Al-QasimiAl‑Baqarah · 2:107–115

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:107–115

2:107Page 17

أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٠٧

Do you not know that to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and [that] you have not besides Allāh any protector or any helper?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٧ ] ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾

﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو يَمْلِكُ أُمُورَكم ويُدَبِّرُها، وهو أعْلَمُ بِما يَتَعَبَّدُكم بِهِ مِن ناسِخٍ أوْ مَنسُوخٍ. "وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ" يَلِي أُمُورَكم (p-٢١٩)"ولا نَصِيرٍ" ناصِرٍ يَمْنَعُكم مِنَ العَذابِ.

وقَضِيَّةُ العِلْمِ بِما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، هو الجَزْمُ والإيقانُ بِأنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ بِهِمْ -فِي أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ أوْ دُنْياهُمْ- إلّا ما هو خَيْرٌ لَهم، والعَمَلُ بِمُوجِبِهِ مِنَ الثِّقَةِ بِهِ، والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وتَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ. مِن غَيْرِ إصْغاءٍ إلى أقاوِيلِ اليَهُودِ، وتَشْكِيكاتِها الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما قالُوا في أمْرِ النَّسْخِ، حَيْثُ أنْكَرُوا نَسْخَ أحْكامِ التَّوْراةِ، وجَحَدُوا نُبُوَّةَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِمَجِيئِهِما بِما جاءا بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِتَغْيِيرِ ما غَيَّرَ اللَّهُ مِن حُكْمِ التَّوْراةِ. فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ وسُلْطانَهُما، وأنَّ الخَلْقَ أهْلُ مَمْلَكَتِهِ وطاعَتِهِ. عَلَيْهِمُ السَّمْعُ والطّاعَةُ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، وأنَّ لَهُ أمْرَهم بِما يَشاءُ، ونَهْيَهم عَمّا يَشاءُ، ونَسْخَ ما يَشاءُ، وإقْرارَ ما يَشاءُ. والَّذِي حَمَلَ اليَهُودَ عَلى مَنعِ النَّسْخِ إنَّما هو الكُفْرُ والعِنادُ؛ وإلّا فَقَدَ وُجِدَ في شَرِيعَتِهِمُ النَّسْخُ بِكَثْرَةٍ.

وقَدْ ذَكَرَ العَلّامَةُ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ الهِنْدِيُّ في (إظْهارِ الحَقِّ) أمْثِلَةً وافِرَةً مِمّا وقَعَ مِن ذَلِكَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. فارْجِعْ إلَيْها في البابِ الثّالِثِ مِنهُ.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: قالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لَمّا قالَ المُشْرِكُونَ أوِ اليَهُودُ: إنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِأمْرٍ ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ ويَأْمُرُ بِخِلافِهِ. وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن نَسْخِ الحُكْمِ السّابِقِ: تَهَيُّؤُ النُّفُوسِ لِأرْقى مِنهُ. وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى "نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها" لِأنَّ الخالِقَ تَعالى رَبّى الأُمَّةَ العَرَبِيَّةَ في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً تَرْبِيَةً تَدْرِيجِيَّةً لا تَتِمُّ لِغَيْرِها -بِواسِطَةِ الفَواعِلِ الِاجْتِماعِيَّةِ- إلّا في قُرُونٍ عَدِيدَةٍ. لِذَلِكَ كانَتْ عَلَيْهِمُ الأحْكامُ عَلى حَسَبِ قابِلِيَّتِها، ومَتى ارْتَقَتْ قابِلِيَّتُها بَدَّلَ اللَّهُ لَها ذَلِكَ الحُكْمَ بِغَيْرِهِ. وهَذِهِ سُنَّةُ الخالِقِ في الأفْرادِ والأُمَمِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ. فَإنَّكَ لَوْ نَظَرْتَ في الكائِناتِ الحَيَّةِ -مِن أوَّلِ الخَلِيَّةِ النَّباتِيَّةِ إلى أرْقى شَكْلٍ مِن أشْكالِ الأشْجارِ، ومِن أوَّلِ رُتْبَةٍ مِن رُتَبِ الحَيَواناتِ إلى الإنْسانِ- لَرَأيْتَ (p-٢٢٠)أنَّ النَّسْخَ نامُوسٌ طَبِيعِيٌّ مَحْسُوسٌ في الأُمُورِ المادِّيَّةِ، والأدَبِيَّةِ مَعًا. . ! فَإنَّ انْتِقالَ الخَلِيَّةِ الإنْسانِيَّةِ إلى جَنِينٍ، ثُمَّ إلى طِفْلٍ، فَيافِعٍ، فَشابٍّ، فَكَهْلٍ، فَشَيْخٍ، وما يَتْبَعُ كُلَّ دَوْرٍ مِن هَذِهِ الأدْوارِ -مِنَ الأحْوالِ النّاسِخَةِ لِلْأحْوالِ الَّتِي قَبْلَها- يُرِيكَ بِأجْلى دَلِيلٍ: أنَّ التَّبَدُّلَ في الكائِناتِ نامُوسٌ طَبِيعِيٌّ مُحَقَّقٌ. وإذا كانَ هَذا النَّسْخُ لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ في الكائِناتِ، فَكَيْفَ يُسْتَنْكَرُ نَسْخُ حُكْمٍ وإبْدالُهُ بِحُكْمٍ آخَرَ في الأُمَّةِ، وهي في حالَةِ نُمُوٍّ وتَدَرُّجٍ مِن أدْنى إلى أرْقى ؟ هَلْ يَرى إنْسانٌ لَهُ مَسْكَةً مِن عَقْلٍ أنَّ مِنَ الحِكْمَةِ تَكْلِيفَ العَرَبِ -وهم في مَبْدَأِ أمْرِهِمْ- بِما يَلْزَمُ أنْ يَتَّصِفُوا بِهِ وهم في نِهايَةِ الرُّقِيِّ الإنْسانِيِّ، وغايَةِ الكَمالِ البَشَرِيِّ ..؟! وإذا كانَ هَذا يَصِحُّ، وجَبَ أنَّ الشَّرائِعَ تُكَلِّفُ الأطْفالَ بِما تُكَلِّفُ بِهِ الرِّجالَ، وهَذا لَمْ يَقُلْ بِهِ عاقِلٌ في الوُجُودِ. . . . ! وإذا كانَ هَذا لا يَقُولُ بِهِ عاقِلٌ في الوُجُودِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلى اللَّهِ -وهُوَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ- بِأنْ يُكَلِّفَ الأُمَّةَ -وهِيَ في دَوْرِ طُفُولِيَّتِها- بِما لا تَتَحَمَّلُهُ إلّا في دَوْرِ شُبُوبِيَّتِها وكُهُولَتِها ..؟ وأيُّ الأمْرَيْنِ أفْضَلُ: أشَرْعُنا الَّذِي سَنَّ اللَّهُ لَنا حُدُودَهُ بِنَفْسِهِ، ونَسَخَ مِنهُ ما أرادَ بِعِلْمِهِ، وأتَمَّهُ -بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ الإنْسُ والجِنُّ أنْ يَنْقُضُوا حَرْفًا مِنهُ- لِانْطِباقِهِ عَلى كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، وعَدَمِ مُجافاتِهِ لِأيِّ حالَةٍ مِن حالاتِ الإنْسانِ ..؟! أمْ شَرائِعُ دِينِيَّةٌ أُخْرى، حَرَّفَها كُهّانُها، ونَسَخَ الوُجُودُ أحْكامَها -بِحَيْثُ يَسْتَحِيلُ العَمَلُ بِها- لِمُنافاتِها لِمُقْتَضَياتِ الحَياةِ البَشَرِيَّةِ مِن كُلِّ وجْهٍ.؟! .

الثّانِي: أسْلَفْنا -فِي مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ- إلى أنَّ النَّسْخَ بِاصْطِلاحِ السَّلَفِ أعَمُّ مِنهُ في اصْطِلاحِ الخَلَفِ، بِما يَنْبَغِي مُراجَعَتُهُ.

2:108Page 17

أَمۡ تُرِيدُونَ أَن تَسۡـَٔلُواْ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٠٨

Or do you intend to ask1 your Messenger as Moses was asked before? And whoever exchanges faith for disbelief has certainly strayed from the soundness of the way.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٨ ] ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾

﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ (أمْ) هُنا، إمّا (p-٢٢١)مُتَّصِلَةٌ مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ في (ألَمْ تَعْلَمْ) أيْ ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّهُ مالِكُ الأُمُورِ، قادِرٌ عَلى الأشْياءِ كُلِّها، يَأْمُرُ ويَنْهى كَما أرادَ ... أمْ تَعْلَمُوا وتَقْتَرِحُونَ بِالسُّؤالِ -كَما اقْتَرَحَتِ اليَهُودُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ وإمّا مُنْقَطِعَةٌ -بِمَعْنى بَلْ- لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ عَنْ حَمْلِهِمْ عَلى العَمَلِ بِمُوجِبِ عِلْمِهِمْ بِما ذَكَرَ عِنْدَ ظُهُورِ بَعْضِ مَخايِلِ المُساهَلَةِ مِنهم في ذَلِكَ، وأماراتِ التَّأثُّرِ مِن أقاوِيلِ الكَفَرَةِ، إلى التَّحْذِيرِ مِن ذَلِكَ. ومَعْنى (الهَمْزَةِ) إنْكارُ وُقُوعِ الإرادَةِ مِنهم، واسْتِبْعادُهُ؛ لِما أنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ وازِعَةٌ عَنْها. وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإرادَةِ -دُونَ مُتَعَلِّقِها- لِلْمُبالَغَةِ في إنْكارِهِ واسْتِبْعادِهِ، بِبَيانِ أنَّهُ مِمّا لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ إرادَتُهُ، فَضْلًا عَنْ صُدُورِ نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ "ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ" أيْ: يَخْتَرْهُ، ويَأْخُذْهُ لِنَفْسِهِ "بِالإيمانِ" . بِمُقابَلَتِهِ بَدَلًا مِنهُ "فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ" أيْ عَدَلَ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى حُكْمٍ كُلِّيٍّ أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ المَثَلِ جِيءَ بِها لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنْ الِاقْتِراحِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ "أمْ تُرِيدُونَ" إلَخْ، مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ. ومَعْنى الآيَةِ لا تَقْتَرِحُوا فَتَضِلُّوا وسَطَ السَّبِيلِ ويُؤَدِّي بِكُمُ الضَّلالُ إلى البُعْدِ عَنِ المَقْصِدِ وتَبْدِيلِ الكُفْرِ بِالإيمانِ. فَظَهَرَ وجْهُ ذِكْرِ قَوْلِهِ "أمْ تُرِيدُونَ" إلَخْ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى "ما نَنْسَخْ" . فَإنَّ المَقْصُودَ مِن كُلٍّ مِنهُما تَثْبِيتُهم عَلى الآياتِ وتَوْصِيَتُهم بِالثِّقَةِ بِها.

قالَ الرّاغِبُ: فَإنْ قِيلَ ما فائِدَةُ قَوْلِهِ "ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ" إلَخْ ومَعْلُومٌ أنَّهُ بِدُونِ الكُفْرِ يَضِلُّ الإنْسانُ سَواءَ السَّبِيلِ فَكَيْفَ بِالكُفْرِ ؟ وقِيلَ مَعْنى ذَلِكَ مَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ ضَلَّ، قَبْلُ سَواءَ السَّبِيلِ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ أنَّ ضَلالَهُ سَواءَ السَّبِيلِ قادَهُ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ. ومَعْناهُ لا تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى فَتَضِلُّوا سَواءَ السَّبِيلِ فَيُؤَدِّي بِكم إلى تَبْدِيلِ الكُفْرِ بِالإيمانِ. فَمَبْدَأُ ذَلِكَ، الضَّلالُ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ سَمّى مُعانَدَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بَعْدَ حُصُولِ ما تَسْكُنُ النَّفْسُ إلَيْهِ كُفْرًا. إذْ هي مُؤَدِّيَةٌ إلَيْهِ. كَتَسْمِيَةِ العَصِيرِ خَمْرًا، فَقالَ "ومَن يَتَبَدَّلِ" أيْ يَطْلُبُ تَبْدِيلَ الكُفْرِ، أيِ المُعانَدَةُ الَّتِي هي مَبْدَأُ الكُفْرِ، بِالإيمانِ أيْ بِما حَصَلَ لَهُ مِنَ الدَّلالَةِ المُتَقَضِّيَةِ لِسُكُونِ النَّفْسِ، فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.

(p-٢٢٢)ووَجْهٌ ثالِثٌ وهو أنَّ ذَلِكَ نِهايَةُ التَّبْكِيتِ لِمَن ظَهَرَ لَهُ الحَقُّ فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الباطِلِ. وأنَّهُ كَمَن كانَ عَلى وضَحِ الطَّرِيقِ فَتاهَ فِيهِ.

ووَجْهٌ رابِعٌ وهو أنَّ "سَواءَ السَّبِيلِ" إشارَةٌ إلى الفِطْرَةِ الَّتِي فُطِرَ النّاسُ عَلَيْها. والإيمانُ إشارَةٌ إلى المُكْتَسَبِ مِن جِهَةِ الشَّرائِعِ فَقالَ "ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ" أيْ بِالإيمانِ المُكْتَسَبِ فَقَدْ أبْطَلَهُ، وضَيَّعَ الفِطْرَةَ الَّتِي فُطِرَ النّاسُ عَلَيْها فَلا يُرْجى لَهُ نُزُوعٌ عَمّا هو عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ.

هَذا. وما قَرَّرْناهُ في الآيَةِ مِن أنَّ الخِطابَ لِلْمُسْلِمِينَ هو ما يَتَرَجَّحُ ويَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] ويُرَشِّحُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ فَإنَّ مَوْقِعَ خِطابِهِ إنَّما يَتَّضِحُ مَعَ المُؤْمِنِينَ. ورَجَّحَ الرّازِيُّ كَوْنَ الخِطابِ مَعَ اليَهُودِ قالَ: لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِ قَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] حِكايَةٌ عَنْهم ومُحاجَّةٌ مَعَهم ولِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُ غَيْرِهِمْ في السِّياقِ، وقَدْ قَصَّ تَعالى عَنْهم سُؤالَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا﴾ [النساء: ١٥٣] الآيَةَ، وحِينَئِذٍ فَمَعْنى تَبَدَّلَ الكُفْرَ بِالإيمانِ، وهم بِمَعْزِلٍ مِنَ الإيمانِ، إعْراضُهم عَنْهُ، مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنهُ، وإيثارِهِمْ لِلْكُفْرِ عَلَيْهِ. كَما أنَّ إضافَةَ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ أنَّهم مِن أُمَّةِ الدَّعْوَةِ.

2:109Page 17

وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٠٩

Many of the People of the Scripture wish they could turn you back to disbelief after you have believed, out of envy from themselves [even] after the truth has become clear to them. So pardon and overlook until Allāh delivers His command. Indeed, Allāh is over all things competent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٩ ] ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا﴾ (p-٢٢٣)عِلَّةُ ودَّ ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ مِن صِحَّةِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِشَهادَةِ ما طابَقَهُ مِنَ التَّوْراةِ "فاعْفُوا واصْفَحُوا" أيْ أعْرِضُوا عَمّا يَكُونُ مِنهم مِنَ الجَهْلِ والعَداوَةِ فَلا تُجازُوهم "حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ" وهو الإذْنُ في قِتالِهِمْ وإجْلائِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَنْتَقِمُ مِنهم إذا آنَ أوانُهُ.

2:110Page 17

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٠

And establish prayer and give zakāh, and whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allāh. Indeed Allāh, of what you do, is Seeing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٠ ] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ﴾ أيْ ثَوابَهُ "عِنْدَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" فُلا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ عامِلٍ.

2:111Page 17

وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١١١

And they say, "None will enter Paradise except one who is a Jew or a Christian." That is [merely] their wishful thinking. Say, "Produce your proof, if you should be truthful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١١ ] ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

" وقالُوا" أيْ أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى "لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى" نَشْرٌ لِما لَفَّتْهُ الواوُ في "وقالُوا"، واليَهُودُ جَمْعُ هائِدٍ، كَعُوذٍ جَمْعِ عائِذٍ. وقُرِئَ "إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا" . "تِلْكَ أمانِيُّهُمْ" جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِبُطْلانِ ما قالُوا. والأمانِيُّ جَمْعُ أُمْنِيَةٍ وهي ما يَتَمَنّى. كالأُعْجُوبَةِ والأُضْحُوكَةِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهم "لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ" أُمْنِيَةٌ واحِدَةٌ، فَلِمَ قالَ: أمانِيُّهم ؟ أُجِيبَ: بِأنَّ الجَمْعَ بِاعْتِبارِ صُدُورِهِ عَنِ الجَمِيعِ. وأجابَ صاحِبُ الِانْتِصافِ بِأنَّهم لِشِدَّةِ تَمَنِّيهِمْ لِهَذِهِ الأُمْنِيَةِ ومُعاوَدَتِهِمْ لَها وتَأكُّدِها في نُفُوسِهِمْ، جُمِعَتْ. لِيَفِيدَ جَمْعُها أنَّها مُتَأكِّدَةٌ في قُلُوبِهِمْ، بالِغَةٌ مِنهم كُلَّ مَبْلَغٍ، والجَمْعُ يُفِيدُ ذَلِكَ، وإنْ كانَ مُؤَدّاهُ واحِدًا. ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: مِعًى جِياعٌ. فَجَمَعُوا الصِّفَةَ، ومُؤَدّاها (p-٢٢٤)واحِدٌ؛ لِأنَّ مَوْصُوفَها واحِدٌ، تَأْكِيدًا لِثُبُوتِها وتَمَكُّنِها.

وهَذا المَعْنى أحَدُ ما رُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] فَإنَّهُ جَمَعَ (قَلِيلًا)، وقَدْ كانَ الأصْلُ إفْرادَهُ فَيُقالُ (لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] لَوْلا ما قَصَدَ إلَيْهِ مِن تَأْكِيدِ مَعْنى القِلَّةِ بِجَمْعِها. ووَجْهُ إفادَةِ الجَمْعِ في مِثْلِ هَذا لِلتَّأْكِيدِ، أنَّ الجَمْعَ يُفِيدُ بِوَضْعِهِ الزِّيادَةَ في الآحادِ، فَنُقِلَ إلى تَأْكِيدِ الواحِدِ، وإبانَةِ زِيادَتِهِ عَلى نُظَرائِهِ، نَقْلًا مَجازِيًّا بَدِيعًا. فَتَدَبَّرْ هَذا الفَصْلَ فَإنَّهُ مِن نَفائِسِ صِناعَةِ البَيانِ. واللَّهُ المُوَفِّقُ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ حُجَّتَكم عَلى اخْتِصاصِكم بِدُخُولِ الجَنَّةِ "إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ" في دَعْواكم. قالَ الرّازِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُدَّعِيَ سَواءٌ ادَّعى نَفْيًا أوْ إثْباتًا، فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الدَّلِيلِ والبُرْهانِ، وذَلِكَ مِن أصْدَقِ الدَّلائِلِ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎مَنِ ادَّعى شَيْئًا بِلا شاهِدٍ لا بُدَّ أنْ تَبْطُلَ دَعْواهُ

انْتَهى كَلامُ الرّازِيِّ. وسَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ حَيْثُ قالَ: وهَذا أهْدَمُ شَيْءٍ لِمَذْهَبِ المُقَلِّدِينَ، وإنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَهو باطِلٌ غَيْرُ ثابِتٍ. انْتَهى.

2:112Page 17

بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١١٢

Yes, [on the contrary], whoever submits his face [i.e., self] in Islām to Allāh while being a doer of good will have his reward with his Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٢ ] ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

"بَلى" إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ "مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ" مَن أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ. وإنَّما عَبَّرَ عَنِ النَّفْسِ بِالوَجْهِ، لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ، ومَجْمَعُ المَشاعِرِ، ومَوْضِعُ السُّجُودِ، ومَظْهَرُ آثارِ الخُضُوعِ. أوِ المَعْنى: مَن أخْلَصَ تَوَجُّهَهُ وقَصْدَهُ، بِحَيْثُ لا يَلْوِي (p-٢٢٥)عَزِيمَتَهُ إلى شَيْءٍ غَيْرِهِ "وهُوَ مُحْسِنٌ" في عَمَلِهِ، مُوافِقٌ لِهَدْيِهِ ﷺ، وإلّا لَمْ يُقْبَلْ، ولِذا قالَ ﷺ: ««مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهو رَدٌّ»» رَواهُ مُسْلِمٌ ﴿فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ. وتَصْوِيرُهُ بِصُورَةِ الأجْرِ لِلْإيذانِ بِقُوَّةِ ارْتِباطِهِ بِالعَمَلِ. "ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ" مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ "ولا هم يَحْزَنُونَ" مِن فَواتِ مَطْلُوبٍ. والجَمْعُ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن" كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ.

2:113Page 18

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُمۡ يَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١١٣

The Jews say, "The Christians have nothing [true] to stand on," and the Christians say, "The Jews have nothing to stand on," although they [both] recite the Scripture. Thus do those who know not [i.e., the polytheists] speak the same as their words. But Allāh will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٣ ] ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾

﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ بَيانٌ لِتَضْلِيلِ كُلِّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ بِخُصُوصِهِ، إثْرَ بَيانِ تَضْلِيلِهِ كُلَّ مَن عَداهُ عَلى وجْهِ العُمُومِ. ومَعْنى "عَلى شَيْءٍ" أيَّ أمْرٍ يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الدِّينِ "وهم يَتْلُونَ الكِتابَ" الواوُ لِلْحالِ. والكِتابُ لِلْجِنْسِ. أيْ قالُوا ذَلِكَ وحالُهم أنَّهم مِن أهْلِ العِلْمِ والتِّلاوَةِ لِلْكُتُبِ. وحَقُّ مَن حَمَلَ التَّوْراةَ أوِ الإنْجِيلَ، أوْ غَيْرَهُما مِن كُتُبِ اللَّهِ، وآمَنَ بِهِ، أنْ لا يَكْفُرَ بِالباقِي. لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الكِتابَيْنِ مُصَدِّقٌ لِلثّانِي، شاهِدٌ بِصِحَّتِهِ. وكَذَلِكَ كُتُبُ اللَّهِ جَمِيعًا مُتَوارِدَةٌ عَلى تَصْدِيقِ بَعْضِها بَعْضًا "كَذَلِكَ" أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي سَمِعْتَ بِهِ عَلى ذَلِكَ المِنهاجِ "قالَ" الجَهَلَةُ "الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" لا عِلْمَ عِنْدَهم ولا كِتابَ. كَعَبَدَةِ الأصْنامِ. قالُوا لِأهْلِ كُلِّ دِينٍ "مِثْلَ قَوْلِهِمْ" لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ. وهَذا تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ، حَيْثُ نَظَّمُوا أنْفُسَهم، مَعَ عِلْمِهِمْ، (p-٢٢٦)فِي سِلْكِ مَن لا يَعْلَمُ.

﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ يَفْصِلُ بَيْنَهم بِقَضائِهِ العَدْلِ، فَيَحْكُمُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ. وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحَجِّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] وكَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ [سبإ: ٢٦]

قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ بِعَيْنِها قَدْ وقَعَتْ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تُكَفِّرُ الأُخْرى. مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى تِلاوَةِ القُرْآنِ. انْتَهى.

فَها هُنا تُسْكَبُ العَبَراتُ بِما جَناهُ التَّعَصُّبُ في الدِّينِ عَلى غالِبِ المُسْلِمِينَ مِنَ التَّرامِي بِالكُفْرِ، لا بِسُنَّةٍ ولا قُرْآنٍ، ولا لِبَيانٍ مِنَ اللَّهِ ولا لِبُرْهانٍ، بَلْ لَمّا غَلَتْ مَراجِلُ العَصَبِيَّةِ في الدِّينِ، تَمَكَّنَ الشَّيْطانُ مِن تَفْرِيقِ كَلِمَةِ المُسْلِمِينَ.

؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحٌ

مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالجَماعَةِ والِائْتِلافِ. ونَهى عَنِ الفُرْقَةِ والِاخْتِلافِ. فَقالَ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا (p-٢٢٧)واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] وقالَ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقَدِ امْتازَ أهْلُ الحَقِّ، مِن هَذِهِ الأُمَّةِ بِالسُّنَّةِ والجَماعَةِ، عَنْ أهْلِ الباطِلِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ الكِتابَ ويُعْرِضُونَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعَمّا مَضَتْ عَلَيْهِ جَماعَةُ المُسْلِمِينَ.

2:114Page 18

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١٤

And who are more unjust than those who prevent the name of Allāh from being mentioned [i.e., praised] in His mosques and strive toward their destruction. It is not for them to enter them except in fear. For them in this world is disgrace, and they will have in the Hereafter a great punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٤ ] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ، ولَمّا وجَّهَ تَعالى الذَّمَّ فِيما سَبَقَ في حَقِّ اليَهُودِ والنَّصارى، ذَيَّلَهُ بِذَمِّ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] ثُمَّ وجَّهَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أخْرَجُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ مِن مَكَّةَ، ومَنَعُوهم مِنَ الصَّلاةِ في المَسْجِدِ الحَرامِ، وصَدُّوهم أيْضًا عَنْهُ، حِينَ ذَهَبَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ (p-٢٢٨)وأصْحابُهُ مِنَ المَدِينَةِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وكُلُّ هَذا تَخْرِيبٌ لِلْمَسْجِدِ الحَرامِ، لِأنَّ مَنعَ النّاسِ مِن إقامَةِ شَعائِرِ العِبادَةِ فِيهِ، سَعْيٌ في تَخْرِيبِهِ. وأيُّ خَرابٍ أعْظَمُ مِمّا فَعَلُوا ؟ أخْرَجُوا عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ. واسْتَحْوَذُوا عَلَيْهِ بِأصْنامِهِمْ وأنْدادِهِمْ وشِرْكِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] وقالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧] ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨] وقالَ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] فَإذا كانَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ..إلَخْ مَصْدُودًا عَنْهُ، مَطْرُودًا مِنهُ، (p-٢٢٩)فَأيُّ خَرابٍ لَهُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. والعِمارَةُ إحْياءُ المَكانِ وشَغْلُهُ بِما وُضِعَ لَهُ. ولَيْسَ المُرادُ بِعِمارَتِهِ، زَخْرَفَتَهُ وإقامَةَ صُورَتِهِ فَقَطْ، إنَّما عِمارَتُهُ بِذِكْرِ اللَّهِ فِيهِ وإقامَةِ شَرْعِهِ فِيهِ ورَفْعِهِ عَنِ الدَّنَسِ والشِّرْكِ. وإنَّما أُوقِعَ المَنعُ عَلى المَساجِدِ، وإنْ كانَ المَمْنُوعُ هو النّاسُ لِما أنَّ المَآلَ عائِدٌ لَها. ولا يُقالُ: كَيْفَ قِيلَ مَساجِدُ والمُرادُ المَسْجِدُ الحَرامُ فَقَطْ ؟ لِأنَّهُ لا بَأْسَ أنْ يَجِيءَ الحُكْمُ عامًّا، وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا، كَما تَقُولُ، لِمَن آذى صالِحًا واحِدًا: ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ آذى الصّالِحِينَ ؟ وكَما قالَ تَعالى ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] والمَنزُولُ فِيهِ واحِدٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾ هَذا بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّهُ سَيُظْهِرُهم عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ، ويُذِلُّ لَهُمُ المُشْرِكِينَ، حَتّى لا يَدْخُلَ المَسْجِدُ الحَرامُ واحِدٌ مِنهم إلّا خائِفًا. يَخافُ أنْ يُؤْخَذَ فَيُعاقَبَ، أوْ يُقْتَلَ إنْ لَمْ يُسْلِمْ. وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ صِدْقَ هَذا الوَعْدِ فَمَنَعَهم مِن دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ. ونادى فِيهِمْ عامَ حَجَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ««ألا لا يَحُجَّنَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ»» . فَحَجَّ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ العامِ الثّانِي ظاهِرًا عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ، لا يَجْتَرِئُ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ يَحُجَّ ويَدْخُلَ المَسْجِدَ الحَرامَ. وهَذا هو الخِزْيُ لَهم في الدُّنْيا، المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ لِأنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ. فَكَما صَدُّوا المُؤْمِنِينَ صُدُّوا عَنْهُ ﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عَذابُ النّارِ لِما انْتَهَكُوا مِن حُرْمَةِ البَيْتِ وامْتَهَنُوهُ، مِن نَصْبِ الأصْنامِ حَوْلَهُ، ودُعاءِ غَيْرِ اللَّهِ، والطَّوافِ بِهِ عُرْيًا، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أفاعِيلِهِمُ الَّتِي يَكْرَهُها اللَّهُ ورَسُولُهُ.

وفِي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الآيَةَ في ذَمِّ اليَهُودِ، تَبَعًا لِلسّابِقِ واللّاحِقِ، وما جَنَوْهُ بِكُفْرِهِمْ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ مِن خَرابِهِ وتَسْلِيطِ عَدُوِّهِمْ عَلَيْهِمْ حَتّى خَرَّبَهُ ودَمَّرَ مَدِينَتَهم، وقَتَلَ وسَبى مِنهم، وأسَرَهم (p-٢٣٠)وبَقُوا في الأسْرِ البابِلِيِّ سَبْعِينَ سَنَةً؛ كُلُّ ذَلِكَ كانَ بِرَفْضِهِمْ كِتابَ اللَّهِ، والعَمَلَ بِشَرِيعَتِهِ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾ إشارَةٌ إلى رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ بَعْدَ الأسْرِ عَلى تَخَوُّفٍ مِنَ العَدُوِّ ومَذَلَّةٌ لَصِقَتْ بِهِمْ. وهو وجْهٌ وجِيهٌ. لِأنَّ لَفْظَ "سَعى"، يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ. كَما أنَّ مَفْهُومَها يُشْعِرُ بِذَمِّ القائِمِينَ عَلى الخَرابِ بِالأوْلى وهُمُ النَّصارى، حِينَما تَمَكَّنَتْ سُلْطَتُهُمُ انْتِقامًا مِن أعْدائِهِمُ اليَهُودِ.

رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ في الآيَةِ: هُمُ النَّصارى كانُوا يَطْرَحُونَ في بَيْتِ المَقْدِسِ الأذى. ويَمْنَعُونَ النّاسَ أنْ يُصَلُّوا فِيهِ. وقالَ قَتادَةُ: حَمَلَهم بُغْضُ اليَهُودِ عَلى أنْ أعانُوا بِخْتِنْصَرَ البابِلِيَّ المَجُوسِيَّ عَلى تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ أماكِنَ العِبادَةِ تُصانُ وتُحْتَرَمُ، لِأنَّها المَدْرَسَةُ العامَّةُ الَّتِي تُتْلى فِيها الحِكَمُ والأحْكامُ، والإرْشادُ إلى سُبُلِ السَّلامِ.

وقَدْ ورَدَ الحَدِيثُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِن خِزْيِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، فِيما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ بُسْرِ بْنِ أرْطاةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو: «اللَّهُمَّ أحْسِنْ عاقِبَتَنا في الأُمُورِ كُلِّها، وأجِرْنا مِن خِزْيِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ»» .

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ السِّتَّةِ، ولَيْسَ لِصَحابِيِّهِ، وهو بُسْرُ بْنُ أرْطاةَ، (ويُقالُ ابْنُ أبِي أرْطاةَ) حَدِيثٌ سِواهُ، وسِوى حَدِيثِ: ««لا تُقْطَعُ الأيْدِي في الغَزْوِ»» .

2:115Page 18

وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ١١٥

And to Allāh belongs the east and the west. So wherever you [might] turn, there is the Face1 of Allāh. Indeed, Allāh is all-Encompassing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٥ ] ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾

﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ بَيانٌ لِشُمُولِ مَلَكُوتِهِ لِجَمِيعِ الآفاقِ، المُتَسَبِّبِ عَنْهُ سِعَةُ عِلْمِهِ. وفي ذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِنَ المَعاصِي وزَجْرٌ (p-٢٣١)عَنِ ارْتِكابِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] أيْ: عَمَّ كُلَّ شَيْءٍ بِعِلْمِهِ وتَدْبِيرِهِ وإحاطَتِهِ بِهِ وعُلُوِّهِ عَلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском