As-Suyuti · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:19–27, continued
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ رَباحِ بْنِ الأسْوَدِ قالَ: كُنْتُ مَعَ أهْلِي بِالبادِيَةِ، فابْتُعْتُ، بِمَكَّةَ فَأُعْتِقْتُ، فَمَكَثْتُ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا أجِدُ شَيْئًا آكُلُهُ فَكُنْتُ أشْرَبُ مِن ماءِ زَمْزَمَ فَشَرِبْتُ يَوْمًا فَإذا أنا بِصَرِيفِ اللَّبَنِ مِن بَيْنِ ثَنايايَ، فَقُلْتُ: لَعَلِّي ناعِسٌ. فانْطَلَقْتُ وأنا أجِدُ قُوَّةَ اللَّبَنِ وشِبَعَهُ. (p-٢٨٩)وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي رَوّادٍ، أنَّ راعِيًا كانَ يَرْعى وكانَ مِنَ العُبّادِ فَكانَ إذا ظَمِئَ وجَدَ فِيها لَبَنًا، وإذا أرادَ أنْ يَتَوَضَّأ وجَدَ فِيها ماءً.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ المِياهَ العَذْبَةَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ غَيْرَ زَمْزَمَ، فَتَغُورُ المِياهُ غَيْرَ زَمْزَمَ، وتُلْقِي الأرْضُ ما في بَطْنِها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، ويَجِيءُ الرَّجُلُ بِالجِرابِ فِيهِ الذَّهَبُ والفِضَّةُ فَيَقُولُ: مَن يَقْبَلُ هَذا مِنِّي؟ فَيَقُولُ: لَوْ أتَيْتَنِي بِهِ أمْسِ قَبِلْتُهُ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قالَ: رَأيْتُ عَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ في المَسْجِدِ الحَرامِ وهو يَطُوفُ حَوْلَ زَمْزَمَ، يَقُولُ: لا أُحِلُّها لِمُغْتَسِلٍ، وهي لِمُتَوَضِّئٍ وشارِبٍ حِلٍّ وبِلٌّ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ أبِي حُسَيْنٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَسْتَهْدِيهِ مِن ماءِ زَمْزَمَ، فَبَعَثَ لَهُ بِراوِيَتَيْنِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والأزْرَقِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أبِي حُسَيْنٍ، واسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قالَ: «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو: إنْ جاءَكَ كِتابِي لَيْلًا فَلا تُصْبِحَنَّ، وإنْ جاءَكَ نَهارًا فَلا (p-٢٩٠)تُمْسِيَنَّ حَتّى تَبْعَثَ إلَيَّ بِماءٍ مِن ماءِ زَمْزَمَ. فَمَلَأ لَهُ مَزادَتَيْنِ، وبَعَثَ بِهِما عَلى بَعِيرٍ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَهْدى سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِن ماءِ زَمْزَمَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أُمِّ أيْمَنَ قالَتْ: «ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَكا صَغِيرًا ولا كَبِيرًا، جُوعًا ولا عَطَشًا، كانَ يَغْدُو فَيَشْرَبُ مِن ماءِ زَمْزَمَ، فَأعْرِضُ عَلَيْهِ الغَداءَ فَيَقُولُ: لا أُرِيدُهُ، أنا شَبْعانُ» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «خَمْسٌ مِنَ العِبادَةِ؛ النَّظَرُ إلى المُصْحَفِ، والنَّظَرُ إلى الكَعْبَةِ، والنَّظَرُ إلى الوالِدَيْنِ، والنَّظَرُ في زَمْزَمَ، وهي تَحُطُّ الخَطايا، والنَّظَرُ في وجْهِ العالِمِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّهُ كانَ إذا شَرِبَ مِن زَمْزَمَ قالَ: هي لِما شُرِبَتْ لَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن رَجُلٍ يَشْرَبُ مِن (p-٢٩١)ماءِ زَمْزَمَ حَتّى يَتَضَلَّعَ، إلّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ داءً مِن جَوْفِهِ، ومَن شَرِبَهُ لِعَطَشٍ رَوِيَ، ومَن شَرِبَهُ لِجُوعٍ شَبِعَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: ماءُ زَمْزَمَ طَعامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقْمٍ.
وأخْرَجَ الفاكِهِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَيْنًا لَهُ إلى مَكَّةَ، فَأقامَ بِها لَيالِيَ يَشْرَبُ مِن ماءِ زَمْزَمَ، فَلَمّا رَجَعَ قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما كانَ عَيْشُكَ؟ فَأخْبَرَهُ أنَّهُ كانَ يَأْتِي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ مِن مائِها، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّها شِفاءٌ مِن سُقْمٍ وطَعامٌ مِن طُعْمٍ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: كانَ إذا أرادَ أنْ يُتْحِفَ الرَّجُلَ بِتُحْفَةٍ سَقاهُ مِن ماءِ زَمْزَمَ» .
وأخْرَجَ الفاكِهِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ أتْحَفَهُ مِن ماءِ زَمْزَمَ، ولا أطْعَمَ قَوْمًا طَعامًا إلّا سَقاهم مِن ماءِ زَمْزَمَ.
وأخْرَجَ أبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أهْلُ مَكَّةَ لا يُسابِقُهم أحَدٌ إلّا سَبَقُوهُ، ولا يُصارِعُهم أحَدٌ إلّا صَرَعُوهُ، حَتّى رَغِبُوا عَنْ ماءِ زَمْزَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“ عَنْ مُجاهِدٍ: كانُوا يَسْتَحِبُّونَ إذا ودَّعُوا (p-٢٩٢)البَيْتَ أنْ يَأْتُوا زَمْزَمَ فَيَشْرَبُوا مِنها.
وأخْرَجَ السَّلَفِيُّ في ”الطُّيُورِيّاتِ“ عَنِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ قالَ: زَمْزَمُ شَرابُ الأبْرارِ، والحِجْرُ مُصَلّى الأخْيارِ.
9:21Page 190
يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١
Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، أنَّهُ قَرَأ: (يَبْشُرُهم رَبُّهم.
9:22Page 190
خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٢
[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allāh has with Him a great reward.
No commentary for this ayah
9:23–24Page 190
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣
O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.
قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤
Say, [O Muḥammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allāh and His Messenger and jihād [i.e., striving] in His cause, then wait until Allāh executes His command. And Allāh does not guide the defiantly disobedient people."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ﴾ . الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ، فَقالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: أنا أسْقِي الحاجَّ. وقالَ طَلْحَةُ أخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ: أنا أحْجُبُ الكَعْبَةَ، فَلا نُهاجِرُ. فَأُنْزِلَتْ: ﴿لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هي في الهِجْرَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ قالَ: أصَبْتُمُوها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ (p-٢٩٣)يَقُولُ: تَخْشَوْنَ أنْ تَكْسَدَ فَتَبِيعُونَها: ﴿ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ قالَ: هي القُصُورُ والمَنازِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ قالَ: بِالفَتْحِ في أمْرِهِ بِالهِجْرَةِ، هَذا كُلُّهُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشامٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وهو آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَقالَ: واللَّهِ لَأنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ أحَبُّ إلَيَّ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا نَفْسِي. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ» .
9:25–27Page 190
لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥
Allāh has already given you victory in many regions and [even] on the day of Ḥunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with [i.e., in spite of] its vastness; then you turned back, fleeing.
ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦
Then Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers [i.e., angels] whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.
ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٧
Then Allāh will accept repentance after that for whom He wills; and Allāh is Forgiving and Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ قالَ: هي أوَّلُ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن سُورَةِ ”بَراءَةَ“ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وسُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِن ”بَراءَةَ“: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ يُعَرِّفُهم نَصْرَهُ، ويُوَطِّنُهم لِغَزْوَةِ تَبُوكَ. (p-٢٩٤)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ قالَ: هَذا مِمّا يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن نَصْرِهِ إيّاهم في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: حُنَيْنٌ ماءٌ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، قاتَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ هَوازِنَ وثَقِيفَ، وعَلى هَوازِنَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وعَلى ثَقِيفَ عَبْدُ يا لِيلَ بْنُ عَمْرٍو الثَّقَفِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقامَ عامَ الفَتْحِ نِصْفَ شَهْرٍ ولَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ، حَتّى جاءَتْهُ هَوازِنُ وثَقِيفُ فَنَزَلُوا بِحُنَيْنٍ، وحُنَيْنٌ وادٍ إلى جَنْبِ ذِي المَجازِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَمّا اجْتَمَعَ أهْلُ مَكَّةَ وأهْلُ المَدِينَةِ قالُوا: الآنَ واللَّهِ نُقاتِلُ حِينَ اجْتَمَعْنا. فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالُوا وما أعْجَبَهم مِن كَثْرَتِهِمْ، فالتَقَوْا فَهُزِمُوا، حَتّى ما يَقُومُ مِنهم أحَدٌ عَلى أحَدٍ، حَتّى جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنادِي أحْياءَ العَرَبِ: إلَيَّ إلَيَّ. فَواللَّهِ ما يَعْرُجُ إلَيْهِ أحَدٌ، حَتّى أعْرى مَوْضِعَهُ، فالتَفَتَ إلى الأنْصارِ وهم ناحِيَةٌ فَناداهم: أيا أنْصارَ اللَّهِ وأنْصارَ رَسُولِهِ، إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، أنا رَسُولُ اللَّهِ. فَجَثَوْا يَبْكُونَ، وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ورَبِّ الكَعْبَةِ إلَيْكَ واللَّهِ. فَنَكَّسُوا رُءُوسَهم يَبْكُونَ، وقَدَّمُوا (p-٢٩٥)أسْيافَهم يَضْرِبُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ الرَّبِيعِ، «أنَّ رَجُلًا قالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: لَنْ نُغْلَبَ مِن قِلَّةٍ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾
قالَ الرَّبِيعُ: وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، مِنهم ألْفانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبَغَوِيُّ في ”مُعْجَمِهِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الفِهْرِيِّ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حُنَيْنٍ، فَسِرْنا في يَوْمٍ قائِظٍ شَدِيدِ الحَرِّ، فَنَزَلْنا تَحْتَ ظِلالِ الشَّجَرِ، فَلَمّا زالَتِ الشَّمْسُ لَبِسْتُ لَأْمَتِي ورَكِبْتُ فَرَسِي، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو في فُسْطاطِهِ، فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ورَحْمَةُ اللَّهِ، قَدْ حانَ الرَّواحُ؟ قالَ: أجَلْ ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا بِلالُ. فَثارَ مِن تَحْتِ سَمُرَةٍ كَأنَّ ظِلُّهُ ظِلُّ طائِرٍ، فَقالَ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، وأنا فِداؤُكَ. ثُمَّ قالَ: أسْرِجْ لِي فَرَسِي. فَأتاهُ بِدَفَّتَيْنِ مِن لِيفٍ لَيْسَ فِيهِما أشَرٌ ولا بَطَرٌ. قالَ: فَرَكِبَ فَرَسَهُ، ثُمَّ سِرْنا يَوْمَنا، فَلَقِينا العَدُوَّ، وتَشامَّتِ الخَيْلانِ، فَقاتَلْناهُمْ، فَوَلّى المُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يا عِبادَ اللَّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، يا أيُّها النّاسُ، إلَيَّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ. فاقْتَحَمَ (p-٢٩٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ فَرَسِهِ، وحَدَّثَنِي مَن كانَ أقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي، أنَّهُ أخَذَ حَفْنَةً مِن تُرابٍ فَحَثاها في وُجُوهِ القَوْمِ وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ. قالَ يَعْلى بْنُ عَطاءٍ: فَأخْبَرَنا أبْناؤُهم عَنْ آبائِهِمْ أنَّهم قالُوا: ما بَقِيَ مِنّا أحَدٌ إلّا امْتَلَأتْ عَيْناهُ وفَمُهُ مِنَ التُّرابِ، وسَمِعْنا صَلْصَلَةً مِنَ السَّماءِ كَمَرِّ الحَدِيدِ عَلى الطَّسْتِ الحَدِيدِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَوَلّى عَنْهُ النّاسُ، وبَقِيتُ مَعَهُ في ثَمانِينَ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَكُنّا عَلى أقْدامِنا نَحْوًا مَن ثَمانِينَ قَدَمًا ولَمْ نُوَلِّهِمُ الدُّبُرَ، وهُمُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى بَغْلَتِهِ، يَمْضِي قُدُمًا، فَقالَ: ناوِلْنِي كَفًّا مِن تُرابٍ. فَناوَلْتُهُ فَضَرَبَ وُجُوهَهم فامْتَلَأتْ أعْيُنُهم تُرابًا ووَلّى المُشْرِكُونَ أدْبارَهم» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ هَوازِنَ جاءَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ بِالصِّبْيانِ (p-٢٩٧)والنِّساءِ والإبِلِ والغَنَمِ، فَجَعَلُوهم صُفُوفًا؛ لِيُكَثِّرُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فالتَقى المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ، فَوَلّى المُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا عِبادَ اللَّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ. ثُمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ. فَهَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ، ولَمْ يَضْرِبْ بِسَيْفٍ، ولَمْ يُطْعَنْ بِرُمْحٍ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، قالَ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَقَدْ رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وما مَعَهُ إلّا أنا وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَلَزِمْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ نُفارِقْهُ وهو عَلى بَغْلَتِهِ الشَّهْباءِ الَّتِي أهْداها لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفاثَةَ الجُذامِيُّ، فَلَمّا التَقى المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ ولّى المُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، وطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الكُفّارِ، وأنا آخِذٌ بِلِجامِها أكُفُّها إرادَةَ ألّا تُسْرِعَ، وهو لا يَأْلُو ما أسْرَعَ نَحْوَ المُشْرِكِينَ وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ آخِذٌ بِغَرْزِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا عَبّاسُ، نادِ: أصْحابَ السَّمُرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ (p-٢٩٨)البَقَرَةِ. وكُنْتُ رَجُلًا صَيِّتًا، فَقُلْتُ بِأعْلى صَوْتِي: يا أصْحابَ السَّمُرَةِ، يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ. فَواللَّهِ لَكَأنِّي عَطَفْتُهم حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةَ البَقَرِ عَلى أوْلادِها، يَقُولُونَ: يا لَبَّيْكَ، يا لَبَّيْكَ. فَأقْبَلَ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلُوا هم والكُفّارَ وارْتَفَعَتِ الأصْواتُ وهم يَقُولُونَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ. ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلى بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، فَتَطاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى بَغْلَتِهِ فَقالَ: هَذا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ. ثُمَّ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصَياتٍ فَرَمى بِهِنَّ وُجُوهَ الكُفّارِ ثُمَّ قالَ: انْهَزَمُوا ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَذَهَبْتُ أنْظُرُ فَإذا القِتالُ عَلى هَيْئَتِهِ فِيما أرى، فَما هو إلّا أنْ رَماهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَصَياتِهِ، فَما زِلْتُ أرى حَدَّهم كَلِيلًا، وأمْرَهم مُدْبِرًا حَتّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ جابِرٍ قالَ: «نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ الأنْصارَ فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ. فَأجابُوهُ لَبَّيْكَ، بِأبِينا أنْتَ وأُمِّنا، يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: أقْبِلُوا بِوُجُوهِكم إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، يُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ. فَأقْبَلُوا ولَهم حَنِينٌ حَتّى أحْدَقُوا بِهِ كَبْكَبَةً تَحاكُّ مَناكِبُهم يُقاتِلُونَ حَتّى هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ» .
(p-٢٩٩)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا اجْتَمَعَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أهْلُ مَكَّةَ وأهْلُ المَدِينَةِ، أعْجَبَتْهم كَثْرَتُهم فَقالَ القَوْمُ: اليَوْمَ واللَّهِ نُقاتِلُ. فَلَمّا التَقَوْا واشْتَدَّ القِتالُ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأنْصارَ فَقالَ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، أنا رَسُولُ اللَّهِ. فَقالُوا: إلَيْكَ واللَّهِ جِئْنا. فَنَكَّسُوا رُءُوسَهم ثُمَّ قاتَلُوا حَتّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ وبَرَةً مِن بَعِيرٍ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ لا يَحِلُّ لِي مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكم قَدْرَ هَذِهِ إلّا الخُمُسَ والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ، فَأدُّوا الخَيْطَ والمِخْيَطَ، وإيّاكم والغُلُولَ؛ فَإنَّهُ عارٌ عَلى أهْلِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَلَيْكم بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ يُذْهِبُ اللَّهُ بِهِ الهَمَّ والغَمَّ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ الأنْفالَ ويَقُولُ: لِيَرُدَّ قَوِيُّ المُؤْمِنِينَ عَلى ضَعِيفِهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «رَأيْتُنا يَوْمَ حُنَيْنٍ وإنَّ الفِئَتَيْنِ لَمُوَلِّيَتانِ، وما مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِائَةُ رَجُلٍ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ ولّى المُشْرِكُونَ، ووَلّى المُسْلِمُونَ وثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: أنا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. ثَلاثَ مَرّاتٍ، وإلى جَنْبِهِ عَمُّهُ العَبّاسُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَمِّهِ: يا عَبّاسُ، أذِّنْ؛ يا أهْلَ (p-٣٠٠)الشَّجَرَةِ. فَجاءُوهُ مِن كُلِّ مَكانٍ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ. حَتّى أظَلُّوهُ بِرِماحِهِمْ ثُمَّ مَضى فَوَهَبَ اللَّهُ لَهُ الظَّفَرَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «كانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أرْبَعَةُ آلافٍ مِنَ الأنْصارِ، وألْفٌ مِن جُهَيْنَةَ، وألْفٌ مِن مُزَيْنَةَ، وألْفٌ مِن أسْلَمَ، وألْفٌ مِن غِفارٍ، وألْفٌ مِن أشْجَعَ، وألْفٌ مِنَ المُهاجِرِينَ وغَيْرِهِمْ، فَكانَ مَعَهُ عَشَرَةُ آلافٍ، وخَرَجَ بِاثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وفِيها قالَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ [التوبة»: ٢٥] .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلْ كُنْتُمْ ولَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قالَ: واللَّهِ ما ولّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولَكِنْ خَرَجَ شُبّانُ أصْحابِهِ وأخِفّاؤُهم حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلاحٌ، فَلَقُوا جَمْعًا؛ رُماةَ هَوازِنَ وبَنِي النَّضْرِ ما يَكادُ يَسْقُطُ لَهم سَهْمٌ، فَرَشَقُوهم رَشْقًا ما كادُوا يُخْطِئُونَ، فَأقْبَلُوا هُنالِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى بَغْلَتِهِ البَيْضاءِ، وابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ (p-٣٠١)ودَعا واسْتَنْصَرَ، ثُمَّ قالَ:
؎أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ
ثُمَّ صَفَّ أصْحابَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ قالَ: هُمُ المَلائِكَةُ، ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: قَتَلَهم بِالسَّيْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: في يَوْمِ حُنَيْنٍ أمَدَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، ويَوْمَئِذَ سَمّى اللَّهُ تَعالى الأنْصارَ مُؤْمِنِينَ، قالَ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: رَأيْتُ قَبْلَ هَزِيمَةِ القَوْمِ والنّاسُ يَقْتَتِلُونَ، مِثْلَ البِجادِ الأسْوَدِ أقْبَلَ مِنَ السَّماءِ حَتّى سَقَطَ بَيْنَ القَوْمِ، فَنَظَرْتُ فَإذا نَمْلٌ أسْوَدُ مَبْثُوثٌ قَدْ مَلَأ الوادِيَ لَمْ أشُكَّ أنَّها المَلائِكَةُ ولَمْ يَكُنْ إلّا هَزِيمَةُ القَوْمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ (p-٣٠٢)ابْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: بِالهَزِيمَةِ.
وأخْرُجُ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ أبَزى في قَوْلِهِ: ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: بِالهَزِيمَةِ والقَتْلِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ قالَ: عَلى الَّذِينَ انْهَزَمُوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبُخارِيُّ في ”التّارِيخِ“، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِياضِ بْنِ الحارِثِ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: «إنَّ رَسُولَ ﷺ أتى هَوازِنَ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، فَقَتَلَ مِنِ الطّائِفِ يَوْمَ حُنَيْنٍ مِثْلَ مَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَفًّا مِن حَصْباءَ فَرَمى بِها وُجُوهَنا، فانْهَزَمْنا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: «غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَلَمّا واجَهْنا العَدُوَّ تَقَدَّمْتُ فَأعْلُو ثَنِيَّةً، فاسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ مِنَ العَدُوِّ فَأرْمِيهِ بِسَهْمٍ، فَتَوارى عَنِّي، فَما دَرَيْتُ ما صَنَعَ، فَنَظَرْتُ إلى القَوْمِ فَإذا هم قَدْ طَلَعُوا مِن ثَنِيَّةٍ أُخْرى، فالتَقَوْا هم وأصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ، وأنا مُتَّزِرٌ، وأرْجِعُ مُنْهَزِمًا، وعَلَيَّ بُرْدَتانِ مُتَّزِرًا بِإحْداهُما، مُرْتَدِيًا بِالأُخْرى فاسْتَطْلَقَ إزارِي فَجَمَعْتُهُما جَمِيعًا، ومَرَرْتُ عَلى (p-٣٠٣)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْهَزِمًا، وهو عَلى بَغْلَتِهِ الشَّهْباءِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ رَأى ابْنُ الأكْوَعِ فَزَعًا. فَلَمّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ عَنِ البَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ. فَما خَلَقَ اللَّهُ مِنهم إنْسانًا إلّا مَلَأ عَيْنَيْهِ تُرابًا بِتِلْكَ القَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، وقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنائِمَهم بَيْنَ المُسْلِمِينَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”التّارِيخِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُفْيانَ الثَّقَفِيِّ قالَ: «قَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَبْضَةً مِنَ الحَصى، فَرَمى بِها في وُجُوهِنا فانْهَزَمْنا، فَما خُيِّلَ إلَيْنا إلّا أنَّ كُلَّ حَجَرٍ أوْ شَجَرٍ فارِسٌ يَطْلُبُنا» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”التّارِيخِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عامِرٍ السُّوائِيِّ - وكانَ شَهِدَ حُنَيْنًا مَعَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ أسْلَمَ - قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَبْضَةً مِنَ الأرْضِ فَرَمى بِها في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ، وقالَ: ارْجِعُوا، شاهَتِ الوُجُوهُ. فَما أحَدٌ يَلْقاهُ أخُوهُ إلّا وهو يَشْكُو قَذًى في عَيْنَيْهِ، ويَمْسَحُ (p-٣٠٤)عَيْنَيْهِ» .
وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في مُسْنَدِهِ والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلى أُمِّ بُرْثُنٍ قالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قالَ: «لَمّا التَقَيْنا نَحْنُ وأصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقُومُوا لَنا حَلْبَ شاةٍ إلّا كُفِيناهم فَبَيْنا نَحْنُ نَسُوقُهم في أدْبارِهِمْ إذِ انْتَهَيْنا إلى صاحِبِ البَغْلَةِ البَيْضاءِ فَإذا هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَلَقَّتْنا عِنْدَهُ رِجالٌ بِيضٌ حِسانُ الوُجُوهِ قالُوا لَنا: شاهَتِ الوُجُوهُ ارْجِعُوا، فَرَجَعْنا ورَكِبُوا أكْتافَنا وكانَتْ إيّاها» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ، حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، أنَّهُ حَدَّثَ أنَّ مالِكَ بْنَ عَوْفٍ بَعَثَ عُيُونًا فَأتَوْهُ وقَدْ تَقَطَّعَتْ أوْصالُهُمْ، فَقالَ: ويَلْكم ما شَأْنُكُمْ؟ فَقالُوا: أتانا رِجالٌ بِيضٌ عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ، فَواللَّهِ ما تَماسَكْنا أنْ أصابَنا ما تَرى.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ الحَجَبِيِّ عَنْ أبِيهِ قالَ: «خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، واللَّهِ ما خَرَجْتُ إسْلامًا، ولَكِنِّي خَرَجْتُ أنَفًا أنْ تَظْهَرَ هَوازِنُ عَلى قُرَيْشٍ، فَواللَّهِ إنِّي (p-٣٠٥)لَواقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنِّي لَأرى خَيْلًا بُلْقًا، قالَ: يا شَيْبَةُ إنَّهُ لا يَراها إلّا كافِرٌ. فَضَرَبَ بِيَدِهِ صَدْرِي فَقالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ شَيْبَةَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًا، فَما رَفَعَ النَّبِيَّ ﷺ يَدَهُ عَنْ صَدْرِي الثّالِثَةَ حَتّى ما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى أحَبَّ إلَيَّ مِنهُ فَقالَ: فالتَقى المُسْلِمُونَ فَقُتِلَ مَن قُتِلَ، ثُمَّ أقْبَلَ النَّبِيُّ وعُمَرُ آخِذٌ بِاللِّجامِ والعَبّاسُ آخِذٌ بِالثَّفَرِ، فَنادى العَبّاسُ: أيْنَ المُهاجِرُونَ؟ أيْنَ أصْحابُ سُورَةِ البَقَرَةِ؟ - بِصَوْتٍ عالٍ - هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأقْبَلَ النّاسُ والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ:
؎أنا النَّبِيُّ غَيْرَ كَذِبْ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ
فَأقْبَلَ المُسْلِمُونَ فاصْطَكُّوا بِالسُّيُوفِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences