Al-QasimiMaryam · 19:76–98

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:76–98

19:76Page 310

وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ هُدٗىۗ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٞ مَّرَدًّا ٧٦

And Allāh increases those who were guided, in guidance, and the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for recourse.

(p-٤١٦٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٦] ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ .

﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ أيِ: الأعْمالُ الَّتِي تَبْقى فَوائِدُها: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ أيْ: مَرْجِعًا. وتَكْرِيرُ الخَيْرِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِهِ.

19:77Page 311

أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالٗا وَوَلَدًا ٧٧

Then, have you seen he who disbelieved in Our verses and said, "I will surely be given wealth and children [in the next life]"?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٧] ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا﴾ .

﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لأُوتَيَنَّ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ: ﴿مالا ووَلَدًا﴾ أيِ: انْظُرْ إلى هَذا القائِلِ المُجْتَرِئِ عَلى الغَيْبِ ما أكْفَرَهُ.

19:78Page 311

أَطَّلَعَ ٱلۡغَيۡبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا ٧٨

Has he looked into the unseen, or has he taken from the Most Merciful a promise?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٨] ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ .

﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ أيْ: بِذَلِكَ، لِأنَّهُ لا يُتَوَصَّلُ إلى العِلْمِ بِهِ إلّا بِأحَدِ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ.

19:79–80Page 311

كـَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدّٗا ٧٩

No! We will record what he says and extend [i.e., increase] for him from the punishment extensively.

وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأۡتِينَا فَرۡدٗا ٨٠

And We will inherit him [in] what he mentions,1 and he will come to Us alone.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٩] ﴿كَلا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ [٨٠] ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] .

﴿كَلا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ أيْ: نَحْفَظُهُ عَلَيْهِ لِلْمُؤاخَذَةِ بِهِ: ﴿ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ بِمُضاعَفَتِهِ لَهُ، جَزاءً لِاسْتِهْزائِهِ.

﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] أيْ: نَنْزِعُ عَنْهُ ما آتَيْناهُ مِن مالٍ ووَلَدٍ، (p-٤١٦١)فَلا يَبْقَيانِ لَهُ حَتّى يُمْكِنَها قَطْعَ العَذابِ عَنْهُ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] أيْ: في الحَشْرِ، لا يَصْحَبُهُ مالٌ ولا ولَدٌ. فَما يُجْدِي عَلَيْهِ تَمَنِّيهِ وتَألِّيهِ.

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ: عَنْ خَبّابٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: كُنْتُ قَيِّنًا -حَدّادًا- في الجاهِلِيَّةِ بِمَكَّةَ. فَعَمِلْتُ لِلْعاصِ بْنِ وائِلٍ سَيْفًا، فَجِئْتُ أتَقاضاهُ فَقالَ: لا أقْضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. قُلْتُ: لَنْ أكْفُرَ بِهِ حَتّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ. قالَ. فَذَرْنِي حَتّى أمُوتَ، ثُمَّ أُبْعَثَ فَسَوْفَ أُوتى مالًا ووَلَدًا فَأقْضِيكَ. فَنَزَلَتِ الآيَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَهُ في القُرْآنِ.

19:81Page 311

وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لِّيَكُونُواْ لَهُمۡ عِزّٗا ٨١

And they have taken besides Allāh [false] deities that they would be for them [a source of] honor.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨١] ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ .

﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ أيْ: لِيَتَعَزَّزُوا بِهِمْ، بِأنْ يَكُونُوا لَهم وصْلَةً إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وشُفَعاءَ عِنْدَهُ.

19:82Page 311

كـَلَّاۚ سَيَكۡفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمۡ وَيَكُونُونَ عَلَيۡهِمۡ ضِدًّا ٨٢

No! They [i.e., those "gods"] will deny their worship of them and will be against them opponents [on the Day of Judgement].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٢] ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ .

﴿كَلا﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، ولا يَكُونُ ما طَمِعُوا: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ أيْ: سَتَجْحَدُ الآلِهَةُ اسْتِحْقاقَهم لِلْعِبادَةِ: ﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ أيْ: يُرِيدُونَ إهْلاكَهُمْ، إذا أوْقَعُوهم في هَلاكِ دَعْوى الشِّرْكِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦] وقالَ تَعالى: ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ (p-٤١٦٢)فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦] قِيلَ: المُرادُ بِالآلِهَةِ مَن عُبِدَ مِن ذَوِي العِلْمِ. لِإطْلاقِ ضَمِيرِ العُقَلاءِ عَلَيْهِمْ ونُطْقِهِمْ. وقِيلَ: الأصْنامُ. بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِيهِمْ قُوَّةَ النُّطْقِ، فَيُطْلَقُ عَلَيْهِمْ ما يُطْلَقُ عَلى العُقَلاءِ. وقِيلَ: الأعَمُّ مِنهُما، وهو الأظْهَرُ.

19:83Page 311

أَلَمۡ تَرَ أَنَّآ أَرۡسَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمۡ أَزّٗا ٨٣

Do you not see that We have sent the devils upon the disbelievers, inciting them [to evil] with [constant] incitement?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٣] ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ .

﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ: بِأنْ سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ ومَكَّنّاهم مِن إضْلالِهِمْ. أوْ قَيَّضْناهم لَهم يَغْلِبُونَ عَلَيْهِمْ: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ أيْ: تُغْرِيهِمْ وتُهَيِّجُهم عَلى المَعاصِي، بِالتَّسْوِيلاتِ وتَحْبِيبِ الشَّهَواتِ، تَهْيِجًا شَدِيدًا.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الأزُّ والهَزُّ والِاسْتِفْزازُ أخَواتٌ. ومَعْناها التَّهْيِيجُ وشِدَّةُ الإزْعاجِ والمُرادُ تَعْجِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَعْدَ الآياتِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها العُتاةُ والمَرَدَةُ مِنَ الكُفّارِ، وأقاوِيلُهم ومَلّاحاتُهم ومُعانَدَتُهم لِلرُّسُلِ، واسْتِهْزاؤُهم واجْتِماعُهم عَلى دَفْعِ الحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِهِ وانْتِفاءِ الشَّكِّ عَنْهُ، وانْهِماكُهم لِذَلِكَ في اتِّباعِ الشَّياطِينِ وما تُسَوِّلُ لَهم. فَهَذِهِ الآيَةُ كالتَّذْيِيلِ لِما قَبْلَها وقَوْلُهُ تَعالى:

19:84Page 311

فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدّٗا ٨٤

So be not impatient over them. We only count out [i.e., allow] to them a [limited] number.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٤] ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ .

﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِوُقُوعِ العَذابِ بِهِمْ لِتُطَهِّرَ الأرْضَ مِنهم. و(الفاءُ) لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ ما قَبْلَها مَظِنَّةً لِوُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ، مُحَوِّجَةً إلى النَّهْيِ. يُقالُ: عَجَّلْتَ عَلَيْهِ بِكَذا إذا اسْتَعْجَلْتَهُ مِنهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجَبِ النَّهْيِ، بِبَيانِ اقْتِرابِ هَلاكِهِمْ. أيْ: إنَّما نُؤَخِّرُهم لِأجَلٍ مَعْدُودٍ مَضْبُوطٍ، ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]

(p-٤١٦٣)قالَ الشِّهابُ: العَدُّ كِنايَةٌ عَنِ القِلَّةِ. وقِلَّتُهُ لِتَقَضِّيهِ وفَنائِهِ، كَما قالَ المَأْمُونُ (ما كانَ ذا عَدَدٍ، لَيْسَ لَهُ مَدَدٌ، فَما أسْرَعَ ما نَفِدَ) ولا يُنافِي هَذا ما مَرَّ أنَّهُ يَمُدُّ لِمَن كانَ في الضَّلالَةِ. أيْ: يُطَوِّلُ. لِأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِظاهِرِ الحالِ عِنْدَهم. وهو قَلِيلٌ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِهِ وعِنْدَ اللَّهِ. ولِلَّهِ دَرُّ القائِلِ:

؎إنَّ الحَبِيبَ مِنَ الأحْبابِ مُخْتَلَسٌ لا يَمْنَعُ المَوْتَ بَوّابٌ ولا حَرَسُ

؎وكَيْفَ يَفْرَحُ بِالدُّنْيا ولَذَّتِها فَتًى ∗∗∗ يُعَدُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ والنَّفَسُ

19:85Page 311

يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا ٨٥

On the Day We will gather the righteous to the Most Merciful as a delegation

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٥] ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ .

﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ أيْ: وافِدِينَ عَلَيْهِ. وأصْلُ الوُفُودِ القُدُومُ عَلى العُظَماءِ لِلْعَطايا والِاسْتِرْفادِ. فَفِيهِ إشارَةٌ إلى تَبْجِيلِهِمْ وتَعْظِيمِهِمُ، المَزُورَ والزّائِرَ.

19:86Page 311

وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدٗا ٨٦

And will drive the criminals to Hell in thirst

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٦] ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ .

﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ أيْ: عِطاشًا. وفي ذِكْرِهِمْ بِالسُّوقِ إشْعارٌ بِإهانَتِهِمْ واسْتِخْفافِهِمْ. كَأنَّهم نَعِمٌ عِطاشٌ تُساقُ إلى الماءِ. والوِرْدُ: الذَّهابُ إلى الماءِ، ويُطْلَقُ عَلى الذّاهِبِينَ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

19:87Page 311

لَّا يَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا ٨٧

None will have [power of] intercession except he who had taken from the Most Merciful a covenant.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٧] ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ .

﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ الضَّمِيرُ لِأصْنامِهْمِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها في قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١] رَدٌّ عَلى عابِدِيهِمْ في دَعْواهم (p-٤١٦٤)أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ. واتِّخاذُ العَهْدِ هو الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. أيْ: لَكِنَّ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَشْفَعُ لِلْعُصاةِ عَلى ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ العَهْدُ بِمَعْنى الإذْنِ والأمْرِ. يُقالُ: أخَذْتُ الإذْنَ في كَذا واتَّخَذْتُهُ بِمَعْنى. مِن بابِ عَهِدَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ بِكَذا إذا أمَرَهُ بِهِ. أيْ: لا يَشْفَعُ إلّا المَأْمُورُ بِالشَّفاعَةِ، المَأْذُونُ لَهُ فِيها. وتُعَضِّدُهُ مَواضِعُ في التَّنْزِيلِ: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦] ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣] ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ [طه: ١٠٩] ونَحْوَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ولَمّا قَرَّرَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ عُبُودِيَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَكَرَ خَلْقَهُ مِن مَرْيَمَ بِلا أبٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ حِكايَةَ جِنايَتِهِمْ مِن دَعْوى النُّبُوَّةِ لَهُ، مَهُولًا لِأمْرِها. وكَذا جِنايَةُ أمْثالِهِمْ مِنَ اليَهُودِ والعَرَبِ مِمَّنْ يُسَمِّي بَعْضَ المَخْلُوقاتِ ابْنًا أوْ بِنْتًا لَهُ، تَعالى وتَقَدَّسَ- عَطَفَ قِصَّتَهُ عَلى قِصَّتِهِ بِقَوْلِهِ:

19:88–89Page 311

وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗا ٨٨

And they say, "The Most Merciful has taken [for Himself] a son."

لَّقَدۡ جِئۡتُمۡ شَيۡـًٔا إِدّٗا ٨٩

You have done an atrocious thing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٨] ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [٨٩] ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] .

﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] أيْ: عَظِيمًا مُنْكَرًا. وفي رَدِّ مَقالَتِهِمْ وتَهْوِيلِ أمْرِها بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، إشْعارٌ بِشِدَّةِ الغَضَبِ المُفْصِحِ عَنْ غايَةِ التَّشْنِيعِ، والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِنِهايَةِ الوَقاحَةِ والجَراءَةِ والجَهْلِ.

19:90–93Page 311

تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ وَتَنشَقُّ ٱلۡأَرۡضُ وَتَخِرُّ ٱلۡجِبَالُ هَدًّا ٩٠

The heavens almost rupture therefrom and the earth splits open and the mountains collapse in devastation

أَن دَعَوۡاْ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٗا ٩١

That they attribute to the Most Merciful a son.

وَمَا يَنۢبَغِي لِلرَّحۡمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ٩٢

And it is not appropriate for the Most Merciful that He should take a son.

إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا ٩٣

There is no one in the heavens and earth but that he comes to the Most Merciful as a servant.

ثُمَّ وصَفَ شِدَّةَ شَأْنِ مَقُولِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

(p-٤١٦٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٠] ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [٩١] ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩١] [٩٢] ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] [٩٣] ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] .

﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ أيْ: يَتَشَقَّقْنَ: ﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ﴾ [مريم: ٩١] أيْ: لِأنْ: ﴿دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩١] وذَلِكَ لِغَيْرَتِها عَلى المَقامِ الرَّبّانِيِّ الأحَدِيِّ أنْ يُنْسَبَ لَهُ ما يُنَزَّهُ عَنْهُ ويُعِرْ بِحاجَتِهِ ووُجُودِ كُفْءٍ لَهُ وفَنائِهِ. وذَلِكَ لِأنَّ الوِلادَةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ الحَيِّ الَّذِي لَهُ مِزاجٌ فَهو مُرَكَّبٌ ونِهايَتُهُ إلى انْحِلالٍ وفَناءٍ، وهو سُبْحانَهُ تَنَزَّهَ عَنْ ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] أيْ: مَمْلُوكًا لَهُ يَأْوِي إلَيْهِ بِالعُبُودِيَّةِ والذُّلِّ.

19:94–95Page 311

لَّقَدۡ أَحۡصَىٰهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدّٗا ٩٤

He has enumerated them and counted them a [full] counting.

وَكُلُّهُمۡ ءَاتِيهِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَرۡدًا ٩٥

And all of them are coming to Him on the Day of Resurrection alone.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٤] ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ [٩٥] ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] .

﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهُمْ﴾ أيْ: حَصَرَهم وأحاطَ بِهِمْ إحاطَةً لا يَخْرُجُ بِها أحَدٌ عَنْ حِيطَةِ عِلْمِهِ وقَبْضَةِ قُدْرَتِهِ: ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] أيْ: مُنْفَرِدًا مُجَرَّدًا مِنَ الأتْباعِ والأنْصارِ، وعَمَّنْ زَعَمَ أنَّهُ لَهُ مِنَ الشُّفَعاءِ. فَإنَّهم مِنهم بُرَآءُ.

19:96Page 312

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا ٩٦

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - the Most Merciful will appoint for them affection.1

ولَمّا فَصَّلَ مَساوِئَ الكَفَرَةِ، تَأثُّرَهُ بِمَحاسِنِ البَرَرَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

(p-٤١٦٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ .

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ أيْ: يَغْرُسُ لَهم في قُلُوبِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ مَحَبَّةً ومَوَدَّةً، مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْأسْبابِ الَّتِي تُكْسِبُ الوِدَّ. كَذا قالُوا في تَأْوِيلِهِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ أنَّهُ يَهَبُ لَهم ما يُحِبُّونَ. قالَ: والوِدُّ والمَحَبَّةُ سَواءٌ. آتَيْتُ فُلانًا مَحَبَّتَهُ. وجَعَلَ لَهم ما يُحِبُّونَ وجَعَلْتُ لَهُ وِدَّهُ. ومِن كَلامِهِمْ: ودِدْتُ لَوْ كانَ كَذا. أيْ: أحْبَبْتُ. فَمَعْناهُ سَيُعْطِيهِمُ الرَّحْمَنُ وِدَّهم أيْ: مَحْبُوبُهم في الجَنَّةِ. ثُمَّ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: وهَذا القَوْلُ الثّانِي أوْلى لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: كَيْفَ يَصِحُّ القَوْلُ الأوَّلُ مَعَ عِلْمِنا بِأنَّ المُسْلِمَ المُتَّقِيَ يَبْغُضُهُ الكُفّارُ وقَدْ يَبْغُضُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ؟

وثانِيها: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَحَبَّةِ قَدْ تَحْصُلُ لِلْكُفّارِ والفُسّاقِ أكْثَرَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ إنْعامًا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ؟

وثالِثُها: أنَّ مَحَبَّتَهم في قُلُوبِهِمْ مِن فِعْلِهِمْ. فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى إعْطاءِ المَنافِعِ الأُخْرَوِيَّةِ أوْلى. انْتَهى. وقَدْ حاوَلَ الرّازِيُّ التَّمْوِيهَ في اخْتِيارِ الأوَّلِ والجَوابِ عَنِ الثّانِي. والحَقُّ أحَقُّ. وقَوْلُهُ تَعالى:

19:97Page 312

فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلۡمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوۡمٗا لُّدّٗا ٩٧

So, [O Muḥammad], We have only made it [i.e., the Qur’ān] easy in your tongue [i.e., the Arabic language] that you may give good tidings thereby to the righteous and warn thereby a hostile people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٧] ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ .

﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ أيْ: سَهَّلْنا هَذا القُرْآنَ بِلُغَتِكَ: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ اتَّقَوْا عِقابَ اللَّهِ، بِأداءِ فَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، بِالجَنَّةِ: ﴿وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ أيْ تُخَوِّفُ بِهَذا القُرْآنِ عَذابَ اللَّهِ قَوْمَكَ مِن بَنِي قُرَيْشٍ. فَإنَّهم أهْلُ لُدَدٍ وجَدَلٍ بِالباطِلِ، لا يَقْبَلُونَ الحَقَّ واللُّدَدُ شِدَّةُ الخُصُومَةِ. والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِلِسانِكَ﴾ بِمَعْنى عَلى. أيْ: عَلى لُغَتِكَ. أوْ ضَمَّنَ (التَّيْسِيرَ) مَعْنى (الإنْزالِ) أيْ: يَسَّرْنا القُرْآنَ، مُنْزِلِينَ لَهُ بِلُغَتِكَ، لِيَسْهُلَ تَبْلِيغُهُ وفَهْمُهُ وحِفْظُهُ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ خاتِمَةُ السُّورَةِ ومَقْطَعُها. فَكَأنَّهُ قالَ: بَلِّغْ هَذا المُنْزَلَ، أوْ بَشِّرْ بِهِ وأنْذِرْ، فَإنَّما أنْزَلْناهُ إلَخْ، أيْ: فالفاءُ لِتَعْلِيلِ أمْرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ.

(p-٤١٦٧)وقالَ الرّازِيُّ: بَيَّنَ بِهِ بِهَذا، عَظِيمَ مَوْقِعِ هَذِهِ السُّورَةِ، لِما فِيها مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، والرَّدِّ عَلى فِرَقِ المُضِلِّينَ المُبْطِلِينَ. وأنَّهُ يَسَّرَ ذَلِكَ لِتَبْشِيرِ المُتَّقِينَ وإنْذارِ مَن خالَفَهُمْ، وقَدْ ذَكَّرَهم بِأبْلَغِ وصْفِ شَيِّءٍ وهو اللَّدَدُ. لِأنَّ الألَدَّ الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِالباطِلِ ويُجادِلُ فِيهِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِمَوْعِظَةٍ بَلِيغَةٍ، فَقالَ تَعالى:

19:98Page 312

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا ٩٨

And how many have We destroyed before them of generations? Do you perceive of them anyone or hear from them a sound?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٨] ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ .

﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ أيْ: قَوْمٍ لُدٍّ، مِثْلَ هَؤُلاءِ، إهْلاكًا عَظِيمًا: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ أيْ: تَشْعُرُ بِهِ وتَراهُ: ﴿أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ أيْ: صَوْتًا خَفِيًّا.

والمَعْنى أنَّهم بادُوا وهَلَكُوا وخَلَتْ مِنهم دُورُهم وأوْحَشَتْ مِنهم مَنازِلُهم. وكَذَلِكَ هَؤُلاءِ صائِرُونَ إلى ما صارَ إلَيْهِ أُولَئِكَ، إنْ لَمْ يَتَدارَكُوا بِالتَّوْبَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском