Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:33–48
17:33Page 285
وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا ٣٣
And do not kill the soul [i.e., person] which Allāh has forbidden, except by right.1 And whoever is killed unjustly - We have given his heir authority,2 but let him not exceed limits in [the matter of] taking life. Indeed, he has been supported [by the law].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٣] ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ .
﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ: قَتْلَها، وهي نَفْسُ الإنْسانِ: ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ: إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ، فَيَتَعَلَّقُ بِـ: { لا تَقْتُلُوا } أوْ حالٌ مِن فاعِلِ (لا تَقْتُلُوا) أوْ مِن مَفْعُولِهِ. وجَوَّزَ تَعَلُّقَهُ بِـ (حَرَّمَ) أيْ: حَرَّمَ قَتْلَها إلّا بِالحَقِّ، وحَقُّها أنْ لا تُقْتَلَ إلّا بِكُفْرٍ بَعْدَ إسْلامٍ، أوْ زِنًى بَعْدَ إحْصانٍ، أوْ قَوَدًا بِنَفْسٍ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ أيْ: ومَن قُتِلَ بِغَيْرِ حَقٍّ، مِمّا تَقَدَّمَ، فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ، الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ تُوجِبُ المُطالَبَةَ بِدَمِهِ: ﴿سُلْطانًا﴾ أيْ: تَسَلُّطًا عَلى القاتِلِ في الِاقْتِصاصِ مِنهُ. أوْ حُجَّةً يَثِبُ بِها عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ فَلا يُسْرِفُ في القَتْلِ. أيْ: فَلا يَقْتُلُ غَيْرَ القاتِلِ ولا اثْنَيْنِ، والقاتِلُ واحِدٌ، كَعادَةِ الجاهِلِيَّةِ. كانَ إذا قُتِلَ مِنهم واحِدٌ قَتَلُوا بِهِ جَماعَةً. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ. والضَّمِيرُ لِلْوَلِيِّ. يَعْنِي: حَسْبُهُ أنَّ اللَّهَ قَدْ نَصَرَهُ بِأنْ أوْجَبَ لَهُ القِصاصَ، فَلا يَسْتَزِدْ عَلى ذَلِكَ.
(p-٣٩٢٧)
17:34Page 285
وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا ٣٤
And do not approach the property of an orphan, except in the way that is best,1 until he reaches maturity. And fulfill [every] commitment. Indeed, the commitment is ever [that about which one will be] questioned.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٤] ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ .
﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: لا تَتَصَرَّفُوا في مالِهِ إلّا بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ، وهي حِفْظُهُ عَلَيْهِ وتَثْمِيرُهُ وإصْلاحُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ غايَةُ جَوازِ التَّصَرُّفِ عَلى الوَجْهِ الحَسَنِ، أيْ: حَتّى يَبْلُغَ وقْتَ اشْتِدادِهِ في العَقْلِ وتَدْبِيرِ مالِهِ وصَلاحِ حالِهِ في دِينِهِ: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ أيِ: العَقْدِ الَّذِي تُعاقِدُونَ بِهِ النّاسَ في الصُّلْحِ بَيْنَ أهْلِ الحَرْبِ والإسْلامِ، وفِيما بَيْنَكم أيْضًا. والبُيُوعُ والأشْرِبَةُ والإجاراتُ ونَحْوُها: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ أيْ: مَطْلُوبًا، يُطْلَبُ مِنَ المُعاهِدِ الثَّباتُ عَلَيْهِ، وعَدَمُ إضاعَتِهِ. أوْ: صاحِبُهُ مَسْؤُولٌ عَنْ نَقْضِهِ إيّاهُ. والمَعْنى: لا تَنْقُضُوا العُهُودَ الجائِزَةَ بَيْنَكم وبَيْنَ مَن عاهَدْتُمُوهم، فَتُخْفِرُوها وتَغْدِرُوا بِمَن أعْطَيْتُمُوهُ إيّاها.
17:35Page 285
وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا ٣٥
And give full measure when you measure, and weigh with an even [i.e., honest] balance. That is the best [way] and best in result.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٥] ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ .
﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ أيْ: أتِمُّوهُ إذا كِلْتُمْ لِغَيْرِكم ولا تَبْخَسُوهُ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ أيْ: بِالمِيزانِ السَّوِيِّ؛ بِلا اعْوِجاجٍ ولا خَدِيعَةٍ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أيْ: لَكم في مَعاشِكم لِانْتِظامِ أُمُورِكم بِالعَدْلِ، وإيفاءِ الحُقُوقِ أرْبابَها: ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ أيْ: عاقِبَةً ومَآلًا؛ إذْ لَيْسَ مَعَهُ مَظْلِمَةٌ يُطالَبُ بِها يَوْمَ القِيامَةِ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِرِعايَةِ القِسْطاسِ المَعْنَوِيِّ.
(p-٣٩٢٨)
17:36–37Page 285
وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا ٣٦
And do not pursue1 that of which you have no knowledge. Indeed, the hearing, the sight and the heart - about all those [one] will be questioned.
وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا ٣٧
And do not walk upon the earth exultantly. Indeed, you will never tear the earth [apart], and you will never reach the mountains in height.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٦-] ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ [الإسراء: ٣٧] .
﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا تَتْبَعْهُ في قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، تُسْنِدُهُ إلى سَمْعٍ أوْ بَصَرٍ أوْ عَقْلٍ. مِن: (قَفا أثَرَهُ) إذا تَبِعَهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمُرادُ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ ما لا يَعْلَمُ، وأنْ يَعْمَلَ بِما لا يَعْلَمُ. ويَدْخُلُ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ التَّقْلِيدِ دُخُولًا ظاهِرًا؛ لِأنَّهُ اتِّباعٌ لِما لا يَعْلَمُ صِحَّتَهُ مِن فَسادِهِ. انْتَهى.
ولا يَخْفى ما يَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ مِن أنْواعٍ كَثِيرَةٍ. كَمَذاهِبِ الجاهِلِيَّةِ في الإلَهِيّاتِ والتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ، وكَشَهادَةِ الزُّورِ، والقَذْفِ، ورَمْيِ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ، والكَذِبِ، وما شاكَلَها: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ أيْ: كانَ صاحِبُها مْسَئُولًا عَمّا نُسِبَ إلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ. أوْ تُسْألُ نَفْسُ الأعْضاءِ لِتَشْهَدَ عَلى صاحِبِها.
قالَ المَهايِمِيُّ: قَدَّمَ السَّمْعَ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما يَنْسُبُ النّاسُ أقْوالَهم إلَيْهِ. وأخَّرَ الفُؤادَ؛ لِأنَّهُ مُنْتَهى الحَواسِّ. ولَمْ يَذْكُرْ بَقِيَّتَها؛ لِأنَّهُ لا يُخالِفُها قَوْلٌ أوْ فِعْلٌ.
﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] أيْ: مُخْتالًا، أيْ: مِشْيَةَ المُعْجَبِ المُتَكَبِّرِ؛ إذْ لا يُفِيدُكَ قُوَّةً ولا عُلُوًّا. كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ [الإسراء: ٣٧] أيْ: لَنْ تَجْعَلَ فِيها خَرْقًا بِدَوْسِكَ لَها، وشِدَّةِ وطَأتِكَ: ﴿ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾ [الإسراء: ٣٧] أيْ: لَنْ تُحاذِيَها بِتَطاوُلِكَ ومَدِّ قامَتِكَ، كَما يَفْعَلُهُ المُخْتالُ تَكَلُّفًا. وفي هَذا تَهَكُّمٌ بِالمُخْتالِ، وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مُفاخَرَةٌ مَعَ الأرْضِ وبَعْضِ أجْزائِها.
(p-٣٩٢٩)قالَ النّاصِرُ: وفي هَذا التَّهَكُّمِ والتَّقْرِيعِ لِمَن يَعْتادُ هَذِهِ المِشْيَةَ، كِفايَةً في الِانْزِجارِ عَنْها. ولَقَدْ حَفِظَ اللَّهُ عَوامَّ زَمانِنا عَنْ هَذِهِ المِشْيَةِ، وتَوَرَّطَ فِيها قُرّاؤُنا وفُقَهاؤُنا. بَيْنا أحَدُهم قَدْ عَرَفَ مَسْألَتَيْنِ أوْ أجْلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ طالِبَيْنِ، أوْ شَدَّ طَرَفًا مِن رِياسَةِ الدُّنْيا، إذا هو يَتَبَخْتَرُ في مَشْيِهِ، ويَتَرَجَّعُ ولا يَرى أنَّهُ يُطاوِلُ الجِبالَ، ولَكِنْ يَحُكُّ بِيافُوخِهِ عَنانَ السَّماءِ، كَأنَّهم يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ. وماذا يُفِيدُهُ أنْ يَقْرَأ القُرْآنَ أوْ يُقْرَأ عَلَيْهِ، وقَلْبُهُ عَنْ تَدَبُّرِهِ عَلى مَراحِلَ. واللَّهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ.
17:38–39Page 285
كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا ٣٨
All that [i.e., the aforementioned] - its evil is ever, in the sight of your Lord, detested.
ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا ٣٩
That is from what your Lord has revealed to you, [O Muḥammad], of wisdom. And, [O mankind], do not make [as equal] with Allāh another deity, lest you be thrown into Hell, blamed and banished.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١-٢] ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ ﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] .
﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ أيِ: المَنهِيُّ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩] إلى هَذِهِ الغايَةِ: ﴿كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: أمّا الشِّرْكُ فَلِإخْلالِهِ بِالكَمالِ المُطْلَقِ الَّذِي لا يُتَصَوَّرُ مَعَ الشِّرْكِ. وأمّا عِبادَةُ الغَيْرِ فَلِما فِيها مِن تَعْظِيمِهِ المَخْصُوصِ بِذِي الكَمالِ المُطْلَقِ، فَهو في مَعْنى الشِّرْكِ. وأمّا العُقُوقُ فَلِأنَّهُ كُفْرانُ نِعْمَةِ الأبَوَيْنِ في التَّرْبِيَةِ، أحْوَجُ ما يَكُونُ المَرْءُ إلَيْها. ومَنَعُ الحُقُوقِ بِالبُخْلِ تَفْرِيطٌ، والتَّبْذِيرٌ والبَسْطُ إفْراطٌ. وهُما مَذْمُومانِ. والذَّمِيمُ مَكْرُوهٌ. والقَتْلُ يَمْنَعُ الحِكْمَةَ مِن بُلُوغِها إلى كَمالِها. . . والزِّنى وإتْلافُ مالِ اليَتِيمِ في مَعْناهُ. ونَقْضُ العَهْدِ مُخِلٌّ بِنِظامِ العالَمِ. وكَذا اقْتِفاءُ ما لا يَعْلَمُ. والتَّكَبُّرُ مِن خَواصَّ الحَقِّ. وعادَةُ المُلُوكِ كَراهَةَ أنْ يَأْخُذَ أحَدٌ مِن خَواصِّهِ شَيْئًا.
﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: ٣٩] أيْ: مِمّا يَحْكُمُ العَقْلُ بِصِحَّتِهِ، وتَصْلُحُ النَّفْسُ بِأُسْوَتِهِ.
قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: مِنَ العِلْمِ المُحْكَمِ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ بِشُبْهَةٍ: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا (p-٣٩٣٠)آخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩] كَرَّرَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّوْحِيدَ مَبْدَأُ الأمْرِ ومُنْتَهاهُ. وأنَّهُ رَأسُ كُلِّ حِكْمَةٍ ومَلاكُها. ومِن عَدِمَهِ لَمْ يَنْفَعْهُ عُلُومُهُ وحُكْمُهُ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وقَدْ رَتَّبَ عَلَيْهِ ما هو عائِدَةُ الإشْراكِ أوَّلًا حَيْثُ قِيلَ: ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ [الإسراء: ٢٢] ورَتَّبَ عَلَيْهِ ها هُنا نَتِيجَةً في العُقْبى فَقِيلَ: ﴿فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٩] أيْ: بِالجَهْلِ العَظِيمِ: ﴿مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] أيْ: مُبْعَدًا مَطْرُودًا مِنَ الرَّحْمَةِ. وفي إيرادِ الإلْقاءِ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، جَرْيٌ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ، وازْدِراءٌ بِالمُشْرِكِ وجَعْلٌ لَهُ، مِن قَبِيلِ خَشَبَةٍ يَأْخُذُها آخِذٌ بِكَفِّهِ، فَيَطْرَحُها في التَّنُّورِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:
17:40Page 286
أَفَأَصۡفَىٰكُمۡ رَبُّكُم بِٱلۡبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنَٰثًاۚ إِنَّكُمۡ لَتَقُولُونَ قَوۡلًا عَظِيمٗا ٤٠
Then, has your Lord chosen you for [having] sons and taken [i.e., adopted] from among the angels daughters? Indeed, you say a grave saying.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٠] ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾ .
﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾
خِطابٌ لِلَّذِينِ قالُوا مِن مُشْرِكِي العَرَبِ: (المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ) والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى: أفَخَصَّكم رَبُّكم، عَلى وجْهِ الخُلُوصِ والصَّفاءِ، بِأفْضَلِ الأوْلادِ وهُمُ الذُّكُورُ، ولَمْ يَجْعَلْ فِيهِمْ نَصِيبًا لِنَفْسِهِ، واتَّخَذَ أدْوَنَهم، وهُنَّ البَناتُ، وأنْتُمْ لا تَرْضَوْنَهُنَّ لِأنْفُسِكم، بَلْ تَئِدُونَهُنَّ وتَقْتُلُونَهُنَّ. فَهَذا خِلافُ الحِكْمَةِ وما عَلَيْهِ مَعْقُولُكم وعادَتُكم. فَإنَّ العَبِيدَ لا يُؤْثَرُونَ بِأجْوَدِ الأشْياءِ، وأصْفاها مِنَ الشَّوْبِ، ويَكُونُ أرْدَؤُها وأدْوَنَها لِلسّاداتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾ أيْ: بِإضافَةِ الأوْلادِ إلَيْهِ، وهي خاصَّةُ المُحْدَثاتِ. ثُمَّ بِإيثارِكم أنْفُسَكم عَلَيْهِ، حَيْثُ تَجْعَلُونَ لَهُ ما تَكْرَهُونَ.
(p-٣٩٣١)
17:41–42Page 286
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا ٤١
And We have certainly diversified [the contents] in this Qur’ān that they [i.e., mankind] may be reminded, but it does not increase them [i.e., the disbelievers] except in aversion.
قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا ٤٢
Say, [O Muḥammad], "If there had been with Him [other] gods, as they say, then they [each] would have sought to the Owner of the Throne a way."1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١-٤٢] ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلا نُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٢] .
﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ﴾ أيْ: كَرَّرْنا لِلنّاسِ البَيانَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وبَيَّنّا فِيهِ مِن كُلِّ مَثَلٍ: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أيْ: لِيَتَّعِظُوا ويَطْمَئِنُّوا إلى ما يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِمْ: ﴿وما يَزِيدُهُمْ﴾ أيِ: التَّصْرِيفُ المَذْكُورُ: ﴿إلا نُفُورًا﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ وبُعْدًا عَنْهُ، الَّذِي يُقَرِّبُهُ وُجُوهُ البَيانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٢] أيْ: قُلْ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ) الزّاعِمِينَ أنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ مِن خَلْقِهِ، العابِدِينَ مَعَهُ غَيْرَهُ، لِيُقَرِّبَهم إلَيْهِ زُلْفى ): لَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ، وأنَّ مَعَهُ آلِهَةً تُعْبَدُ لِتُقَرِّبَ إلَيْهِ وتَشْفَعَ لَدَيْهِ؛ لَكانَ أُولَئِكَ المَعْبُودُونَ يَعْبُدُونَهُ ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ، ويَبْتَغُونَ الزُّلْفى والطّاعَةَ لَدَيْهِ، فاعْبُدُوهُ أنْتُمْ وحْدَهُ كَما يَعْبُدُهُ مَن تَدْعُونَهُ مِن دُونِهِ. ولا حاجَةَ لَكم إلى مَعْبُودٍ يَكُونُ واسِطَةً بَيْنَكم وبَيْنَهُ. فَإنَّهُ لا يُحِبُّ ذَلِكَ ولا يَرْضاهُ. بَلْ يَكْرَهُهُ ويَأْباهُ. وقَدْ نَهى عَنْ ذَلِكَ عَلى ألْسِنَةِ جَمِيعِ رُسُلِهِ وأنْبِيائِهِ. هَذا ما اخْتارَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وسَبَقَهُ إلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ.
وحاصِلُهُ: أنَّ السَّبِيلَ بِمَعْنى الوَسِيلَةِ المُوصِلَةِ إلَيْهِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى قِياسٌ اقْتِرانِيٌّ تَقْرِيرُهُ هَكَذا: ولَوْ كانَ كَما زَعَمْتُمْ مَعَهُ آلِهَةٌ لَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ. وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ لَيْسَ إلَهًا، فَهم لَيْسُوا بِآلِهَةٍ. وقِيلَ: مَعْنى: ﴿لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٢] أيْ: لَطَلَبُوا إلَيْهِ سَبِيلًا بِالمُغالَبَةِ والمُمانَعَةِ، كَما هو دَيْدَنُ المُلُوكِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وهَذا الوَجْهُ قَدَّمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى الأوَّلِ. وقالَ أبُو السُّعُودِ: إنَّهُ الأظْهَرُ الأنْسَبُ لِقَوْلِهِ:
(p-٣٩٣٢)
17:43–44Page 286
سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤٣
Exalted is He and high above what they say by great sublimity.
تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا ٤٤
The seven heavens and the earth and whatever is in them exalt Him. And there is not a thing except that it exalts [Allāh] by His praise, but you do not understand their [way of] exalting. Indeed, He is ever Forbearing1 and Forgiving.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٣-٤٤] ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] .
﴿سُبْحانَهُ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بَيانُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِمّا يَقُولُونَهُ مَحْذُورٌ عَظِيمٌ، مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ. وأمّا ابْتِغاءُ السَّبِيلِ إلَيْهِ تَعالى بِالتَّقَرُّبِ، فَلَيْسَ مِمّا يَخْتَصُّ بِهَذا التَّقْرِيرِ، ولا هو مِمّا يَلْزَمُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. بَلْ هو أمْرٌ يَعْتَقِدُونَهُ رَأْسًا. انْتَهى. ومَعْنى: ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ عَنِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ تَنَزُّهًا حَقِيقًا بِهِ: ﴿وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ أيْ: تَعاظَمَ عَنْ ذَلِكَ تَعاظُمًا كَبِيرًا. فَإنَّ مِثْلَ هَذِهِ الفِرْيَةِ والبُهْتانِ، مِمّا يَتَنَزَّهُ عَنْهُ مَقامُهُ الأسْمى.
قالَ الشِّهابُ: وذَكَرَ العُلُوَّ، بَعْدَ عُنْوانِهِ بِـ (ذِي العَرْشِ) . في أعْلى مَراتِبِ البَلاغَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] أيْ: تَنَزَّهَ اللَّهُ، وتُقَدِّسُهُ وتُجِلُّهُ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ مِنَ المَخْلُوقاتِ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ. وتَشْهَدُ جَمِيعُها لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ في إلَهِيَّتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، كَما قالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] أيْ: لِأنَّها بِخِلافِ لُغاتِكم.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا عامٌّ في الحَيَواناتِ والجَماداتِ والنَّباتاتِ، عَلى أشْهَرِ القَوْلَيْنِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِما صَحَّ مِن تَسْبِيحِ الطَّعامِ، والحَصا، مِمّا خَرَجَ في الصَّحِيحَيْنِ والمَسانِيدِ، مِمّا هو مَشْهُورٌ. (p-٣٩٣٣)واخْتارَهُ الرّاغِبُ في (مُفْرَداتِهِ) وقالَ: إنَّهُ تَسْبِيحٌ عَلى الحَقِيقَةِ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ودَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ومَن فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤] بَعْدَ ذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ (يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ويَسْجُدُ لَهُ مَن في الأرْضِ) لِأنَّ هَذا مَن نَفْقَهُهُ، ولِأنَّهُ مُحالٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَقْدِيرَهُ. ثُمَّ يَعْطِفُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤] والأشْياءُ كُلُّها تُسَبِّحُ لَهُ وتَسْجُدُ بَعْضُها بِالتَّسْخِيرِ وبَعْضُها بِالِاخْتِيارِ. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَذْكُوراتِ تُسَبِّحُ بِاخْتِيارٍ، لِما ذَكَرَ مِنَ الدَّلالَةِ. انْتَهى.
وذَهَبَ كَثِيرُونَ إلى أنَّ التَّسْبِيحَ المَذْكُورَ مَجازِيٌّ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ أوِ التَّبَعِيَّةِ، كَـ: (نَطَقَتِ الحالُ) فَإنَّهُ اسْتُعِيرَ فِيهِ لِلتَّسْبِيحِ لِلدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ فاعِلٍ قادِرٍ حَكِيمٍ واجِبِ الوُجُودِ، مُنَزَّهٍ عَنِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ، كَما يَدُلُّ الأثَرُ عَلى مُؤَثِّرِهِ. فَجُعِلَتْ تِلْكَ الدَّلالَةُ الحالِيَّةُ كَأنَّهُ تَنْزِيهٌ لَهُ عَمّا يُخالِفُهُ.
؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
قالُوا: والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] لِلْمُشْرِكِينَ. أيْ: لِإخْلالِكم بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي بِهِ يُفْهَمُ تَسْبِيحُهم. وقَدْ بالَغَ في رَدِّ القَوْلِ الأوَّلِ واخْتِيارِ الثّانِي، الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في كِتابِهِ " المِلَلُ والنِّحَلُ " ولا بَأْسَ بِإيرادِهِ، لِما فِيهِ مِنَ الغَرائِبِ.
قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في الرَّدِّ عَلى مَن قالَ: (إنَّ في البَهائِمِ رَسْلًا): إنَّما يُخاطِبُ اللَّهُ تَعالى بِالحُجَّةِ مَن يَعْقِلُها. قالَ اللَّهُ تَعالى: { يا أُولِي الألْبابِ }، وقَدْ عَلِمْنا بِضَرُورَةِ الحُسْنِ؛ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَصَّ بِالنُّطْقِ - الَّذِي هو التَّصَرُّفُ في العُلُومِ ومَعْرِفَةُ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، والتَّصَرُّفُ في الصِّناعاتِ عَلى اخْتِلافِها - الإنْسانَ خاصَّةً. وأضَفْنا إلَيْهِمْ، بِالخَبَرِ الصّادِقِ، الجِنَّ والمَلائِكَةَ. ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَدْ قادَ السُّخْفُ بَعْضَهم إلى أنْ جَعَلَ لِلْجَماداتِ تَمْيِيزًا لِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] ونَحْوِهِ مِنَ الآياتِ. ولا حُجَّةَ لَهم فِيهِ؛ (p-٣٩٣٤)لِأنَّ القُرْآنَ واجِبٌ أنْ يُحْمَلَ عَلى ظاهِرِهِ، كَذَلِكَ كَلامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ومَن خالَفَ ذَلِكَ كانَ عاصِيًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مُبَدِّلًا لِكَلِماتِهِ، ما لَمْ يَأْتِ نَصٌّ في أحَدِهِما، أوْ إجْماعٌ مُتَيَقَّنٌ، أوْ ضَرُورَةُ حِسٍّ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِ، فَيُوقَفُ عِنْدَ ذَلِكَ. ويَكُونُ مَن حَمَلَهُ عَلى ظاهِرِهِ حِينَئِذٍ ناسِبًا الكَذِبَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ كاذِبًا عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن كِلا الوَجْهَيْنِ.
وإذْ قَدْ بَيَّنّا قَبْلُ بِالبَراهِينِ الضَّرُورِيَّةِ؛ أنَّ الحَيَوانَ (غَيْرَ الإنْسانِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ) لا نُطْقَ لَهُ. نَعْنِي أنَّهُ لا تَصَرُّفَ لَهُ في العُلُومِ والصِّناعاتِ. وكانَ هَذا القَوْلُ مُشاهَدًا بِالحِسِّ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ، لا يُنْكِرُهُ إلّا وقِحٌ مُكابِرٌ لِحِسِّهِ، وبَيَّنّا أنَّ كُلَّ ما كانَ بِخِلافِ التَّمْيِيزِ المَعْهُودِ عِنْدَنا، فَإنَّهُ لَيْسَ تَمْيِيزًا. وكانَ هَذا أيْضًا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ والعِيانِ والمُشاهَدَةِ؛ فَوَجَبَ أنَّهُ بِخِلافِ ما يُسَمّى في الشَّرِيعَةِ واللُّغَةِ نُطْقًا وقَوْلًا وتَسْبِيحًا وسُجُودًا. فَقَدْ وجَبَ أنَّها أسْماءٌ مُشْتَرَكَةٌ اتَّفَقَتْ ألْفاظُها. وأمّا مَعانِيها فَمُخْتَلِفَةٌ، لا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَحْمِلَها عَلى غَيْرِ هَذا؛ لِأنَّهُ إنْ فَعَلَ كانَ مُخْبِرًا أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ ما يُبْطِلُهُ العِيانُ والعَقْلُ الَّذِي بِهِ عَرَفْنا اللَّهَ تَعالى، ولَوْلاهُ ما عَرَفْناهُ.
فاللَّفْظُ مُشْتَرَكٌ والمَعْنى هو ما قامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، بَيانُ ذَلِكَ: أنَّ التَّسْبِيحَ عِنْدَنا إنَّما هو قَوْلُ (سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ) وبِالضَّرُورَةِ نَعْلَمُ أنَّ الحِجارَةَ والخَشَبَ والهَوامَّ والحَشَراتِ والألْوانَ لا تَقُولُ ) سُبْحانَ اللَّهِ، بِالسِّينِ والباءِ والحاءِ والألِفِ والنُّونِ واللّامِ والهاءِ ) هَذا ما لا يَشُكُّ فِيهِ مِن لَهُ مُسْكَةُ عَقْلٍ. فَإذْ لا شَكَّ في هَذا، فَبِاليَقِينِ عَلِمْنا أنَّ التَّسْبِيحَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى هو حَقٌّ وهو مَعْنًى غَيْرُ تَسْبِيحِنا نَحْنُ بِلا شَكٍّ. فَإذْ لا شَكَّ في هَذا فَإنَّ التَّسْبِيحَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنِ السُّوءِ. فَإذا قَدْ صَحَّ هَذا؛ فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ في العالَمِ بِلا شَكٍّ مُنَزِّهٌ لِلَّهِ تَعالى عَنِ السُّوءِ الَّذِي هو صِفَةُ الحُدُوثِ. ولَيْسَ في العالَمِ شَيْءٌ إلّا وهو دالٌّ (بِما فِيهِ مِن دَلائِلِ الصَّنْعَةِ واقْتِضائِهِ صانِعًا لا يُشْبِهُهُ) عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ (p-٣٩٣٥)سُوءٍ ونَقْصٍ، وهَذا هو الَّذِي لا يَفْهَمُهُ ولا يَفْقَهُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] فَهَذا هو تَسْبِيحُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى بِلا شَكٍّ. وهَذا المَعْنى حَقٌّ لا يُنْكِرُهُ مُوَحِّدٌ. فَإنْ كانَ قَوْلُنا هَذا مُتَّفَقًا عَلى صِحَّتِهِ، وكانَتِ الضَّرُورَةُ تُوجِبُ أنَّهُ لَيْسَ هو التَّسْبِيحَ المَعْهُودَ عِنْدَنا، فَقَدْ ثَبَتَ قَوْلُنا وانْتَفى قَوْلُ مَن خالَفْنا بِظَنِّهِ.
وأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] والكافِرُ الدَّهْرِيُّ شَيْءٌ لا يَشُكُّ في أنَّهُ شَيْءٌ، وهو لا يُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى البَتَّةَ، فَصَحَّ ضَرُورَةُ أنَّ الكافِرَ يُسَبِّحُ؛ إذْ هو مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ الَّتِي تُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى. وإنَّ تَسْبِيحَهُ لَيْسَ هو قَوْلَهُ (سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ) بِلا شَكٍّ. ولَكِنْ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعالى بِدَلائِلِ خَلْقِهِ وتَرْكِيبِهِ عَنْ أنْ يَكُونَ الخالِقُ مُشْبِهًا لِشَيْءٍ مِمّا خَلَقَ. وهَذا يَقِينِيٌّ لا شَكَّ فِيهِ.
فَصَحَّ بِما ذَكَرْنا أنَّ لَفْظَةَ (التَّسْبِيحِ) هي مِنَ الأسْماءِ المُشْتَرَكَةِ، وهي الَّتِي تَقَعُ عَلى نَوْعَيْنِ فَصاعِدًا. انْتَهى كَلامُهُ.
ومُحَصِّلُهُ: نَفْيُ أنْ يَكُونَ لِلْجَماداتِ تَسْبِيحٌ وتَمْيِيزٌ بِالمَعْنى المَوْجُودِ في الإنْسانِ. وهو حَقٌّ لا شُبْهَةَ فِيهِ ولا يَسُوغُ لِأحَدٍ إنْكارُهُ. إلّا أنَّهُ لا يَنْفِي أنْ يَكُونَ لَهُ تَسْبِيحٌ وفِيهِ تَمْيِيزٌ يُناسِبُهُ، فَيَرْجِعُ الخِلافُ لَفْظِيًّا. وقَدْ وافَقَ العِلْمُ الحَدِيثُ الآنَ - كَما قالَهُ بَعْضُ الفُضَلاءِ - عَلى أنْ في الجَمادِ أثَرًا مِنَ الحَياةِ. وأنَّ فِيهِ جَمِيعَ الصِّفاتِ الجَوْهَرِيَّةِ الَّتِي تُمَيِّزُ الأحْياءَ. وأنَّ ما فِيهِ في الجَواهِرِ الفَرْدَةِ ودَقائِقِ المادَّةِ لَيْسَتْ مَيِّتَةً، بَلْ هي عَناصِرُ حَيَّةٌ مُتَحَرِّكَةٌ لَها صُورَةٌ مِن صُوَرِ الحَياةِ الدُّنْيا المُشاهَدَةِ في جَمِيعِ أنْواعِ المادَّةِ مِثْلَ الجَذْبِ، والدَّفْعِ، والتَّأثُّرِ بِالمُؤَثِّراتِ الخارِجِيَّةِ، وتَغَيُّرِ قُوَّةِ التَّوازُنِ، وتَجَمُّعِ الدَّقائِقِ عَلى أشْكالٍ مُنْتَظِمَةٍ، طِبْقًا لِتَراكِيبَ مَحْدُودَةٍ، وإفْرازِ مُرَكَّباتٍ كِيماوِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ. وبِالجُمْلَةِ؛ فَما يَقُولُهُ العِلْمُ الجَدِيدُ عَنْ مُشابَهَةِ الأجْسامِ غَيْرِ الحَيَّةِ لِلْأجْسامِ الحَيَّةِ يُطابِقُ تَصَوُّراتِ الأقْدَمِينَ والشُّعَراءِ في ذَلِكَ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤] أيْ: حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، مَعَ كُفْرِهِمْ وقُصُورِهِمْ في النَّظَرِ. ولَوْ تابُوا لَغَفَرَ لَهم ما كانَ مِنهم.
(p-٣٩٣٦)ثُمَّ مَثَّلَ تَعالى حالَةَ المُشْرِكِينَ مَعَ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ، حِينَما يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمُ الرَّسُولُ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، يَدْعُوهم إلى العَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، ورَفْضِ الشِّرْكَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن ضَلالِهِمْ، بِمَن طَمَسَ عَلى بَصِيرَتِهِ وبَصَرِهِ وسَمْعِهِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:
17:45Page 286
وَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ جَعَلۡنَا بَيۡنَكَ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ حِجَابٗا مَّسۡتُورٗا ٤٥
And when you recite the Qur’ān, We put between you and those who do not believe in the Hereafter a concealed partition.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٥] ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ .
﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ أيْ: عَلى هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ: ﴿جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُونَ بِالبَعْثِ ولا يُقِرُّونَ بِالثَّوابِ والعِقابِ، جَزاءً عَلى الأعْمالِ: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ أيْ: مِنَ الجَهْلِ وعَمى القَلْبِ. فَيَحْجُبُ قُلُوبَهم عَنْ أنْ يَفْهَمُوا ما تَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمْ فَيَنْتَفِعُوا بِهِ؛ عُقُوبَةً مِنّا لَهم عَلى كُفْرِهِمْ.
ومَعْنى كَوْنِ الحِجابِ مَسْتُورًا، أيْ: عَنِ العُيُونِ، فَلا تُدْرِكُهُ أبْصارُهم. وعَنِ الأخْفَشِ: إنَّ (مَفْعُولًا) يَرِدُ بِمَعْنى (فاعِلٍ) كَمَيْمُونٍ ومَشْئُومٍ بِمَعْنى يامِنٍ وشائِمٍ. كَما أنَّ (فاعِلًا) يَرِدُ بِمَعْنى (مَفْعُولٍ) كَماءٍ دافِقٍ.
17:46Page 286
وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا ٤٦
And We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And when you mention your Lord alone in the Qur’ān, they turn back in aversion.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٦] ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ .
﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ: أغْطِيَةً كَثِيرَةً، جَمْعُ (كِنانٍ): ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ: ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ: صَمَمًا يَمْنَعُهم مِنِ اسْتِماعِهِ. وذَلِكَ ما يَتَغَشّاها مِن خِذْلانِ اللَّهِ تَعالى إيّاها، عَنْ فَهْمِ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ والإنْصاتِ لَهُ.
(p-٣٩٣٧)قالَ أبُو السُّعُودِ: هَذِهِ تَمْثِيلاتٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ كَمالِ جَهْلِهِمْ بِشُئُونِ النَّبِيِّ ﷺ، وفَرْطِ نُبُوُّ قُلُوبِهِمْ عَنِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ. جِيءَ بِها بَيانًا لِعَدَمِ فِقْهِهِمْ لِتَسْبِيحِ لِسانِ المَقالِ، إثْرَ بَيانِ عَدَمِ فِقْهِهِمْ لِتَسْبِيحِ لِسانِ الحالِ، وإيذانًا بِأنَّ هَذا التَّسْبِيحَ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يُصَوِّرُ عَدَمَ فَهْمِهِ، إلّا لِمانِعٍ قَوِيٍّ يَعْتَرِي المَشاعِرَ فَيُبْطِلُها؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حالَهم هَذا أقْبَحُ مِن حالِهِمُ السّابِقِ.
﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ﴾ أيْ: غَيْرُ مَشْفُوعٍ بِذِكْرِهِ ذِكْرَ شَيْءٍ مِن آلِهَتِهِمْ: ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ أيْ: هَرَبًا مِنِ اسْتِماعِ التَّوْحِيدِ. قالَ القاشانِيُّ: لِتَشَتُّتِ أهْوائِهِمْ، وتَفَرُّقِ هَمِّهِمْ في عِبادَةِ مُتَعَبَّداتِهِمْ، مِن أصْنافِ الجُسْمانِيّاتِ والشَّهَواتِ. فَلا يُناسِبُ بَواطِنَهم مَعْنى الوَحْدَةِ؛ لِتَأْلَفَها بِالكَثْرَةِ واحْتِجابِها بِها. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمّا يَتَناجى بِهِ المُشْرِكُونَ، رُؤَساءُ قُرَيْشٍ، بِقَوْلِهِ مُتَوَعِّدًا لَهم:
17:47–48Page 286
نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَسۡتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذۡ يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰٓ إِذۡ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٤٧
We are most knowing of how they listen to it when they listen to you and [of] when they are in private conversation, when the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."
ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٤٨
Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٧-٤٨] ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٨] .
﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِسَبَبِهِ أوْ لِأجْلِهِ مِنَ الهَزْءِ والِاسْتِخْفافِ واللَّغْوِ: ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ أيْ: سُحِرَ، فَجُنَّ فاخْتَلَطَ كَلامُهُ.
﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ [الإسراء: ٤٨] أيْ: مَثَّلُوكَ بِالشّاعِرِ والسّاحِرِ المَجْنُونِ: ﴿فَضَلُّوا﴾ [الإسراء: ٤٨] أيْ: عَنِ الحَقِّ والهِدايَةِ بِكَ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٨] أيْ: فَلا يَهْتَدُونَ لِطَرِيقِ الحَقِّ لِضَلالِهِمْ عَنْهُ وبُعْدِهِمْ مِنهُ، وأنَّ اللَّهَ قَدْ خَذَلَهم عَنْ إصابَتِهِ. أوِ المَعْنى فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى طَعْنٍ يُمْكِنُ أنْ يَقْبَلَهُ أحَدٌ، بَلْ يَخْبِطُونَ بِما لا يَرْتابُ في بُطْلانِهِ أحَدٌ. كالمُتَحَيِّرِ في أمْرِهِ لا يَدْرِي ماذا يَصْنَعُ.
(p-٣٩٣٨)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences