Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:103–115
16:103Page 279
وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ ١٠٣
And We certainly know that they say, "It is only a human being who teaches him [i.e., the Prophet (ﷺ)]." The tongue of the one they refer to is foreign,1 and this [recitation, i.e., Qur’ān] is [in] a clear Arabic language.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٣] ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ .
﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾
يُخْبِرُ تَعالى عَنِ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ غَيْرَ ما نُقِلَ عَنْهم قَبْلُ مِنَ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ، وكَذِبِهِمْ وبُهْتِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ إنَّما يُعَلِّمُهُ هَذا الَّذِي يَتْلُوهُ مِنَ القُرْآنِ، بَشَرٌ. يَعْنُونَ رَجُلًا أعْجَمِيًّا كانَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ يَقْرَأُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ. رُبَّما يَتَحَدَّثُ مَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ أحْيانًا. وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ؛ بِاسْمِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ خَطَئِهِمْ لَيْسَ بِنِسْبَتِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إلى التَّعَلُّمِ مِن شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بَلْ مِنَ البَشَرِ، كائِنًا مَن كانَ. ثُمَّ أشارَ تَعالى وُضُوحَ بُطْلانِ بُهْتِهِمْ، بِأنَّ لِسانَ الرَّجُلِ الَّذِي يَنْسُبُونَ إلَيْهِ التَّعْلِيمَ أعْجَمِيٌّ غَيْرُ مُبِينٍ. وهَذا القُرْآنُ الكَرِيمُ لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ، ذُو بَيانٍ وفَصاحَةٍ. ومِن أيْنَ لِلْأعْجَمِيِّ أنْ يَذُوقَ بَلاغَةَ هَذا التَّنْزِيلِ، وما حَواهُ مِنَ العُلُومِ، فَضْلًا أنْ يَنْطِقَ بِهِ، فَضْلًا أنْ يَكُونَ مُعَلِّمًا لَهُ ! . وقَوْلُهُ تَعالى:
16:104–105Page 279
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٠٤
Indeed, those who do not believe in the verses of Allāh - Allāh will not guide them, and for them is a painful punishment.
إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٠٥
They only invent falsehood who do not believe in the verses of Allāh, and it is those who are the liars.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٤-١٠٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] .
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَهْدِيدٌ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ، بَعْدَ ما أماطَ شُبْهَتَهم ورَدَّ طَعْنَهم فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥] رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] وقَلْبٌ لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ، بِبَيانِ (p-٣٨٦١)أنَّهم هُمُ المُفْتَرُونَ لا هو. يَعْنِي: إنَّما يَلِيقُ افْتِراءُ الكَذِبِ بِمَن لا يُؤْمَنُ، لِأنَّهُ لا يَخافُ عِقابًا يَرْدَعُهُ عَنْهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] إشارَةٌ إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، ويَدْخُلُ فِيهِمْ قُرَيْشٌ دُخُولًا أوَّلِيًّا. أيِ: الكاذِبُونَ في الحَقِيقَةِ ونَفْسِ الأمْرِ. أوِ الكامِلُونَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لا كَذِبَ أعْظَمُ مِن تَكْذِيبِ آياتِهِ تَعالى، والطَّعْنِ فِيها بِأمْثالِ هاتِيكَ الأباطِيلِ. ولا يَخْفى ما في الحَصْرِ، بَعْدَ القَصْرِ، مِنَ العِنايَةِ بِمَقامِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وقَدْ كانَ أصْدَقَ النّاسِ وأبَرَّهم وأكْمَلَهم عِلْمًا وعَمَلًا وإيمانًا وإيقانًا، مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ في قَوْمِهِ، لا يَشُكُّ في ذَلِكَ أحَدٌ مِنهم بِحَيْثُ لا يُدْعى بَيْنَهم إلّا بِـ (الأمِينِ مُحَمَّدٍ) . ولِهَذا لَمّا سَألَ هِرَقْلُ مِلْكَ الرُّومِ أبا سُفْيانَ عَنْ تِلْكَ المَسائِلِ الَّتِي سَألَها، مِن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كانَ فِيما قالَ لَهُ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قالَ ؟ قالَ: لا. فَقالَ هِرَقْلُ: ما كانَ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ، ويَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى.
تَنْبِيهٌ:
فِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ وأفْحَشِ الفَواحِشِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ كَلِمَةَ: { إنَّما } لِلْحَصْرِ. والمَعْنى: أنَّ الكَذِبَ والفِرْيَةَ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِما إلّا مَن كانَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِآياتِ اللَّهِ، وإلّا مَن كانَ كافِرًا. وهَذا تَهْدِيدٌ في النِّهايَةِ.
ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: هَلْ يَكْذِبُ المُؤْمِنُ ؟ قالَ: لا. ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ» . أفادَهُ الرّازِيُّ. وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٨٦٢)
16:106–109Page 279
مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٦
Whoever disbelieves in [i.e., denies] Allāh after his belief...1 except for one who is forced [to renounce his religion] while his heart is secure in faith. But those who [willingly] open their breasts to disbelief, upon them is wrath from Allāh, and for them is a great punishment;
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠٧
That is because they preferred the worldly life over the Hereafter and that Allāh does not guide the disbelieving people.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٠٨
Those are the ones over whose hearts and hearing and vision Allāh has sealed, and it is those who are the heedless.
لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٠٩
Assuredly, it is they, in the Hereafter, who will be the losers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٠٦-١٠٩] ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨] ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩] .
﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨] ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩]
لَمّا بَيَّنَ تَعالى فَضْلَ مَن آمَنَ وصَبَرَ عَلى أذى المُشْرِكِينَ، في المُحاماةِ عَنِ الدِّينِ، تَأثُّرَهُ بِبَيانِ ما لِلرِّدَّةِ وإيثارِ الضَّلالِ عَلى الهُدى، مِنَ الوَعْدِ الشَّدِيدِ، بِهَذِهِ الآياتِ. واسْتَثْنى المُكْرَهَ المُطَمْئِنَّ القَلْبِ بِالإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ؛ فَإنَّهُ إذا وافَقَ المُشْرِكِينَ بِلَفْظٍ، لِإيلامٍ قَوِيٍّ وإيذاءٍ شَدِيدٍ وتَهْدِيدٍ بِقَتْلٍ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِ. إنَّما الجُناحُ عَلى مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، أيْ: طابَ بِهِ نَفْسًا واعْتَقَدَهُ، اسْتِحْبابًا لِلْحَياةِ الدُّنْيا الفانِيَةِ، أيْ: إيثارًا لَها عَلى الآخِرَةِ الباقِيَةِ، فَذاكَ الَّذِي لَهُ (p-٣٨٦٣)مِنَ الوَعِيدِ ما بَيَّنَتْهُ الآياتُ الكَرِيمَةُ، مِن غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أوَّلًا، وعَذابِهِ العَظِيمِ لَهم، وهو عَذابُ النّارِ ثانِيًا. وعَدَمُ هِدايَتِهِمْ بِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ ثالِثًا. ورابِعًا بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِقَساوَتِها وكُدُورَتِها. فَلَمْ يَنْفَتِحْ لَهم طَرِيقُ الفَهْمِ، وعَلى سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ بِسَدِّ طَرِيقِ المَعْنى المُرادِ مِن مَسْمُوعاتِهِمْ وطَرِيقِ الِاعْتِبارِ مِن مُبْصَراتِهِمْ إلى القَلْبِ. فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ شَيْءٌ مِن أسْبابِ الهِدايَةِ مِن طَرِيقِ الباطِنِ مِن فَيْضِ العِلْمِ وإشْراقِ النُّورِ. ولا مِن طَرِيقِ الظّاهِرِ بِطَرِيقِ التَّعْلِيمِ والتَّعَلُّمِ والِاعْتِبارِ مِن آثارِ الصُّنْعِ. وخامِسًا بِكَوْنِهِمْ هُمُ الغافِلِينَ بِالحَقِيقَةِ، لِعَدَمِ انْتِباهِهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. وامْتِناعِ تَيَقُّظِهِمْ مِن نَوْمِ الجَهْلِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ. وجَلِيٌّ، أنَّ كُلَّ نِقْمَةٍ مِن هَذِهِ الخَمْسِ، عَلى انْفِرادِها، مِن أعْظَمِ الحَواجِزِ عَنِ الفَوْزِ بِالخَيْراتِ والسَّعاداتِ. فَكَيْفَ بِها كُلِّها ! .
قالَ الرّازِيُّ: ومَعْلُومٌ أنَّهُ إنَّما أُدْخِلَ الإنْسانُ الدُّنْيا لِيَكُونَ كالتّاجِرِ الَّذِي يَشْتَرِي بِطاعاتِهِ سَعاداتِ الآخِرَةِ. فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ المَوانِعُ عَظُمَ خُسْرانُهُ. فَلِهَذا قالَ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩] أيِ: الَّذِينَ ضاعَتْ دُنْياهُمُ الَّتِي اسْتَنْفَدُوا في تَحْصِيلِها وُسْعَهم، وأتْلَفُوا في طَلَبِها أعْمارَهم، ولَيْسُوا مِنَ الآخِرَةِ في شَيْءٍ إلّا في وبالِ التَّحَسُّراتِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: (مَن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ﴾ مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُقَدَّمٌ مِن حُكْمِ الغَضَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ رُجُوعٌ إلى صَدْرِ الآيَةِ وحُكْمِها، بِأُسْلُوبٍ مُبَيِّنٍ لِمَن كَفَرَ، مُوَضِّحٍ لَهُ. بِمَثابَةِ عَطْفِ البَيانِ أوْ عَطْفِ التَّفْسِيرِ. وهَذا الوَجْهُ مِنَ الإعْرابِ لَمْ أرَهُ لِأحَدٍ، ولا يَظْهَرُ غَيْرُهُ لِمَن ذاقَ حَلاوَةَ أُسْلُوبِ القُرْآنِ.
الثّانِي: اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المُكْرَهَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. وأنَّ الإكْراهَ يُبِيحُ التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ (p-٣٨٦٤)الكُفْرِ، بِشَرْطِ طُمَأْنِينَةِ القَلْبِ عَلى الإيمانِ. واسْتَدَلَّ العُلَماءُ بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ طَلاقِ المُكْرَهِ وعَتاقِهِ، وكُلِّ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ صَدَرَ مِنهُ، إلّا ما اسْتَثْنى. أفادَهُ السُّيُوطِيُّ في " الإكْلِيلُ " .
الثّالِثُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ حِينَ عَذَّبَهُ المُشْرِكُونَ حَتّى يَكْفُرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَوافَقَهم مُكْرَهًا. ثُمَّ جاءَ مُعْتَذِرًا. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: «أخَذَ المُشْرِكُونَ عَمّارًا فَعَذَّبُوهُ، حَتّى قارَبَهم في بَعْضِ ما أرادُوا. فَشَكا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لَهُ: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ ؟» قالَ: مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ. قالَ ﷺ: «إنْ عادُوا فَعُدْ»» .
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّ المُشْرِكِينَ عَدَوْا عَلى مَن أسْلَمَ واتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن أصْحابِهِ. فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلى مَن فِيها مِنَ المُسْلِمِينَ. فَجَعَلُوا يَحْبِسُونَهم ويُعَذِّبُونَهم بِالضَّرْبِ والجُوعِ والعَطَشِ. وبِرَمْضاءِ مَكَّةَ إذا اشْتَدَّ الحَرُّ. يَفْتِنُونَهم عَنْ دِينِهِمْ. فَمِنهم مَن يَفْتَتِنُ مِن شِدَّةِ البَلاءِ الَّذِي يُصِيبُهُ. ومِنهم مَن يَصْلُبُ لَهم ويَعْصِمُهُ اللَّهُ مِنهم. وكانَ بِلالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَبْدًا لِبَعْضٍ بَنِي جُمَحَ، يُخْرِجُهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، إذا حَمِيَتِ الظَّهِيرَةُ، فَيَطْرَحُهُ عَلى ظَهْرِهِ في بَطْحاءِ مَكَّةَ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالصَّخْرَةِ العَظِيمَةِ فَتُوضَعُ عَلى صَدْرِهِ. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: لا تَزالُ هَكَذا حَتّى تَمُوتَ أوْ تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ وتَعْبُدَ اللّاتَ والعُزّى. فَيَقُولُ (وهو في ذَلِكَ البَلاءِ): أحَدٌ، أحَدٌ، حَتّى اشْتَراهُ أبُو بَكْرٍ وأعْتَقَهُ.
«وكانَتْ بَنُو مَخْزُومٍ يَخْرُجُونَ بِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وبِأبِيهِ وأُمِّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، إذا حَمِيَتِ الظَّهِيرَةُ يُعَذِّبُونَهم بِرَمْضاءِ مَكَّةَ، فَيَمُرُّ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُ: «صَبْرًا آلَ ياسِرٍ، مَوْعِدُكُمُ الجَنَّةُ»» فَأمّا أُمُّهُ فَقَتَلُوها وهي تَأْبى إلّا الإسْلامَ.
(p-٣٨٦٥)قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أكانَ المُشْرِكُونَ يَبْلُغُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَذابِ ما يُعْذَرُونَ بِهِ في تَرْكِ دِينِهِمْ ؟ قالَ: نَعَمْ. واللَّهِ ! إنْ كانُوا لَيَضْرِبُونَ أحَدَهم ويُجِيعُونَهُ ويُعَطِّشُونَهُ، حَتّى ما يَقْدِرُ عَلى أنْ يَسْتَوِيَ جالِسًا مِن شِدَّةِ الضَّرْبِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ، حَتّى يُعْطِيَهم ما سَألُوهُ مِنَ الفِتْنَةِ. حَتّى يَقُولُوا لَهُ: اللّاتُ والعُزّى إلَهُكَ مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. حَتّى إنَّ الجُعَلَ لَيَمُرُّ بِهِمْ فَيَقُولُونَ لَهُ: هَذا الجُعَلُ إلَهُكَ مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمِ؛ افْتِداءً مِنهم، مِمّا يَبْلُغُونَ مِن جَهْدِهِ.
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ في (السِّيرَةُ) في بَحْثِ (عُدْوانُ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ مِمَّنْ أسْلَمَ بِالأذى والفِتْنَةِ) غَرائِبَ في هَذا البابِ، فانْظُرْهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولِهَذا اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ المُكْرَهَ عَلى الكُفْرِ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُوالِيَ؛ إبْقاءً لِمُهْجَتِهِ. ويَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْبى، كَما كانَ بِلالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْبى عَلَيْهِمْ، وهم يَفْعَلُونَ بِهِ الأفاعِيلَ، وهو يَقُولُ: أحَدٌ، أحَدٌ. ويَقُولُ: واللَّهِ ! لَوْ أعْلَمُ كَلِمَةً أغْيَظُ لَكم مِنها لَقُلْتُها. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضاهُ. وكَذَلِكَ حَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، لَمّا قالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ: أتَشَهَّدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: لا أسْمَعُ. فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إرْبًا إرْبًا، وهو ثابِتٌ عَلى ذَلِكَ.
ورَوى الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ السَّهْمِيِّ، أحَدِ الصَّحابَةِ، أنَّهُ أسَرَتْهُ الرُّومُ، فَجاءُوا بِهِ إلى مِلْكِهِمْ. فَقالَ لَهُ: تَنَصَّرْ وأنا أُشْرِكُكَ في مُلْكِي وأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي. فَقالَ لَهُ: لَوْ أعْطَيْتَنِي جَمِيعَ ما تَمْلِكُ وجَمِيعَ ما تَمْلِكُهُ العَرَبُ، عَلى أنْ أرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ما فَعَلْتُ. فَقالَ: إذًا أقْتُلَكَ. فَقالَ: أنْتَ وذاكَ. فَأمَرَ بِهِ فَصُلِبَ. وأمَرَ الرُّماةَ فَرَمَوْهُ قَرِيبًا مِن يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، وهو يَعْرِضُ عَلَيْهِ دِينَ النَّصْرانِيَّةِ فَيَأْبى. ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ.
(p-٣٨٦٦)ثُمَّ أمَرَ بِقِدْرٍ فَأُحْمِيَتْ. وجاءَ بِأسِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَألْقاهُ وهو يَنْظُرُ، فَإذا هو عِظامٌ تَلُوحُ، وعَرَضَ عَلَيْهِ فَأبى. فَأمَرَ بِهِ أنْ يُلْقى فِيها. فَرَفَعَ بِالبَكَرَةِ لِيُلْقى فِيها فَبَكى. فَطَمِعَ فِيهِ ودَعاهُ، فَقالَ: إنِّي إنَّما بَكَيْتُ لِأنَّ نَفْسِي إنَّما هي نَفْسٌ واحِدَةٌ، تُلْقى في هَذا القَدَرِ السّاعَةَ. فَأحْبَبْتُ أنْ يَكُونَ لِي بِعَدَدِ كُلِّ شَعْرَةٍ في جَسَدِي، نَفْسٌ تُعَذَّبُ هَذا العَذابَ في اللَّهِ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ: أنَّهُ سَجَنَهُ ومَنَعَهُ الطَّعامَ والشَّرابَ أيّامًا. ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْهِ بِخَمْرٍ ولَحْمِ خِنْزِيرٍ فَلَمْ يَقْرَبْهُ. ثُمَّ اسْتَدْعاهُ فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَأْكُلَ ؟ فَقالَ: أمّا هو فَقَدْ حَلَّ لِي. ولَكِنْ لَمْ أكُنْ لِأُشْمِتَكَ فِيَّ. فَقالَ لَهُ المَلِكُ: فَقَبِّلْ رَأْسِي وأنا أُطَلِّقُكَ وأُطْلِقُ جَمِيعَ أسارى المُسْلِمِينَ. قالَ: فَقَبَّلَ رَأْسَهُ. وأطْلَقَ مَعَهُ جَمِيعَ أسارى المُسْلِمِينَ عِنْدَهُ. فَلَمّا رَجَعَ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: حَقٌّ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ، وأنا أبْدَأُ فَقامَ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
16:110Page 279
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٠
Then, indeed your Lord, to those who emigrated after they had been compelled [to say words of disbelief] and thereafter fought [for the cause of Allāh] and were patient - indeed, your Lord, after that, is Forgiving and Merciful
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٠] ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بَيانٌ لِلَّذِينِ كانُوا مُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ، مُهانِينَ في قَوْمِهِمْ، وافَقُوهم عَلى الفِتْنَةِ ظاهِرًا، ثُمَّ أمْكَنَهُمُ الخَلاصُ بِالهِجْرَةِ، فَتَرَكُوا بِلادَهم وأهالِيَهم وأمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ وغُفْرانِهِ، وجاهَدُوا الكافِرِينَ وصَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الجِهادِ. أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ مِن بَعْدِ الفِتْنَةِ المَذْكُورَةِ، أيْ: إجابَتِهِمْ إلَيْها: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَيَغْفِرُ لَهم ما فَرَطَ مِنهم ويَرْحَمُهم بِالجَزاءِ الحَسَنِ.
والجارُّ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والخَبَرُ لِـ (إنَّ) الأُولى. والثّانِيَةُ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. أوْ لِلثّانِيَةِ وخَبَرُ الأُولى مُقَدَّرٌ، وشَمِلَ قَوْلُهُ: ﴿هاجَرُوا﴾ (p-٣٨٦٧)مَن هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ مِن مَكَّةَ فِرارًا بِدِينِهِ مِنَ الفِتْنَةِ، ومَن هاجَرَ بَعْدُ إلى المَدِينَةِ كَذَلِكَ. كَما شَمِلَ قَوْلُهُ: ﴿جاهَدُوا﴾ في بَثِّ الحَقِّ ونَشْرِ كَلِمَةِ الإيمانِ والدِّفاعِ عَنْهُ. أوْ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، ولِأجْلِ هَذا الِاحْتِمالِ في الفِعْلَيْنِ قِيلَ: الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى:
16:111Page 280
۞ يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١١١
On the Day when every soul will come disputing [i.e., pleading] for itself, and every soul will be fully compensated for what it did, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١١] ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ مَنصُوبٌ بِـ (رَحِيمٌ) أوْ بِـ (اذْكُرْ) واليَوْمُ يَوْمُ القِيامَةِ. ومَعْنى: ﴿تُجادِلُ﴾ أيْ: تُحاجُّ وتَسْعى في خَلاصِها. لا يُهِمُّها إلّا ذاتُها وشَأْنُها. ولا يُغْنِي عَنْها مالٌ ولا أبٌ ولا ابْنٌ ولا شَيْءٌ ما: ﴿وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أيْ: مِن خَيْرٍ وشَرٍّ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى:
16:112–113Page 280
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١١٢
And Allāh presents an example: a city [i.e., Makkah] which was safe and secure, its provision coming to it in abundance from every location, but it denied the favors of Allāh. So Allāh made it taste the envelopment of hunger and fear for what they had been doing.
وَلَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡهُمۡ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١١٣
And there had certainly come to them a Messenger from among themselves, but they denied him; so punishment overtook them while they were wrongdoers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٢-١١٣] ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٣] .
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٣]
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا هَدَّدَ الكَفّارَ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ، أنْذَرَهم بِنِقْمَتِهِ في الدُّنْيا أيْضًا بِالجُوعِ والخَوْفِ. ومَعْنى (p-٣٨٦٨)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً﴾ أيْ: جَعَلَ القَرْيَةَ الَّتِي هَذِهِ حالُها مَثَلًا لِكُلِّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ، فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا، فَأنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ نِقْمَتَهُ. فَيَدْخُلُ فِيهِمْ أهْلُ مَكَّةَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أوْ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ، وهم أهْلُ مَكَّةَ. والقَرْيَةُ إمّا مُقَدَّرَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ غَيْرُ مَعَيَّنَةٍ؛ إذْ لا يَلْزَمُ وُجُودُ المُشَبَّهِ بِهِ. أوْ مُعَيَّنَةٌ مِن قُرى الأوَّلِينَ. وقَدْ ضُمِّنَ (ضَرَبَ) مَعْنى (جَعَلَ) و(مَثَلًا) مَفْعُولٌ ثانٍ، و(قَرْيَةً) مَفْعُولٌ أوَّلُ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وتَأْخِيرُ (قَرْيَةً) مَعَ كَوْنِها مَفْعُولًا أوَّلَ؛ لِئَلّا يَحُولُ المَفْعُولُ الثّانِي بَيْنَها وبَيْنَ صِفَتِها وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها؛ إذِ التَّأْخِيرُ عَنِ الكُلِّ مُخِلٌّ بِتَجاذُبِ أطْرافِ النَّظْمِ وتَجاوُبِها. ولِأنَّ تَأْخِيرَ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ مِمّا يُورِثُ النَّفْسَ تَرَقُّبًا لِوُرُودِهِ، وتَشَوُّقًا إلَيْهِ. لا سِيَّما إذا كانَ في المُقَدَّمِ ما يَدْعُو إلَيْهِ. فَإنَّ المَثَلَ مِمّا يَدْعُو إلى المُحافَظَةِ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِ ما هو مَثَلٌ. فَيَتْمَكَنَّ المُؤَخَّرُ عِنْدَ وُرُودِهِ لَدَيْها فَضْلَ تَمَكُّنٍ. والمُرادُ بِالقَرْيَةِ: أهْلُها مَجازًا، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. ومَعْنى كَوْنِها: ﴿آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ أنَّهُ لا يُزْعِجُها خَوْفٌ. و(الرَّغَدُ) الواسِعُ. و(الأنْعَمُ) جَمْعُ نِعْمَةٍ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ شَبَّهَ أثَرَ الجُوعِ والخَوْفِ وضَرَرَهُما المُحِيطَ بِهِمْ، بِاللِّباسِ الغاشِي لِلّابِسِ. فاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ، وأوْقَعَ عَلَيْهِ الإذاقَةَ المُسْتَعارَةَ؛ لِمُطْلَقِ الإيصالِ المُنْبِئَةِ عَنْ شِدَّةِ الإصابَةِ، بِما فِيها مِنِ اجْتِماعِ إدْراكَيِ اللّامِسَةِ والذّائِقَةِ، عَلى نَهْجِ التَّجْرِيدِ. فَإنَّها لِشُيُوعِ اسْتِعْمالِها في ذَلِكَ، وكَثْرَةِ جَرَيانِها عَلى الألْسِنَةِ جَرَتْ مَجْرى الحَقِيقَةِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مَثَلٌ أُرِيدَ بِهِ أهْلُ مَكَّةَ. فَإنَّها كانَتْ آمِنَةً مُطَمْئِنَةً مُسْتَقِرَّةً، يُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِها، ومَن دَخَلَها كانَ آمِنًا لا يَخافُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ (p-٣٨٦٩)شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا﴾ [القصص: ٥٧] وهَكَذا قالَ ها هُنا، و: ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا﴾ أيْ: هَنِيئًا سَهْلًا: ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ أيْ: جَحَدَتْ آلاءَ اللَّهِ عَلَيْها، وأعْظَمُها بِعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ إلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ [إبراهيم: ٢٩] ولِهَذا بَدَّلَهُمُ اللَّهُ بِحالَيْهِمُ الأوَّلَيْنِ خِلافَهُما، فَقالَ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ أيْ: ألْبَسَها وأذاقَها الجُوعَ بَعْدَ أنْ كانَ يُجْبى إلَيْهِمْ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ويَأْتِيها رِزْقُها مِن كُلِّ مَكانٍ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتَعْصَوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبَوْا إلّا خِلافَهُ، فَدَعا عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأصابَتْهم سَنَةٌ أذْهَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ لَهم، فَأكَلُوا العِلْهِزَ: ) هو وبَرُ البَعِيرِ يُخْلَطُ بِدَمِهِ إذا نُحِرَ ) وقَوْلُهُ: ﴿والخَوْفِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم بَدَّلُوا بِأمْنِهِمْ خَوْفًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ حِينَ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ، مِن سَطْوَتِهِ وسَراياهُ وجُيُوشِهِ، وجَعَلَ كُلَّ ما لَهم في دَمارٍ وسَفالٍ. حَتّى فَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وذَلِكَ بِسَبَبِ صَنِيعِهِمْ وبَغْيِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ فِيهِمْ مِنهم. وامْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآيَةَ. وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْـزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ [الطلاق: ١٠] ﴿رَسُولا﴾ [الطلاق: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٥١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وكَمًّا أنَّهُ انْعَكَسَ عَلى الكافِرِينَ حالُهم فَخافُوا بَعْدَ الأمْنِ، وجاعُوا بَعْدَ الرَّغَدِ؛ بَدَّلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا، ورَزَقَهم بَعْدَ العَيْلَةِ، وجَعَلَهم أُمَراءَ النّاسِ وحُكّامَهم وسادَتَهم وقادَتَهم وأئِمَّتَهُمُ. انْتَهى.
16:114Page 280
فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١١٤
Then eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And be grateful for the favor of Allāh, if it is [indeed] Him that you worship.
(p-٣٨٧٠)ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ضَلالَ المُشْرِكِينَ في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ وغَيْرِها، مُفَصِّلًا ما حَرَّمَهُ مِمّا لَيْسَ فِيهِ كانُوا يُحَرِّمُونَهُ بِأهْوائِهِمْ. وهو مَأْذُونٌ بِأكْلِهِ كَما قالَ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٤] ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ: ﴿حَلالا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: تُرِيدُونَ عِبادَتَهُ فاسْتَحَلُّوها، فَإنَّ عِبادَتَهُ في تَحْلِيلِها. واشْكُرُوهُ فَإنَّهُ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ بِذَلِكَ وحْدَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، مِمّا فِيهِ مَضَرَّةٌ لَهم في دِينِهِمْ ودُنْياهم، بِقَوْلِهِ:
16:115Page 280
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٥
He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٥] ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْـزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْـزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أيْ: ذُبِحَ عَلى اسْمِ غَيْرِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أيْ: أُجْهِدَ إلى ما حَرَّمَ اللَّهُ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ أيْ: مُتَعَدٍّ قَدْرَ الضَّرُورَةِ وسَدِّ الرَّمَقِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: فَلا يُؤاخِذُهُ بِذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِما فِيهِ كِفايَةٌ. فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
ثُمَّ نَهى تَعالى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَلَّلُوا وحَرَّمُوا بِمُجَرَّدِ ما وصَفُوهُ واصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الأسْماءِ بِآرائِهِمْ، في البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِي وغَيْرِها، مِمّا كانَ شَرْعًا لَهُمُ ابْتَدَعُوهُ في جاهِلِيَّتِهِمْ، فَقالَ:
(p-٣٨٧١)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences