Al-QasimiAn‑Nahl · 16:87–102

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:87–102

16:87Page 276

وَأَلۡقَوۡاْ إِلَى ٱللَّهِ يَوۡمَئِذٍ ٱلسَّلَمَۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٨٧

And they will impart to Allāh that Day [their] submission, and lost from them is what they used to invent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٧] ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .

﴿وألْقَوْا﴾ أيْ: وألْقى الَّذِينَ ظَلَمُوا: ﴿إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ أيِ: الِاسْتِسْلامَ لِحُكْمِهِ بَعْدَ إبائِهِمْ في الدُّنْيا: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

أيْ مِن أنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ، وأنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: قَدْ جاءَ إنْكارُهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] والجَوابُ (كَما قالَ القاشانِيُّ): إنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ المَواقِفِ. فالإنْكارُ في المَوْقِفِ الأوَّلِ وقْتَ قُوَّةِ هَيْئاتِ الرَّذائِلِ وشَدَّةِ شَكِيمَةِ النَّفْسِ في الشَّيْطَنَةِ وغايَةِ البُعْدِ عَنِ النُّورِ الإلَهِيِّ، لِلِاحْتِجابِ بِالحُجُبِ الغَلِيظَةِ والغَواشِي المُظْلِمَةِ حَتّى لا يَعْلَمَ أنَّهُ كانَ يَراهُ ويَطَّلِعُ عَلَيْهِ. ونِهايَةُ تَكَدُّرِ نُورِ الفِطْرَةِ حَتّى يُمْكِنَهُ إظْهارُ خِلافِ مُقْتَضاهُ، والِاسْتِسْلامُ في المَوْقِفِ الثّانِي بَعْدَ مُرُورِ أحْقابٍ كَثِيرَةٍ مِن ساعاتِ اليَوْمِ، الَّذِي كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حِينَ زالَتِ الهَيْئاتُ ورَقَّتْ، وضَعُفَتْ شَراشِرُ النَّفْسِ في رَذائِلِها، وقَرُبَ مِن عالَمِ النُّورِ، لِرِقَّةِ الحُجُبِ ولَمَعانِ نُورِ فِطْرَتِهِ الأُولى، فَيَعْتَرِفُ ويَنْقادُ. هَذا إذا كانَ الِاسْتِسْلامُ والإنْكارُ لِنُفُوسٍ بِعَيْنِها. وقَدْ يَكُونُ الِاسْتِسْلامُ لِلْبَعْضِ الَّذِينَ لَمْ تَرْسَخْ هَيْئاتُ رَذائِلِهِمْ ولَمْ تَغْلُظْ حُجُبُهم ولَمْ يَنْطَفِئْ نُورُ اسْتِعْدادِهِمْ. (p-٣٨٤٨)والإنْكارُ لِمَن رَسَخَتْ فِيهِ الهَيْئاتُ وقَوِيَتْ وغَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّيْطَنَةَ واسْتَقَرَّتْ، وكَثُفَ الحِجابُ وبَطَلَ الِاسْتِعْدادُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

16:88–89Page 277

ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ ٨٨

Those who disbelieved and averted [others] from the way of Allāh - We will increase them in punishment over [their] punishment for what corruption they were causing.

وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ٨٩

And [mention] the Day when We will resurrect among every nation a witness over them from themselves [i.e., their prophet]. And We will bring you, [O Muḥammad], as a witness over these [i.e., your nation]. And We have sent down to you the Book as clarification for all things and as guidance and mercy and good tidings for the Muslims.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٨-٨٩] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ونَـزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] .

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ أيْ: يُضاعِفُ لَهُمُ العَذابَ كَما ضاعَفُوا كُفْرَهم بِصَدِّهِمْ غَيْرَهم عَنِ الإيمانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى تَفاوُتِ الكُفّارِ في عَذابِهِمْ، كَما يَتَفاوَتُ المُؤْمِنُونَ في مَنازِلِهِمْ في الجَنَّةِ ودَرَجاتِهِمْ. كَما قالَ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]

﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٨٩] وهو نَبِيُّهم: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] أيِ: اذْكُرْ ذَلِكَ اليَوْمَ، وما مَنَحَكَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الشَّرَفِ العَظِيمِ والمَقامِ الرَّفِيعِ. وما يَلْحَقُ الكافِرِينَ فِيهِ مِن تَمَنِّي كَوْنِهِمْ تُرابًا، لِهَوْلِ المَطْلَعِ.

وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ في آيَةِ النِّساءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ (p-٣٨٤٩)لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَـزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] مُسْتَأْنَفٌ، أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ (قَدْ) .

قالَ الرّازِيُّ: وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، أنَّهُ تَعالى لِما قالَ: ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] بَيَّنَ أنَّهُ أزاحَ عِلَّتَهم فِيما كُلِّفُوا. فَلا حُجَّةَ لَهم ولا مَعْذِرَةَ.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في وجْهِ ذَلِكَ: إنَّ المُرادَ، واللَّهُ أعْلَمُ، إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ تَبْلِيغَ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْكَ، سائِلُكَ عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] أيْ: إنَّ الَّذِي أوْجَبَ عَلَيْكَ تَبْلِيغَ القُرْآنِ لَرادُّكَ إلَيْهِ ومُعِيدُكَ يَوْمَ القِيامَةِ وسائِلُكَ عَنْ أداءِ ما فَرَضَ عَلَيْكَ. هَذا أحَدُ الأقْوالِ، وهو مُتَّجَهٌ حَسَنٌ. انْتَهى.

و(التِّبْيانُ) مِنَ المَصادِرِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ؛ لِتَكْثِيرِ الفِعْلِ والمُبالَغَةِ فِيهِ. أيْ: تَبْيِينًا لِكُلِّ عِلْمٍ نافِعٍ مِن خَبَرِ ما سَبَقَ وعِلْمِ ما سَيَأْتِي وكُلِّ حَلالٍ وحَرامٍ، وما النّاسُ مُحْتاجُونَ إلَيْهِ في أمْرِ دُنْياهم ودِينِهِمْ ومَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ: ﴿وهُدًى﴾ [النحل: ٨٩] أيْ: هِدايَةً لِمَنِ اسْتَسْلَمَ وانْقادَ لِسَلامَةِ فِطْرَتِهِ إلى كَمالِهِ: ﴿ورَحْمَةً﴾ [النحل: ٨٩] أيْ: لَهُ بِتَبْلِيغِهِ إلى ذَلِكَ الكَمالِ بِالتَّرْبِيَةِ والإمْدادِ، ونَجاتِهِ مِنَ العَذابِ، وبِشارَةً لَهُ بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

(p-٣٨٥٠)

16:90Page 277

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٩٠

Indeed, Allāh orders justice and good conduct and giving [help] to relatives and forbids immorality and bad conduct and oppression. He admonishes you that perhaps you will be reminded.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٠] ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ .

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ﴾ أيْ: فِيما نَزَّلَهُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ: ﴿بِالعَدْلِ﴾ وهو القِسْطُ والتَّسْوِيَةُ في الحُقُوقِ فِيما بَيْنَكم. وتَرْكُ الظُّلْمِ وإيصالُ كُلِّ ذِي حَقِّ حَقِّهِ: ﴿والإحْسانِ﴾ أيِ: التَّفْضِيلِ بِأنْ يُقابَلَ الخَيْرُ بِأكْثَرَ مِنهُ، والشَّرُّ بِأنْ يَعْفُوَ عَنْهُ: ﴿وإيتاءِ ذِي القُرْبى﴾ أيْ: إعْطاءِ القَرابَةِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ﴾ أيْ: عَمّا فَحُشَ مِنَ الذُّنُوبِ وأفْرَطَ قُبْحُها، كالزِّنى: ﴿والمُنْكَرِ﴾ أيْ: كُلِّ ما أنْكَرَهُ الشَّرْعُ: ﴿والبَغْيِ﴾ أيِ: العُدْوانِ عَلى النّاسِ: ﴿يَعِظُكُمْ﴾ أيْ: بِما يَأْمُرُكم ويَنْهاكم: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَتَّعِظُونَ بِمَواعِظِ اللَّهِ، فَتَعْمَلُونَ بِما فِيهِ رِضا اللَّهِ تَعالى.

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّ أجْمَعَ آيَةٍ في القُرْآنِ، لِخَيْرٍ وشَرٍّ، هَذِهِ الآيَةُ. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ: «أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ مَرَّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو جالِسٌ بِفِناءِ بَيْتِهِ. فَكَشَّرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقالَ لَهُ: «ألا تَجْلِسَ ؟» فَقالَ: بَلى. فَجَلَسَ. ثُمَّ أُوحِيَ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ فَقَرَأها عَلَيْهِ. قالَ عُثْمانُ: فَذَلِكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الإيمانُ في قَلْبِي وأحْبَبْتُ مُحَمَّدًا ﷺ» .

ولَمّا تُلِيَتِ الآيَةُ عَلى أكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ قالَ لِقَوْمِهِ: إنِّي أراهُ يَأْمُرُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ ويَنْهى (p-٣٨٥١)عَنْ مَلائِمِها. فَكُونُوا في هَذا الأمْرِ رُؤَساءَ ولا تَكُونُوا فِيهِ أذْنابًا. وعَنْ عِكْرِمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ عَلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ لَهُ: يا ابْنَ أخِي ! أعِدْ عَلَيَّ، فَأعادَها. فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ: واللَّهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّ أعْلاهُ لَمُثْمِرٌ، وإنَّ أسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وما هو بِقَوْلِ البَشَرِ» .

وقَدْ نُقِلَ أنَّ بَنِي أُمَيَّةَ كانُوا يَسُبُّونَ عَلِيًّا، كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، في خُطَبِهِمْ. فَلَمّا آلَتِ الخِلافَةُ إلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أسْقَطَ ذَلِكَ مِنها، وأقامَ هَذِهِ الآيَةَ مَقامَهُ. وهو مِن أعْظَمِ مَآثِرِهِ.

قالَ النّاصِرُ: ولَعَلَّ المُعَوَّضَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَنْ تِلْكَ الهِناتِ، لاحَظَ التَّطْبِيقَ بَيْنَ ذِكْرِ النَّهْيِ عَنِ البَغْيِ فِيها، وبَيْنَ الحَدِيثِ الوارِدِ في أنَّ المُناصِبَ لِعَلِيٍّ باغٍ. حَيْثُ يَقُولُ ﷺ لِعَمّارٍ (وكانَ مِن حِزْبِ عَلِيٍّ): ««تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيَةُ»» . فَقُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ يَوْمَ صِفِّينَ. انْتَهى.

ولِما فِيها أيْضًا مِنَ العَدْلِ والإحْسانِ إلى ذَوِي القُرْبى، وكَوْنُها أجْمَعَ آيَةٍ؛ لِانْدِراجِ ما ذُكِرَ فِيها. واللَّهُ أعْلَمُ.

16:91Page 277

وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٩١

And fulfill the covenant of Allāh when you have taken it, [O believers], and do not break oaths after their confirmation while you have made Allāh, over you, a security [i.e., witness]. Indeed, Allāh knows what you do.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أمْرَهُ بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ والمِيثاقِ، والمُحافَظَةِ عَلى الأيْمانِ المُؤَكَّدَةِ بِقَوْلِهِ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩١] ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ .

﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾

(p-٣٨٥٢)رَوى ابْنُ جَرِيرٍ «عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: نَزَلَتْ في بَيْعَةِ النَّبِيِّ ﷺ . كانَ مَن أسْلَمَ بايَعَ النَّبِيَّ عَلى الإسْلامِ، فَأُمِرُوا بِالوَفاءِ بِهَذِهِ البَيْعَةِ وأنْ لا يَنْقُصُوها بَعْدَ تَوْكِيدِها بِالأيْمانِ» . أيْ: لا يَحْمِلْنَكم قِلَّةُ المُؤْمِنِينَ وكَثْرَةُ المُشْرِكِينَ أنْ تَنْقُضُوا البَيْعَةَ الَّتِي بايَعْتُمْ عَلى الإسْلامِ. وظاهِرٌ أنَّ العَهْدَ يَتَناوَلُ كُلَّ أمْرٍ يَجِبُ الوَفاءُ بِمُقْتَضاهُ، مِمّا يَلْتَزِمُهُ المَرْءُ بِاخْتِيارِهِ، كالمُبايَعَةِ عَلى الإسْلامِ، وعَهْدِ الجِهادِ، وما التَزَمَهُ مِن نَذْرٍ وما أكَّدَهُ بِحَلِفٍ. وعَلى هَذا، فَتَخْصِيصُ اليَمِينِ بِالذِّكْرِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ أوْلى أنْواعِ العَهْدِ بِوُجُوبِ الرِّعايَةِ. و(التَّوْكِيدُ والتَّأْكِيدُ)، لُغَتانِ فَصِيحَتانِ. والأصْلُ الواوُ، والهَمْزَةُ بَدَلٌ مِنها. والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلا﴾ لِلْحالِ مِن فاعِلِ: ﴿تَنْقُضُوا﴾ أوْ مِن فاعِلِ المَصْدَرِ وإنْ كانَ مَحْذُوفًا. ومَعْنى: ﴿كَفِيلا﴾ شَهِيدًا رَقِيبًا. و(الجَعْلُ) مَجازٌ، فَإنَّ مِن حَلِفَ بِهِ تَعالى وهو مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ جَعَلَهُ شاهِدًا. قالَ الشِّهابَ: ولَوْ أبْقى (الكَفِيلَ) عَلى ظاهِرِهِ، وجَعَلَ تَمْثِيلًا لِعَدَمِ تَخَلُّصِهِمْ مِن عُقُوبَتِهِ، وأنَّهُ يُسَلِّمُهم لَها كَما يَسْلَمُ الكَفِيلُ مَن كَفَلَهُ، كَما يُقالُ: (مَن ظَلَمَ فَقَدْ أقامَ كَفِيلًا بِظُلْمِهِ) تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنَ العُقُوبَةِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ؛ لَكانَ مَعْنًى بَلِيغًا جِدًّا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِما قَبْلَهُ. وفِيهِ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ.

تَنْبِيهٌ:

فِي الآيَةِ الحَثُّ عَلى البِرِّ في الأيْمانِ. وجَلِيٌّ أنَّها فِيما فِيهِ طاعَةٌ وبِرٌّ وتَقْوى. وأمّا فِيما عَدا ذَلِكَ فالخَيْرُ في نَقْضِها. وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ ما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّهُ قالَ: ««إنِّي، واللَّهِ، لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها، إلّا أتَيْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ وتَحَلَّلْتُها»» . وفي رِوايَةٍ: ««وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي»» . فالحَدِيثُ في مَعْنًى، والآيَةُ في مَعْنًى آخَرَ. فَلا تَعارُضَ، كَما وُهِمَ. وقَوْلُهُ تَعالى:

(p-٣٨٥٣)

16:92Page 277

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٩٢

And do not be like she who untwisted her spun thread after it was strong [by] taking your oaths as [means of] deceit between you because one community is more plentiful [in number or wealth] than another community.1 Allāh only tries you thereby. And He will surely make clear to you on the Day of Resurrection that over which you used to differ.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٢] ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ .

﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا﴾ تَأْكِيدٌ لِوُجُوبِ الوَفاءِ وتَحْرِيمِ النَّقْصِ. أيْ: لا تَكُونُوا في نَقْصِ الأيْمانِ كالمَرْأةِ الَّتِي أنَحَتْ عَلى غَزْلِها، بَعْدَ أنْ أحْكَمَتْهُ وأبْرَمَتْهُ، فَجَعَلَتْهُ أنْكاثًا، أيْ: أنْقاضًا، جُنُونًا مِنها وحُمْقًا.

فَفِي التَّمْثِيلِ إشارَةٌ إلى أنَّ ناقِضَ يَمِينِهِ خارِجٌ مِنَ الرِّجالِ الكُمَّلِ، داخِلٌ في زُمْرَةِ النِّساءِ. بَلْ في أدْناهُنَّ، وهي الخَرْقاءُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في: { ولا تَكُونُوا } أيْ: لا تَكُونُوا مُشابِهِينَ لِامْرَأةٍ هَذا شَأْنُها، حالَ كَوْنِكم مُتَّخِذِينَ أيْمانَكم مَفْسَدَةً بَيْنَكم: ﴿أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ﴾ أيْ: سَبَبَ أنْ تَكُونَ جَماعَةٌ، كَقُرَيْشٍ، هي أزْيَدَ عَدَدًا وأوْفَرَ مالًا مِن جَماعَةٍ كالمُؤْمِنِينَ: ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ أيْ: يُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم بِكَوْنِهِمْ أرْبى؛ لِيَنْظُرَ أتَتَمَسَّكُونَ بِحَبْلِ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ وما عَقَدْتُمْ عَلى أنْفُسِكم ووَكَّدْتُمْ مِن أيْمانِ البَيْعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمْ تَغْتَرُّونَ بِكَثْرَةِ قُرَيْشٍ وثَرْوَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ وفَقْرِهِمْ وضَعْفِهِمْ ؟: ﴿ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: فَيَتَمَيَّزُ المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ، بِما يَظْهَرُ مِن دَرَجاتِ الثَّوابِ والعِقابِ. وهو إنْذارٌ وتَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ مِلَّةِ الإسْلامِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ أبُو عَلِيٍّ الزَّجّاجِيُّ، مِن أئِمَّةِ الشّافِعِيَّةِ: في هَذِهِ الآيَةِ أصْلٌ لِما يَقُولُهُ أصْحابُنا، مِن إبْطالِ الدَّوْرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّ مَن أعادَ عَلى الشَّيْءِ بِالإفْسادِ بَعْدَ إحْكامِهِ. نَقَلَهُ في (الإكْلِيلُ) .

(p-٣٨٥٤)

16:93Page 277

وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٣

And if Allāh had willed, He could have made you [of] one religion, but He sends astray whom He wills and guides whom He wills.1 And you will surely be questioned about what you used to do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٣] ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .

﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: حَنِيفَةً مُسْلِمَةً: ﴿ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا، سُؤالَ تَبْكِيتٍ ومُجازاةٍ، لا اسْتِفْسارٍ وتَفَهُّمٍ. وهو المَنفِيُّ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ. أوْ في مَوْقِفٍ دُونَ مَوْقِفٍ كَما مَرَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

16:94Page 278

وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٩٤

And do not take your oaths as [means of] deceit between you, lest a foot slip after it was [once] firm, and you would taste evil [in this world] for what [people] you diverted from the way of Allāh,1 and you would have [in the Hereafter] a great punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٤] ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ تَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ عَنْهُ، بَعْدَ أنْ نَهى عَنْهُ ضِمْنًا، لِأخْذِهِ فِيما تَقَدَّمَ قَيْدًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، تَأْكِيدًا عَلَيْهِمْ ومُبالَغَةً في قُبْحِ المَنهِيِّ: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ أيْ: فَتَزِلَّ أقْدامُكم عَنْ مَحَجَّةِ الحَقِّ، بَعْدَ رُسُوخِها فِيهِ: ﴿وتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ أيْ: ما يَسُوءُكم في الدُّنْيا: ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾ أيْ: بِصُدُودِكم عَنِ الوَفاءِ، أوْ بِصَدِّكم غَيْرَكم: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ.

لَطِيفَةٌ:

تَنْكِيرُ (قَدَمٌ) لِلْإيذانِ بِأنَّ زَلَلَ قَدَمٍ واحِدَةٍ عَظِيمٌ، فَكَيْفَ بِأقْدامٍ كَثِيرَةٍ ؟ وأشارَ في (البَحْرُ) إلى نُكْتَةٍ أُخْرى: قالَ: الجَمْعُ تارَةً يُلْحَظُ فِيهِ المَجْمُوعُ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ فَيُؤْتى بِما هو لَهُ مَجْمُوعًا. وتارَةً يُلاحَظُ فِيهِ كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٌ فَيُفْرَدُ مالُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدَتْ (p-٣٨٥٥)لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] أيْ: لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ مُتَّكَئًا. ولَمّا كانَ المَعْنى: لا يَفْعَلُ هَذا كُلُّ واحِدٍ مِنكم؛ أفْرَدَ: { قَدَمٌ } مُراعاةً لِهَذا المَعْنى. ثُمَّ قالَ: ﴿وتَذُوقُوا﴾ مُراعاةً لِلَفْظِ الجَمْعِ.

قالَ الشِّهابُ: هَذا تَوْجِيهٌ لِلْإفْرادِ مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ، فَلا يُنافِي النُّكْتَةَ الأُولى.

16:95Page 278

وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩٥

And do not exchange the covenant of Allāh for a small price. Indeed, what is with Allāh is best for you, if only you could know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٥] ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: لا تَسْتَبْدِلُوا بِعَهْدِ اللَّهِ وبَيْعَةِ رَسُولِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا يَسِيرًا. وهو ما كانَتْ قُرَيْشٌ يَعِدُونَهم ويُمَنُّونَهم، إنِ ارْتَدُّوا: ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مِن إظْهارِكم في الدُّنْيا وإثابَتِكم في الآخِرَةِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِن ذَوِي العِلْمِ والتَّمْيِيزِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

16:96Page 278

مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٦

Whatever you have will end, but what Allāh has is lasting. And We will surely give those who were patient their reward according to the best of what they used to do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٦] ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْخَيْرِيَّةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ. أيْ: ما عِنْدَكم مِمّا تَتَمَتَّعُونَ بِهِ، يَفْرَغُ ويَنْقُصُ، فَإنَّهُ إلى أجَلٍ مَعْدُودٍ مَحْصُورٍ مُقَدَّرٍ مُتَناهٍ. وما عِنْدَهُ تَعالى مِن ثَوابِهِ لَكم في الجَنَّةِ باقٍ لا انْقِطاعَ لَهُ. فَإنَّهُ دائِمٌ لا يَحُولُ ولا يَزُولُ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهُمْ﴾ أيْ: عَلى أذى المُشْرِكِينَ ومَشاقِّ الإسْلامِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِجَزاءٍ أحْسَنَ مِن أعْمالِهِمْ.

(p-٣٨٥٦)

16:97Page 278

مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧

Whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - We will surely cause him to live a good life, and We will surely give them their reward [in the Hereafter] according to the best of what they used to do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٧] ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هَذا وعْدٌ مِنهُ تَعالى لِمَن عَمِلَ صالِحًا. وهو العَمَلُ التّابِعُ لِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، مِن ذِكْرٍ أوْ أُنْثى، وهو ثابِتٌ عَلى إيمانِهِ إلى المَوْتِ، بِأنْ يُحْيِيَهُ اللَّهُ تَعالى حَياةً طَيِّبَةً.

قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: فَيَتَلَذَّذْ بِعَمَلِهِ في الدُّنْيا فَوْقَ تَلَذُّذِ صاحِبِ المالِ والجاهِ، ولا يُبْطِلْ تَلَذُّذَهُ إعْسارُهُ؛ إذْ يُرْضِيهِ اللَّهُ بِقِسْمَتِهِ فَيُقَنِّعُهُ ويَقِلُّ اهْتِمامُهُ بِحِفْظِ المالِ وتَنْمِيَتِهِ. والكافِرُ لا يَهْنَأُ عَيْشُهُ بِالمالِ والجاهِ؛ إذْ يَزْدادُ حِرْصًا وخَوْفَ فَواتٍ. ويُجْزَوْنَ بِالأحْسَنِ في الآخِرَةِ. فَلا يُقالُ لَهم: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ [الأحقاف: ٢٠] بَلْ يُكْمِلُ جَزاءَ أعْمالِهِمُ الأدْنى بِحَيْثُ يَلْحَقُ بِالأعْلى. انْتَهى.

وعِنْدِي أنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ هي الحَياةُ الَّتِي فِيهِ ثَلْجُ الصُّدُورِ بِلَذَّةِ اليَقِينِ وحَلاوَةِ الإيمانِ والرَّغْبَةِ في المَوْعُودِ والرِّضا بِالقَضاءِ. وعِتْقُ الرُّوحِ مِمّا كانُوا يَسْتَعْبِدُونَ لَهُ. والِاسْتِكانَةُ إلى مَعْبُودٍ واحِدٍ، والتَّنَوُّرُ بِسِرِّ الوُجُودِ الَّذِي قامَ بِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَزاياهُ المُقَرَّرَةِ في مَواضِعِها. هَذا في الدُّنْيا. وأمّا في الآخِرَةِ، فَلَهُ الجَزاءُ الأحْسَنُ والثَّوابُ الأوْفى.

16:98–100Page 278

فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٩٨

So when you recite the Qur’ān, [first] seek refuge in Allāh from Satan, the expelled [from His mercy].

إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٩٩

Indeed, there is for him no authority over those who have believed and rely upon their Lord.

إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ ١٠٠

His authority is only over those who take him as an ally and those who through him associate others with Allāh.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٨-١٠٠] ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] .

﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ (p-٣٨٥٧)عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]

لَمّا كانَ القُرْآنُ هو الذِّكْرَ الحَكِيمَ والحَقَّ المُبِينَ، وكانَ لِكُلِّ حَقٍّ مُحارِبٌ وهو شَيْطانُ الجِنِّ أوِ الإنْسِ يُثِيرُ الشُّبَهاتِ بِوَساوِسِهِ، ويُفْسِدُ القُلُوبَ بِدَسائِسِهِ؛ أمَرَ ﷺ بِأنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ ويَلْتَجِئَ إلَيْهِ، عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ، مِن وسْوَسَتِهِ؛ لِأنَّ قُوَّةَ الإنْسانِ تَضْعُفُ عَنْ دَفْعِهِ بِسُهُولَةٍ، فَيَحْتاجُ إلى الِاسْتِعانَةِ عَلَيْهِ بِاللَّهِ واللِّياذِ بِجِوارِهِ مِنهُ. وقَدْ بَيَّنَتْ آيَةُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] أنَّ هَذِهِ عادَةُ الشَّيْطانِ إثْرَ ما يَتْلُوهُ كُلُّ نَبِيٍّ عَلى أُمَّتِهِ مِنَ الأحْكامِ المُتَجَدِّدَةِ الَّتِي يُوحى بِها لِسَعادَةِ البَشَرِ، أنَّهُ يُحَوِّلُ عَنْها الأنْظارَ، ويَسْعى لِهَدْمِ ما أُقِيمَتْ لِأجْلِهِ. وإنَّ اللَّهَ يُحْكِمُ آياتِهِ ويَنْسَخُ شُبَهَ الشَّيْطانِ؛ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ. فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ عادَتَهُ، ولَها مِنَ الأثَرِ ما لَها، احْتِيجَ إلى الِاسْتِعاذَةِ بِهِ تَعالى مِنها، عِنْدَ قِراءَةِ الوَحْيِ ونَشْرِ تَعالِيمِهِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ أثَرَ وسْوَسَتِهِ إنَّما يَكُونُ فِيمَن لَهُ سُلْطانٌ عَلَيْهِمْ. أيْ: تَسَلُّطٌ ووِلايَةٌ مِن أوْلِيائِهِ المُتَّبَعِينَ خُطُواتِهِ. وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وتَوَكَّلُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَصَبَرُوا عَلى المَكارِهِ ولَمْ يُبالُوا بِما يُلْقُونَ في سَبِيلِ الجِهادِ بِالحَقِّ مِنَ العَثَراتِ؛ فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ. فَهم يُضادُّونَ أمانِيَهُ ويَهْدِمُونَ كُلَّ ما يُلْقِيهِ؛ لِأنَّ إيمانَهم يُفِيدُهُمُ النُّورَ الكاشِفَ عَنْ مَكْرِهِ، والتَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ يُفِيدُهُمُ التَّقْوِيَةَ بِاللَّهِ، فَيَمْنَعُ مِن مُعانَدَةِ الشَّيْطانِ وقُوَّةِ تَأْثِيرِهِ. و(الرَّجِيمُ) مِن أوْصافِ الشَّيْطانِ الغالِبَةِ، أيِ: المَلْعُونُ المَرْجُومُ بِاللَّعْنَةِ أوِ المَطْرُودُ أوِ المَرْجُومُ بِالكَواكِبِ. والضَّمِيرُ في (بِهِ) لِرَبِّهِمْ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أوْ لِلشَّيْطانِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: بِسَبَبِهِ وغُرُورِهِ ووَسْوَسَتِهِ. ورَجَحَ بِاتِّحادِ الضَّمائِرِ فِيهِ. وأشارَ بَعْضُهم إلى أنَّ المَعْنى: أشْرَكُوهُ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وكُلُّهُ مِمّا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ الكَرِيمُ ويَصِحُّ إرادَتُهُ.

(p-٣٨٥٨)تَنْبِيهٌ:

فِي الآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ الِاسْتِعاذَةِ قَبْلَ القِراءَةِ، وهو شامِلٌ لِحالَةِ الصَّلاةِ وغَيْرِها. وقالَ قَوْمٌ بِوُجُوبِها لِظاهِرِ الأمْرِ. وسِرُّها في غَيْرِهِ ﷺ: التَّحَصُّنُ بِهِ تَعالى أنْ لا يُلَبِّسَ الشَّيْطانُ القِراءَةَ، وأنْ لا يَمْنَعَ مِنَ التَّدَبُّرِ والتَّذَكُّرِ.

16:101–102Page 278

وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١

And when We substitute a verse in place of a verse - and Allāh is most knowing of what He sends down - they say, "You, [O Muḥammad], are but an inventor [of lies]." But most of them do not know.

قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ١٠٢

Say, [O Muḥammad], "The Pure Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down from your Lord in truth to make firm those who believe and as guidance and good tidings to the Muslims."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠١-١٠٢] ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَـزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] .

﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَـزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢]

التَّبْدِيلُ: رَفْعُ الشَّيْءِ مَعَ وضْعِ غَيْرِهِ مَكانِهِ، فَتَبْدِيلُ الآيَةِ: رَفْعُها بِآيَةٍ أُخْرى. والأكْثَرُونَ: عَلى أنَّ المَعْنى نَسْخُ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ لَفْظًا أوْ حُكْمًا بِآيَةٍ أُخْرى غَيْرِها؛ لِحِكْمَةٍ باهِرَةٍ أُشِيرَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَـزِّلُ﴾ مِن ناسِخٍ قَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ يَتَبَدَّلَ المَنسُوخُ الأوَّلُ بِهِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المَعْنى تَبْدِيلُ آيَةٍ مِن آياتِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، كَآيَةِ مُوسى وعِيسى وغَيْرِهِما مِنَ الآياتِ الكَوْنِيَّةِ الآفاقِيَّةِ، بِآيَةٍ أُخْرى نَفْسِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ، وهي كَوْنُ المُنَزَّلِ هُدًى ورَحْمَةً وبِشارَةً يُدْرِكُها العَقْلُ إذا تَنَبَّهَ لَها وجَرى عَلى نِظامِهِ الفِطْرِيِّ. وذَلِكَ لِاسْتِعْدادِ الإنْسانِ وقْتَئِذٍ؛ لِأنَّ يُخاطِبُ عَقْلَهُ ويَسْتَصْرِخُ فَمَهُ ولُبَّهُ. فَلَمْ يُؤْتَ مِن قِبَلِ الخَوارِقِ الكَوْنِيَّةِ ويُدْهَشْ بِها كَما كانَ لِمَن سَلَفَ. فَبُدِّلَتْ تِلْكَ بِآيَةٍ هو كِتابُ العِلْمِ والهُدى مِن نَبِيٍ أُمِّيٍّ لَمْ يَقْرَأْ ولَمْ (p-٣٨٥٩)يَكْتُبْ. وكَوْنُ الكِتابِ بَيِّنَ الصِّدْقِ قاطِعَ البُرْهانِ ناصِعَ البَيانِ بِالنِّسْبَةِ لِمَن أُوتِيَ ورُزِقَ الفَهْمَ. وهَذا التَّأْوِيلُ الثّانِي يُرَجِّحُهُ عَلى الأوَّلِ؛ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَيْسَ في المَكِّيِّ مَنسُوخٌ بِالمَعْنى الَّذِي يُرِيدُونَهُ. ولِلْبَحْثِ تَفْصِيلٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ. وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ في آيَتَيْنِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَـزَّلْنا﴾ [البقرة: ٢٣] إلخ، وقَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى، لَمّا رَحِمَ العالَمِينَ وجَعَلَ القُرْآنَ مَكانَ ما تَقَدَّمَ، نَسَبُوا المُوحى إلَيْهِ بِهِ إلى الِافْتِراءِ؛ رَدًّا لِلْحَقِّ، وعِنادًا لِلْهُدى، وتَوَلِّيًا لِلشَّيْطانِ، وتَعَبُّدًا لِوَسْوَسَتِهِ، وما ذاكَ إلّا لِجَهْلِهِمُ المُتَناهِي، كَما قالَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واعْتِراضُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَـزِّلُ﴾ لِتَوْبِيخِ الكَفَرَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى فَسادِ رَأْيِهِمْ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَصْدَعَ بِالحَقِّ في شَأْنِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ﴾ [النحل: ١٠٢] أيِ: القُرْآنَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالآيَةِ: ﴿رُوحُ القُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢] يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. أُضِيفَ إلى القُدْسِ وهو الطُّهْرُ، كَما يُقالُ: (حاتِمُ الجُودِ، وزَيْدُ الخَيْرِ، وخَبَرُ السُّوءِ، ورَجُلُ صِدْقٍ) والمُرادُ: الرُّوحُ المُقَدَّسُ، وحاتِمٌ الجُودُ، وزَيْدٌ الخَيِّرُ، والخَبَرُ السَّيِّئُ، والرَّجُلُ الصّادِقُ. وإنَّما أضافُوا المَوْصُوفَ إلى مَصْدَرِ الصِّفَةِ لِلْمُبالَغَةِ في كَثْرَةِ مُلابَسَتِهِ لَهُ واخْتِصاصِهِ بِهِ. والمُقَدَّسُ: المُطَهَّرُ مِنَ الأدْناسِ البَشَرِيَّةِ. وإضافَةُ (الرَّبِّ) إلى ضَمِيرِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢]؛ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ إفاضَةِ آثارِ الرُّبُوبِيَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ الثّابِتِ المُوافِقِ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي اقْتَضاها دَوْرُ عَصْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل: ١٠٢] أيْ: عَلى الحَقِّ ونَبْذِ وساوِسِ الشَّياطِينِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] تَعْرِيضٌ بِحُصُولِ أضْدادِ هَذِهِ الصِّفاتِ لِغَيْرِهِمْ.

(p-٣٨٦٠)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском