As-Suyuti · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:152–153
3:152Page 69
وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥٢
And Allāh had certainly fulfilled His promise to you when you were killing them [i.e., the enemy] by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet (ﷺ)] and disobeyed after He had shown you that which you love.1 Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then He turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allāh is the possessor of bounty for the believers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: كانَ اللَّهُ وعَدَهم عَلى الصَّبْرِ والتَّقْوى أنْ يُمِدَّهم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وكانَ قَدْ فَعَلَ، فَلَمّا عَصَوْا أمْرَ الرَّسُولِ وتَرَكُوا مَصافَّهم وتَرَكَتِ الرُّماةُ عَهْدَ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ أنْ لا يَبْرَحُوا مَنازِلَهم وأرادُوا الدُّنْيا، رُفِعَ عَنْهم مَدَدُ المَلائِكَةِ وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ فَصَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ وأراهُمُ الفَتْحَ، فَلَمّا عَصَوْا أعْقَبَهُمُ البَلاءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ أبا سُفْيانَ أقْبَلَ في ثَلاثِ لَيالٍ خَلَوْنَ مِن شَوّالٍ حَتّى نَزَلَ أُحُدًا، وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأذَّنَ في النّاسِ فاجْتَمَعُوا، وأمَّرَ عَلى الخَيْلِ الزُّبَيْرَ بْنَ العَوّامِ ومَعَهُ يَوْمَئِذٍ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ الكِنْدِيُّ، وأعْطى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللِّواءَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وخَرَجَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ بِالحُسَّرِ، وبَعَثَ حَمْزَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وأقْبَلَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَلى خَيْلِ المُشْرِكِينَ ومَعَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزُّبَيْرَ وقالَ: «اسْتَقْبِلْ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فَكُنْ بِإزائِهِ حَتّى أُؤْذِنَكَ» وأمَرَ بِخَيْلٍ أُخْرى فَكانُوا (p-٦١)مِن جانِبٍ آخَرَ فَقالَ: «لا تَبْرَحُوا حَتّى أُؤْذِنَكُمْ» وأقْبَلَ أبُو سُفْيانَ يَحْمِلُ اللّاتَ والعُزّى، فَأرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلى الزُّبَيْرِ أنْ يَحْمِلَ فَحَمَلَ عَلى خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ فَهَزَمَهُ ومَن مَعَهُ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾، وأنَّ اللَّهَ وعَدَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْصُرَهم وأنَّهُ مَعَهُمْ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بَعْضًا مِنَ النّاسِ فَكانُوا مِن ورائِهِمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُونُوا هَهُنا فَرُدُّوا وجْهَ مَن نَدَّ مِنّا، وكُونُوا حَرَسًا لَنا مِن قِبَلِ ظُهُورِنا»، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا هَزَمَ القَوْمَ هو وأصْحابُهُ الَّذِينَ كانُوا جُعِلُوا مِن ورائِهِمْ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَمّا رَأوُا النِّساءَ مُصْعِداتٍ في الجَبَلِ ورَأوُا الغَنائِمَ: انْطَلِقُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأدْرِكُوا الغَنِيمَةَ قَبْلَ أنْ تُسْبَقُوا إلَيْها. وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: بَلْ نُطِيعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَثْبُتُ مَكانَنا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ لِلَّذِينِ أرادُوا الغَنِيمَةَ ﴿ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ لِلَّذِينِ قالُوا: نُطِيعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ونَثْبُتُ مَكانَنا، فَأتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَكانَ فَشَلًا حِينَ تَنازَعُوا بَيْنَهُمْ، يَقُولُ: ﴿وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ كانُوا قَدْ رَأوُا الفَتْحَ والغَنِيمَةَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ (p-٦٢)وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «، أنَّهُ قالَ: ما نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ في مَوْطِنٍ كَما نُصِرَ يَوْمَ أُحُدٍ. فَأنْكَرُوا ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيْنِي وبَيْنَ مَن أنْكَرَ ذَلِكَ كِتابُ اللَّهِ؛ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ في يَوْمِ أُحُدٍ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: والحَسَنِ: القَتْلُ، ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكم واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ وإنَّما عَنى هَذا الرُّماةَ؛ وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقامَهم في مَوْضِعٍ ثُمَّ قالَ: «احْمُوا ظُهُورَنا فَإنْ رَأيْتُمُونا نُقْتَلُ فَلا تَنْصُرُونا، وإنْ رَأيْتُمُونا قَدْ غَنِمْنا فَلا تُشارِكُونا» . فَلَمّا غَنِمَ النَّبِيُّ ﷺ وأباحُوا عَسْكَرَ المُشْرِكِينَ انْكَفَأتِ الرُّماةُ جَمِيعًا فَدَخَلُوا في العَسْكَرِ يَنْتَهِبُونَ والتَفَّتْ صُفُوفُ المُسْلِمِينَ، فَهم هَكَذا - وشَبَّكَ بَيْنَ يَدَيْهِ - والتَبَسُوا، فَلَمّا أخَلَّ الرُّماةُ تِلْكَ الخَلَّةَ الَّتِي كانُوا فِيها، دَخَلَ الخَيْلُ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ عَلى الصَّحابَةِ، فَضَرَبَ بَعْضُهم بَعْضًا والتَبَسُوا، وقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ ناسٌ كَثِيرٌ، وقَدْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ أوَّلُ النَّهارِ حَتّى قُتِلَ مِن أصْحابِ لِواءِ المُشْرِكِينَ سَبْعَةٌ أوْ تِسْعَةٌ، وجالَ المُسْلِمُونَ جَوْلَةً نَحْوَ الجَبَلِ، ولَمْ يَبْلُغُوا حَيْثُ يَقُولُ النّاسُ: الغارَ، إنَّما كانُوا تَحْتَ المِهْراسِ، وصاحَ الشَّيْطانُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ. فَلَمْ يُشَكَّ فِيهِ أنَّهُ حَقٌّ، فَما زِلْنا (p-٦٣)كَذَلِكَ ما نَشُكُّ أنَّهُ قُتِلَ حَتّى طَلَعَ بَيْنَ السَّعْدَيْنِ نَعْرِفُهُ بِتَكَفُّئِهِ إذا مَشى، فَفَرِحْنا حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يُصِبْنا ما أصابَنا، فَرَقِيَ نَحْوَنا وهو يَقُولُ: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلى قَوْمٍ دَمَّوْا وجْهَ نَبِيِّهِمْ» ويَقُولُ مَرَّةً أُخْرى: «اللَّهُمَّ إنَّهُ لَيْسَ لَهم أنْ يَعْلُونا» حَتّى انْتَهى إلَيْنا فَمَكَثَ ساعَةً، فَإذا أبُو سُفْيانَ يَصِيحُ في أسْفَلِ الجَبَلِ: اعْلُ هُبَلُ، اعْلُ هُبَلُ، أيْنَ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ؟ أيْنَ ابْنُ أبِي قُحافَةَ؟ أيْنَ ابْنُ الخَطّابِ؟ فَقالَ عُمَرُ: ألا أُجِيبُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «بَلى» فَلَمّا قالَ: اعْلُ هُبَلُ، قالَ عُمَرُ: اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ، فَعادَ فَقالَ: أيْنَ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ؟ أيْنَ ابْنُ أبِي قُحافَةَ؟ فَقالَ عُمَرُ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ، وهَذا أبُو بَكْرٍ، وها أنا عُمَرُ، فَقالَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، الأيّامُ دُوَلٌ، والحَرْبُ سِجالٌ، فَقالَ عُمَرُ: لا سَواءَ، قَتْلانا في الجَنَّةِ وقَتْلاكم في النّارِ. قالَ: إنَّكم لَتَزْعُمُونَ ذَلِكَ، لَقَدْ خِبْنا إذَنْ وخَسِرْنا، ثُمَّ قالَ أبُو سُفْيانَ: إنَّكم سَتَجِدُونَ في قَتْلاكم مُثْلَةً، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ رَأْيِ سَراتِنا. ثُمَّ أدْرَكَتْهُ حَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ فَقالَ: أمّا إنَّهُ كانَ ذَلِكَ ولَمْ نَكْرَهْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «إنَّ النِّساءَ كُنَّ يَوْمَ أُحُدٍ خَلْفَ المُسْلِمِينَ يُجْهِزْنَ عَلى جَرْحى المُشْرِكِينَ. فَلَوْ حَلَفْتُ يَوْمَئِذٍ رَجَوْتُ أنْ أبَرَّ: إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِنّا يُرِيدُ الدُّنْيا، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ فَلَمّا خالَفَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ وعَصَوْا ما أُمِرُوا بِهِ أُفْرِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في تِسْعَةٍ، سَبْعَةٍ مِنَ الأنْصارِ (p-٦٤)ورَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ، وهو عاشِرٌ، فَلَمّا رَهِقُوهُ قالَ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا رَدَّهم عَنّا» فَقامَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَقاتَلَ ساعَةً حَتّى قُتِلَ، فَلَمّا رَهِقُوهُ أيْضًا قالَ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا رَدَّهم عَنّا» فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذا حَتّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِصاحِبَيْهِ: «ما أنْصَفْنا أصْحابَنا» فَجاءَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: اعْلُ هُبَلُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُولُوا: اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ» فَقالُوا: اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: لَنا العُزّى ولا عُزّى لَكُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُولُوا: اللَّهُ مَوْلانا والكافِرُونَ لا مَوْلى لَهُمْ» ثُمَّ قالَ أبُو سُفْيانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، يَوْمٌ لَنا ويَوْمٌ عَلَيْنا، ويَوْمٌ نُساءُ ويَوْمٌ نُسَرُّ، حَنْظَلَةُ بِحَنْظَلَةَ، وفُلانٌ بِفُلانٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا سَواءَ، أمّا قَتْلانا فَأحْياءٌ يُرْزَقُونَ، وقَتْلاكم في النّارِ يُعَذَّبُونَ» قالَ أبُو سُفْيانَ: قَدْ كانَ في القَوْمِ مُثْلَةٌ وإنْ كانَتْ لَعَنْ غَيْرِ مَلَأٍ مِنّا، ما أمَرْتُ ولا نَهَيْتُ ولا أحْبَبْتُ ولا كَرِهْتُ، ولا ساءَنِي ولا سَرَّنِي، قالَ: فَنَظَرُوا فَإذا حَمْزَةُ قَدْ بُقِرَ بَطْنُهُ وأخَذَتْ هِنْدُ كَبِدَهُ فَلاكَتْها فَلَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تَأْكُلَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أكَلَتْ شَيْئًا»؟ قالُوا: لا، قالَ: «ما كانَ اللَّهُ لِيُدْخِلَ شَيْئًا مِن حَمْزَةَ النّارَ» فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْزَةَ فَصَلّى عَلَيْهِ، وجِيءَ بِرَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ فَوُضِعَ إلى جَنْبِهِ فَصَلّى عَلَيْهِ فَرُفِعَ الأنْصارِيُّ وتُرِكَ حَمْزَةُ، ثُمَّ جِيءَ بِآخَرَ فَوَضَعَهُ إلى جَنْبِ حَمْزَةَ فَصَلّى عَلَيْهِ، ثُمَّ رُفِعَ وتُرِكَ حَمْزَةُ حَتّى (p-٦٥)صَلّى عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ صَلاةً» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الرُّماةِ يَوْمَ أُحُدٍ - وكانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، ووَضَعَهم مَوْضِعًا وقالَ: «إنْ رَأيْتُمُونا تَخْطِفُنا الطَّيْرُ فَلا تَبْرَحُوا حَتّى أُرْسِلَ إلَيْكُمْ» فَهَزَمُوهم قالَ: فَأنا - واللَّهِ - رَأيْتُ النِّساءَ يَشْدُدْنَ عَلى الجَبَلِ وقَدْ بَدَتْ أسْوُقُهُنَّ وخَلاخِلُهُنَّ رافِعاتٍ ثِيابَهُنَّ، فَقالَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ: الغَنِيمَةَ. أيْ قَوْمُ الغَنِيمَةَ، ظَهَرَ أصْحابُكم فَما تَنْتَظِرُونَ؟ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أفَنَسِيتُمْ ما قالَ لَكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالُوا: إنّا واللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الغَنِيمَةِ، فَلَمّا أتَوْهم صُرِفَتْ وُجُوهُهم فَأقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ في أُخْراهم فَلَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَأصابُوا مِنّا سَبْعِينَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ أصابَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أرْبَعِينَ ومِائَةً، سَبْعِينَ أسِيرًا وسَبْعِينَ قَتِيلًا، قالَ أبُو سُفْيانَ: أفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ ثَلاثًا. فَنَهاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجِيبُوهُ. ثُمَّ قالَ: أفِي القَوْمِ ابْنُ أبِي قُحافَةَ؟ مَرَّتَيْنِ. أفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطّابِ؟ مَرَّتَيْنِ. ثُمَّ أقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: أمّا هَؤُلاءِ فَقَدْ قُتِلُوا وقَدْ كُفِيتُمُوهُمْ، فَما مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ أنْ قالَ: كَذَبْتَ - واللَّهِ - يا عَدُوَّ اللَّهِ، إنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ أحْياءٌ كُلُّهُمْ، وقَدْ بَقِيَ لَكَ ما يَسُوءُكَ، قالَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ والحَرْبُ (p-٦٦)سِجالٌ، إنَّكم سَتَجِدُونَ في القَوْمِ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِها ولَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أخَذَ يَرْتَجِزُ: اعْلُ هُبَلُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا تُجِيبُونَهُ»؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما نَقُولُ؟ قالَ: «قُولُوا: اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ» قالَ: إنَّ لَنا العُزّى ولا عُزّى لَكم. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا تُجِيبُونَهُ»؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما نَقُولُ؟ قالَ: «قُولُوا: اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكُمْ»» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ جابِرٍ قالَ: «انْهَزَمَ النّاسُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وبَقِيَ مَعَهُ أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وهو يَصْعَدُ في الجَبَلِ فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقالَ: «ألا أحَدٌ لِهَؤُلاءِ» فَقالَ طَلْحَةُ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: «كَما أنْتَ يا طَلْحَةُ» فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: فَأنا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقاتَلَ عَنْهُ، وصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَن بَقِيَ مَعَهُ ثُمَّ قُتِلَ الأنْصارِيُّ فَلَحِقُوهُ فَقالَ: «ألا رَجُلٌ لِهَؤُلاءِ»؟ فَقالَ طَلْحَةُ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: فَأنا يا رَسُولَ اللَّهِ وأصْحابُهُ يَصْعَدُونَ ثُمَّ قُتِلَ، فَلَحِقُوهُ فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ الأوَّلِ ويَقُولُ طَلْحَةُ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَيَحْبِسُهُ فَيَسْتَأْذِنُهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ لِلْقِتالِ فَيَأْذَنُ لَهُ فَيُقاتِلُ مِثْلَ مَن كانَ قَبْلَهُ حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا طَلْحَةُ فَغَشَوْهُما فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن لِهَؤُلاءِ» فَقالَ طَلْحَةُ: أنا، فَقاتَلَ مِثْلَ قِتالِ جَمِيعِ مَن كانَ قَبْلَهُ وأُصِيبَتْ أنامِلُهُ فَقالَ: حَسِّ، فَقالَ: «لَوْ قُلْتَ: بِسْمِ اللَّهِ أوْ (p-٦٧)ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ لَرَفَعَتْكَ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ في جَوِّ السَّماءِ» ثُمَّ صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أصْحابِهِ وهم مُجْتَمِعُونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ قالَ: الحَسُّ: القَتْلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ قالَ: تَقْتُلُونَهم.
وأخْرَجَ الطِّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ قالَ: تَقْتُلُونَهم. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ومِنّا الَّذِي لاقى بِسَيْفِ مُحَمَّدٍ فَحَسَّ بِهِ الأعْداءَ عُرْضَ العَساكِرِ
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ قالَ: تَقْتُلُونَهم. قالَ: وهَلْ كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ الكِتابُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ عُتْبَةَ اللِّيثِيِّ: (p-٦٨)
؎نَحُسُّهم بِالبِيضِ حَتّى كَأنَّما ∗∗∗ نُفَلِّقُ مِنهم بِالجَماجِمِ حَنْظَلا
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ قالَ: الفَشَلُ: الجُبْنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ يَقُولُ: جَبُنْتُمْ عَنْ عَدُوِّكم: ﴿وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ يَقُولُ: اخْتَلَفْتُمْ وعَصَيْتُمْ ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ وذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ، قالَ لَهم: «إنَّكم سَتَظْهَرُونَ فَلا أعْرِفَنَّ ما أصَبْتُمْ مِن غَنائِمِهِمْ شَيْئًا حَتّى تَفْرُغُوا» فَتَرَكُوا أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ وعَصَوْا ووَقَعُوا في الغَنائِمِ ونَسُوا عَهْدَهُ الَّذِي عَهِدَهُ إلَيْهِمْ، وخالَفُوا إلى غَيْرِ ما أمَرَهم بِهِ، فانْصَرَفَ عَلَيْهِمْ عَدُّوهم مِن بَعْدِ ما أراهم فِيهِمْ ما يُحِبُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزى في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ قالَ: كانَ وضَعَ خَمْسِينَ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ أخُو خَوّاتٍ، فَجَعَلَهم بِإزاءِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ عَلى خَيْلِ المُشْرِكِينَ فَلَمّا هَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ قالَ نِصْفُ أُولَئِكَ: نَذْهَبُ حَتّى (p-٦٩)نَلْحَقَ بِالنّاسِ ولا تَفُوتَنا الغَنائِمُ، وقالَ بَعْضُهم: قَدْ عَهِدَ إلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا نَرِيمَ حَتّى يُحْدِثَ إلَيْنا، فَلَمّا رَأى خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ رِقَّتَهم حَمَلَ عَلَيْهِمْ فَقاتَلُوا خالِدًا حَتّى ماتُوا رِبْضَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وعَصَيْتُمْ﴾ فَجَعَلَ أُولَئِكَ الَّذِينَ انْصَرَفُوا عُصاةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ: ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ الغَنائِمَ وهَزِيمَةَ القَوْمِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ قالَ: نَصَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ حَتّى رَكِبَ نِساءُ المُشْرِكِينَ عَلى كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، ثُمَّ أُدِيلَ عَلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ بِمَعْصِيَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «إنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أمَرَ يَوْمَ أُحُدٍ طائِفَةً مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: «كُونُوا مَسْلَحَةً لِلنّاسِ» بِمَنزِلَةٍ أمَرَهم أنْ يَثْبُتُوا بِها، وأمَرَهم أنْ لا يَبْرَحُوا مَكانَهم حَتّى يَأْذَنَ لَهُمْ، فَلَمّا لَقِيَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ هَزَمَهم نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا رَأى المَسْلَحَةُ أنَّ اللَّهَ هَزَمَ المُشْرِكِينَ انْطَلَقَ بَعْضُهم يَتَنادَوْنَ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ لا تَفُتْكُمْ، وثَبَتَ (p-٧٠)بَعْضُهم مَكانَهم وقالُوا: لا نَرِيمُ مَوْضِعَنا حَتّى يَأْذَنَ لَنا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، فَفي ذَلِكَ نَزَلَ: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ فَكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: ما شَعَرْتُ أنَّ أحَدًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ يُرِيدُ الدُّنْيا وعَرَضَها حَتّى كانَ يَوْمُ أُحُدٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ قالَ الرُّماةُ: أدْرِكُوا النّاسَ ونَبِيَّ اللَّهِ ﷺ لا يَسْبِقُوكم إلى الغَنائِمِ، فَتَكُونُ لَهم دُونَكُمْ، وقالَ بَعْضُهم: لا نَرِيمُ حَتّى يَأْذَنَ لَنا النَّبِيُّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما عَلِمْنا أنَّ أحَدًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ يُرِيدُ الدُّنْيا وعَرَضَها حَتّى كانَ يَوْمَئِذٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما كُنْتُ أرى أنَّ أحَدًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ الدُّنْيا حَتّى نَزَلَ فِينا يَوْمَ أُحُدٍ: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ قالَ: صَرَفَ القَوْمَ عَنْهم فَقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِعِدَّةِ مَن أسَرُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وقُتِلَ عَمُّ (p-٧١)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ، وشُجَّ في وجْهِهِ فَقالُوا: ألَيْسَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَدَنا النَّصْرَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْكم إذْ عَصَيْتُمُونِي أنْ لا أكُونَ اسْتَأْصَلْتُكم. ثُمَّ يَقُولُ الحَسَنُ: هَؤُلاءِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفي سَبِيلِ اللَّهِ، غِضابٌ لِلَّهِ، يُقاتِلُونَ أعْداءَ اللَّهِ، نُهُوا عَنْ شَيْءٍ فَضَيَّعُوهُ، فَواللَّهِ ما تُرِكُوا حَتّى غُمُّوا بِهَذا الغَمِّ؛ قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ، وقُتِلَ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ، وشُجَّ في وجْهِهِ، فَأفْسَقُ الفاسِقِينَ اليَوْمَ يَتَجَرَّأُ عَلى كُلِّ كَبِيرَةٍ ويَرْكَبُ كُلَّ داهِيَةٍ ويَسْحَبُ عَلَيْها ثِيابَهُ ويَزْعُمُ أنْ لا بَأْسَ عَلَيْهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ قالَ: إذْ لَمْ يَسْتَأْصِلْكم.
(p-٧٢)وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مَوْهَبٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عُمَرَ فَقالَ: إنِّي سائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي: أنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذا البَيْتِ، أتَعْلَمُ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْها؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَتَعْلَمُ أنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ فَلَمْ يَشْهَدْها؟ قالَ: نَعَمْ، فَكَبَّرَ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعالَ لِأُخْبِرَكَ ولِأُبَيِّنَ لَكَ عَمّا سَألْتَنِي عَنْهُ:
أمّا فِرارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأشْهَدُ أنَّ اللَّهَ عَفا عَنْهُ.
وأمّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإنَّهُ كانَ تَحْتَهُ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ وكانَتْ مَرِيضَةً، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لَكَ أجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وسَهْمَهُ» .
وأمّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ فَلَوْ كانَ أحَدٌ أعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن عُثْمانَ لَبَعَثَهُ مَكانَهُ، فَبَعَثَ عُثْمانَ فَكانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ بَعْدَما ذَهَبَ عُثْمانُ إلى مَكَّةَ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ اليُمْنى فَضَرَبَ بِها عَلى يَدِهِ فَقالَ: «هَذِهِ يَدُ عُثْمانَ» اذْهَبْ بِها الآنَ مَعَكَ» .
3:153Page 69
۞ إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٥٣
[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allāh repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allāh is [fully] Aware of what you do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُصْعِدُونَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ قَرَأ: (تَصْعَدُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ والعَيْنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿تُصْعِدُونَ﴾ بِرَفْعِ التّاءِ وكَسْرِ العَيْنِ.
(p-٧٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ هارُونَ قالَ: في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (إذْ تُصْعِدُونَ في الوادِي) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ قالَ: أُصْعِدُوا في أُحُدٍ فِرارًا، والرَّسُولُ يَدْعُوهم في أُخْراهم: «إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، ارْجِعُوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ارْجِعُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ وانْهَزَمَ النّاسُ صَعِدُوا الجَبَلَ والرَّسُولُ يَدْعُوهم في أُخْراهُمْ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ الآيَةَ، قالَ: فَرُّوا مُنْهَزِمِينَ في شِعْبٍ شَدِيدٍ لا يَلْوُونَ عَلى أحَدٍ، والرَّسُولُ يَدْعُوهم في أُخْراهم: «إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ» ولا يَلْوِي عَلَيْهِ أحَدٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: (p-٧٤)﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ الآيَةَ، قالَ: ذاكم يَوْمَ أُحُدٍ أصْعَدُوا في الوادِي فِرارًا، ونَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوهم في أُخْراهم: «إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾ فَرَجَعُوا وقالُوا: واللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهم ثُمَّ لَنَقْتُلَنَّهُمْ، قَدْ جَرَحُوا مِنّا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَهْلًا فَإنَّما أصابَكُمُ الَّذِي أصابَكم مِن أجْلِ أنَّكم عَصَيْتُمُونِي» فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ أتاهُمُ القَوْمُ وقَدْ أيِسُوا وقَدِ اخْتَرَطُوا سُيُوفَهم ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ فَكانَ غَمُّ الهَزِيمَةِ وغَمُّهم حِينَ أتَوْهم ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ مِنَ الغَنِيمَةِ و﴿ما أصابَكُمْ﴾ مِنَ القَتْلِ والجِراحَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ قالَ: الغَمُّ الأوَّلُ بِسَبَبِ الهَزِيمَةِ، والثّانِي حِينَ قِيلَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهم أعْظَمَ مِنَ الهَزِيمَةِ.
(p-٧٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ قالَ: فَرَّةً بَعْدَ الفَرَّةِ الأُولى حِينَ سَمِعُوا الصَّوْتَ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَرَجَعَ الكُفّارُ، فَضَرَبُوهم مُدْبِرِينَ، حَتّى قَتَلُوا مِنهم سَبْعِينَ رَجُلًا، ثُمَّ انْحازُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلُوا يَصْعَدُونَ في الجَبَلِ والرَّسُولُ يَدْعُوهم في أُخْراهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ قالَ: الغَمُّ الأوَّلُ الجِراحُ والقَتْلُ، والغَمُّ الآخَرُ حِينَ سَمِعُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ قُتِلَ، فَأنْساهُمُ الغَمُّ الآخَرُ ما أصابَهم مِنَ الجِراحِ والقَتْلِ وما كانُوا يَرْجُونَ مِنَ الغَنِيمَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ يَدْعُو النّاسَ حَتّى انْتَهى إلى أصْحابِ الصَّخْرَةِ، فَلَمّا رَأوْهُ وضَعَ رَجُلٌ سَهْمًا في قَوْسِهِ، فَأرادَ أنْ يَرْمِيَهُ، فَقالَ: «أنا رَسُولُ اللَّهِ» . فَفَرِحُوا بِذَلِكَ حِينَ وجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَيًّا، وفَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَأى أنَّ في أصْحابِهِ مَن يَمْتَنِعُ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا وفِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذَهَبَ عَنْهُمُ الحُزْنُ، فَأقْبَلُوا (p-٧٦)يَذْكُرُونَ الفَتْحَ وما فاتَهم مِنهُ، ويَذْكُرُونَ أصْحابَهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا، فَأقْبَلَ أبُو سُفْيانَ حَتّى أشْرَفَ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا نَظَرُوا إلَيْهِ نَسُوا ذَلِكَ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، وهَمَّهم أبُو سُفْيانَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ لَهم أنْ يَعْلُونا، اللَّهُمَّ إنْ تُقْتُلْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تُعْبَدْ» . ثُمَّ نَدَبَ أصْحابَهُ فَرَمَوْهم بِالحِجارَةِ حَتّى أنْزَلُوهم فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ الغَمُّ الأوَّلُ ما فاتَهم مِنَ الغَنِيمَةِ والفَتْحِ، والغَمُّ الثّانِي إشْرافُ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ مِنَ الغَنِيمَةِ، ﴿ولا ما أصابَكُمْ﴾ مِنَ القَتْلِ حِينَ تَذْكُرُونَ. فَشَغَلَهم أبُو سُفْيانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أصابَ النّاسَ حُزْنٌ وغَمٌّ عَلى ما أصابَهم في أصْحابِهِمُ الَّذِينَ قُتِلُوا، فَلَمّا تَوَلَّجُوا في الشِّعْبِ وهم فِلٌّ مُصابُونَ، وقَفَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ بِبابِ الشِّعْبِ، فَظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهم سَوْفَ يَمِيلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقْتُلُونَهم أيْضًا، فَأصابَهم حُزْنٌ مِن ذَلِكَ أنْساهم حُزْنَهم في أصْحابِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences