وإنَّهُ لَيَشْفَعُ في أهْلِ دارِهِ وجِيرانِهِ، فَإذا ماتَ خَلّا عَنْهم مِن مَرَدَةِ الشَّياطِينِ أكْثَرُ مِن عَدَدِ رَبِيعَةَ ومُضَرَ قَدْ كانُوا مُشْتَغِلِينَ بِهِ، فَأكْثِرُوا التَّعَوُّذَ بِاللَّهِ مِنهُمْ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحادَةَ، أنَّ كَعْبًا لَقِيَ أبا مُسْلِمٍ الخَوْلانِيَّ فَقالَ: كَيْفَ كَرامَتُكَ عَلى قَوْمِكَ؟ قالَ: إنِّي عَلَيْهِمْ لَكَرِيمٌ. قالَ: إنِّي أجِدُ في التَّوْراةِ غَيْرَ ما تَقُولُ. قالَ: وما هُوَ؟ قالَ: وجَدْتُ في التَّوْراةِ، أنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَكِيمٌ في قَوْمٍ إلّا كانَ أزْهَدَهم فِيهِ قَوْمُهُ، ثُمَّ الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، فَإنْ كانَ في حَسَبِهِ شَيْءٌ عَيَّرُوهُ بِهِ، وإنْ كانَ عَمِلَ بُرْهَةً مِن دَهْرِهِ ذَنْبًا عَيَّرُوهُ بِهِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”المَدْخَلِ“، عَنْ كَعْبٍ، أنَّهُ قالَ لِأبِي مُسْلِمٍ: كَيْفَ تَجِدُ قَوْمَكَ لَكَ؟ قالَ: مُكْرِمِينَ مُطِيعِينَ. قالَ: ما صَدَقَتْنِي التَّوْراةُ إذَنْ، ما كانَ رَجُلٌ حَكِيمٌ في قَوْمٍ إلّا بَغَوْا عَلَيْهِ وحَسَدُوهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences