Al-QasimiYusuf · 12:111

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:111

12:111Page 248

لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ مَا كَانَ حَدِيثٗا يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ١١١

There was certainly in their stories a lesson for those of understanding. Never was it [i.e., the Qur’ān] a narration invented, but a confirmation of what was before it and a detailed explanation of all things and guidance and mercy for a people who believe.

(p-٣٦١٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١١ ] ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ﴾ الضَّمِيرُ لِيُوسُفَ وإخْوَتِهِ، أوْ لِلْأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ. ورَجَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ الثّانِيَ بِقِراءَةِ (قِصَصِهِمْ) بِكَسْرِ القافِ، جَمْعُ قِصَّةٍ. والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وأُجِيبَ بِأنَّ قِصَّةَ يُوسُفَ وأبِيهِ وإخْوَتِهِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى قِصَصٍ وأخْبارٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الجَمْعُ عَلى الواحِدِ، كَما مَرَّ في " أضْغاثُ أحْلامٍ" وسَنَذْكُرُ وُجُوهَ العِبَرِ مِنها بِعَوْنِهِ تَعالى.

﴿ما كانَ﴾ أيِ: القُرْآنُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِما سَبَقَ دَلالَةً واضِحَةً ﴿حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ أيْ: يُخْتَلَقُ. ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، فَهو يُصَدِّقُ ما فِيها مِنَ الصَّحِيحِ، ويَنْفِي ما وقَعَ فِيها مِن تَحْرِيفٍ وتَبْدِيلٍ وتَغْيِيرٍ، ويَحْكُمُ عَلَيْها بِالنَّسْخِ أوِ التَّقْرِيرِ.

قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المُرادُ بِهِ أنَّ قِصَصَ القُرْآنِ لَيْسَتْ مُخْتَرَعَةً ولا مُفْتَراةً، بِدَلِيلِ وُجُودِ أمْثالِها بَيْنَ النّاسِ، قَبْلَ نُزُولِهِ. فَهي وإنِ اخْتَلَفَتْ قَلِيلًا في بَعْضِ التَّفاصِيلِ والجُزْئِيّاتِ، عَمّا يَرْوِيهِ النّاسُ، إلّا أنَّها تُوافِقُها في الجُمْلَةِ، وتُصَدِّقُها في الجَوْهَرِ، فَلا تَظُنُّوا أيُّها المُشْرِكُونَ أنَّ النَّبِيَّ اخْتَرَعَها بِعَقْلِهِ، بَلِ اسْألُوا عَنْها أهْلَ الكِتابِ، تَجِدُوا أنَّها مَعْرُوفَةٌ بَيْنَهُمْ، ومَرْوِيَّةٌ في كُتُبِهِمْ، فَوُجُودُ قِصَصِ القُرْآنِ عِنْدَ النّاسِ مِن قَبْلُ مِن أعْظَمِ ما يُصَدِّقُهُ ويُؤَيِّدُهُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلى كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ. ولا يَتَوَهَّمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قِصَصَ القُرْآنِ يَجِبُ ألّا تَخْتَلِفَ عَنْ قِصَصِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ في شَيْءٍ ما، كَلّا، إذْ لَوْ صَحَّ (p-٣٦١٨)هَذا لَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] فَقِصَصُهُ قَدْ تَخْتَلِفُ عَمّا عِنْدَهُمْ، وتُبَيِّنُ لَهم حَقَّهُ مِن باطِلِهِ. فَلا مُنافاةَ بَيْنَ تَصْدِيقِ القُرْآنِ لِقِصَصِهِمْ في الجُمْلَةِ، ومُخالَفَتِهِ لَها في بَعْضِ الجُزْئِيّاتِ -كَما قُلْنا- ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ تَصْدِيقَ الحَقِّ الَّذِي عِنْدَهُمْ، لا كُلَّ الَّذِي عِنْدَهُمْ، وإلّا لَدَخَلَ في ذَلِكَ عَقائِدُهُمُ الفاسِدَةُ وأوْهامُهم وخُرافاتُهم وغَيْرُها، مِمّا جاءَ القُرْآنُ لِإزالَتِهِ ومَحْقِهِ، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لِما جاءَ لِإبْطالِهِ. فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ. ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: تِبْيانَ كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أحْكامِ الحَلالِ والحَرامِ، والآدابِ والأخْلاقِ، ووُجُوهِ العِبَرِ والعِظاتِ، ولِذا كانَ أعْظَمَ ما تُنْقَذُ بِهِ القُلُوبُ مِنَ الغَيِّ إلى الرَّشادِ، ومِنَ الضَّلالِ إلى السَّدادِ، وتُبْتَغى بِهِ الرَّحْمَةُ مِن رَبِّ العِبادِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وهُدًى﴾ أيْ: مِنَ الضَّلالَةِ ﴿ورَحْمَةً﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَ بِهِ، ويَعْمَلُونَ بِأوامِرِهِ، فَإنَّ الإيمانَ قَوْلٌ وعَقْدٌ وعَمَلٌ. وخَصَّهم لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.

خاتِمَةٌ في مَباحِثَ مُهِمَّةٍ

الأوَّلُ: فِيما قِيلَ في وُجُوهِ العِبَرِ في هَذا القَصَصِ.

قالَ في (اللُّبابِ): الِاعْتِبارُ والعِبْرَةُ: الحالَةُ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِها الإنْسانُ مِن مَعْرِفَةِ المَشاهِدِ إلى ما لَيْسَ بِمَشاهِدَ. والمُرادُ مِنهُ التَّأمُّلُ والتَّفَكُّرُ. ووَجْهُ الِاعْتِبارِ بِهَذِهِ القِصَّةِ أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى إخْراجِ يُوسُفَ مِنَ الجُبِّ بَعْدَ إلْقائِهِ فِيهِ، وإخْراجِهِ مِنَ السِّجْنِ، وتَمْلِيكِهِ مِصْرَ بَعْدَ العُبُودِيَّةِ، وجَمَعَ شَمْلَهُ بِأبِيهِ وإخْوَتِهِ بَعْدَ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، واليَأْسِ مِن الِاجْتِماعِ؛ قادِرٌ عَلى إعْزازِ مُحَمَّدٍ ﷺ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، وإظْهارِ دِينِهِ. وأنَّ الإخْبارَ بِهَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ جارٍ مَجْرى الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، فَكانَتْ مُعْجِزَةً لَهُ ﷺ.

(p-٣٦١٩)وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ قِصَّةَ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ، جَمَّةُ الفائِدَةِ، وجَلِيلَةُ العائِدَةِ، تَحْدُو بِكُلِّ امْرِئٍ أبِيٍّ إلى الِاقْتِداءِ بِها. فَإنَّ مَن أطْلَقَ سَوامَ الفِكْرِ في حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَآها رَغِيدَةً، وألْفاها هَنِيئَةً، وما ذَلِكَ إلّا لِطِيبِ سِيرَتِهِ، وحَمِيدِ سَرِيرَتِهِ، وتَمَسُّكِهِ بِعُرى التَّقْوى والفَضِيلَةِ، ولا سِيَّما فَضِيلَةُ العِفَّةِ والطَّهارَةِ، الَّتِي تَرْفَعُ قَدْرَ صاحِبِها، وتُنْزِلُهُ المَنزِلَةَ السّامِيَةَ. فَعَلى المَرْءِ أنْ يَقْتَفِيَ أثَرَ هَذِهِ الفَضِيلَةِ الجَلِيلَةِ، كَيُوسُفَ، فَيَتَسَنَّمُ ذُرْوَةَ المَجْدِ في هَذِهِ الدُّنْيا، ويَنالُ السَّعادَةَ الدّائِمَةَ في الآخِرَةِ. انْتَهى.

قالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: هَذِهِ السُّورَةُ مِن جُمْلَةِ ما قُصَّ عَلى النَّبِيِّ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مِن أنْباءِ الرُّسُلِ، وأخْبارِ مَن تَقَدَّمَهُ، مِمّا فِيهِ التَّثَبُّتُ المُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [هود: ١٢٠] الآيَةَ. وإنَّما أُفْرِدَتْ عَلى حِدَّتِها، ولَمْ تَنْسَقْ عَلى قِصَصِ الرُّسُلِ، مَعَ أنَّهم في سُورَةٍ واحِدَةٍ؛ لِمُفارَقَةِ مَضْمُونِها تِلْكَ القِصَصَ. ألا تَرى أنَّ تِلْكَ قِصَصُ إرْسالِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكَيْفِيَّةُ تَلَقِّي قَوْمِهِمْ لَهُمْ، وإهْلاكُ مُكَذِّبِيهِمْ؟ أمّا هَذِهِ القِصَّةُ، فَحاصِلُها: فَرَجٌ بَعْدَ شِدَّةٍ، وتَعْرِيفٌ بِحُسْنِ عاقِبَةِ الصَّبْرِ، فَإنَّهُ تَعالى امْتَحَنَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِفَقْدِ ابْنَيْهِ وبَصَرِهِ، وشَتاتِ بَنِيهِ. وامْتَحَنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجُبِّ والبَيْعِ وامْرَأةِ العَزِيزِ وفَقْدِ الأبِ والإخْوَةِ والسَّجْنِ. ثُمَّ امْتَحَنَ جَمِيعَهم بِشُمُولِ الضُّرِّ، وقِلَّةِ ذاتِ اليَدِ: ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ [يوسف: ٨٨] الآيَةَ. ثُمَّ تَدارَكَهُمُ اللَّهُ بِإلْفِهِمْ، وجَمْعِ شَمْلِهِمْ، ورَدِّ بَصَرِ أبِيهِمْ، وائْتِلافِ قُلُوبِهِمْ، ورَفْعِ ما نَزَغَ بِهِ الشَّيْطانُ، وخَلاصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِكَيْدِ مَن كادَهُ، واكْتِنافِهِ بِالعِصْمَةِ، وبَراءَتِهِ عِنْدَ المَلِكِ والنِّسْوَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا أعْقَبَهُ جَمِيلُ الصَّبْرِ، وجَلالَةُ اليَقِينِ، وحُسْنُ تَلَقِّي الأقْدارِ بِالتَّفْوِيضِ والتَّسْلِيمِ، عَلى تَوالِي الِامْتِحانِ، وطُولِ المُدَّةِ. ثُمَّ انْجَرَّ في أثْناءِ هَذِهِ القِصَّةِ الجَلِيلَةِ إنابَةُ امْرَأةِ العَزِيزِ، ورُجُوعُها إلى الحَقِّ، وشَهادَتُها لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما مَنَحَهُ اللَّهُ مِنَ النَّزاهَةِ عَنْ كُلِّ ما يَشِينُ. ثُمَّ اسْتِخْلاصُ العَزِيزِ إيّاهُ، إلى ما (p-٣٦٢٠)انْجَرَّ في هَذِهِ القِصَّةِ الجَلِيلَةِ مِنَ العَجائِبِ والعِبَرِ. فَقَدِ انْفَرَدَتْ هَذِهِ القِصَّةُ بِنَفْسِها، ولَمْ تُناسِبْ ما ذُكِرَ مِن قِصَصِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ ومُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وما جَرى في أُمَمِهِمْ، فَلِهَذا فُصِلَتْ عَنْهم. وقَدْ أشارَ في سُورَةٍ بِرَأْسِها إلى عاقِبَةِ مَن صَبَرَ ورَضِيَ وسَلَّمَ لِيَتَنَبَّهَ المُؤْمِنُونَ إلى ما في طَيِّ ذَلِكَ. وقَدْ صَرَّحَ لَهم ما أجْمَلَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ الإشارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿أمْنًا﴾ [النور: ٥٥] وكانَتْ قِصَّةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجُمْلَتِها أشْبَهَ شَيْءٍ بِحالِ المُؤْمِنِينَ في مُكابَدَتِهِمْ في أوَّلِ الأمْرِ، وهَجْرِهِمْ، وتَشَقُّقِهِمْ مَعَ قَوْمِهِمْ، وقِلَّةِ ذاتِ أيْدِيهِمْ، إلى أنْ جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُمْ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وأوْرَثَهُمُ الأرْضَ، وأيَّدَهم ونَصَرَهُمْ، وذَلِكَ بِجَلِيلِ إيمانِهِمْ، وعَظِيمِ صَبْرِهِمْ. فَهَذا ما أوْجَبَ تَجَرُّدَ هَذِهِ القِصَّةِ عَنْ تِلْكَ القِصَصِ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

ثُمَّ إنَّ حالَ يَعْقُوبَ ويُوسُفَ عَلَيْهِما السَّلامُ، في صَبْرِهِما، ورُؤْيَةِ حُسْنِ عاقِبَةِ الصَّبْرِ في الدُّنْيا، وما أعَدَّ لَهُما مِن عَظِيمِ الثَّوابِ، أنْسَبُ بِحالِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ السَّلامُ في مُكابَدَةِ قُرَيْشٍ، ومُفارَقَةِ وطَنِهِ، ثُمَّ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِظَفَرِهِ بِعَدُوِّهِ، وإعْزازِ دِينِهِ، وإظْهارِ كَلِمَتِهِ، ورُجُوعِهِ إلى بَلَدِهِ، عَلى حالَةٍ قَرَّتْ بِها عُيُونُ المُؤْمِنِينَ، وما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى أصْحابِهِ، فَتَأمَّلْ ذَلِكَ! ويُوَضِّحُهُ خَتْمُ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] الآيَةَ. فَحاصِلُ هَذا كُلِّهِ الأمْرُ بِالصَّبْرِ، وحُسْنُ عاقِبَةِ أوْلِياءِ اللَّهِ فِيهِ -كَذا في تَفْسِيرِ (البُرْهانِ) لِلْبِقاعِيِّ مُلَخَّصًا-.

وجاءَ في كِتابِ (النِّظامِ والإسْلامِ) في بَحْثِ التَّرْبِيَةِ والآدابِ في قِصَصِ القُرْآنِ ما مِثالُهُ:

طالَ الأمْرُ عَلى أُمَّتِنا، فَأهْمَلَتْ ما في غُضُونِ كِتابِها مِن أساسِ التَّرْبِيَةِ والحِكْمَةِ، وكَيْفَ تُنْتَقى الرِّجالُ الأكْفاءُ في مَهامِّ الأعْمالِ. يا لَيْتَ شِعْرِي! ما الَّذِي أصابَها حَتّى غَضَّتِ النَّظَرَ عَنِ القِصَصِ الَّتِي قَصَّها، وأهْمَلَتْ أمْرَها، وظَنَّ أهْلُها أنَّها أُمُورٌ تارِيخِيَّةٌ لا تُفِيدُ إلّا (p-٣٦٢١)المُؤَرِّخِينَ. القِصَصُ في كُلِّ أُمَّةٍ، عَلَيْها مَدارُ ارْتِقائِها، سَواءٌ كانَتْ وضْعِيَّةً أمْ حَقِيقِيَّةً، عَلى ألْسِنَةِ الحَيَوانِ أوِ الإنْسانِ أوِ الجَمادِ. عَلى هَذا تَبْحَثُ الأُمَمُ، قَدِيمُها وحَدِيثُها. وناهِيكَ بِكِتابِ (كَلَيْلَةٍ ودِمْنَةٍ) وما والاهُ مِنَ القِصَصِ النّاسِجَةِ عَلى مِنوالِهِ في الإسْلامِ، كَكِتابِ (فاكِهَةِ الخُلَفاءِ) و(مَقاماتِ الحَرِيرِيِّ). جاءَ القُرْآنُ بِقِصَصِ الأنْبِياءِ، وهي -لا جَرَمَ- أعْلى مَنالًا، وأشْرَفُ مَزِيَّةً. كَيْفَ لا وقَدْ جَمَعَتْ أحْسَنَ الأُسْلُوبِ، واخْتِيارَ المَقاماتِ المُناسِبَةِ لِما سِيقَتْ إلَيْهِ، والقُدْوَةَ الحَسَنَةَ لِلْكُمَّلِ المُخْلِصِينَ مِنَ الأنْبِياءِ ومَن والاهُمْ، وتَحَقُّقَها في أنْفُسِها، لِوُقُوعِ مَوارِدِها، وإنَّ حُبَّ التَّشَبُّهِ طَبِيعَةٌ مُرْتَكِزَةٌ في الإنْسانِ، لا سِيَّما لِمَن يَقْتَدِي بِهِمْ. فَهَذِهِ خَمْسُ مَزايا اخْتَصَّتْ بِها هَذِهِ القِصَصُ، ونَقَصَتْ في سِواها. ألَيْسَ مِنَ العَيْبِ الفاضِحِ أنْ نَقْرَأ قِصَصَ القُرْآنِ، فَلا نَكادُ نَفْهَمُ إلّا حِكاياتٍ ذَهَبَتْ مَعَ الزَّمانِ، ومَرَّتْ كَأمْسِ الدّابِرِ؟! وما لَنا ولَها إذْنٌ؟ تاللَّهِ إنَّ هَذا لَهو البَوارُ! ولَمْ يَكُنْ هَذا إلّا لِلْجَهْلِ بِالمَقْصُودِ مِن قِصَصِها، وإنَّها عِبْرَةٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ، وتَذْكِرَةٌ لِمَن تَفَكُّرَ، وتَبْصِرَةٌ لِمَنِ ازْدُجِرَ. أمّا الرُّجُوعُ إلى التّارِيخِ، ومُقارَنَتُهُ بِما قَصَّهُ المُؤَرِّخُونَ في كُتُبِهِمْ، وما سَطَّرَهُ الأقْدَمُونَ عَلى مُبايِنَتِهِمْ، وما يَقُولُهُ القاصُّونَ في خُرافَتِهِمْ؛ فَتِلْكَ سَبِيلُ حائِدٍ عَنِ الجادَّةِ، يَضِلُّ فِيهِ الماهِرُونَ، يُرْشِدُكَ لِذَلِكَ ما تَسْمَعُهُ مِن نَبَأِ فِتْيَةِ الكَهْفِ، وكَيْفَ يَقُولُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ﴾ [الكهف: ٢٢] فانْظُرْ كَيْفَ أسْنَدَ العِلْمَ لِلَّهِ، ولَمْ يُعَوِّلْ عَلى قَوْلِ المُؤَرِّخِينَ المُخْتَلِفِينَ، ثُمَّ لَمْ يُبَيِّنِ الحَقِيقَةَ؛ لِئَلّا يَكُونَ ذَرِيعَةً لِلطَّعْنِ في التَّنْزِيلِ. فَإنْ قالَ: خَمْسَةٌ، قالُوا: سِتَّةٌ، وإنْ قالَ: أرْبَعَةٌ، قالُوا سَبْعَةٌ. فَكُتُبُ المُؤَرِّخِينَ كَثِيرَةُ الِاخْتِلافِ في القِصَصِ، وما المَقْصُودُ مِنها إلّا لِيَكُونَ عِبْرَةً. وبِالإجْمالِ: فَلَيْسَ القَصْدُ مِن هَذِهِ القِصَصِ إلّا مَنافِعَها، والعِبَرَ المُبْصِرَةَ لِلسّامِعِينَ: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ﴾

(p-٣٦٢٢)ولَسْنا مِمَّنْ يَتَبَجَّحُ بِالقَوْلِ بِلا بَيانٍ، فَلا نَعْتَمِدُ إلّا عَلى البُرْهانِ. تَأمَّلْ هَذا القَصَصَ، تَجِدْهُ لا يَذْكُرُ إلّا ما يُناسِبُ الإرْشادَ والنُّصْحَ، ويُعْرِضُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الوَقائِعِ، إذْ لا لُزُومَ لَها، ولا مُعَوِّلَ عَلَيْها. فَلا تَرى قِصَّةً إلّا وفِيها تَوْحِيدٌ وعِلْمٌ ومَكارِمُ أخْلاقٍ، وحُجَجٌ عَقْلِيَّةٌ، وتَبْصِرَةٌ وتَذْكِرَةٌ، ومُحاوَراتٌ جَمِيلَةٌ، تَلَذُّ العُقَلاءُ. ولِأقْتَصِرَ مِن تِلْكَ القِصَصِ عَلى ما حَكاهُ عَنْ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَيْفَ جاوَزَ فِيها كُلَّ ما لا عَلاقَةَ لَهُ بِالأخْلاقِ، مِن مَدَنِيَّةِ المِصْرِيِّينَ وأحْوالِهِمْ، إلى الخُلاصَةِ والثَّمَرَةِ. ألا تَرى كَيْفَ صَدَرَتْ بِحَدِيثِ سُجُودِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ لَهُ في الرُّؤْيا؛ دَلالَةً عَلى أنَّ لِلطِّفْلِ اسْتِعْدادًا يَظْهَرُ عَلى مَلامِحِهِ، وأقْوالِهِ، وأفْعالِهِ، ورُؤْياهُ؟ وهَذا أعْظَمُ شَيْءٍ اعْتَنى بِهِ قُدَماءُ الحُكَماءِ، مِنَ اليُونانِ والفُرْسِ، كَما ذَكَرَهُ المُؤَرِّخُونَ وعُلَماءُ الأخْلاقِ، كانُوا يَخْتَبِرُونَ أبْناءَهُمْ، ويَتَأمَّلُونَ مَلامِحَهُمْ؛ لِيَعْرِفُوا ما اسْتَعَدُّوا لَهُ مِنَ الصِّناعاتِ والرِّئاساتِ والعُلُومِ. ثُمَّ تَأمَّلْ في قِصَّةِ الإخْوَةِ، وحَدِيثِ القَمِيصِ والجُبِّ والذِّئْبِ والدَّمِ؛ لِتَعْلَمَ ما نُشاهِدُهُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مُعاداةِ الأقْرانِ لِمَن ظَهَرَتْ مَبادِئُ الجَمالِ النَّفْسِيِّ، والخُلُقِ المَرْضِيِّ، والجَلالِ الظّاهِرِ عَلى مَلامِحِهِ، فَيَعِيبُونَهُ بِما يَشِينُهُ في نَفْسِهِ أوْ عِرْضِهِ أوْ خُلُقِهِ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ في الكَوْنِ لا تُغادِرُ نَبِيًّا، ولا حَكِيمًا، ولا عالِمًا مَهْما حَسُنَتْ أخْلاقُهُ، وجَمُلَ ظاهِرُهُ وباطِنُهُ.....!.

؎كُلُّ العَداواتِ قَدْ تُرْجى إزالَتُها إلّا عَداوَةَ مَن عاداكَ مِن حَسَدٍ

جَرَتْ تِلْكَ السُّنَّةُ في الأناسِيِّ، فَإذا صَبَرَ الصّالِحُ فازَ بِالوِلايَةِ عَلَيْهِمْ، وأحَبُّوهُ بَعْدَ العَداوَةِ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ، وعادُوا مَن آذاهُ! ثُمَّ انْظُرْ في حَدِيثِ قِصَّةِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وكَيْفَ عَفَّ مَعَ الشَّبابِ، وكَيْفَ ساسَ نَفْسَهُ وصَدَقَ ظَنُّ مَوْلاهُ في الأمانَةِ، وأرْضى إلَهَهُ، واتَّسَمَ بِالفَضِيلَةِ، فَتَوازى جَمالُهُ الباطِنِيُّ والظّاهِرِيُّ..! ولْنَكْتَفِ بِهَذا القَدْرِ الآنَ، ولْنَشْرَعْ في الكَلامِ عَلى الآدابِ والأخْلاقِ وتَرْبِيَةِ الأُمَراءِ والعَفْوِ والصَّفْحِ، الَّتِي تَضَمَّنَتْها تِلْكَ القِصَّةُ!.

فَأمّا عِلْمُ الأخْلاقِ، وتَرْبِيَةُ رُؤَساءِ الأُمَمِ مِنها، فَتَأمَّلْ في كَلامِ الحُكَماءِ -أوَّلُهم وآخِرُهُمْ- (p-٣٦٢٣)تَجِدْ إجْماعَهم عَلى أنَّ سِياسَةَ أخْلاقِ النَّفْسِ أوَّلًا فالمَنزِلُ فالمَدِينَةُ، كُلُّ واحِدَةٍ مُقَدِّمَةٌ لِلاحِقَتِها ثَمَرَةٌ لِسابِقَتِها؛ إذْ لا يُعْقَلُ أنْ يَسُوسَ مَنزِلَهُ مَن لَمْ يَسُسْ نَفْسَهُ، أوْ يَسُوسَ أُمَّتَهُ مَن لَمْ يُدَبِّرْ إدارَةَ مَنزِلِهِ!.

بايَعَ الصَّحابَةُ -عَلَيْهِمْ رِضْوانُ اللَّهِ- الخَلِيفَةَ الأوَّلَ، فَأخَذَ قُماشًا وذِراعًا وذَهَبَ إلى السُّوقِ في الغَداةِ، فاسْتاءَ الصَّحابَةُ ولامُوهُ، فَقالَ: إذا أضَعْتُ أهْلِي، فَأنا لِلْمُسْلِمِينَ أضْيَعُ! فَفَرَضُوا لَهُ دُرَيْهِماتٍ مِن بَيْتِ المالِ، فَقالَ: إذَنْ أنْظُرُ في شُؤُونِكُمْ! لِذَلِكَ، نَجِدُ الغَرْبِيِّينَ -إذا ولَّوْا رَجُلًا إدارَةَ بِلادِهِمْ- أكْثَرُوا السُّؤالَ عَنْ قَرِينَتِهِ وإدارَةِ مَنزِلِهِ، عِلْمًا مِنهم أنَّ مَنزِلَهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنَ الأُمَّةِ.

فانْظُرْ هَذِهِ الحَقائِقَ مِن سِيرَةِ النَّبِيِّ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ كَيْفَ ذُكِرَتْ في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، ورُتِّبَتْ في القُرْآنِ تَرْتِيبًا مُحْكَمًا، ذُكِرَتْ فِيها السِّياساتُ الثَّلاثُ مُرَتَّبَةً هَكَذا: النَّفْسُ فالمَنزِلُ فالمَدِينَةُ، تَرْتِيبًا طَبِيعِيًّا، تَنْبِيهًا لِبَنِي الإسْلامِ عَلى مَعْرِفَةِ هَذا العِلْمِ وانْتِقائِهِمُ الأكْفاءَ لِلْأعْمالِ العامَّةِ. فَأُشِيرَ فِيها لِتَرْبِيَةِ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ بِالعِفَّةِ في عُنْفُوانِ الشَّبابِ مَعَ الصَّدِيقِ. ولَيْتَ شِعْرِي! كَيْفَ حَفِظَ أخْلاقَ آبائِهِ وقَوْمِهِ والأنْبِياءِ في وسَطِ مَدَنِيَّةِ المِصْرِيِّينَ وزُخْرُفِهِمْ وجَمالِهِمْ، وعَبَدَ اللَّهَ وحْدَهُ، ونَسِيَ ما يَراهُ مِن أبِي الهَوْلِ وأبِيسَ والأرْبابِ المُتَفَرِّقَةِ...؟! يَذْكُرُ هَذا تَبْصِرَةً لِمَن أحاطَتْ بِهِمْ أمْواجُ الحَدَثانِ مِن كُلِّ جانِبٍ، أنْ يُحافِظُوا عَلى أُصُولِ دِينِهِمْ وقَواعِدِهِ، ثُمَّ لِيَفْعَلُوا ما يَشاءُونَ في أُمُورِ دُنْياهم..!

ظَهَرَ صِدْقُ يُوسُفَ في أخْلاقِهِ الشَّخْصِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كافِيًا لِإدارَةِ أُمُورِهِ العامَّةِ، فَأُودِعَ السِّجْنَ، وأُحِيطَ بِالأحْداثِ والجَهَلَةِ مِن كُلِّ جانِبٍ، فَأخَذَ يَسُوسُهم كَما يَسُوسُ الرَّجُلُ أهْلَ مَنزِلِهِ، وبَثَّ عَقِيدَتَهُ بَيْنَهُمْ، ظاهِرًا بِمَظْهَرِ الكَمالِ والإحْسانِ والعَطْفِ عَلَيْهِمْ: ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] الآيَةَ. وأخَذَ يَقُصُّ عَلَيْهِمْ سِيرَةَ أسْلافِهِ، وحُبَّهُ (p-٣٦٢٤)لِمَذْهَبِهِمْ، وبُغْضَهُ لِأصْنامِ المِصْرِيِّينَ ونَحْوَهُمْ، فَقالَ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [يوسف: ٣٧] الآيَةَ. ثُمَّ أخَذَ يُذَكِّرُهم أنَّ تَفَرُّقَ وُجْهَةِ الأُمَّةِ ضَلالٌ في السِّياسَةِ، وأنَّ تَوْحِيدَ وُجْهَتِها كِياسَةٌ فِيها، فَقالَ: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] فَتَفْرِيقُ الوُجْهَةِ شَتاتُ الجامِعَةِ. لَمْ تَسُدْ أُمَّةٌ في الوُجُودِ إلّا بِرِجالٍ يُوَحِّدُونَ وُجْهَتَها أيًّا كانَتْ، فَيَؤُمُّونَ مَقْصِدًا واحِدًا! والتَّفْصِيلُ لا يَخْفى عَلى أُولِي الألْبابِ..!.

وفِي (آراءِ أهْلِ المَدِينَةِ الفاضِلَةِ) لِلْفارابِي اثْنَتا عَشْرَةَ جامِعَةً بِكُلٍّ مِنهُنَّ قَوْمٌ اتَّحَدَتْ بِها: كاللُّغَةِ، والوَطَنِ، والدِّينِ، والأخْلاقِ، والجِنْسِ، والحَكِيمِ المُرْشِدِ، والأبِ الأكْبَرِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا امْتازَتْ بِهِ أُمَّةٌ أوْ جَماعَةٌ.

ولَمّا تَمَّ لَهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، الأمْرانِ -سِياسَةُ النَّفْسِ والعَشِيرَةِ- أُخْرِجَ مِنَ السِّجْنِ مُعَظَّمًا مُبَجَّلًا، وتَرَقّى مِن تَعْلِيمِ الصُّعْلُوكِ في السِّجْنِ إلى تَعْلِيمِ المُلُوكِ عَلى العُرُوشِ، وأخَذَ يُرَبِّهِمْ كَيْفَ يَقْتَصِدُونَ الأمْوالَ، وعَبَّرَ لَهُمُ السُّنْبُلاتِ الخُضْرَ واليابِساتِ، والبَقَراتِ السِّمانَ والعِجافَ، وأرْشَدَهم إلى خَزْنِ البُرِّ وسَنابِلِهِ؛ لِئَلّا يَفْسُدَ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العامَّةِ. وهَذِهِ هي المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: سِياسَةُ الأُمَّةِ بِأجْمَعِها بَعْدَ قَطْعِ تِينِكَ العَقَبَتَيْنِ.

والبَراعَةُ والكِياسَةُ في عُلُومِ العُمْرانِ، وتَدْبِيرِ أمْرِ الأُمَّةِ، إمّا بِوَحْيٍ، وهَذا خاصٌّ بِهِ وبِأمْثالِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإمّا بِتَعْلِيمٍ وتَدْرِيبٍ، وهو اللّائِقُ بِسائِرِ النّاسِ.

تُرْشِدُ هَذِهِ السِّيرَةُ الشَّرِيفَةُ إلى أنَّ الأخْلاقَ الفاضِلَةَ ما تَثْبُتُ عَلَيْها النَّفْسُ مَعَ الحَقِيرِ والعَظِيمِ والصَّغِيرِ والكَبِيرِ، وأنَّ الإنْسانَ لا يَسْتَحْقِرُ تَعْلِيمَ الأصاغِرِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ يَوْمًا ما أنْ يَصِلَ إلى الأكابِرِ، كَما في حَدِيثِ هِرَقْلَ مَعَ أبِي سُفْيانَ، وتَعْلِيمِ الصَّدِّيقِ مَن في السِّجْنِ. فَبَلَّغَ صاحِبُ السِّجْنِ فِرْعَوْنَ المِصْرِيِّينَ.

(p-٣٦٢٥)ابْتُلِيَ هَذا النَّبِيُّ بِالسَّرّاءِ والضَّرّاءِ فَلَمْ تَتَغَيَّرْ أخْلاقُهُ، وكانَ نَمُوذَجَ الكَمالِ في سِعَةِ بَيْتِ المُلْكِ والجَلالِ، ومَوْضِعِ الثِّقَةِ في ضِيقِ قَبْرِ السِّجْنِ وعَشَرَةِ الأسافِلِ الَّتِي تَتَغَيَّرُ بِها الأخْلاقُ، وتُنْسى بِها أُصُولُ الأعْراقِ، وتُنْزِلُ الكامِلَ مِن عُرُوشِ الفَضِيلَةِ إلى أسْفَلِ مَقاعِدِ الرَّذِيلَةِ، ومِن أوْجِ الكَمالِ إلى حَضِيضِ النَّقْصِ!.

وهَذِهِ قِصَّةُ يُوسُفَ -الَّذِي تَرَبّى في مِصْرَ ونَشَأ فِيها ولَمْ تُبْهِجْهُ زَخارِفُ تِلْكَ المَدَنِيَّةِ إلى الرَّذِيلَةِ - جاءَتْ عِبْرَةً لِلنّاسِ كافَّةً وإلى المِصْرِيِّينَ خاصَّةً! بِهَذِهِ الأخْلاقِ اعْتَلى يُوسُفُ عَرْشَ العَظَمَةِ والجَلالِ، فَساسَ مِصْرَ بَعْدَ أنْ كانَ مَسُوسًا، ومَلَكَ بَعْدَ أنْ كانَ مَمْلُوكًا! لَيْسَ الجَزاءُ عَلى الأخْلاقِ والكَمالِ خاصًّا بِالآخِرَةِ، بَلْ في الدّارَيْنِ: ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦] ﴿ولأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٧]

هَذِهِ هي الأخْلاقُ الفاضِلَةُ، ذُكِرَتْ في التَّنْزِيلِ نَمُوذَجًا، في غُضُونِ هَذِهِ السِّيرَةِ، لِلْأُمَمِ الإسْلامِيَّةِ؛ لِيَأْخُذُوا ثَمَرَتَها ولا يُضَيِّعُوا الزَّمَنَ في أصْلِها ومَوْرِدِها في التّارِيخِ، كَما يَجْمُدُ المُفَسِّرُ عَلى الإعْرابِ أوِ الصَّرْفِ أوِ البَلاغَةِ، وهَذا غَيْضٌ مِن فَيْضٍ مِن حِكَمِ هَذِهِ القِصَّةِ، وبِها نَفْهَمُ ما ذُكِرَ في أوَّلِها: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ﴾ [يوسف: ٣] دَعْ قَوْلَ الجاهِلِينَ، وفَهْمَ المُتَنَسِّكِينَ، وتَجاوُزَ خَلْطِ المُؤَرِّخِينَ، واخْتِلافَهُمْ، واصْغِ إلى ما في هَذِهِ القِصَّةِ مِن هَيْئَةِ تَرْبِيَةِ الحُكّامِ والأُمَراءِ، كَما أشَرْنا سابِقًا، ولْنَزِدْكَ بَيانًا!:

قالَ عُلَماءُ الأخْلاقِ والحُكَماءُ: لا يَنْتَظِمُ أمْرُ الأُمَّةِ إلّا بِمُصْلِحِينَ، ورِجالِ أعْمالٍ قائِمِينَ، وفُضَلاءَ مُرْشِدِينَ هادِينَ، لَهم شُرُوطٌ مَعْلُومَةٌ، وأخْلاقٌ مَعْهُودَةٌ؛ فَإنْ كانَ القائِمُ بِالأعْمالِ نَبِيًّا فَلَهُ أرْبَعُونَ خَصْلَةً ذَكَرُوها. كُلُّها آدابٌ وفَضائِلُ بِها يَسُوسُ أُمَّتَهُ. وإنْ كانَ رَئِيسًا فاضِلًا (p-٣٦٢٦)لِمَدِينَةٍ فاضِلَةٍ، اكْتَفَوْا مِنَ الشُّرُوطِ الأرْبَعِينَ بِبَعْضِها. وسَيِّدُنا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ حازَ مِن كَمالِ المُرْسَلِينَ وجَمالِ النَّبِيِّينَ. ولَقَدْ جاءَ في سِيرَتِهِ هَذِهِ ما يَتَّخِذُهُ عُقَلاءُ الأُمَمِ هُدًى لِاخْتِيارِ الأكْفاءِ في مَهامِّ الأعْمالِ؛ إذْ قَدْ حازَ المُلْكَ والنُّبُوَّةَ! ونَحْنُ لا قِبَلَ لَنا بِالنُّبُوَّةِ لِانْقِطاعِها، وإنَّما نَذْكُرُ ما يَلِيقُ بِمَقامِ رِئاسَةِ المَدِينَةِ الفاضِلَةِ؛ ولِنَذْكُرَ مِنها ثَلاثَ عَشْرَةَ خَصْلَةً هي أهَمُّ خِصالِ رَئِيسِ المَدِينَةِ الفاضِلَةِ لِتَكُونَ ذِكْرى لِمَن يَتَفَكَّرُ في القُرْآنِ، وتَنْبِيهًا لِلْمُتَعَلِّمِينَ -العاشِقِينَ لِلْفَضائِلِ- عَلى نَفائِسِ الكِتابِ العَظِيمِ، وحُبًّا في نَظَرِهِمْ في القُرْآنِ، ولِيَعْلَمُوا أنَّ تِلْكَ القِصَصَ وقَدْ أُودِعَتْ ما لَمْ يَكُنْ لِيَخْطُرَ عَلى بالِ مَن سَمِعَهُ لِلتَّغَنِّي بِهِ ومُجَرَّدِ اللَّهْوِ واللَّعِبِ!.

أهَمُّ ما شَرَطَهُ الحُكَماءُ في رَئِيسِ المَدِينَةِ الفاضِلَةِ:

١ - العِفَّةُ عَنِ الشَّهَواتِ، لِيَضْبِطَ نَفْسَهُ وتَتَوافَرَ قُوَّتُهُ النَّفْسِيَّةُ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]

٢ - الحِلْمُ عِنْدَ الغَضَبِ، لِيَضْبِطَ نَفْسَهُ: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ [يوسف: ٧٧]

٣ - وضْعُ اللِّينِ في مَوْضِعِهِ، والشَّدَّةِ في مَوْضِعِها: ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩] ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف: ٦٠] والصَّدْرُ لِلِينِ والعَجُزُ لِلشِّدَّةِ.

٤ - ثِقَتُهُ بِنَفْسِهِ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]

٥ - قُوَّةُ الذّاكِرَةِ؛ لِيُمْكِنَهُ تَذَكُّرُ ما غابَ ومَضى لَهُ سُنُونَ؛ لِيَضْبِطَ السِّياساتِ ويَعْرِفَ لِلنّاسِ أعْمالَهُمْ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨]

(p-٣٦٢٧)٦ - جَوْدَةُ المُصَوِّرَةِ والقُوَّةِ المُخَيِّلَةِ حَتّى تَأْتِيَ بِالأشْياءِ تامَّةَ الوُضُوحِ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]

٧ - اسْتِعْدادُهُ لِلْعِلْمِ، وحُبُّهُ لَهُ، وتَمَكُّنُهُ مِنهُ: ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٨] ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢] ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١]

٨ - شَفَقَتُهُ عَلى الضُّعَفاءِ وتَواضُعُهُ مَعَ جَلالِ قَدْرِهِ وعُلُوِّ مَنصِبِهِ، فَخاطَبَ الفَتَيَيْنِ المَسْجُونَيْنِ بِالتَّواضُعِ فَقالَ: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] الآيَةَ، وحادَثَهُما في أُمُورِ دِينِهِما ودُنْياهُما، فالأوَّلُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] والثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [يوسف: ٣٧] الآيَةَ، وشَهِدا لَهُ بِقَوْلِهِما: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦]

٩ - العَفْوُ مَعَ القُدْرَةِ: ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]

١٠ - إكْرامُ العَشِيرَةِ: ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣]

١١ - قُوَّةُ البَيانِ والفَصاحَةِ بِتَعْبِيرِهِ رُؤْيا المَلِكِ، واقْتِدارُهُ عَلى الأخْذِ بِأفْئِدَةِ الرّاعِي (p-٣٦٢٨)والرَّعِيَّةِ والسُّوقَةِ، ما كانَ هَذا إلّا بِالفَصاحَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى العِلْمِ والحِكْمَةِ: ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤]

١٢ - حُسْنُ التَّدْبِيرِ: ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ [يوسف: ٤٧] الآيَةَ.

ثُمَّ تَأمَّلْ في اقْتِدارِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سِياسَةِ المَلِكِ، وكَيْفَ اجْتَذَبَ إلَيْهِ القُلُوبَ بِالإحْسانِ: ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ﴾ [يوسف: ٦٢] الآيَةَ، ودَبَّرَ الحِيلَةَ العَجِيبَةَ بِمَسْألَةِ الصُّواعِ والِاتِّهامِ بِالسَّرِقَةِ لِيَضُمَّ أخاهُ إلَيْهِ: ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ [يوسف: ٧٦] الآيَةَ، وعامَلَ المَحْكُومِينَ بِشَرْعِهِمْ ودِينِهِمْ ومِلَّتِهِمْ وعادَتِهِمْ، كَما عَلَيْهِ جَمِيعُ الأُمَمِ الشَّرْقِيَّةِ الحَيَّةِ مِنَ الرِّفْقِ بِالأُمَّةِ المَحْكُومَةِ لَهُمْ، فَيَسُوسُونَهم بِدِينِهِمْ وعادَتِهِمْ وشَرْعِهِمْ وأخْلاقِهِمْ وأمْوالِهِمُ؛ اتِّباعًا لِما رَسَمَتْهُ الشَّرِيعَةُ الغَرّاءُ مِمّا يُناسِبُ حُكْمَ سَيِّدِنا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَ أتْباعَهُ أنْ يَسْألُوهُمْ: ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٧٤] الآيَةَ، فَكانَتْ شَرِيعَةُ بَنِي يَعْقُوبَ أنْ يَسْتَعْبِدُوا السّارِقَ سَنَةً عِنْدَ صاحِبِ المَتاعِ، فَعامَلَهم بِما هم عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] امْتُدِحَ عَلى حُسْنِ خُطَّتِهِ في السِّياسَةِ ومُراعاتِهِ عادَةَ أُولَئِكَ القَوْمِ. وهَذِهِ -وإنْ كانَتْ مَسْألَةً بَسِيطَةَ الظّاهِرِ- فَهي أُمُّ السِّياسَةِ ورَأْسُ عُلُومِ العُمْرانِ، وأوَّلُ ما يُوصى بِهِ السُّوّاسُ والعُقَلاءُ!.

تاللَّهِ! ما أجْمَلَ القُرْآنَ وما أبْهَجَ العِلْمَ! ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يَقُولُ اللَّهُ بَعْدَها: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] ولَوْلا ما فِيها مِن مَبْدَأٍ شَرِيفٍ وحِكَمٍ عالِيَةٍ مَعَ (p-٣٦٢٩)وُضُوحِها وبَساطَتِها لِذَوِي النَّظَرِ السَّطْحِيِّ والبُلْهِ الغُفَّلِ؛ ما أعْطاها هَذا الجَلالَ والإعْظامَ ومَدَحَ العِلْمَ! فَحَيّا اللَّهُ العِلْمَ وأدامَ دَوْلَتَهُ!.

ومِنَ العَجِيبِ الغَرِيبِ تَدْبِيرُ هَذِهِ الحِيلَةِ بِإخْفاءِ الصُّواعِ، ثُمَّ نَظَرَ أمْتِعَتَهم جَمِيعًا: ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦] وهَذِهِ -وايْمُ اللَّهِ- هي بِعَيْنِها ما يَصْنَعُهُ مُلُوكُ الأرْضِ قاطِبَةً اليَوْمَ مِنَ السِّياساتِ والتَّلَطُّفِ في الأُمُورِ الخَفِيَّةِ، وإلْباسِها ألْبِسَةً مُخْتَلِفَةً لِسِياسَةِ بِلادِهِمْ، وطَلَبًا لِحُصُولِ المَقاصِدِ النّافِعَةِ، ودُخُولًا لِلْبُيُوتِ مِن أبْوابِها، ولَكِنْ بَيْنَهم وبَيْنَ هَذا النَّبِيِّ بَوْنٌ بَعِيدٌ...! فانْظُرْ كَيْفَ تُعْطِي هَذِهِ القِصَّةُ هَذِهِ الأُمُورَ العَجِيبَةَ!.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском