Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:116–128
16:116–117Page 280
وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ١١٦
And do not say about what your tongues assert of untruth, "This is lawful and this is unlawful," to invent falsehood about Allāh. Indeed, those who invent falsehood about Allāh will not succeed.
مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١٧
[It is but] a brief enjoyment, and they will have a painful punishment.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٦-١١٧] ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧] .
﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧]
أيْ: لا تَقُولُوا الكَذِبَ لِما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم مِنَ البَهائِمِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ في قَوْلِكم: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩] مِن غَيْرِ اسْتِنادِ ذَلِكَ الوَصْفِ إلى وحْيٍ مِنَ اللَّهِ. فَـ (الكَذِبَ) مَفْعُولُ (تَقُولُوا) وقَوْلُهُ: ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلٌ مِنَ (الكَذِبَ) واللّامُ صِلَةٌ لِلْقَوْلِ، كَما يُقالُ: لا تَقُلْ لِلنَّبِيذِ إنَّهُ حَلالٌ، أيْ: في شَأْنِهِ وحَقِّهِ. فَهي لِلِاخْتِصاصِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ مُجَرَّدُ قَوْلٍ بِاللِّسانِ، لا حُكْمٍ مُصَمَّمٍ عَلَيْهِ. أوْ: ﴿هَذا حَلالٌ﴾ مَفْعُولُ (تَقُولُوا) و(الكَذِبَ) مَفْعُولُ (تَصِفُ) واللّامُ في: ﴿لِما تَصِفُ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ. ومَعْنى تَصِفُ: تَذْكُرُ. وقَوْلُهُ: ﴿لِتَفْتَرُوا﴾ بَدَلٌ مِنَ التَّعْلِيلِ الأوَّلِ. أيْ: لا تَقُولُوا: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِأجْلِ وصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ، أيْ: لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم مِن غَيْرِ حُجَّةٍ. ولَيْسَ بِتَكْرارٍ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ لِأنَّ هَذا لِإثْباتِ الكَذِبِ مُطْلَقًا، وذَلِكَ لِإثْباتِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ. فَهو إشارَةٌ إلى أنَّهم، لِتَمَرُّنِهِمْ عَلى الكَذِبِ، اجْتَرَؤُوا عَلى الكَذِبِ عَلى اللَّهِ، فَنَسَبُوا ما حَلَّلُوهُ وحَرَّمُوهُ إلَيْهِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ - كَوْنُ الكَذِبِ مَفْعُولَ (تَصِفُ) - فَفي وصْفِ ألْسِنَتِهِمُ الكَذِبَ مُبالَغَةٌ في وصْفِ كَلامِهِمْ بِالكَذِبِ؛ لِجَعْلِهِ عَيْنَ الكَذِبِ. تَرْقى عَنْها إلى أنْ خُيِّلَ أنَّ ماهِيَّةَ الكَذِبِ كانَتْ مَجْهُولَةً، (p-٣٨٧٢)حَتّى كَشَفَ كَلامُهم عَنْ ماهِيَّةِ الكَذِبِ وأوْضَحَها، فَـ (تَصِفُ) بِمَعْنى تُوَضِّحُ. فَهو بِمَنزِلَةِ الحَدِّ والتَّعْرِيفِ الكاشِفِ عَنْ ماهِيَّةِ الكَذِبِ. فالتَّعْرِيفُ في الكَذِبِ لِلْجِنْسِ. كَأنَّ ألْسِنَتَهم إذا نَطَقَتْ كَشَفَتْ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ المَعَرِّي:
؎سَرى بَرْقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهَنٍ فَباتَ بَرّامَةً يَصِفُ الكَلالا
ونَحْوَهُ: (نَهارُهُ صائِمٌ) إذا وُصِفَ اليَوْمُ بِما يُوصَفُ بِهِ الشَّخْصُ؛ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ الفِعْلِ فِيهِ. و(وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ) لِأنَّ وجْهَها لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِالجَمالِ الفائِقِ، صارَ كَأنَّهُ حَقِيقَةُ الجَمالِ ومَنبَعُهُ، الَّذِي يُعْرَفُ مِنهُ. حَتّى كَأنَّهُ يَصِفُهُ ويُعَرِّفُهُ، كَقَوْلِهِ:
؎أضْحَتْ يَمِينُكَ مِن جُودٍ مُصَوَّرَةً ∗∗∗ لا بَلْ يَمِينُكَ مِنها صُوِّرَ الجُودُ
فَهُوَ مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ. أوْ نَقُولُ: إنَّ وجْهَها يَصِفُ الجَمالَ بِلِسانِ الحالِ. فَهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ. كَأنَّهُ يَقُولُ: ما بِي هو الجَمالُ بِعَيْنِهِ، ومِثْلُهُ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ والعَجَمِ. هَذا زُبْدَةُ ما في (شُرُوحُ الكَشّافِ) .
وما في الآيَةِ أبْلَغُ مِنَ المِثالِ المَذْكُورِ، لِما سَمِعْتَ. أفادَهُ في " العِنايَةُ " . واللّامُ في: ﴿لِتَفْتَرُوا﴾ لامُ الصَّيْرُورَةِ والعاقِبَةِ المُسْتَعارَةُ مِنَ التَّعْلِيلِيَّةِ؛ إذْ ما صَدَرَ مِنهم لَيْسَ لِأجْلِ هَذا، بَلْ لِأغْراضٍ آخَرَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها ما ذُكِرَ. وجَوَّزَ كَوْنَها تَعْلِيلِيَّةً، وقَصْدُهم لِذَلِكَ غَيْرُ بَعِيدٍ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾ الآيَةَ. وعِيدٌ شَدِيدٌ بِعَدَمِ ظَفَرِهِمْ وفَوْزِهِمْ بِمَطْلُوبٍ يُعْتَدُّ لَهُ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. أمّا في الدُّنْيا، فَلِأنَّ ما يَفْتَرُونَ لِأجْلِهِ مَتاعٌ قَلِيلٌ يَنْقَطِعُ عَنْ قَرِيبٍ. وأمّا في الآخِرَةِ فَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ، كَما قالَ: ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]
تَنْبِيهٌ:
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: يَدْخُلُ في الآيَةِ كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدَعَةٍ لَيْسَ لَهُ فِيها مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ (p-٣٨٧٣)أوْ حَلَّلَ شَيْئًا مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ. أوْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمّا أباحَ اللَّهُ، بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ وتَشَهِّيهِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي نَضْرَةَ قالَ: قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ النَّحْلِ، فَلَمْ أزَلْ أخافُ الفُتْيا إلى يَوْمِي هَذا.
قالَ في (فَتْحُ البَيانِ): صَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ. فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَتَناوَلُ بِعُمُومِ لَفْظِها فُتْيا مَن أفْتى بِخِلافِ ما في كِتابِ اللَّهِ، أوْ في سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما يَقَعُ كَثِيرًا مِنَ المُؤْثِرِينَ لِلرَّأْيِ المُقَدِّمِينَ لَهُ عَلى الرِّوايَةِ، أوِ الجاهِلِينَ بِعِلْمِ الكِتابِ والسَّنَةِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: عَسى رَجُلٌ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ بِكَذا أوْ نَهى عَنْ كَذا. فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: كَذَبْتَ، أوْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ كَذا وأحَلَّ كَذا: فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: كَرِهَ مالِكٌ وقَوْمٌ أنْ يَقُولَ المُفْتِي: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ في المَسائِلِ الِاجْتِهادِيَّةِ، وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ فِيما نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ، ويُقالُ في المَسائِلِ الِاجْتِهادِيَّةِ: إنِّي أكْرَهُ كَذا وكَذا، ونَحْوَ ذَلِكَ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَرَّمَهُ عَلَيْنا مِنَ المَيْتَةِ والدَّمِ إلخ، بَيَّنَ ما كانَ حَرَّمَهُ عَلى اليَهُودِ في شَرِيعَتِهِمْ مِمّا لَيْسَ فِيهِ أيْضًا شَيْءٌ مِمّا حَرَّمَهُ المُشْرِكُونَ؛ تَحْقِيقًا لِافْتِرائِهِمْ بِأنَّ ما حَظَرُوهُ لا سَنَدَ لَهُ في شَرِيعَةٍ سابِقَةٍ ولا لاحِقَةٍ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
16:118–119Page 280
وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا مَا قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُۖ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٨
And to those who are Jews We have prohibited that which We related to you before.1 And We did not wrong them [thereby], but they were wronging themselves.
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ ١١٩
Then, indeed your Lord, to those who have done wrong out of ignorance and then repent after that and correct themselves - indeed, your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١٨-١١٩] ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩] .
﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ يَعْنِي اليَهُودَ: ﴿حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: (p-٣٨٧٤)فِي سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] الآيَةَ ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ أيْ: فِيما حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: فاسْتَحَقُّوا ذَلِكَ. كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠] وقَدْ سَلَفَ لَنا ما ذَكَرُوهُ في تَفْسِيرِها مِمّا يَجِيءُ هُنا، فَتَذَكَّرْ. قالُوا: في الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ في التَّحْرِيمِ. فَإنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْها إلّا ما فِيهِ مَضَرَّةٌ لَها. وغَيْرُهم قَدْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ ما لا ضَرَرَ فِيهِ، عُقُوبَةً لَهم بِالمَنعِ، كاليَهُودِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عَظِيمَ فَضْلِهِ في قَبُولِ تَوْبَةِ مَن تابَ مِنَ العُصاةِ بِقَوْلِهِ:
﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا﴾ [النحل: ١١٩] أيِ: العَمَلَ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ [النحل: ١١٩] أيِ: التَّوْبَةِ: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩]
ثُمَّ نَوَّهَ تَعالى بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، دُعاءً لَهم إلى سُلُوكِ طَرِيقَتِهِ في التَّوْحِيدِ، ورَفْضِ الوَثَنِيَّةِ، وتَبْرِئَةً لِمَقامِهِ، مِمّا كانُوا يَفْتَرُونَ عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
16:120–121Page 281
إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٠
Indeed, Abraham was a [comprehensive] leader,1 devoutly obedient to Allāh, inclining toward truth, and he was not of those who associate others with Allāh.
شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ ٱجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٢١
[He was] grateful for His favors. He [i.e., Allāh] chose him and guided him to a straight path.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٠-١٢١] ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] .
﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ أيْ: إمامًا يُقْتَدى بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] أوْ كانَ وحْدَهُ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ؛ لِاسْتِجْماعِهِ كَمالاتٍ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِ: ﴿قانِتًا لِلَّهِ﴾ أيْ: خاشِعًا مُطِيعًا لَهُ، قائِمًا بِما أمَرَهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ باطِلٍ إلى الدِّينِ الحَقِّ: ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢١] أيْ: قائِمًا بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، مُسْتَعْمِلًا لَها عَلى (p-٣٨٧٥)الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] أيْ: قامَ بِجَمِيعِ ما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ: ﴿اجْتَباهُ﴾ [النحل: ١٢١] أيِ: اخْتارَهُ واصْطَفاهُ لِلنُّبُوَّةِ: ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] وهو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، عَلى شَرْعٍ مَرْضِيٍّ.
16:122–123Page 281
وَءَاتَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٢٢
And We gave him good in this world, and indeed, in the Hereafter he will be among the righteous.
ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٣
Then We revealed to you, [O Muḥammad], to follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of those who associate with Allāh.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٢-١٢٣] ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] .
﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ: مِنَ الذِّكْرِ الجَمِيلِ، كَما قالَ: ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠] ومِنَ الصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] ومِن تَمْتِيعِهِ بِالحُظُوظِ لِيَتَقَوّى عَلى القِيامِ بِحُقُوقِ العُبُودِيَّةِ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ﴾ أيْ: في عالَمِ الأرْواحِ: ﴿لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيِ: المُتَمَكِّنِينَ في مَقامِ الِاسْتِقامَةِ، بِإيفاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، الَّذِينَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلْيا في الجَنَّةِ.
﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] أيْ: بَعْدَ هَذِهِ الكَراماتِ والحَسَناتِ الَّتِي أعْطَيْناهُ إيّاها في الدّارَيْنِ، شَرَّفْناهُ وكَرَّمْناهُ بِأمْرِنا، بِاتِّباعِكَ إيّاهُ في التَّوْحِيدِ وأُصُولِ الدِّينِ الَّتِي لا تَتَغَيَّرُ في الشَّرائِعِ. كَأمْرِ المَبْدَأِ والمَعادِ والحَشْرِ والجَزاءِ وأمْثالِها، لا في فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وأوْضاعِها وأحْكامِها، فَإنَّها تَتَغَيَّرُ بِحَسَبِ المَصالِحِ واخْتِلافِ الأزْمِنَةِ والطَّبائِعِ، وما عَلَيْهِ أحْوالُ النّاسِ مِنَ العاداتِ والخَلائِقِ. قالَهُ القاشانِيُّ.
وفِي (الإكْلِيلُ): اسْتَدَلَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ الخِتانِ، وما كانَ مِن شَرْعِهِ، ولَمْ يَرِدْ بِهِ ناسِخٌ.
(p-٣٨٧٦)لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في: { ثُمَّ } هَذِهِ ما فِيها مِن تَعْظِيمِ مَنزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإجْلالِ مَحَلِّهِ، والإيذانِ بِأنَّ أشْرَفَ ما أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ إبْراهِيمُ ﷺ مِنَ الكَرامَةِ، وأجَلَّ ما أُولِيَ مِنَ النِّعْمَةِ؛ اتِّباعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِلَّتَهُ، مِن قَبْلِ أنَّها دَلَّتْ عَلى تَباعُدِ هَذا النَّعْتِ في المَرْتَبَةِ، مِن بَيْنِ سائِرِ النُّعُوتِ الَّتِي أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها.
قالَ النّاصِرُ: وإنَّما تُفِيدُ ذَلِكَ: { ثُمَّ } لِأنَّها في أصْلِ وضْعِها لِتَراخِي المَعْطُوفِ عَلَيْهِ في الزَّمانِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في تَراخِيهِ عَنْهُ في عُلُوِّ المَرْتَبَةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ المَعْطُوفُ عَلى رُتْبَتِهِ أشْمَخَ مَحَلًّا مِمّا عُطِفَ عَلَيْهِ. فَكَأنَّهُ بَعْدَ أنْ عَدَّدَ مَناقِبَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ تَعالى وها هُنا ما هو أعْلى مِن ذَلِكَ كُلِّهِ قَدْرًا، وأرْفَعُ رُتْبَةً، وأبْعَدُ رِفْعَةً، وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ الأُمِّيَّ، الَّذِي هو سَيِّدُ البَشَرِ، مُتَّبِعٌ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، مَأْمُورٌ بِاتِّباعِهِ بِالوَحْيِ، مَتْلُوًّا أمْرُهُ بِذَلِكَ في القُرْآنِ العَظِيمِ. فَفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لَهُما جَمِيعًا. لَكِنَّ نَصِيبَ النَّبِيِّ ﷺ مِن هَذا التَّعْظِيمِ أوْفَرُ وأكْبَرُ، عَلى ما مَهَّدْناهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
16:124Page 281
إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبۡتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٢٤
The sabbath was only appointed for those who differed over it. And indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٤] ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ .
﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ، فَرَضَ عَلَيْهِمْ تَقْدِيسَهُ وإراحَةَ أنْفُسِهِمْ ودَوابِّهِمْ فِيهِ مِنَ الأعْمالِ. فاعْتَدَوْا فِيهِ واحْتالُوا لِحِلِّهِ.
قالَ القاشانِيُّ: أيْ: ما فَرَضَ عَلَيْكَ، إنَّما فَرَضَ عَلَيْهِمْ. فَلا يَلْزَمُكَ اتِّباعُ مُوسى في ذَلِكَ، بَلِ اتِّباعُ إبْراهِيمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: بِالمُجازاةِ عَلى اخْتِلافِهِمْ، يَعْنِي إفْسادَهم وزَيْغَهم عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.
16:125Page 281
ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٢٥
Invite to the way of your Lord with wisdom and good instruction, and argue with them in a way that is best. Indeed, your Lord is most knowing of who has strayed from His way, and He is most knowing of who is [rightly] guided.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أدَبَ الدَّعْوَةِ إلى دِينِهِ الحَقِّ، بِقَوْلِهِ:
(p-٣٨٧٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٥] ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ .
﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ أيْ: بِالمَقالَةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ. وهو الدَّلِيلُ المُوَضِّحُ لِلْحَقِّ، المُزِيحُ لِلشُّبْهَةِ: ﴿والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ أيِ: العِبَرِ اللَّطِيفَةِ والوَقائِعِ المُخِيفَةِ، لِيَحْذَرُوا بَأْسَهُ تَعالى: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: جادِلْ مُعانَدِيهِمْ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ، مِنَ الرِّفْقِ واللِّينِ، وحُسْنِ الخِطابِ، مِن غَيْرِ عُنْفٍ، فَإنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في تَسْكِينِ لَهَبِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ: عَلَيْكَ البَلاغُ والدَّعْوَةُ بِالصِّفَةِ المُبَيَّنَةِ، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلى مَن ضَلَّ مِنهم حَسَراتٍ، فَإنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم؛ لِأنَّهُ هو أعْلَمُ بِمَن يَبْقى عَلى الضَّلالِ وبِمَن يَهْتَدِي إلَيْهِ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما بِما يَسْتَحِقُّهُ. أوِ المَعْنى: اسْلُكْ في الدَّعْوَةِ والمُناظَرَةِ الطَّرِيقَةَ المَذْكُورَةَ. فَإنَّ اللَّهَ تَعالى هو أعْلَمُ بِحالِ مَن لا يَرْعَوِي عَنِ الضَّلالِ بِمُوجِبِ اسْتِعْدادِهِ المُكْتَسَبِ. وبِحالِ مَن يَصِيرُ أمْرُهُ إلى الِاهْتِداءِ لِما فِيهِ مِن خَيْرٍ جِبِلِّيٍّ. فَما شَرَعَهُ لَكَ في الدَّعْوَةِ، هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ. فَإنَّهُ كافٍ في هِدايَةِ المُهْتَدِينَ وإزالَةِ عُذْرِ الضّالِّينَ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
تَنْبِيهٌ:
دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ عَلى الحَثِّ عَلى الإنْصافِ في المُناظَرَةِ، واتِّباعِ الحَقِّ، والرِّفْقِ والمُداراةِ، عَلى وجْهٍ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّ القَصْدَ إثْباتُ الحَقِّ وإزْهاقُ الباطِلِ، وأنْ لا غَرَضَ سِواهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
(p-٣٨٧٨)
16:126Page 281
وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ ١٢٦
And if you punish [an enemy, O believers], punish with an equivalent of that with which you were harmed.1 But if you are patient - it is better for those who are patient.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٦] ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ .
﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ أيِ: الزَمُوا سَيْرَةَ العَدالَةِ، لا تُجاوِزُوها. فَإنَّها أقَلُّ دَرَجاتِ كَمالِكم. فَإنْ كانَ لَكم قَدَمٌ في الفُتُوَّةِ، وعِرْقٌ راسِخٌ في الفَضْلِ والكَرَمِ والمُرُوءَةِ؛ فاتْرُكُوا الِانْتِصارَ والِانْتِقامَ مِمَّنْ جَنى عَلَيْكم، وعارِضُوهُ بِالعَفْوِ مَعَ القُدْرَةِ، واصْبِرُوا عَلى الجِنايَةِ، فَإنَّهُ: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ ألا تَراهُ كَيْفَ أكَّدَهُ بِالقَسَمِ واللّامِ في جَوابِهِ، وتَرَكَ المُضْمَرَ إلى المَظْهَرِ حَيْثُ ما قالَ: (لَهو خَيْرٌ لَكم) بَلْ قالَ: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالمَدْحِ والتَّعْظِيمِ بِصِفَةِ الصَّبْرِ. فَإنَّ الصّابِرَ تَرَقّى عَنْ مَقامِ النَّفْسِ وقابَلَ فِعْلَ نَفْسِ صاحِبِهِ بِصِفَةِ القَلْبِ. فَلَمْ يَتَكَدَّرْ بِظُهُورِ صِفَةِ النَّفْسِ. وعارَضَ ظُلَمَةَ نَفْسِ صاحِبِهِ بِنُورِ قَلْبِهِ. فَكَثِيرًا ما يَنْدَمُ ويَتَجاوَزُ عَنْ مَقامِ النَّفْسِ. وتَنْكَسِرُ سَوْرَةُ غَضَبِهِ فَيَصْلُحُ. وإنْ لَمْ يَكُنْ لَكم هَذا المَقامُ الشَّرِيفُ، فَلا تُعاقِبُوا المُسِيءَ بِسَوْرَةِ الغَضَبِ بِأكْثَرَ مِمّا جَنى عَلَيْكم فَتَظْلِمُوا، أوْ تَتَوَرَّطُوا بِأقْبَحِ الرَّذائِلِ وأفْحَشِها، فَيَفْسَدَ حالُكم ويَزِيدَ وبالُكم عَلى وبالِ الجانِي. أفادَهُ القاشانِيُّ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: في (الإكْلِيلُ): قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: في الآيَةِ جَوازُ المُماثَلَةِ في القِصاصِ خِلافًا لِمَن قالَ: لا قَوْدَ إلّا بِالسَّيْفِ. ويَسْتَدِلُّ بِها لِمَسْألَةِ الظَّفَرِ، كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ والنَّخَعِيِّ؛ أنَّهُما اسْتَدَلّا بِها عَلَيْها. ولَفْظُ النَّخَعِيِّ: سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَخُونُ الرَّجُلَ ثُمَّ يَقَعُ لَهُ في يَدِهِ الدَّراهِمُ ؟ قالَ: إنْ شاءَ ذَهَبَ مِن دَراهِمِهِ بِمِثْلِ ما خانَهُ. ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. ولَفْظُ ابْنِ سِيرِينَ: إنْ أخَذَ مِنكم رَجُلٌ شَيْئًا، فَخُذُوا مِثْلَهُ.
(p-٣٨٧٩)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكَذا قالَ مُجاهِدٌ وإبْراهِيمُ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وغَيْرُهم، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. فَعُمُومُها يَشْمَلُ العَدْلَ في القِصاصِ والمُماثَلَةِ في اسْتِيفاءِ الحَقِّ.
الثّانِي: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ بَعْضِ أصْحابِهِ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النَّحْلِ كُلُّها بِمَكَّةَ. وهي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ، «حِينَ قُتِلَ حَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومُثِّلَ بِهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَئِنْ أظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ بِثَلاثِينَ رَجُلًا مِنهم» . فَلَمّا سَمِعَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ قالُوا: واللَّهِ ! لَئِنْ أظْهَرَنا اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْها أحَدٌ مِنَ العَرَبِ بِأحَدٍ قَطُّ. فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ هَذِهِ، إلى آخِرِ السُّورَةِ» .
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مُرْسَلٌ وفِيهِ مُبْهَمٌ لَمْ يُسَمَّ. ورَواهُ الحافِظُ البَزّارُ مِن وجْهٍ آخَرَ مَوْصُولًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَفَ عَلى حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ اسْتُشْهِدَ، فَنَظَرَ إلى مَنظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ أوْجَعَ لِلْقَلْبِ مِنهُ، وقَدْ مُثِّلَ بِهِ. فَقالَ: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ. إنْ كُنْتَ لِما عَلِمْتُ، لَوَصُولًا لِلرَّحِمِ، فَعُولًا لِلْخَيْراتِ. واللَّهِ لَوْلا حُزْنُ مَن بَعْدَكَ عَلَيْكَ، لَسَرَّنِي أنْ أتْرُكَكَ حَتّى يَحْشُرَكَ اللَّهُ مِن بُطُونِ السِّباعِ. (أوْ كَلِمَةً نَحْوَها) . أما واللَّهِ ! عَلى ذَلِكَ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ كَمُثْلَتِكَ» . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَكَفَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَعْنِي عَنْ يَمِينِهِ، وأمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا إسْنادٌ فِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّ صالِحًا (أحَدَ رُواتِهِ) هو ابْنُ بَشِيرٍ المُرِّيِّ، ضَعِيفٌ عِنْدَ الأئِمَّةِ. وقالَ البُخارِيُّ: هو مُنْكَرُ الحَدِيثِ. ورَوى عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الإمامِ أحْمَدَ في مُسْنَدِ أبِيهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ قُتِلَ مِنَ الأنْصارِ سِتُّونَ رَجُلًا ومِنَ المُهاجِرِينَ سِتَّةٌ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَئِنْ كانَ لَنا يَوْمٌ مِثْلَ هَذا مِنَ المُشْرِكِينَ لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ. فَلَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ قالَ رَجُلٌ: لا تُعْرَفُ قُرَيْشٌ بَعْدَ اليَوْمِ. فَنادى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أمَّنَ الأسْوَدَ والأبْيَضَ إلّا فُلانًا وفُلانًا - ناسًا سَمّاهم - فَنَزَلَتِ الآيَةُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَصْبِرُ ولا نُعاقِبُ»» .
(p-٣٨٨٠)أقُولُ: بِمَعْرِفَةِ ما قَدَّمْنا مِن مَعْنى سَبَبِ النُّزُولِ - في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ - يَعْلَمُ أنْ لا حاجَةَ إلى الذَّهابِ إلى أنَّها مَدَنِيَّةٌ أُلْحِقَتْ بِالسُّورَةِ؛ ولا إلى ما رُوِيَ مِن هَذِهِ الآثارِ؛ إذْ بِهِ يَتَّضِحُ عَدَمُ التَّنافِي، والتِقاءُ الآثارِ مَعَ الآيَةِ فَتَذَكَّرْهُ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ لَها أمْثالٌ في القُرْآنِ، فَإنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ العَدْلِ والنَّدْبِ إلى الفَضْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] الآيَةَ. وقالَ: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] انْتَهى.
ثُمَّ أكَّدَ تَعالى الأمْرَ بِالصَّبْرِ، لِيُقَوِّيَ الثَّباتَ والِاحْتِمالَ، لِكُلِّ ما يُلاقِيهِ في سَبِيلِ الحَقِّ، بِقَوْلِهِ:
16:127–128Page 281
وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ١٢٧
And be patient, [O Muḥammad], and your patience is not but through Allāh. And do not grieve over them and do not be in distress over what they conspire.
إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ ١٢٨
Indeed, Allāh is with those who fear Him and those who are doers of good.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٧-١٢٨] ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] .
﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ﴾ أيْ: بِمَعُونَتِهِ وتَوْفِيقِهِ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى الكافِرِينَ، أيْ: عَلى كَفْرِهِمْ وعَدَمِ هِدايَتِهِمْ: ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ أيْ: في ضِيقٍ صَدَرَ مِمّا يَمْكُرُونَ مِن فُنُونِ المَكايِدِ
﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ. أيْ: فَإنَّهُ تَعالى كافِيكَ وناصِرُكَ ومُؤَيِّدُكَ ومُظَفِّرُكَ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى مَعَ المُتَّقِينَ والمُحْسِنِينَ بِالمَعُونَةِ والنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ، فَيَحْفَظُهم ويَكْلَؤُهم ويُظْهِرُهم عَلى أعْدائِهِمْ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: (p-٣٨٨١)هَذِهِ مَعِيَّةٌ خاصَّةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] وقَوْلِهِ لِمُوسى وهارُونَ: ﴿لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] وأمّا المَعِيَّةُ العامَّةُ فالسَّمْعُ والبَصَرُ والعِلْمُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا﴾ [المجادلة: ٧]
قالَ أبُو السُّعُودِ: تَكْرِيرُ المَوْصُولِ لِلْإيذانِ بِكِفايَةِ كُلٍّ مِنَ الصِّلَتَيْنِ في وِلايَتِهِ سُبْحانَهُ، مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ إحْداهُما تَتِمَّةً لِلْأُخْرى. وإيرادُ الأُولى فِعْلِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ. كَما أنَّ إيرادَ الثّانِيَةِ اسْمِيَّةً لِإفادَةِ كَوْنِ مَضْمُونِها شِيمَةً راسِخَةً فِيهِمْ. وتَقْدِيمُ التَّقْوى عَلى الإحْسانِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ. والمُرادُ بِالمَوْصُولَيْنِ إمّا جِنْسُ المُتَّقِينَ والمُحْسِنِينَ، وهو ﷺ داخِلٌ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا. وإمّا هو ﷺ ومَن شايَعَهُ. عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ، مَدْحًا لَهم وثَناءً عَلَيْهِمْ بِالنَّعْتَيْنِ الجَمِيلَيْنِ. وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ صَنِيعَهُ ﷺ مُسْتَتْبِعٌ لِاقْتِداءِ الأُمَّةِ بِهِ، كَقَوْلِ مَن قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، عِنْدَ التَّعْزِيَةِ بِأبِيهِ العَبّاسِ:
؎اصْبِرْ نَكُنْ بِكَ صابِرِينَ فَإنَّما صَبْرُ الرَّعِيَّةِ عِنْدَ صَبْرِ الرَّأْسِ
وبَعْدَ هَذا البَيْتِ:
؎خَيْرٌ مِنَ العَبّاسِ أجْرُكَ بَعْدَهُ ∗∗∗ واللَّهُ خَيْرٌ مِنكَ لِلْعَبّاسِ
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما عَزّانِي أحَدٌ مِن تَعْزِيَتِهِ.
وعَنْ هَرِمِ بْنِ حَيّانَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ حِينَ الِاحْتِضارِ: أوْصِ. قالَ: إنَّما الوَصِيَّةُ مِنَ المالِ، فَلا مالَ لِي. وأُوصِيكم بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ. . .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences