Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:23–35
12:23Page 238
وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣
And she, in whose house he was, sought to seduce him. She closed the doors and said, "Come, you." He said, "[I seek] the refuge of Allāh. Indeed, he1 is my master, who has made good my residence. Indeed, wrongdoers will not succeed."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣ ] ﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾
﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى شَرْحِ ما جَرى عَلى يُوسُفَ في مَنزِلِ العَزِيزِ بَعْدَ ما أمَرَ امْرَأتَهُ بِإكْرامِ مَثْواهُ، مِن مُراوَدَتِها لَهُ وإبائِهِ. (p-٣٥٢٦)والمُراوَدَةُ: المُطالَبَةُ. أيْ: طَلَبَتْ مِنهُ أنْ يُواقِعَها. وتَعْدِيَتُها بِـ (عَنْ) لِتَضْمِينِها مَعْنى المُخادَعَةِ. والعُدُولُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِاسْمِها لِلْمُحافَظَةِ عَلى السِّرِّ والسِّتْرِ، وإيرادُ المَوْصُولِ دُونَ امْرَأةِ العَزِيزِ، لِتَقْرِيرِ المُراوَدَةِ. فَإنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِمّا يَدْعُو إلى ذَلِكَ. قِيلَ لِامْرَأةٍ: ما حَمَلَكِ عَلى ما لا خَيْرَ فِيهِ؟ قالَتْ: قُرْبَ الوِسادِ، وطُولَ السَّوادِ. ولِإظْهارِ كَمالِ نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ -كَما سَيَأْتِي-.
و(هَيْتَ) قُرِئَتْ كَـ (لَيْتَ وقِيلَ وحَيْثُ)، وبِكَسْرِ الهاءِ وبِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها، وفَتْحِ التّاءِ وضَمِّها. وهي في هَذِهِ اللُّغاتِ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى (تَعالَ). واللّامُ لِتَبْيِينِ المَفْعُولِ أيِ المُخاطَبُ. ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّها لُغَةٌ لَأهِلَ حُورانَ سَقَطَتْ إلى مَكَّةَ فَتَكَلَّمُوا بِها.
قالَ ابْنُ الأبْيارِيِّ: هَذا وِفاقٌ بَيْنَ لُغَةِ قُرَيْشٍ وأهْلِ حُورانَ، كَما اتَّفَقَتْ لُغَةُ العَرَبِ والرُّومِ في (القِسْطاسِ) ونَحْوِهِ.
و(مَعاذَ اللَّهِ) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ. أيْ: أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا مِمّا تَدْعِينَنِي إلَيْهِ، لِكَوْنِهِ زِنًى وخِيانَةً فِيما اؤْتُمِنَتْ عَلَيْهِ، وضَرًّا لِمَن تَوَقَّعَ النَّفْعَ، وإساءَةً إلى المُحْسِنِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وهَذا اجْتِنابٌ مِنهُ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ، وإشارَةٌ إلى التَّعْلِيلِ بِأنَّهُ مُنْكَرٌ هائِلٌ! يَجِبُ أنْ يُعاذَ بِاللَّهِ تَعالى لِلْخَلاصِ مِنهُ، وما ذاكَ إلّا لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ شاهَدَهُ بِما أراهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ البُرْهانِ النَّيِّرِ عَلى ما هو عَلَيْهِ في حَدِّ ذاتِهِ مِن غايَةِ القُبْحِ، ونِهايَةِ السُّوءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلِامْتِناعِ بِبَعْضِ الأسْبابِ الخارِجِيَّةِ، مِمّا عَسى أنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا عِنْدَها، وداعِيًا لَها إلى اعْتِبارِهِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى سَبَبِهِ الذّاتِيِّ الَّذِي تَكادُ تَقْبَلُهُ لِما سَوَّلَتْهُ لَها نَفْسُها. والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ. وفائِدَةُ تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِهِ؛ الإيذانُ بِفَخامَةِ مَضْمُونِها، مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرِهِ في الذِّهْنِ، فَإنَّ الضَّمِيرَ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا شَأْنٌ مُبْهَمٌ لَهُ خَطَرٌ، فَيَبْقى الذِّهْنُ مُتَرَقِّبًا لِما يَعْقُبُهُ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ لَهُ فَضْلَ تَمَكُّنٍ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا، وهو رَبِّي، أيْ سَيِّدِي العَزِيزُ، أحْسَنَ مَثْوايَ، أيْ تَعَهُّدِي، حَيْثُ أمَرَكِ بِإكْرامِي، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ أُسِيءَ إلَيْهِ بِالخِيانَةِ في حَرَمِهِ؟ وفِيهِ إرْشادٌ لَها إلى رِعايَةِ (p-٣٥٢٧)حَقِّ العَزِيزِ بِألْطَفِ وجْهٍ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، و(رَبِّي) خَبَرٌ، و(إنَّ)، و(أحْسَنَ مَثْوايَ) خَبَرٌ ثانٍ. أوْ هو الخَبَرُ والأوَّلُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ. والمَعْنى: أنَّ الحالَ هَكَذا، فَكَيْفَ أعْصِيهِ بِارْتِكابِ تِلْكَ الفاحِشَةِ الكَبِيرَةِ؟ وفِيهِ تَحْذِيرٌ لَها مِن عِقابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، فَفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ هَذِهِ الحالَةِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلِامْتِناعِ عَمّا دَعَتْهُ إلَيْهِ؛ إيذانٌ بِأنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ البَيانِ كافِيَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى اسْتِحالَتِهِ، وكَوْنِهِ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُقُوعِ أصْلًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلِامْتِناعِ المَذْكُورِ، غِبَّ تَعْلِيلٍ. و(الفَلاحُ) الظَّفَرُ، أوِ البَقاءُ في الخَيْرِ. ومَعْنى (أفْلَحَ) دَخَلَ فِيهِ، كَأصْبَحَ وأخَواتِهِ. والمُرادُ بِـ (الظّالِمِينَ) كُلُّ مَن ظَلَمَ، كائِنًا مَن كانَ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ المُجازُونَ لِلْإحْسانِ بِالإساءَةِ، والعُصاةُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقِيلَ: الزُّناةُ، لِأنَّهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ، ولِلْمَزْنِيِّ بِأهْلِهِ. انْتَهى.
وقالَ بَعْضُ اليَمانِينَ: ثَمَراتُ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثٌ:
الأُولى: أنَّ الواجِبَ عِنْدَ الدُّعاءِ إلى المَعْصِيَةِ الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ، لِيَعْصِمَهُ مِنها، ويَدْخُلُ فِيهِ دُعاءُ الشَّيْطانِ، ودُعاءُ شَياطِينِ الإنْسِ، ودُعاءُ هَوى النَّفْسِ.
الثّانِيَةُ: أنَّ السَّيِّدَ والمالِكَ يُسَمّى (رَبًّا).
الثّالِثَةُ: أنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ القَبِيحِ لِقُبْحِهِ، ورِعايَةُ حَقِّ غَيْرِهِ، وخَشْيَةُ العارِ، أوِ الفَقْرِ، أوِ الخَوْفِ، ونَحْوَ ذَلِكَ. ولا يُقالُ: التَّشْرِيكُ غَيْرُ مُفِيدٍ في كَوْنِهِ تارِكًا لِلْقَبِيحِ، وأنَّهُ لا يُثابُ. وتَدُلُّ أيْضًا عَلى لُزُومِ حُسْنِ المُكافَأةِ بِالجَمِيلِ، وأنَّ مَن أخَلَّ بِالمُكافَأةِ عَلَيْهِ كانَ ظالِمًا. انْتَهى.
12:24Page 238
وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤
And she certainly determined [to seduce] him, and he would have inclined to her had he not seen the proof [i.e., sign] of his Lord. And thus [it was] that We should avert from him evil and immorality. Indeed, he was of Our chosen servants.
(p-٣٥٢٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤ ] ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾
﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ (الهَمُّ): يَكُونُ بِمَعْنى القَصْدِ والإرادَةِ، ويَكُونُ فَوْقَ الإرادَةِ ودُونَ العَزْمِ، إذا أُرِيدَ بِهِ اجْتِماعُ النَّفْسِ عَلى الأمْرِ والإزْماعُ عَلَيْهِ، وبِالعَزْمِ: القَصْدُ إلى إمْضائِهِ، فَهو أوَّلُ العَزِيمَةِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمُ: الهَمُّ هَمّانِ: هَمٌّ ثابِتٌ مَعَهُ عَزْمٌ وعَقْدٌ ورِضًا، وهو مَذْمُومٌ مُؤاخَذٌ بِهِ. وهَمٌّ بِمَعْنى خاطِرٍ، وحَدِيثِ نَفْسٍ، مِن غَيْرِ تَصْمِيمٍ، وهو غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِهِ. لِأنَّ خُطُورَ المَناهِي في الصُّدُورِ، وتَصَوُّرَها في الأذْهانِ، لا مُؤاخَذَةَ بِها ما لَمْ تُوجَدْ في الأعْيانِ.
رَوى الشَّيْخانِ وأهْلُ السُّنَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها، ما لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ، أوْ تَعْمَلْ بِهِ»» . ورَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ أيْ بِمُخالَطَتِهِ، أيْ: قَصَدَتْها وعَزَمَتْ عَلَيْها عَزْمًا جازِمًا، لا يَلْوِيها عَنْهُ صارِفٌ، بَعْدَ ما باشَرَتْ مَبادِئَها مِنَ المُراوَدَةِ، وتَغْلِيقِ الأبْوابِ، ودَعْوَتِهِ إلى الإسْراعِ إلَيْها بِقَوْلِها: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] مِمّا اضْطَرَّهُ إلى الهَرَبِ إلى البابِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ أيْ: لَوْلا رُؤْيَتُهُ بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها، كَما هَمَّتْ بِهِ، لِتَوَفُّرِ الدَّواعِي. ولَكِنَّهُ رَأى مِن تَأْيِيدِ اللَّهِ لَهُ بِالبُرْهانِ ما صَرَفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ.
(p-٣٥٢٩)قالَ أبُو حَيّانَ: ونَظِيرُهُ (قارَفُتَ الإثْمَ لَوْلا أنَّ اللَّهَ عَصَمَكَ). ولا نَقُولُ: إنَّ جَوابَ (لَوْلا) يَتَقَدَّمُ عَلَيْها، وإنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى امْتِناعِهِ، بَلْ صَرِيحُ أدَواتِ الشَّرْطِ العامِلَةِ مُخْتَلَفٌ فِيها، حَتّى ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ وأعْلامُ البَصْرِيِّينَ إلى جَوازِ تَقَدُّمِهِ، بَلْ نَقُولُ: هو مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. لِأنَّ المَحْذُوفَ في الشَّرْطِ يُقَدَّرُ مِن جِنْسِ ما قَبْلَهُ. انْتَهى.
فالآيَةُ حِينَئِذٍ ناطِقَةٌ بِأنَّهُ لَمْ يَهِمَّ أصْلًا. وقِيلَ: جَوابُ (لَوْلا) لَغَشِيَها ونَحْوَهُ. فَمَعْنى (الهَمِّ) حِينَئِذٍ ما قالَهُ الإمامُ الرّازِيُّ: مِن أنَّهُ خُطُورُ الشَّيْءِ بِالبالِ، أوْ مَيْلُ الطَّبْعِ. كالصّائِمِ في الصَّيْفِ. يَرى الماءَ البارِدَ، فَتَحْمِلُهُ نَفْسُهُ عَلى المَيْلِ إلَيْهِ، وطَلَبِ شُرْبِهِ، ولَكِنْ يَمْنَعُهُ دِينُهُ عَنْهُ. وكالمَرْأةِ الفائِقَةِ حُسْنًا وجَمالًا، تَتَهَيَّأُ لِلشّابِّ النّامِي القَوِيِّ، فَتَقَعُ بَيْنَ الشَّهْوَةِ والعِفَّةِ، وبَيْنَ النَّفْسِ والعَقْلِ، مُجاذَبَةٌ ومُنازَعَةٌ. (فالهَمُّ) هُنا عِبارَةٌ عَنْ جَواذِبِ الطَّبِيعَةِ، ورُؤْيَةُ البُرْهانِ جَواذِبُ الحِكْمَةِ. وهَذا لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الذَّنْبِ، بَلْ كُلَّما كانَتْ هَذِهِ الحالُ أشَدَّ، كانَتِ القُوَّةُ عَلى لَوازِمِ العُبُودِيَّةِ أكْمَلَ. انْتَهى.
وكَذا قالَ أبُو السُّعُودِ: إنَّ هَمَّهُ بِها بِمَعْنى مَيْلِهِ إلَيْها، بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ، وشَهْوَةِ الشَّبابِ وقَرَمِهِ، مَيْلًا جِبِلِّيًّا، لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، لا أنَّهُ قَصَدَها قَصْدًا اخْتِيارِيًّا، ألا يَرى إلى ما سَبَقَ مِنِ اسْتِعْصامِهِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ كَراهِيَتِهِ لَهُ، ونَفْرَتِهِ عَنْهُ، وحُكْمِهِ بِعَدَمِ إفْلاحِ الظّالِمِينَ؟ وهَلْ هو إلّا تَسْجِيلٌ بِاسْتِحالَةِ صُدُورِ الهَمِّ مِنهُ -عَلَيْهِ السَّلامُ- تَسْجِيلًا مُحْكَمًا؟ وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالهَمِّ؛ لِمُجَرَّدِ وُقُوعِهِ في صُحْبَةِ هَمِّها في الذِّكْرِ، بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ، لا لِشَبَهِهِ بِهِ كَما قِيلَ. ولَقَدْ أُشِيرَ إلى تَبايُنِهِما، حَيْثُ لَمْ يُلَزّا في قَرَنٍ واحِدٍ مِنَ التَّعْبِيرِ، بِأنْ قِيلَ: ولَقَدْ هَمّا بِالمُخالَطَةِ، أوْ هَمَّ كُلٌّ مِنهُما بِالآخَرِ. وصُدِّرَ الأوَّلُ بِما يُقَرِّرُ وُجُودَهُ مِنَ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ، وعَقَّبَ الثّانِي بِما يَعْفُو أثَرَهُ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ أيْ حُجَّتَهُ الباهِرَةَ، الدّالَّةَ عَلى كَمالِ قُبْحِ الزِّنى، وسُوءِ سَبِيلِهِ. والمُرادُ بِرُؤْيَتِهِ لَها كَمالُ إيقانِهِ، ومُشاهَدَتُهُ لَها مُشاهَدَةٌ واصِلَةٌ إلى مَرْتَبَةِ عَيْنِ اليَقِينِ. وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ شاهَدَ الزِّنى (p-٣٥٣٠)بِمُوجِبِ ذَلِكَ البُرْهانِ النَّيِّرِ، عَلى ما هو عَلَيْهِ في حَدِّ ذاتِهِ أقْبَحَ ما يَكُونُ، وأوْجَبُ ما يَجِبُ أنْ يَحْذَرَ مِنهُ، ولِذَلِكَ فَعَلَ ما فَعَلَ مِن الِاسْتِعْصامِ، والحُكْمِ بِعَدَمِ إفْلاحِ مَن يَرْتَكِبُهُ.
وجَوابُ (لَوْلا) مَحْذُوفٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ. أيْ: لَوْلا مُشاهَدَةُ بُرْهانِ رَبِّهِ في شَأْنِ الزِّنى لَجَرى عَلى مُوجَبِ مَيْلِهِ الجِبِلِّيِّ، ولَكِنْ حَيْثُ كانَ مُشاهِدًا لَهُ مِن قَبْلُ؛ اسْتَمَرَّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن قَضِيَّةِ البُرْهانِ. وفائِدَةُ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ بَيانُ أنَّ امْتِناعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ مُساعَدَةٍ مِن جِهَةِ الطَّبِيعَةِ، بَلْ لِمَحْضِ العِفَّةِ والنَّزاهَةِ، مَعَ وُفُورِ الدَّواعِي الدّاخِلِيَّةِ، وتَرْتِيبِ المُقَدِّماتِ الخارِجِيَّةِ، المُوجِبَةِ لِظُهُورِ الأحْكامِ الطَّبِيعِيَّةِ. انْتَهى.
فاتَّضَحَ أنْ لا شُبْهَةَ فِيها عَلى عِصْمَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ الأنْبِياءَ لَيْسُوا بِمَعْصُومِينَ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ، وخَواطِرِ الشَّهْوَةِ الجِبِلِّيَّةِ، ولَكِنَّهم مَعْصُومُونَ مِن طاعَتِها، والِانْقِيادِ إلَيْها. ولَوْ لَمْ تُوجَدْ عِنْدَهم دَواعٍ جِبِلِّيَّةٌ لَكانُوا إمّا مَلائِكَةً أوْ عالَمًا آخَرَ، ولَما كانُوا مَأْجُورِينَ عَلى تَرْكِ المَناهِي، لِأنَّهم يَكُونُونَ مَقْهُورِينَ عَلى تَرْكِها طَبْعًا. والعِنِّينُ لا يُؤْجَرُ ويُثابُ عَلى تَرْكِ الزِّنى؛ لِأنَّ الأجْرَ لا يَكُونُ إلّا عَلى عَمَلٍ، والتَّرْكُ بِغَيْرِ داعِيَةٍ لَيْسَ عَمَلًا، وأمّا التَّرْكُ مَعَ الدّاعِيَةِ، فَهو كَفُّ النَّفْسِ عَمّا تَتَشَوَّفُ إلَيْهِ فَهو عَمَلٌ نَفْسِيٌّ.
وحَقِيقَةُ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ هي نَزاهَتُهُمْ، وبُعْدُهم عَنِ ارْتِكابِ الفَواحِشِ والمُنْكَراتِ الَّتِي بُعِثُوا لِتَزْكِيَةِ النّاسِ مِنها؛ لِئَلّا يَكُونُوا قُدْوَةً سَيِّئَةً، مُفْسِدِينَ لِلْأخْلاقِ والآدابِ، وحُجَّةً لِلسُّفَهاءِ عَلى انْتِهاكِ حُرُماتِ الشَّرائِعِ. ولَيْسَ مَعْناها أنَّهم آلِهَةٌ مُنَزَّهُونَ عَنْ جَمِيعِ ما يَقْتَضِيهِ الطَّبْعُ البَشَرِيُّ.
هَذا وقَدْ ألْصَقَ هُنا بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الوَلِعِينَ بِسَرْدِ الرِّواياتِ، ما تَلَقَّفُوهُ مِن أهْلِ الكِتابِ، ومِنَ المُتَصَوْلِحِينَ، مِن تِلْكَ الأقاصِيصِ المُخْتَلَقَةِ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، في هَمِّهِ، الَّتِي أُنَزِّهُ تَأْلِيفِي عَنْ نَقْلِها، بِرَدِّها. وكُلُّها -كَما قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ- خُرافاتٌ وأباطِيلُ، تَمُجُّها الآذانُ، وتَرُدُّها العُقُولُ والأذْهانُ، ويْلٌ لِمَن لاكَها ولَفَّقَها، أوْ سَمِعَها وصَدَّقَها. وسَبَقَهُ (p-٣٥٣١)الزَّمَخْشَرِيُّ، فَجَوَّدَ الكَلامَ في رَدِّها، فَلْيُنْظَرْ، فَإنَّهُ مِمّا يَسُرُّ الواقِفَ عَلَيْهِ.
و(السُّوءُ): المُنْكَرُ والفُجُورُ والمَكْرُوهُ. (والفَحْشاءُ): ما تَناهى قُبْحُهُ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ﴾ إلَخْ آيَةٌ بَيِّنَةٌ وحُجَّةٌ قاطِعَةٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَقَعْ مِنهُ هَمٌّ بِالمَعْصِيَةِ، ولا تُوَجَّهُ إلَيْها قَطُّ، وإلّا لَقِيلَ: لِنَصْرِفَهُ عَنِ السُّوءِ والفَحْشاءِ. وإنَّما تَوَجَّهَ إلَيْهِ ذَلِكَ مِن خارِجٍ، فَصَرَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِما فِيهِ مِن مُوجِباتِ العِفَّةِ والعِصْمَةِ. فَتَأمَّلْ.
و(المُخْلِصِينَ) قُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ، بِمَعْنى الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ، وبِالفَتْحِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِطاعَتِهِ بِأنْ عَصَمَهم.
قالَ الشِّهابُ: قِيلَ: إنَّ كُلَّ مَن لَهُ دَخْلٌ في هَذِهِ القِصَّةِ شَهِدَ بِبَراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَشَهِدَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لِنَصْرِفَ﴾ إلَخْ، وشَهِدَ هو عَلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي﴾ [يوسف: ٢٦] ونَحْوِهِ، وشَهِدَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ بِقَوْلِها: ﴿ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] وسَيِّدُها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩] وإبْلِيسُ بِقَوْلِهِ: ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] فَتَضَمَّنَ إخْبارُهُ بِأنَّهُ لَمْ يُغْوِهِ. ومَعَ هَذا كُلِّهِ لَمْ يُبَرِّئْهُ أهْلُ القَصَصِ. انْتَهى. عَفا اللَّهُ عَنْهم.
12:25Page 238
وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٥
And they both raced to the door, and she tore his shirt from the back, and they found her husband at the door. She said, "What is the recompense of one who intended evil for your wife but that he be imprisoned or a painful punishment?"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٥ ] ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾
﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ [يوسف: ٢٤] إلَخْ، وقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ [يوسف: ٢٤] إلَخِ، اعْتِرافٌ جِيءَ بِهِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ تَقْرِيرًا لِنَزاهَتِهِ. والمَعْنى: ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وأبى هُوَ، واسْتَبَقا البابَ، أيْ قَصَدَ كُلٌّ سَبْقَ الآخَرِ إلى البابِ؛ فَيُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَخْرُجَ، وهي لِتَمْنَعَهُ مِنَ الخُرُوجِ، ووَحَّدَ (البابَ) هُنا مَعَ جَمْعِهِ أوَّلًا؛ لِأنَّ المُرادَ بِالبابِ البَرّانِيُّ الَّذِي مِنهُ المَخْلَصُ.
(p-٣٥٣٢)﴿وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ أيِ اجْتَذَبَتْهُ مِن خَلْفِهِ فانْقَدَّ، أيِ انْشَقَّ قَمِيصُهُ.
﴿وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾ أيْ صادَفا بَعْلَها ثَمَّتَ قادِمًا.
﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَبْرِئَةً لِساحَتِها، وإغْراءً عَلَيْهِ.
12:26Page 238
قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٦
[Joseph] said, "It was she who sought to seduce me." And a witness from her family testified, "If his shirt is torn from the front, then she has told the truth, and he is of the liars.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦ ] ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾
﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ لِأنَّ قَدَّهُ مِنهُ أمارَةُ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِها بِهِ، أوْ تَعَثُّرُهُ في مَقادِمِ قَمِيصِهِ بِسَبَبِ إقْبالِهِ عَلَيْها، فَقُدَّ لِإسْراعِهِ خَلْفَها.
12:27Page 238
وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٧
But if his shirt is torn from the back, then she has lied, and he is of the truthful."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٧ ] ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾
﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لِأنَّهُ أمارَةُ إدْبارِهِ عَنْها بِسَبَبِ أنَّها تَبِعَتْهُ، واجْتَذَبَتْ ثَوْبَهُ إلَيْها فَقَدَّتْهُ.
ومِنَ اللَّطائِفِ ما قِيلَ: إنَّ هَذا الشّاهِدَ أرادَ ألّا يَكُونَ هو الفاضِحَ لَها، ووَثِقَ بِأنَّ انْقِطاعَ قَمِيصِهِ إنَّما كانَ مِن دُبُرٍ، فَنَصْبُهُ أمارَةٌ لِصِدْقِهِ وكَذِبِها. ثُمَّ ذَكَرَ القِسْمَ الآخَرَ، وهو قَدُّهُ مِن قُبُلٍ، عَلى عِلْمٍ بِأنَّهُ لَمْ يَنْقَدَّ مِن قُبُلٍ حَتّى يَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ التُّهْمَةَ في الشَّهادَةِ، وقَصْدِ الفَضِيحَةِ، ويُنْصِفُهُما جَمِيعًا، فَيَذْكُرُ أمارَةً عَلى صِدْقِها المَعْلُومِ نَفْيُهُ، كَما ذَكَرَ أمارَةً عَلى صِدْقِهِ المَعْلُومِ وُجُودُهُ. ومِن ثَمَّ قَدَّمَ أمارَةً عَلى صِدْقِها، عَلى أمارَةِ صِدْقِهِ في الذِّكْرِ؛ إزاحَةً لِلتُّهْمَةِ، ووُثُوقًا بِأنَّ الأمارَةَ الثّانِيَةَ هي الواقِعَةُ، فَلا يَضُرُّهُ تَأْخِيرُها. وهَذِهِ اللَّطِيفَةُ بِعَيْنِها -واللَّهُ أعْلَمُ- (p-٣٥٣٣)هِيَ الَّتِي راعاها مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] فَقَدَّمَ قَسَمَ الكَذِبِ عَلى قَسَمِ الصِّدْقِ، إزاحَةً لِلتُّهْمَةِ الَّتِي خَشِيَ أنْ تَتَطَرَّقَ إلَيْهِ في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ووُثُوقًا بِأنَّ القِسْمَ الثّانِيَ وهو صِدْقُهُ، هو الواقِعُ، فَلا يَضُرُّهُ تَأْخِيرُهُ في الذِّكْرِ لِهَذِهِ الفائِدَةِ، ومِن ثَمَّ قالَ: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] ولَمْ يَقُلْ: كُلَّ ما يَعِدُكُمْ، تَعْرِيضًا بِأنَّهُ مَعَهم عَلَيْهِ، وأنَّهُ حَرِيصٌ عَلى أنْ يَبْخَسَهُ حَقَّهُ، ويَنْحُوَ هَذا النَّحْوَ تَأْخِيرُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِكَشْفِ وِعاءِ أخِيهِ الآتِي ذِكْرُهُ، لِأنَّهُ لَوْ بَدَأ بِهِ لَفَطِنُوا أنَّهُ هو الَّذِي أمَرَ بِوَضْعِ السِّقايَةِ فِيهِ -واللَّهُ أعْلَمُ-.
12:28Page 238
فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٞ ٢٨
So when he [i.e., her husband] saw his shirt torn from the back, he said, "Indeed, it is of your [i.e., women's] plan. Indeed, your plan is great [i.e., vehement].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٨ ] ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾
﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ يَعْنِي بِالكَيْدِ: الحِيلَةَ والمَكْرَ. وإنَّما اسْتَعْظَمَ كَيْدَهُنَّ؛ لِأنَّهُ ألْطَفُ وأعْلَقُ بِالقَلْبِ، وأشَدُّ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ، ولَهُنَّ فِيهِ نِيقَةٌ ورِفْقٌ، وبِذَلِكَ يَغْلِبْنَ الرِّجالَ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ ابْنُ الفُرْسِ: يَحْتَجُّ بِالآيَةِ مَن يَرى الحُكْمَ بِالأماراتِ والعَلاماتِ، فِيما لا تَحْضُرُهُ البَيِّناتُ، كاللُّقَطَةِ، والسَّرِقَةِ، والوَدِيعَةِ، ومَعاقِدِ الحِيطانِ، والسُّقُوفِ وشَبَهِها.
وقَوْلُهُ تَعالى:
12:29Page 238
يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَاۚ وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ ٢٩
Joseph, ignore this.1 And, [my wife], ask forgiveness for your sin. Indeed, you were of the sinful."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٩ ] ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾
﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ نُودِيَ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ، لِقُرْبِهِ وكَمالِ تَفَطُّنِهِ لِلْحَدِيثِ.
(p-٣٥٣٤)أيْ: يا يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا الأمْرِ واكْتُمْهُ، ولا تُحَدِّثْ بِهِ.
﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ أيِ الَّذِي وقَعَ مِنكِ مِن إرادَةِ السُّوءِ بِهَذا الشّابِّ، ثُمَّ قَذْفِهِ بِما هو بَرِيءٌ مِنهُ.
﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ القَوْمِ المُتَعَمِّدِينَ لِلذَّنْبِ. يُقالُ: خَطِئَ إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا، وأخْطَأ إذا فَعَلَهُ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ. ولِهَذا يُقالُ: أصابَ الخَطَأ، وأخْطَأ الصَّوابَ، وأصابَ الصَّوابَ. وإيثارُ جَمْعِ السّالِمِ تَغْلِيبًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ. ودَلَّ هَذا عَلى أنَّ العَزِيزَ كانَ رَجُلًا حَلِيمًا؛ إذِ اكْتَفى مِن مُؤاخَذَتِها بِهَذا المِقْدارِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أوْ أنَّهُ عَذَرَها لِأنَّها رَأتْ ما لا صَبْرَ لَها عَنْهُ. ويُقالُ: إنَّهُ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ.
قالَ الشِّهابُ: وهو لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ مُقْتَضى تُرْبَةِ مِصْرَ. انْتَهى.
وقَدْ تَقَرَّرَ لَدى المُحَقِّقِينَ أنَّ لِاخْتِلافِ أحْوالِ العُمْرانِ في الخِصْبِ والجَدْبِ، وأقالِيمِهِ في الحَرارَةِ والبُرُودَةِ وتَوابِعِها -أثَرًا في أخْلاقِ البَشَرِ وأبْدانِهِمُ- انْظُرِ المُقَدِّمَةَ الرّابِعَةَ والخامِسَةَ مِن (مُقَدِّمَةِ ابْنِ خَلْدُونَ).
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ خَبَرَ يُوسُفَ وامْرَأةِ العَزِيزِ شاعَ في المَدِينَةِ -وهِيَ مِصْرُ- بِقَوْلِهِ:
12:30Page 238
۞ وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٠
And women in the city said, "The wife of al-ʿAzeez is seeking to seduce her slave boy; he has impassioned her with love. Indeed, we see her [to be] in clear error."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٠ ] ﴿وقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
﴿وقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾ العَزِيزُ: الأمِيرُ، مَأْخُوذٌ مِنَ (العِزِّ) وهو الشِّدَّةُ والقَهْرُ، وقَدْ غَلَبَ عَلى أمِيرِ مِصْرَ والإسْكَنْدَرِيَّةِ.
﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ أيْ خَرَقَ حُبُّهُ شَغافَ قَلْبِها، حَتّى وصَلَ إلى الفُؤادِ، و(الشَّغافُ) كَسَحابٍ: حِجابُ القَلْبِ.
(p-٣٥٣٥)﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في خَطَأٍ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ والصَّوابِ. وإقْحامُ الرُّؤْيَةِ؛ لِلْإشْعارِ بِأنَّ حُكْمَهُنَّ بِضَلالِها صادِرٌ عَنْ رُؤْيَةٍ وعِلْمٍ، مَعَ التَّلْوِيحِ إلى تَنَزُّهِهِنَّ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ.
12:31Page 239
فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَٰحِدَةٖ مِّنۡهُنَّ سِكِّينٗا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ ٣١
So when she heard of their scheming, she sent for them and prepared for them a banquet and gave each one of them a knife and said [to Joseph], "Come out before them." And when they saw him, they greatly admired him and cut their hands1 and said, "Perfect is Allāh!2 This is not a man; this is none but a noble angel."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣١ ] ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أيِ اغْتِيابِهِنَّ، وسُوءِ قالَتِهِنَّ. اسْتُعِيرَ (المَكْرُ) لِـ (الغِيبَةِ) لِشَبَهِها لَهُ في الإخْفاءِ أوِ (المَكْرِ) عَلى حَقِيقَتِهِ، وكُنَّ قُلْنَ ذَلِكَ لِتُرِيَهُنَّ يُوسُفَ.
﴿أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ﴾ أيْ تَدْعُوهُنَّ لِلضِّيافَةِ، مَكْرًا بِهِنَّ، ﴿وأعْتَدَتْ﴾ أيْ أحْضَرَتْ وهَيَّأتْ: ﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أيْ: ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِنَ الوَسائِدِ، ﴿وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ أيْ لِيُعالِجْنَ بِها ما يَأْكُلْنَ مِنَ الفَواكِهِ ونَحْوِها. ﴿وقالَتِ﴾ أيْ لِيُوسُفَ ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أيِ ابْرُزْ إلَيْهِنَّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَصَدَتْ بِتِلْكَ الهَيْئَةِ -وهِيَ قُعُودُهُنَّ مُتَّكِئاتٌ والسَّكاكِينُ في أيْدِيهِنَّ- أنْ يُدْهَشْنَ ويُبْهَتْنَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، ويَشْغَلْنَ عَنْ نُفُوسِهِنَّ، فَتَقَعُ أيْدِيهِنَّ عَلى أيْدِيهِنَّ فَيَقْطَعْنَها؛ لِأنَّ المُتَّكِئَ إذا بُهِتَ لِشَيْءٍ وقَعَتْ يَدُهُ عَلى يَدِهِ، فَتُبَكِّتُهُنَّ بِالحُجَّةِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ أيْ أعْظَمْنَهُ، وهِبْنَ حُسْنَهُ الفائِقَ، ﴿وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أيْ جَرَحْنَها، كَما تَقُولُ: كُنْتُ أقْطَعُ اللَّحْمَ فَقَطَعْتُ يَدِي، تُرِيدُ: جَرَحْتُها. ﴿وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ حاشَ: أصْلُهُ حاشا، وحُذِفَتْ ألِفُهُ تَخْفِيفًا، وبِها قَرَأ أبُو عَمْرٍو في الدُّرْجِ، أيْ تَنْزِيهًا لَهُ سُبْحانَهُ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ والعَجْزِ، (p-٣٥٣٦)وتَعَجُّبًا مِن قُدْرَتِهِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ الصُّنْعِ البَدِيعِ. وإنَّما نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِغَرابَةِ جَمالِهِ، وأثْبَتْنَ لَهُ المَلَكِيَّةَ، عَلى نَهْجِ القَصْرِ، بِناءً عَلى ما رَكَزَ في الطِّباعِ ألّا أحْسَنَ مِنَ المَلَكِ، كَما رَكَزَ فِيها ألّا أقْبَحَ مِنَ الشَّيْطانِ. ولِذَلِكَ يُشَبَّهُ كُلُّ مُتَناهٍ في الحُسْنِ والقُبْحِ بِهِما.
12:32Page 239
قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ٣٢
She said, "That is the one about whom you blamed me. And I certainly sought to seduce him, but he firmly refused; and if he will not do what I order him, he will surely be imprisoned and will be of those debased."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٢ ] ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾
﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أيْ في الِافْتِتانِ بِهِ، ﴿ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ أيِ امْتَنَعَ، طالِبًا لِلْعِصْمَةِ، مُسْتَزِيدًا مِنها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الِاسْتِعْصامُ بِناءُ مُبالَغَةٍ، يَدُلُّ عَلى الِامْتِناعِ البَلِيغِ، والتَّحَفُّظِ الشَّدِيدِ، كَأنَّهُ في عِصْمَةٍ، وهو يَجْتَهِدُ في الِاسْتِزادَةِ مِنها. ونَحْوُهُ: اسْتَمْسَكَ، واسْتَوْسَعَ الفَتْقُ، واسْتَجْمَعَ الرَّأْيَ، واسْتَفْحَلَ الخَطْبُ. وهَذا بَيانٌ لِما كانَ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وبُرْهانٌ لا شَيْءَ أنْوَرُ مِنهُ، عَلى أنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا أضافَ إلَيْهِ أهْلَ الحَشْوِ، مِمّا فَسَّرُوا بِهِ الهَمَّ والبُرْهانَ. انْتَهى.
﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ أيْ لَيُعاقَبَنَّ بِالسَّجْنِ والحَبْسِ: ﴿ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أيِ الأذِلّاءِ المُهانِينَ.
ولَمّا سَمِعَ يُوسُفُ تَهْدِيدَها:
12:33Page 239
قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٣
He said, "My Lord, prison is more to my liking than that to which they invite me. And if You do not avert from me their plan, I might incline toward them and [thus] be of the ignorant."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٣ ] ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾
﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ أيْ مِن مُواتاتِها؛ لِأنَّهُ مَشَقَّةٌ قَلِيلَةٌ، (p-٣٥٣٧)تَعْقُبُها راحاتٌ أبَدِيَّةٌ. ثُمَّ فَزِعَ إلى اللَّهِ تَعالى في طَلَبِ العِصْمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ يَعْنِي: ما أرَدْنَ مِنِّي ﴿أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ أيْ أمِلْ إلى إجابَتِهِنَّ بِمُقْتَضى البَشَرِيَّةِ ﴿وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أيْ بِسَبَبِ ارْتِكابِ ما يَدْعُونَنِي إلَيْهِ مِنَ القَبِيحِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: هَذا فَزَعٌ مِنهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، إلى ألْطافِ اللَّهِ تَعالى. جَرْيًا عَلى سُنَنِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ، في قَصْرِ نَيْلِ الخَيْراتِ، والنَّجاةِ مِنَ الشُّرُورِ، عَلى جَنابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وسَلْبِ القُوى والقُدَرِ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ومُبالَغَةً في اسْتِدْعاءِ لُطْفِهِ في صَرْفِ كَيْدِهِنَّ بِإظْهارِ أنْ لا طاقَةَ لَهُ بِالمُدافَعَةِ، كَقَوْلِ المُسْتَغِيثِ: أدْرِكْنِي وإلّا هَلَكْتُ، لا أنَّهُ يَطْلُبُ الإجْبارَ والإلْجاءَ إلى العِصْمَةِ والعِفَّةِ، وفي نَفْسِهِ داعِيَةٌ تَدْعُوهُ إلى هَواهُنَّ. انْتَهى.
قالَ القاشانِيُّ: وذَلِكَ الدُّعاءُ هو صُورَةُ افْتِقارِ القَلْبِ الواجِبِ عَلَيْهِ أبَدًا.
12:34Page 239
فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٤
So his Lord responded to him and averted from him their plan. Indeed, He is the Hearing, the Knowing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٤ ] ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ أيْ: أجابَ لَهُ دُعاءَهُ ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ أيْ أيَّدَهُ بِالتَّأْيِيدِ القُدْسِيِّ، فَصَرَفَهُ إلى جَنابِ القُدْسِ، ودَفَعَ عَنْهُ بِذَلِكَ كَيْدَهُنَّ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ أيْ لِدُعاءِ المُتَضَرِّعِينَ إلَيْهِ، ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ بِما يُصْلِحُهم.
12:35Page 239
ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا رَأَوُاْ ٱلۡأٓيَٰتِ لَيَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٖ ٣٥
Then it appeared to them after they had seen the signs1 that he [i.e., al-ʿAzeez] should surely imprison him for a time.2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣٥ ] ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾
﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ﴾ أيْ ظَهَرَ لِلْعَزِيزِ وأهْلِهِ، ﴿مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ﴾ أيِ الشَّواهِدَ عَلى بَراءَتِهِ، ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ أيْ إلى مُدَّةٍ يَرَوْنَ رَأْيَهم فِيها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences