As-Suyuti · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:48–53
4:48Page 86
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا ٤٨
Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly fabricated a tremendous sin.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنَّ لِي ابْنَ أخٍ لا يَنْتَهِي عَنِ الحَرامِ. قالَ: «وما دِينُهُ»؟ قالَ: يُصَلِّي ويُوَحِّدُ اللَّهَ. قالَ: «اسْتَوْهِبْ مِنهُ دِينَهُ، فَإنْ أبى فابْتَعْهُ مِنهُ» فَطَلَبَ الرَّجُلُ ذَلِكَ مِنهُ فَأبى عَلَيْهِ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: وجَدَتُهُ شَحِيحًا عَلى دِينِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء»: ٤٨] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَزّارُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنّا مَعْشَرَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ لا نَشُكُّ في قاتِلِ النَّفْسِ، وآكِلِ مالِ اليَتِيمِ، وشاهِدِ الزُّورِ، وقاطِعِ الرَّحِمِ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فَأمْسَكْنا عَنِ الشَّهادَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنّا لا نَشُكُّ فِيمَن أوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النّارَ في كِتابِ اللَّهِ حَتّى نَزَلَتْ عَلَيْنا هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فَلَمّا سَمِعْناها كَفَفْنا عَنِ الشَّهادَةِ، وأرْجَيْنا (p-٤٧١)الأُمُورَ إلى اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كُنّا نُمْسِكُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، حَتّى سَمِعْنا مِن نَبِيِّنا ﷺ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ وقالَ: «إنِّي ادَّخَرْتُ دَعْوَتِي شَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي» فَأمْسَكْنا عَنْ كَثِيرٍ مِمّا كانَ في أنْفُسِنا، ثُمَّ نَطَقْنا بَعْدُ ورَجَوْنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ المُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ عُتْبَةَ البارِقِيِّ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ ثَوْبانَ قالَ: شَهِدْتُ في المَسْجِدِ قَبْلَ الدّاءِ الأعْظَمِ فَسَمِعْتُهم يَقُولُونَ: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٢] إلى آخِرِ الآيَةِ [النِّساءِ: ٩٢]، فَقالَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ: قَدْ أوْجَبَ لَهُ النّارَ. فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ قالُوا: ما شاءَ اللَّهُ، يَصْنَعُ اللَّهُ ما يَشاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآيَةَ [الزُّمَرِ: ٥٣]، قامَ رَجُلٌ فَقالَ: والشِّرْكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ؟ فَكَرِهَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] الآيَةَ، قامَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى المِنبَرِ فَتَلاها عَلى النّاسِ، فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ (p-٤٧٢)فَقالَ: والشِّرْكَ بِاللَّهِ؟ فَسَكَتَ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فَأُثْبِتَتْ هَذِهِ في ”الزُّمَرِ“، وأُثْبِتَتْ هَذِهِ في ”النِّساءِ“» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ”ناسِخِهِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ المَغْفِرَةَ عَلى مَن ماتَ وهو كافِرٌ، وأرْجَأ أهْلَ التَّوْحِيدِ إلى مَشِيئَتِهِ فَلَمْ يُؤْيِسْهم مِنَ المَغْفِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ قالَ: ثُنْيا مِن رَبِّنا عَلى جَمِيعِ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: أحَبُّ آيَةٍ إلَيَّ في القُرْآنِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي الجَوْزاءِ قالَ: اخْتَلَفْتُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَما مِن شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ إلّا سَألْتُهُ عَنْهُ، ورَسُولِي يَخْتَلِفُ إلى عائِشَةَ، فَما سَمِعْتُهُ ولا سَمِعْتُ أحَدًا مِنَ العُلَماءِ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِذَنْبٍ: لا أغْفِرُهُ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما مِن عَبْدٍ يَمُوتُ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إلّا حَلَّتْ لَهُ المَغْفِرَةُ، إنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ، وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ، إنَّ اللَّهَ اسْتَثْنى فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء»: ٤٨]» .
(p-٤٧٣)وأخْرَجَ أبُو يَعْلى عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن وعَدَهُ اللَّهُ عَلى عَمَلٍ ثَوابًا فَهو مُنْجِزُهُ لَهُ، ومَن وعَدَهُ عَلى عَمَلٍ عِقابًا فَهو بِالخِيارِ»» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ سَلْمانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ذَنْبٌ لا يُغْفَرُ، وذَنْبٌ لا يُتْرَكُ، وذَنْبٌ يُغْفَرُ؛ فَأمّا الَّذِي لا يُغْفَرُ فالشِّرْكُ بِاللَّهِ، وأمّا الَّذِي يُغْفَرُ فَذَنْبٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأمّا الَّذِي لا يُتْرَكُ فَظُلْمُ العِبادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««الدَّواوِينُ عِنْدَ اللَّهِ ثَلاثَةٌ: دِيوانٌ لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا، ودِيوانٌ لا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنهُ شَيْئًا، ودِيوانٌ لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، فَأمّا الدِّيوانُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ فالشِّرْكُ، قالَ اللَّهُ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] [المائِدَةِ: ٧٢] وقالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وأمّا الدِّيوانُ الَّذِي لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ فَظُلْمُ العَبْدِ نَفْسَهُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ مِن صَوْمٍ تَرَكَهُ أوْ صَلاةٍ تَرَكَها؛ فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ذَلِكَ ويَتَجاوَزُ عَنْهُ إنْ شاءَ، وأمّا الدِّيوانُ الَّذِي لا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنهُ شَيْئًا: (p-٤٧٤)فَظُلْمُ العِبادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، القِصاصُ لا مَحالَةَ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «ما مِن عَبْدٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ ماتَ عَلى ذَلِكَ إلّا دَخَلَ الجَنَّةَ» قُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ؟ قالَ: «وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ» قُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ؟ قالَ: «وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ» ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ في الرّابِعَةِ: «عَلى رَغْمِ أنْفِ أبِي ذَرٍّ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: يا عَبْدِي، ما عَبَدْتَنِي ورَجَوْتَنِي فَإنِّي غافِرٌ لَكَ عَلى ما كانَ فِيكَ، ويا عَبْدِي لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرابِ الأرْضِ خَطايا، ما لَمْ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا لَقِيتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَةً»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن ماتَ لا يَعْدِلُ بِاللَّهِ شَيْئًا، ثُمَّ كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ مِثْلُ الرِّمالِ غَفَرَ لَهُ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن ماتَ (p-٤٧٥)لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ»» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: مَن عَلِمَ أنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ، غَفَرْتُ لَهُ ولا أُبالِي، ما لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُعَيْمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن لَقِيَ اللَّهَ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» قُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ؟ قالَ: «وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ» قُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ؟ قالَ: «وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ» قُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ؟ قالَ: «وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ، عَلى رَغْمِ أنْفِ أبِي الدَّرْداءِ» . قالَ: فَخَرَجْتُ لِأُنادِيَ بِها في النّاسِ فَلَقِيَنِي عُمَرُ فَقالَ: ارْجِعْ؛ فَإنَّ النّاسَ إنْ عَلِمُوا بِهَذِهِ اتَّكَلُوا عَلَيْها، فَرَجَعْتُ فَأخْبَرْتُهُ ﷺ فَقالَ: «صَدَقَ عُمَرُ»» .
وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أرْبَعُ آياتٍ في كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أحَبُّ إلَيَّ مِن حُمْرِ النَّعَمِ وسُودِها، في سُورَةِ ”النِّساءِ“ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] (p-٤٧٦)الآيَةَ، [النِّساءِ: ٤٠] . وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤] الآيَةَ [النِّساءِ: ٦٤]، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] الآيَةَ [النِّساءِ: ١١٠] .
4:49–50Page 86
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٤٩
Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allāh purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].
ٱنظُرۡ كَيۡفَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثۡمٗا مُّبِينًا ٥٠
Look how they invent about Allāh untruth, and sufficient is that as a manifest sin.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنَّ أبْناءَنا قَدْ تُوُفُّوا، وهم لَنا قُرْبَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، ويَسْتَشْفِعُونَ لَنا ويُزَكُّونَنا. فَقالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ اليَهُودُ يُقَدِّمُونَ صِبْيانَهم يُصَلُّونَ بِهِمْ ويُقَرِّبُونَ قُرْبانَهُمْ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم لا خَطايا لَهم ولا ذُنُوبَ، وكَذَبُوا، قالَ اللَّهُ: إنِّي لا أُطَهِّرُ ذا ذَنْبٍ بِآخَرَ لا ذَنْبَ لَهُ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ قالَ: يَعْنِي يَهُودَ؛ كانُوا يُقَدِّمُونَ صِبْيانَهم أمامَهم في الصَّلاةِ، فَيَؤُمُّونَهُمْ؛ يَزْعُمُونَ أنَّهم لا ذُنُوبَ لَهم. قالَ: (p-٤٧٧)فَتِلْكَ التَّزْكِيَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، كانُوا يُقَدِّمُونَ صِبْيانَهم يَقُولُونَ: لَيْسَتْ لَهم ذُنُوبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يُقَدِّمُونَ الغِلْمانَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ يُصَلُّونَ بِهِمْ، يَقُولُونَ: لَيْسَ لَهم ذُنُوبٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى؛ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وقالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالُوا: إنّا نُعَلِّمُ أبْناءَنا التَّوْراةَ صِغارًا فَلا تَكُونُ لَهم ذُنُوبٌ، وذُنُوبُنا مِثْلُ ذُنُوبِ أبْنائِنا، ما عَمِلْنا بِالنَّهارِ كُفِّرَ عَنّا بِاللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيَغْدُو بِدِينِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ وما (p-٤٧٨)مَعَهُ مِنهُ شَيْءٌ يَلْقى الرَّجُلَ لَيْسَ يَمْلِكُ لَهُ نَفْعًا ولا ضَرًّا فَيَقُولُ: واللَّهِ إنَّكَ لَذَيْتَ وذَيْتَ، ولَعَلَّهُ أنْ يَرْجِعَ ولَمْ يَحْلَ مِن حاجَتِهِ بِشَيْءٍ، وقَدْ أسْخَطَ اللَّهَ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ قالَ: الفَتِيلُ: ما خَرَجَ مِن بَيْنِ الأُصْبُعَيْنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الفَتِيلُ، هم أنْ تَدْلُكَ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ، فَما خَرَجَ مِنهُما فَهو ذَلِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: النَّقِيرُ: النُّقْرَةُ تَكُونُ في النَّواةِ الَّتِي تَنْبُتُ مِنها النَّخْلَةُ، والفَتِيلُ: الَّذِي يَكُونُ عَلى شِقِّ النَّواةِ، والقِطْمِيرُ: القِشْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلى النَّواةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الفَتِيلُ: الَّذِي في (p-٤٧٩)الشِّقِّ الَّذِي في بَطْنِ النَّواةِ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ والِابْتِداءِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ قالَ: لا يُنْقَصُونَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ مِثْلَ الفَتِيلِ، هو الَّذِي يَكُونُ في شِقِّ النَّواةِ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ نابِغَةَ بَنِي ذُبْيانَ يَقُولُ:
؎يَجْمَعُ الجَيْشَ ذا الأُلُوفِ ويَغْزُو ثُمَّ لا يَرْزَأُ الأعادِي فَتِيلا
وقالَ الأوَّلُ أيْضًا:
؎أعاذِلُ بَعْضَ لَوْمِكِ لا تُلِحِّي ∗∗∗ فَإنَّ اللَّوْمَ لا يُغْنِي فَتِيلا
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: النَّقِيرُ: الَّذِي يَكُونُ في وسَطِ النَّواةِ في ظَهْرِها، والفَتِيلُ: الَّذِي يَكُونُ في جَوْفِ النَّواةِ، ويَقُولُونَ: ما يُدْلَكُ فَيَخْرُجُ مِن وسَخِها، والقِطْمِيرُ: لِفافَةُ النَّواةِ، أوْ سَحاةُ البَيْضَةِ، أوْ سَحاةُ القَصَبَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطِيَّةَ الجَدَلِيِّ: هي ثَلاثٌ في النَّواةِ: القِطْمِيرُ؛ وهي قِشْرَةُ النَّواةِ، والنَّقِيرُ الَّذِي رَأيْتَ في وسَطِها، والفَتِيلُ الَّذِي (p-٤٨٠)رَأيْتَ في وسَطِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: قالَتْ يَهُودُ: لَيْسَ لَنا ذُنُوبٌ إلّا كَذُنُوبِ أوْلادِنا يَوْمَ يُولَدُونَ، فَإنْ كانَتْ لَهم ذُنُوبٌ فَإنَّ لَنا ذُنُوبًا، فَإنَّما نَحْنُ مِثْلُهُمْ، قالَ اللَّهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ .
4:51–53Page 86
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ٥١
Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in jibt [superstition] and ṭāghūt [false objects of worship] and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَمَن يَلۡعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ٥٢
Those are the ones whom Allāh has cursed; and he whom Allāh curses - never will you find for him a helper.
أَمۡ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذٗا لَّا يُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ٥٣
Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَدِمَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ مَكَّةَ عَلى قُرَيْشٍ، فَحالَفُوهم عَلى قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا لَهم: أنْتُمْ أهْلُ العِلْمِ القَدِيمِ، وأهْلُ الكِتابِ، فَأخْبِرُونا عَنّا وعَنْ مُحَمَّدٍ. قالُوا: ما أنْتُمْ وما مُحَمَّدٌ؟ قالُوا: نَنْحَرُ الكَوْماءَ ونَسْقِي اللَّبَنَ عَلى الماءِ، ونَفُكُّ العُناةَ، ونَسْقِي الحَجِيجَ، ونَصِلُ الأرْحامَ، قالُوا: فَما مُحَمَّدٌ؟ قالُوا: صُنْبُورٌ قَطَعَ أرْحامَنا، واتَّبَعَهُ سُرّاقُ الحَجِيجِ بَنُو غِفارٍ، قالُوا: لا بَلْ أنْتُمْ خَيْرٌ مِنهم وأهْدى سَبِيلًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
(p-٤٨١)وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ مَكَّةَ قالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: أنْتَ خَيْرُ أهْلِ المَدِينَةِ وسَيِّدُهُمْ؟ قالَ: نَعَمْ، قالُوا: ألا تَرى إلى هَذا المُنْصَبِرِ المُنْبَتِرِ مِن قَوْمِهِ، يَزْعُمُ أنَّهُ خَيْرٌ مِنّا ونَحْنُ أهْلُ الحَجِيجِ وأهْلُ السَّدانَةِ وأهْلُ السِّقايَةِ! قالَ: أنْتُمْ خَيْرٌ مِنهُ، فَأُنْزِلَتْ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] [الكَوْثَرِ: ٣] وأُنْزِلَتْ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿نَصِيرًا﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ انْطَلَقَ إلى المُشْرِكِينَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ فاسْتَجاشَهم عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وأمَرَهم أنْ يَغْزُوهُ، وقالَ: إنّا مَعَكم نُقاتِلُهُ، فَقالُوا: إنَّكم أهْلُ كِتابٍ، وهو صاحِبُ كِتابٍ، ولا نَأْمَنُ أنْ يَكُونَ هَذا مَكْرًا مِنكُمْ، فَإنْ أرَدْتَ أنْ نَخْرُجَ مَعَكَ فاسْجُدْ لِهَذَيْنَ الصَّنَمَيْنِ، وآمِن بِهِما. فَفَعَلَ، ثُمَّ قالُوا: نَحْنُ أهْدى أمْ مُحَمَّدٌ؟ فَنَحْنُ نَنْحَرُ الكَوْماءَ، ونَسْقِي اللَّبَنَ عَلى الماءِ، ونَصِلُ الرَّحِمَ ونَقْرِي الضَّيْفَ، ونَطُوفُ بِهَذا البَيْتِ، ومُحَمَّدٌ قَطَعَ رَحِمَهُ، وخَرَجَ مِن بَلَدِهِ، قالَ: بَلْ أنْتُمْ خَيْرٌ (p-٤٨٢)وأهْدى، فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: أُنْزِلَتْ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، قالَ: كُفارُ قُرَيْشٍ أهْدى مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: «لَمّا كانَ مِن أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واليَهُودِ مِنَ النَّضِيرِ ما كانَ، حِينَ أتاهم يَسْتَعِينُهم في دِيَةِ العامِرِيَّيْنِ فَهَمُّوا بِهِ وبِأصْحابِهِ، فَأطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى ما هَمُّوا بِهِ مِن ذَلِكَ، ورَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ، هَرَبَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ حَتّى أتى مَكَّةَ، فَعاهَدَهم عَلى مُحَمَّدٍ، فَقالَ لَهُ أبُو سُفْيانَ: يا أبا سَعِيدٍ، إنَّكم قَوْمٌ تَقْرَءُونَ الكِتابَ، وتَعْلَمُونَ، ونَحْنُ قَوْمٌ لا نَعْلَمُ، فَأخْبِرْنا: دِينُنا خَيْرٌ أمْ دِينُ مُحَمَّدٍ؟ قالَ كَعْبٌ: اعْرِضُوا عَلَيَّ دِينَكُمْ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: نَحْنُ قَوْمٌ نَنْحَرُ الكَوْماءَ، ونَسْقِي الحَجِيجَ الماءَ، ونَقْرِي الضَّيْفَ، ونَعْمُرُ بَيْتَ رَبِّنا، ونَعْبُدُ آلِهَتَنا الَّتِي كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، ومُحَمَّدٌ يَأْمُرُنا أنْ نَتْرُكَ هَذا ونَتَّبِعَهُ. قالَ: دِينُكم خَيْرٌ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ فاثْبُتُوا عَلَيْهِ، ألا تَرَوْنَ أنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أنَّهُ بُعِثَ بِالتَّواضُعِ وهو يَنْكِحُ مِنَ النِّساءِ ما شاءَ، وما نَعْلَمُ مُلْكًا أعْظَمَ مِن مُلْكِ النِّساءِ. فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ الآيَةَ» .
(p-٤٨٣)وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الَّذِينَ حَزَّبُوا الأحْزابَ مِن قُرَيْشٍ وغَطَفانَ وبَنِي قُرَيْظَةَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، وسَلّامُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ وأبُو رافِعٍ، والرَّبِيعُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أبِي الحُقَيْقِ، وأبُو عَمّارٍ، ووَحْوَحُ بْنُ عامِرٍ، وهَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ، فَأمّا وحْوَحُ وأبُو عَمّارٍ، وهَوْذَةُ فَمِن بَنِي وائِلٍ، وكانَ سائِرُهم مِن بَنِي النَّضِيرِ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلى قُرَيْشٍ قالُوا: هَؤُلاءِ أحْبارُ يَهُودَ وأهْلُ العِلْمِ بِالكِتابِ الأوَّلِ، فَسَلُوهم أدِينُكم خَيْرٌ أمْ دِينُ مُحَمَّدٍ؟ فَسَألُوهم فَقالُوا: بَلْ دِينُكم خَيْرٌ مِن دِينِهِ، وأنْتُمْ أهْدى مِنهُ ومِمَّنِ اتَّبَعَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، وابْنُ عَساكِرَ في ”تارِيخِهِ“، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا كانَ مِن كانَ مِن أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ ما كانَ، اعْتَزِلَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ولَحِقَ بِمَكَّةَ، وكانَ بِها، وقالَ: لا أُعِينُ عَلَيْهِ ولا أُقاتِلُهُ. فَقِيلَ لَهُ بِمَكَّةَ: يا كَعْبُ، أدِينُنا خَيْرٌ أمْ دِينُ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ؟ قالَ: دِينُكم خَيْرٌ وأقْدَمُ، ودِينُ مُحَمَّدٍ حَدِيثٌ. فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وحُيَيِّ بْنِ (p-٤٨٤)أخْطَبَ؛ رَجُلَيْنِ مِنَ اليَهُودِ مِن بَنِي النَّضِيرِ أتَيا قُرَيْشًا بِالمَوْسِمِ، فَقالَ لَهُمُ المُشْرِكُونَ: أنْحَنُ أهْدى أمْ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ؟ فَإنّا أهْلُ السِّدانَةِ والسِّقايَةِ وأهْلُ الحَرَمِ؟ فَقالا: لا، بَلْ أنْتُمْ أهْدى مِن مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، وهُما يَعْلَمانِ أنَّهُما كاذِبانِ، إنَّما حَمَلَهُما عَلى ذَلِكَ حَسَدُ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الجِبْتُ والطّاغُوتُ: صَنَمانِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ورُسْتَةُ في ”الإيمانِ“، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: الجِبْتُ: السّاحِرُ، والطّاغُوتُ: الشَّيْطانُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنْ مُجاهِدٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والطّاغُوتُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ.
(p-٤٨٥)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضِّحاكِ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: الأصْنامُ، والطّاغُوتُ: الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الأصْنامِ، يُعَبِّرُونَ عَنْها الكَذِبَ لِيُضِلُّوا النّاسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: اسْمُ الشَّيْطانِ بِالحَبَشِيَّةِ، والطّاغُوتُ: كُهّانُ العَرَبِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الجِبْتُ: الشَّيْطانُ بِلِسانِ الحَبَشِ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الجِبْتُ: السّاحِرُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ.
وأخْرَجَ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: الطّاغُوتُ: السّاحِرُ، والجِبْتُ: الكاهِنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّ الجِبْتَ شَيْطانٌ، والطّاغُوتَ الكاهِنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ لَيْثٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: (p-٤٨٦)الجِبْتُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، والطّاغُوتُ: الشَّيْطانُ، كانَ في صُورَةِ إنْسانٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخارِقٍ، أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّ العِيافَةَ والطَّرْقَ والطِّيرَةَ مِنَ الجِبْتِ»» .
وأخْرَجَ رُسْتَةُ في الإيمانِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ قالَ: اليَهُودُ تَقُولُ ذَلِكَ؛ يَقُولُونَ: قُرَيْشٌ أهْدى مِن مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ قالَ: فَلَيْسَ لَهم نَصِيبٌ، ولَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ لَمْ يُؤْتُوا النّاسَ نَقِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ يَقُولُ: لَوْ كانَ (p-٤٨٧)لَهم نَصِيبٌ مِن مُلْكٍ إذَنْ لَمْ يُؤْتُوا مُحَمَّدًا نَقِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ خَمْسَةٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: النَّقِيرُ: النُّقْطَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنِ النَّقِيرِ قالَ: ما في شَقِّ ظَهْرِ النَّواةِ، ومِنهُ تَنْبُتُ النَّخْلَةُ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ولَيْسَ النّاسُ بَعْدَكَ في نَقِيرٍ ولَيْسُوا غَيْرَ أصْداءٍ وهامِ
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ والِابْتِداءِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ ما النَّقِيرُ؟ قالَ: ما في ظَهْرِ النَّواةِ، قالَ فِيهِ الشّاعِرُ:
؎لَقَدْ رُزِخَتْ كِلابُ بَنِي زُبَيْرٍ ∗∗∗ فَما يُعْطُونَ سائِلَهم نَقِيرا
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ أبِي العالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هَذا النَّقِيرُ؛ ووَضَعَ طَرَفَ الإبْهامِ عَلى باطِنِ السَّبّابَةِ، ثُمَّ نَقَرَها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences